الأحد، 17 ديسمبر 2023

تجريد المدنيين من ملابسهم.. همجية إسرائيلية


منى عباس فضل

نشر في الشروق: السبت 16 ديسمبر 2023 - 7:50 م | آخر تحديث: السبت 16 ديسمبر 2023 - 7:50 م

 

إنها الجريمة الأكثر وقعا وبربرية، الأشد عنفا وحساسية وخطورة من الوجهة الأخلاقية والقانونية في تأثيراتها وتداعياتها وبما تلحقه من أضرار مفرطة وجسيمة بضحايا الاحتلال الصهيوني بدنيا ونفسيا وللمحيط الذي ينتمون إليه.

في السياق نتحدث عن لقطات وصور مشينة نشرها الاحتلال في غزة، يظهر فيها عدد كبير من الفلسطينيين الذين اعتقلهم جيش العدو في مناطق متفرقة تحت تهديد السلاح، واقتادهم إلى مراكز اعتقال في ظروف غامضة مخالفة للقانون الدولي وهم عراة في طقس بارد بعد تفتيشهم وإذلالهم بحجة التحقق من نشاطهم وانتمائهم إلى «المقاومة حماس».

ثمة صور ومقاطع مصورة أخرى يظهر فيها المحتجزون مجردين من أغلب ملابسهم جالسين في الشارع بملابسهم الداخلية ويحاولون تغطية صدورهم بأيديهم من البرد وحولهم جنود إسرائيليون، بينما تكدس آخرون في الشاحنات مكبلين ومعصوبي الأعين قبل اقتيادهم إلى جهة مجهولة ومن بينهم سيدة جردت من حجابها، وصور أخرى لأسرى عراة على الأرض مكبلة أياديهم ومحاصرين من الجنود أمام حفرة كبيرة في أحد المقالع. ترى ما الرسائل التي استدعت إسرائيل إلى توظيف تعبيرات هذه المشاهد وبهذا الأسلوب؟

• • •

في هذا الصدد، كتب نائب رئيس البلدية الإسرائيلية في القدس «أرييه كينغ» تغريدة على منصة إكس «يجب على إسرائيل أن تغطى هؤلاء النازيين بالأرض التي تحيط بهم، الآن يجب تغطيتهم (دفنهم أحياء) حتى لا يواجههم أي إنسان إلى الأبد» مضيفا «لو أتيح لي اتخاذ القرار، لجلبت أربع جرافات ضخمة (D9)، وأمرت بتغطية كل هذه المئات من النمل، وهم لا يزالون على قيد الحياة، إنهم ليسوا بشرا وليسوا حيوانات بشرية، إنهم دون البشر، وهذه هي الطريقة التي يجب معاملتهم بها»؛ أما «دانيال هارغاري» المتحدث باسم جيش العدو علق «بأن العديد من مسلحي حماس استسلموا للجنود الإسرائيليين في غزة، وأن جيشهم استجوب مئات المشتبه بهم فى أنشطة إرهابية، واستسلم الكثير منهم في اليوم الأخير».

على النقيض ذكر موقع «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان» بأنه تلقى إفادات «بأن إسرائيل اعتقلت عشرات المدنيين الفلسطينيين بعد التنكيل الشديد بهم وتعريتهم كليا من ملابسهم على إثر حصارهم منذ أيام في مركزين للإيواء تابعين لوكالة الغوث (أونروا) من بينهم أطباء وأكاديميون وصحفيون ومسنون».

إن ارتكاب فعل تعرية المعتقلين الفلسطينيين ليس صدفة ولا وليد لحظة الثأر والانتقام؛ هو جزء من حرب وجودية واستعراضية معززة باستخدام تقنية الصور وحبك مؤامرات الحرب الإجرامية وتنفيذها والتي بالمناسبة يتعرف العالم من خلالها على واقع الكيان المحتل المفرط في انتهاكه للأخلاق وللقانون الدولي والإنساني. هي مشاهد خليط ومتداخلة تكتسب معانيها ودلالتها عبر ارتكازها على مرجعية سلوك منحرف لهذا الكيان، إذ ليس بوسعه كسب نتائج معركة لم يحقق فيها حتى الآن إلا فشل الوصول إلى المقاومة الفلسطينية والإجهاز عليها، والمزيد من التدمير وارتكاب المجازر بقتل المدنيات والمدنيين الأبرياء وإذلالهم بهذه الصور التي في حقيقتها مضللة ومخادعة متسقة مع خطط العدو وعقيدته العنصرية التي نمت عليها دولة الاحتلال بشكل منظم وممنهج؛ فما قام به جيشهم جريمة أخلاقية وامتهان صارخ لكرامة الإنسانية ومخالفة صريحة لاتفاقية جنيف لعام 1949 والقانون الدولي ولمنظومة حقوق الإنسان.

