منى عباس فضل
ينشر بالتزامن مع مجلة الهدف على موقعها الإلكتروني *
https://hadfnews.ps/post/130875/
في مشهديّة المجتمع الخليجي اليوم تبرز ثقافة
الاستهلاك والتبذير في ظاهرة مجتمعيّة لا يمكن التغاضي عنها، وفي السياق تفعل العولمة
فعلها بقوة في صياغة تجلياتها المتمثلة في الابتذال والبهرجة التي تنعكس على سلوكيّات
الأفراد واتجاهاتهم، لتشكل بحق نموذجًا من "ثقافة التفاهة"؛ تمامًا كما
حللها "آلان دونو" في كتابه "نظام التفاهة".
فالمجتمع يكشف عن مظاهر جوفاء محملة بحقائق ذات
أبعادً خطيرة على مستقبل بلداننا واقتصاداتها، وتبعًا لمنصة "إيكومينا"
المختصة بالبيئة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط؛ لم يعد أمر "الهدر الغذائي"
مجرد عادات مجتمعيّة وثقافيّة بل صار مشكلة بنيويّة ذات تأثير عميق في ميزانيات هذه
الدول الغنية. وماذا أيضًا؟
تفاقم الوعي الاستهلاكي
بلدان الخليج لا تزال تعيش بحبوحة "دولة
الرعايّة" وسكرة الترف وتفاقم الوعي الاستهلاكي في إطار "الهدر الغذائي"
الذي يستنزف اقتصاداتها المحليّة، لم لا والإنفاق على الطعام والشراب في شهر رمضان
الكريم، يرتفع باطراد وبنسب دراماتيكية ما بين "50%-200%"، لاسيما مع مد
موائد الإفطار العامة والخاصة، وعلى الرغم مما تعكسه هذه الموائد من روح التعاضد والتواصل
الاجتماعي في مجتمعاتنا المحليّة؛ إلا إنها من أسف مقترنة بهدر كبير للطعام
والشراب. في هذا الصدد؛ يشير خبير اقتصادي "بأن متوسط إهدار الفرد في هذه البلدان
يزيد عن المتوسط العالمي البالغ "90 كيلوغرامًا" للفرد، ليصل إلى
"184 كيلوغرامًا" حيث تقدر قيمة الهدر بدول الخليج مجتمعة قرابة
"20 مليار دولار" سنويًا، وفي تقارير حديثة أخرى تصل إلى النسبة "30%"
والرقم بالطبع يتضاعف في الشهر الفضيل كما تؤكده الشواهد؟
لدى مراجعة التقارير والتحقيقات؛ تبين أن ظاهرة
"الهدر الغذائي" بأرقامها ومؤشراتها فاقعة وصادمة؛ وتمثل معضلة اقتصاديّة
وبيئية خطيرة في بلدان التعاون؛ فالخسائر لا تقتصر على الموارد الفرديّة، وإنما تمثل
إهدارًا لموارد الدول وتؤدي إلى خسائر تقدر بمليارات الدولارات، لكن المفارقة هنا
تكمن من كون هذه البلدان تستورد أكثر من "98%" من احتياجاتها الغذائية؛
ما يعني تحمل تكاليف باهظة وخسائر ماليّة واستنزافًا وهدرًا مناخيًا أيضًا؛ لماذا؟
لأن نفايات الطعام المهدور المعد للاستهلاك في المنازل والمتاجر والمطاعم مآلها
إلى صناديق النفايات، والمثير للأمر أن نسبة "60%" منها مصدرها البيوت؛ وحسب
خبراء البيئة فهي تمثل أحد مصادر انبعاث الغازات الدفينة التي تلوث المناخ وترفع
من نسب الاحتباس الحراري. وتبعًا للأبحاث؛ بلدان الخليج تتحمل مسؤوليّة "8%-10%"
من غازات الاحتباس الحراري العالمي، وهي تُصنف من أعلى معدلات الهدر عالميًا من حيث
نصيب الفرد. من كل هذا وذاك؛ تقف وراء هذه "الظاهرة الاجتماعيّة"
الخطيرة دوافع وأسباب تناولتها مراكز الدراسات والأبحاث بالتفصيل؛ وقبل الخوض فيها؛
لندقق النظر فى بيانات "الهدر الغذائي" المرعبة.