صناعة الجريمة المنظمة التي ينفذها الاحتلال، لا تزال تواصل اتساعها وانتشارها حيث يمارس فيها إعلام العدو سلوكا منحرفا مخالفا للمعايير الإنسانية والأعراف الدولية؛ ومفهوم الانحراف في حقيقة ممارسات الاحتلال أوسع وأكثر شمولا من مفهوم الجريمة ذاتها التي وصل أقصى مداها في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بقتل الأطفال والنساء، وما نشاهده من إذلال وتحقير للمدنيين ما هو إلا محصلة لغياب النظام القيمي والقانوني في مجتمع الكيان الصهيوني العنصري، يضاف إليه «الفشل الأخلاقي» لمجلس الأمن في استخدام «الفيتو» ضد وقف إطلاق النار في غزة.

• • •

تسعى إسرائيل في استمرار بث مشاهد وصور إذلال المعتقلين؛ إلى تضليل الوعى وتزييفه وهى تعمل ببعدين؛ أولهما؛ بث رسائل تدعى فيها انتصارا وبأن هناك حالة «استسلام للمقاومة» تهدف من ورائها إلى كسر معنويات الإنسان الفلسطيني في مقابل رفع معنويات المجتمع الإسرائيلي الذى اهتزت نظرته وتخلخلت تجاه قيادته السياسية وقواته العسكرية بعد «طوفان الأقصى»، فضلا عن التغلب على الشعور بالفشل خصوصا مع استمرار وجود الأسرى بقبضة «المقاومة»، وعليه فالهدف الأساسي من هذا الاستعراض هو ترميم الحالة المضطربة لجيش العدو وهو ينفذ هجومه البرى والجوي على غزة وأهلها.

أما البعد الثاني فيكمن في تعزيز الآثار النفسية التي لا تقتصر على تأثير عنف الصور التي نشاهدها ويعاد بثها وتكرارها عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي فقط، بل إلى إطار الشعور الجمعي الذى نتلقاه كعرب ومسلمين عبر المشاهد المؤلمة بما يشوبها من شعور بالمهانة والغضب، فهي بحد ذاتها ــ أي صور المحتجزين الفلسطينيين ــ لا تفصح في حقيقتها عن خبر فقط ولا تصف الحدث بموضوعية خصوصا «وأن إسرائيل تمارس التعتيم على أي معلومات بشأن عدد المعتقلين الفلسطينيين وأسمائهم وأماكن اعتقالهم»؛ بقدر ما تحتويه من مضامين ودلالات في نقل موقف عنصري متطرف يتجلى في تصريحات المسئولين الإسرائيليين التي دافع فيها «مارك ريجيف»، مستشار بنيامين نتنياهو، عن تجريد الجيش الإسرائيلي ملابس نازحين في غزة وتصويرهم قائلا: «هنا الشرق الأوسط، والجو حار للغاية»، ورد باستخفاف على مراسل «سكاي نيوز» البريطانية «أولا وقبل كل شيء، تذكر أننا هنا في الشرق الأوسط، والطقس حار جدا، قد لا يكون من الجيد أن يطلب منك خلع قميصك، خاصة في الأيام المشمسة، ولكنها ليست نهاية العالم»، وحين سأله عما إذا كانوا انتهكوا اتفاقية جنيف، رد: «إن الصور ليست مادة رسمية، ومن الضروري النظر في طريقة انتشار الفيديو، ما يعنى أنه لا يمكن تحميل إسرائيل المسئولية في هذا الصدد» وذكر بأنه غير مطلع على القانون الدولي بهذا المستوى.

إلى هنا وبرغم فداحة الاستباحة التي ينشرها الإعلام الإسرائيلي تقصدا ولأسباب معروفة، والإنكار والتشكيك بعدم قانونيتها، فهي ــ أي إسرائيل ــ لا تجرؤ على الدفاع عن جريمتها وتسويغها وتحاول التعبير عنها بأسلوب استخفافي والتفافي تحاشيا للمساءلة القانونية، إذ ليس لديها أي مسوغات أخلاقية سياسية وعسكرية لهذا الفعل المشين، حتى والاحتلال يختصر الإجابة عن أسئلة الصحفيين التي تواجههم بخصوص الأسرى المدنيين، فقط بمسألة الانتماء إلى «حماس» التي ألصقوا بها تهمة «الإرهاب» وابتكروا فكرة تحميلها مسئولية الدمار والمجازر التي ترتكب باستخدام المدنيين كدروع بشرية.

• • •

ختاما، يبقى إن للصور دلالات تعبيرية عميقة، ليس أقلها حالة الفشل العسكري في تحقيق أهداف العملية البرية، خصوصا والعالم يضغط باتجاه إيقاف الحرب والمساءلة القانونية بتهمة ارتكاب جرائم الحرب والإبادة الجماعية، فضلا عن محاولة التنصل من المسئولية القانونية والأخلاقية من الحرب ومن مشاهد تجريد المعتقلين من ملابسهم، وهم الذين طالما كرروا بأن جيشهم من أكثر جيوش العالم احترافية والتزاما بالقانون الدولي فيما لايزال يرتكب المجازر التي راح ضحيتها منذ 7 أكتوبر أكثر من «18 ألفا و700 شهيد» و«48 ألفا و780 جريحا» ناهينا عن الدمار الهائل للقطاع. يحاولون إقناع العالم بأنها صور عادية وتقنية لا علاقة لها «بجريمة الحرب»، القصد منها «التفتيش عن الإرهاب» وإن القانون الدولي يسمح بتنفيذها كأهداف عسكرية، والتخفيف من وقع آثارها وتداعياتها النفسية. إنها رسالة مضللة لواقع إبادة جماعية وحرب تشن من دولة كيان عنصري على الشعب الفلسطيني بحجة القضاء على «حماس» وبالتتالي كل شيء فيها مستباح!

 منى عباس فضل كاتبة وباحثة من البحرين

https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=16122023&id=ca6e7932-028d-43a5-ab80-d10c8855e859 

من قلب المحرقة خطايا لا تنسى


منى عباس فضل

نشر في الشروق: الثلاثاء 28 نوفمبر 2023 - 6:35 م | آخر تحديث: الثلاثاء 28 نوفمبر 2023 - 6:35 م

من قلب المحرقة التي تطل من منحدر عميق تنبض حكايات الفلسطينيات وأطفالهن التي خلفتها مجازر الذبح وشلالات الدم على الجدران، في المخيمات وعند المعابر والحدود وفى الشوارع العارية، كلها مساحات مفتوحة تحتضن السردية الفلسطينية مع المعاناة والصبر والثبات.

من تحت الحصار وكوابيس الاحتلال الممتد على شريط ثمانية وسبعين عاما تتجلى صور التضحيات وذكريات العذابات، تدور القصص في طبقات متشابكة، هناك الأموات والجرحى والمعاقون والأسيرات؛ هناك الفقد المفتوح أبوابه بلا انقطاع، هناك المخيمات والمنافي والجوع والبرد؛ كلها حاضرة في الأنين والجراحات المؤلمة التي صنعت وعيا مقاوما أشد تأثيرا وأقوى حضورا، إنه الوجه الآخر للمأساة التي تكابدها المرأة الفلسطينية مع الاحتلال وفى حرب لا تستثنيها من القتل بالقنابل والتفجير والتهجير والاضطهاد، في واقع تغيب فيه صور القبيلة والطبقة الاجتماعية وأنماط العيش وأشياء كثيرة، حيث يبقى الانحياز قائما على المعادلة الوجودية وما يحدث في الأرض المحتلة والإصرار على تحريرها.

• • •

تقول هيام التي تعرض منزلها لغارة جوية على حي تل الهوى، «نشكر الله على كل يوم نستيقظ فيه أحياء. نحن أكفان مؤجلة، نرتدي ملابسنا ونحن مستعدون للقاء الموت في كل لحظة ننتظر دورنا، نحن نعيش في اللا وجود، في الملجأ المؤقت، وعلينا مساعدة بعضنا البعض، بناتي الثلاث يقدمن المساعدة لثلاث مسنات في المنزل، إحداهن مصابة بمرض السكرى، والأخرى بارتفاع ضغط الدم، والأخيرة تعاني من مرض السرطان، ومع ذلك فنحن نحمل العبء النفسي لمواصلة العيش وسط هذه الأزمة والوضع غير المحتمل الذي يزداد فيه الألم بعد فقدان الأقارب والأصدقاء».