بيانات مرعبة
في دراسة حديثة لمعهد "الموارد العالمية
الأمريكي"؛ قدرت تكلفة "الهدر الغذائي" في السعودية وحدها بحوالي
"10.7 مليار دولار" سنويًا، وذكرت بأن هذا الرقم يتفاقم في شهر رمضان بنسب
تتراوح ما بين "50%-100%"، وإن السعودية تأتي في المرتبة الأولى من حيث
الهدر الذي وصل معدله عام 2021 إلى "184 كيلو غرامًا" من الطعام للفرد
سنويًا وبتكلفة "40 مليار ريال سعودي"، وبالتالي فهي تفوق ضعف المعدل
العالمي حسب دراسة رسميّة "للمؤسسة العامة للحبوب"، أما بحث مشابه أعدته
مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية فيشير، إلى إن نسبة الهدر فيها تبلغ
"33%" أي نحو "8 ملايين طن سنويًا"؛ فيما قدرت "الهيئة
العامة للإحصاء السعودية" بأن ما يهدره المواطن السعودي سنويًا يصل إلى
"427 كيلوغرامًا من الطعام، وتكلف فاتورة "الهدر الغذائي" نحو
"13 مليار دولار سنويًا!"، ووفق تقديرات "وزارة البيئة والمياه
والزراعة السعودية"، فإن هدر المملكة من الدقيق بلغ "917 ألف طن"،
و"557 ألف طن" من الأرز، و"22 ألف طن" من اللحوم، و"13
ألف طن" من لحوم الإبل، و"41 ألف طن" من لحوم الأبقار، و"444
ألف طن" من لحوم الدواجن، و"69 ألف طن" سنويًا من الأسماك، ونحو
"600 ألف طن" من الخضروات.
أما البحرين فقد صنفت بالثانية عام 2020 وبمعدل
هدر للطعام وصل إلى "132 كجم" للفرد سنويًا تبعًا لتقرير "مؤشرات
هدر الغذاء" في برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) وبمجموع "230 ألف طن سنويًا" بتكلفة تفوق "100
مليون دينار سنويًا"، وفي تقارير حديثة مماثلة، بلغ حجم الهدر اليومي للطعام
"400 طن، بما يعادل "146 ألف طن" سنويًا، بقيمة "251 مليون
دولار"، وفي شهر رمضان وصل إلى "600 طن" يوميًا، حسب جمعية
"حفظ النعمة". وفي الإمارات التي تعد الرابعة عالميًا فأن نسبة
"38%" من الطعام المعد فيها مصيره النفايات التي تقدر بحوالي "3.27
ملايين طن" سنويًا، وترتفع النسبة ما بين "40%-60%" في شهر رمضان؛
وحسب تقارير أخرى؛ فهي تهدر ما يتجاوز قيمته الـ"2.7 مليار دولار"، وإن
الفرد الواحد بالدولة يهدر "179 كيلو غرامًا من الطعام سنويًا".
كذلك سجلت الكويت وفق تقرير لقناة (CNBC) يستند إلى بيانات من إدارة شؤون البيئة؛ بأن
"الهدر الغذائي" يقدر بنحو "مليون و528 طنًا سنويًا" ويبلغ
نصيب الفرد منه حوالي "95 كيلو غرامًا"، وبحسب رصد لـ"الخليج
أونلاين" يستند فيه إلى بيانات رسمية أيضًا فأن معدلات الاستهلاك للمواد
الغذائية ترتفع بنسبة "40%" خلال شهر رمضان، فيما تبلغ كمية الطعام المهدور سنويًا في قطر
"1.4 مليون طن" حسب برنامج "أصدقاء الطبيعة القطري" وبشكل عام
ترتفع نسبة الاستهلاك في رمضان للسلع إلى "20%"؛ فيما أفادت بيانات سلطنة
عُمان بأن قيمة الغذاء المهدور وصلت إلى "300 مليون دولار سنويًا.