وتزفر إحدى الأمهات بعيون دامعة «كنت أتمنى من كل قلبي أن أشوف ابني دكتور، الآن تسأليني شوو بتتمني؟ أتمنى من كل قلبي إن متنا واستشهدنا أن لا أشوف ابني مقطعا أشلاء»، أما عم «روان» ذات العشر سنوات فيحملها على كتفيه وهي تودع أمها وأباها وأخاها حمزة الذين استشهدوا بعد قصف الاحتلال لمنزلهم شمال غزة.. تذرف دمعا حارقا أعظم من طفولتها البريئة: الله يرحمك يا يمه، الله يرحمك أخي حمزة». هذا حال الصغيرات والأمهات الفلسطينيات اللواتي وقبل النوم يكتبن أسماء أولادهن وأرقام هوياتهن على أياديهن وأرجلهن، حتى وإن تمزقوا وتناثرت أشلاء أجسادهن تعرفوا عليهم». أي جنون يسكن عالمنا؟ أي خطايا لا تنسى ولا تغتفر؟

لقد فرض الحصار الإسرائيلي الأمريكي الغربي على الحياة الفلسطينية عامة وعلى النساء خاصة وضعا لا إنسانيا ولا أخلاقيا مفزعا، والفلسطينيات يتحملن عبئا ثقيلا منه لحماية أسرهن، وبما يحيط بهن من كوابيس وشعور بالخوف والألم وعذابات مستمرة من حالات الفقد الذى يهمين على حياتهن حيث تحاصرهن فكرة البقاء على قيد الحياة مع الخسائر الموجعة، فإما أن تغادر أو يتعرض منزلك إلى الغارات الجوية الإسرائيلية وقذائفها فتدفن تحت أنقاض منزلك وتغادر الحياة ويتحول كل شيء إلى ركام، لا يمكنك التنقل، ولا الجلوس وكل الاحتياجات الأساسية لا يمكن الحصول عليها وإن وجدت فهي بتقتير شديد، لا حياة خاصة مترفة لهن في ملاجئ غزة التي تعانى من الاكتظاظ والنقص الشديد للغذاء والكهرباء والماء، والغارات الجوية الإسرائيلية مستمرة تدمر الإحياء والمخيمات بأكملها وعلى رؤوس أهلها.

الحديث عن واقع المرأة الفلسطينية ومعاناتها مع العنف وجرائم الاحتلال وما يمارسه من قتل وتهجير ليس ترفا فكريا، ليس حملة سنوية حقوقية عمرها ستة عشر يوما والسلام، وليس شعارات تقودها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، التي تقر «بأن الوضع الإنساني في غزة التي تخضع للحصار؛ مأسويا قبل مجازر غزة وإنه تفاقم الآن بشدة، وفرض ضغوطا على النساء والفتيات خصوصا مع المطالبات الإسرائيلية بترحيل (تهجير) نحو 1.1 مليون فلسطيني، وهى التي تشدد على ضرورة احترام القانون الدولي والإنساني، وقانون حقوق الإنسان والالتزام بهما»، هل يؤثر فيكم اليوم خطاب هذه الهيئة وغيرها؟

• • •

فى حقيقة الأمر نستقبل احتفالات العالم بحملة مناهضة العنف ضد المرأة هذا العام في وضع إشكالي واستفزازي بما يحمله هذا الشعار من ثقل تراكم في وعينا الجمعي عبر أعوام؛ ثمة معضلة تواجهها النخب المدافعة عن حقوق الطفولة والنساء، لاسيما بعد سقوط الأقنعة وانكشاف البشاعة والخزي في ازدواجية المعايير بالانحياز إلى إسرائيل وهي تقصف المستشفيات وتقتل الفلسطينيين المدنيين والأطفال الرضع في حاضناتهم من منظور عرقي وديني.

نعم لقد حان وقت المراجعة للقانون الدولي للمنظومة الفكرية والأممية التي تتصدر أجندات الهيئات الأممية وبما تحمله مضامينها من مفاهيم الحق والعدالة، مراجعة تضع المسافة بيننا وبينها وهى التي انزلقت مع الهراء والكذب الإسرائيلي الفاشي، لنتأمل؛ فهي ــ أي الهيئات ــ تقف مع الاعتداءات الهمجية الصهيونية على الفلسطينيين وضد «وقف الحرب والقصف» من منطلق «الدفاع عن النفس» كما تعتبر دعوات إيقاف الفصل العنصري ومقاومة الاحتلال معاداة لليهودية، لنتذكر أن أغلبية شهداء مجازر الإبادة الجماعية في غزة هم من النساء والأطفال؛ وهناك مئات الأسيرات من النساء والأسرى من الأطفال منذ ما قبل 7 أكتوبر؛ فعن أي عنف وانتهاك حقوق وعدالة يتحدثون؟

بعد غزة لا حاجة لنا لنردد لغو شعارات تم هندستها في المنظومة الفكرية والقانونية الإنسانية لعقود وهى التي طالما دافعنا عنها باستماتة؛ وفى حقيقتها لم تكن إنسانية ولا قانونية في تعاطيها مع المدنيين الأبرياء والنساء والأطفال الفلسطينيين، حين أبيدت أرواحهم على مقصلة قصف الطائرات الإسرائيلية وقنابلها، لم يكن للمرأة الفلسطينية وأطفالها وقضيتها من موقع عند مقاربة جريمة الإبادة الجماعية وما أنجز واقعا والتزاما بمفاهيم هذه المنظومة ورعاياها.

بعد غزة نحن لا نملك ترف ملامسة شعارات «مناهضة العنف» التي تطلق في الحملات الترويجية على منصات التواصل الاجتماعي وتتصدرها أنشطة هيئات الأمم المتحدة ومؤسسات المجتمع المدني وهناك وتبعا للمديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة أكثر من «14 ألف مدنى شهيد 67% منهم كانوا نساء وأطفال، وأن امرأتين تستشهدان كل ساعة و7 نساء كل ساعتين في قطاع غزة»، لا خيار لنا؛ لا نملك هذا الترف، غزة وضعتنا على محك الاختبار والاختيار، والمسألة كما يراها المفكر المغربي محمد المعزوز «ليست مسألة احتلال أرض فقط ولا مسألة سياسية، وإنما هي سردية الإنسان الفلسطيني المضطهد منذ 48؛ لقد اهتزت الثوابت الأخلاقية للوجود الإنساني فلم يعد مسعى إبادة الأطفال والنساء إبادة للهوية أو الجنسية فقط، وإنما هو إبادة لماهية موصولة بالجنس البشرى، رتبتها «موقعها» أكثر من العنف باعتبار إن العنف ينتهى دائما إلى لحظة خمود بأثر كابح من كوابح ثابت أخلاقي ملزم».

الخلاصة إن هذه الإشكالية الفكرية لم تناقش بعد وبجدية في أوساط المثقفين والمفكرين والناشطين والناشطات العرب في شتى المجالات الحقوقية، ربما لصدمة مما يحدث أو قصور وعى أو انتهازية أو يقين، بيد إن سردية حقوق الإنسان والقوانين الدولية والمواثيق الإنسانية وباعتراف الأغلبية قد انزلقت وسقطت وفقدت وجاهتها بما شكلته من استفزاز فكرى وثقافي وأخلاقي في تجاوزها لمعاناة الإنسان الفلسطيني مع الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذى يمارسه الاحتلال الإسرائيلي؛ وما تعيشه النساء والأطفال مع فصول هذه الإبادة الذى ينفذ بمراحل منذ الاحتلال الإسرائيلي وحتى اللحظة.

 منى عباس فضل كاتبة وباحثة من البحرين

https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=28112023&id=b734e161-d52c-4e84-90c5-a3d1a2ae790c

  

إبادة وتواطؤ.. فلسطين تقاوم


منى عباس فضل 

نشر في الشروق: السبت 18 نوفمبر 2023 - 6:40 م | آخر تحديث: السبت 18 نوفمبر 2023 - 6:40م

 

جريمة العصر في زمن الاحتلال الإسرائيلي انحلت وتفككت تعبيراتها، شهداؤها مازالوا أحياء صامدين يبعثون من وسط الركام، أسطورة تتوالد على الجدران تتدفق بين الساحات، في زنازين العدو وفى الشتات، في أحلام العائدين إلى الأرض، في زيتونها في قببها وكنائسها، طرقاتها وأحيائها، حيث تتجاور الحياة مع الموت.