تأثيرات وأبعاد متناقضة
وعلى النقيض مما يجده بعض المحللين الاقتصاديين
من إن الاستهلاك المرتفع للطعام يحقق على المدى القصير معدلات إيجابية على الحركة
التجاريّة في بلدان الخليج وعلى ارتفاع مداخيل تجارها، إلا إن تأثيراته البعيدة برأي
أغلبهم يستنزف سيولة اقتصادات بلدان الخليج لمصلحة البلدان المنتجة للمواد
الاستهلاكيّة، خصوصًا وقد سبق الإشارة إلى إن هذه البلدان تستورد أكثر من "98%"
من احتياجاتها من الخارج، حيث وصلت قيمة الواردات الغذائية لها في عام 2023 إلى
"61 مليار دولار" مقارنة بـ"30 مليار دولار" في عام 2016، كما
يتوقع تقرير لشركة "آلبن كابيتال" في 2023 أن ينمو استهلاك الغذاء في
دول التعاون بمعدل نمو مركب نسبته "2.8%" ليصل إلى "56.2 مليون طن
بحلول 2027.
عند إمعان النظر في ظاهرة "الهدر
الغذائي" وتأثيراتها على اقتصاديات بلدان مجلس التعاون الخليجي؛ ثمة أسباب يستوجب
التركيز عليها من منظور تحليلي؛ لاشك أن الأسباب تتعدد وتتنوع، من جهتها تشير "مؤسسة
المهندسين الميكانيكيين" البريطانية في تقرير لها إلى إن المواد الغذائية
أصلاً معرضة للتلف بسبب سوء التخزين، وصرامة الإلتزام بموعد الصلاحية، وعروض البيع
بالجملة، وعادات الاستهلاك السيئة، وترفع بعض المستهلكين عن الشراء بسبب شكل
المنتج... إلخ، بيد إنه وفي بلدان الخليج يبقى السبب الأبرز يتمثل في هشاشة السلوك
الاجتماعي الاستهلاكي وإلى ارتفاع المداخيل والقدرة الشرائية نسبيًا عند شعوب
المنطقة التي تنفق أمولاً طائلة على شراء المواد الغذائية، بأكثر من حاجتها،
وطبيعة تناول وإعداد الأطعمة بكميات كبيرة مبالغ فيها بالولائم وحتى في الوجبات
الاعتياديّة، إضافة إلى النمو السكاني الذي بلغ "0.8%" عام 2021 حسب
المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون.
وثمة من يعزو "ظاهرة الهدر"
والإفراط في النزعة الاستهلاكيّة في رمضان إلى العادات والتقاليد المتوارثة؛ لكن
الأمر أبعد من ذلك بكثير؛ إذ تفاقمت النزعة مع متطلبات العولمة وأسواقها وانعكاساتها
التي أنتجت انفتاحًا لا حدود له وتزييفًا للقيم وأنماطًا للسلوك وتنافسًا مُفرطًا خاضعًا
لرأس المال وفلسفة الاستهلاك التي تمظهرت بين الفنادق وفي الأسواق والإعلانات
والدعايات للمطاعم وأسواق "الهايبر ماركت" حيث تتزاحم الأسر الخليجيّة على
الشراء بكميات مُفرطة من الأغذية واحتياجات السفرة الرمضانيّة من الضروريات
والكماليّات التي قد لا يستخدمون أغلبها وليسوا بحاجة إليها، في اتجاه يعبر عن ضعفًا
في أنماط سلوك التسوق العشوائي عند الأفراد وعدم قدرتهم على التحكم في الشراء، إلى
جانب مظاهر البذخ والإسراف على الموائد والتباهي بتقديم ما لذ وطاب في الوجبات
الرمضانية حيث أصبح ذلك معيارًا للقيمة والوجاهة الاجتماعيّة في التباري والتباهي
الاستهلاكي سواء أكانوا في وضع مادي مترع أم في وضع معيشي متوسط مما يضعهم كأفراد
في مأزق مادي لتلك المظاهر والسلوكيّات، ومما فاقم من هذه الحالة دخول
"السوشيال ميديا" على الخط، حيث التصوير والعروض الترويجية التي لا تتوقف
لتحضير الوجبات والموائد ونشرها في حسابات التواصل الاجتماعي.
خلاصة الأمر؛ تقف بلدان الخليج اليوم أمام
تحديات كبيرة ومنظورة؛ تتطلب أخذ مبادرات جادة تعمل على تحقيق "الأمن
الغذائي" والحد من ظاهرة "الهدر" وهذا يتطلب العمل على تغير
الثقافة الاستهلاكيّة المجتمعية الباذخة حيث الكماليّات تتحول إلى ضروريات، وإلى اعتماد
سياسات عامة وتشريعات تكثف الوعي على ضرورة ترشيد الإنفاق الاستهلاكي.