مشهد كارثي تكتنفه عبثية تهيمن على اللحظة الإنسانية، حيث يذوب الحدث في شاشات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي؛ ترسانة السلاح الإسرائيلية والأمريكية أخرجت ما في جعبتها من قنابل وصواريخ بمتفجرات وفسفور أبيض لتخترق الأنفاق وتنزل على المستشفيات والملاجئ والمخابز والمدارس في استهداف غير مسبوق ومتعمد للأحياء، أي جحيم هذا؟! عائلات بأكملها تقتل ومجتمع برمته يخضع للتهجير وللإبادة البربرية، أطفال لم يتسنَ لهم حلم طفولة أو فسحة لعب ودراسة يلقون حتفهم في أتون محرقة إسرائيلية أمريكية غربية.

تتراص الجثث، يحتضن الموتى بعضهم بعضا يرقدون في أحضان الأرض المعمدة بالدم رافضين قرار التهجير الصهيوني والشوارع العربية تصرخ فيهم لإنقاذ شعب صابر، ولتوقف المجازر، ولتصرخ الضمائر ضد العدو الغاشم..»، فهنا الأرض، هنا فلسطين التي تعيش الرعب في مدنها وبلداتها وفى كل مرفأ ومعبر وعمارة وخيمة وملجأ، شوارع وطرقات تجرف وأبنية تنهار على رءوس قاطنيها، عدوانا على المدنيات والمدنيين الأبرياء، أشلاء تتناثر فوق الركام وتحته، لا صور في التجليات تختلف في تاريخ الوجع الفلسطيني، فالمشهد يتساوق وخططهم وسياساتهم واستراتيجياتهم.

بشاعة الموت، رائحة البارود، بقايا الفسفور الأبيض على أجساد الصغار، أشلاء تتناثر في شوارع الموت عند أبواب المشفى داخل سيارات الإسعاف، كل شيء مستباح وبما يفوق الوصف وخارج الإدراك، وأكاذيبهم تتحاشى حقيقة الموقف وسردية الحكاية، تستنزف الوقت وتتضاعف معها الهستيريا التي ما فتئت تتمدد وتتكرر يوميا؛ تارة في ميدان محرقة غزة، وأخرى في أروقة مجلس الأمن ومساجلاته حامية الوطيس حول الإغاثات والمساعدات، والمجلس عاجز عن إيقاف القتل والدمار، إننا أمام مآزق بشرية تعبر عن نفسها بلا استحياء ولا أخلاق.

نشاهدهم هاربين من بيوتهم إلى بيوتهم إلى قبورهم يتوسدون مفاتيح العودة، رافضين التهجير والتوطين، لا وقت لديهم للبكاء لا مكان للنحيب أو الاستنجاد، فمن حولهم خدر، صم بكم تبلدت مشاعرهم عن الصراخات والنداءات، إنه وقت الصلاة على الموتى، وقت النشيد لهم. هلع الصغار ورعشات أجسادهم من البرد والانفجارات، بكاؤهم يفطر القلب وسط الخراب، نعيش الوقت الأكثر فظاعة والأعنف في أبعاده التي نتجرعها سما عبر الشاشات، غصة سيتوارثها الشعب الفلسطيني في سرديته لأجيال، هنا سقطت الأرض واغتيلت الطفولة، وذاكرة المكان يستحيل أن تمسح.

تعاظمت فلسفة التبرير والتحليل والتنظير، يتكلمون ببداهة وغرابة وتجهيل، أو بصمت صاخب مريب يعبر عن فانتازيا الجحيم، فهم سيقدمون المساعدات ويشيدون المستشفيات والمدارس بعد أن تنتهي الحرب، بعد أن تسوى غزة بالتراب فلا يعود فيها من يذهب إلى هذه المدارس والمستشفيات، ورغم ذلك فعند أسوار فلسطين الحبيبة وعلى عتبات أبوابها يصيح المنادى «حيا على الجهاد، حيا على الكفاح.. إنها الكلمة العليا»، فلا حياد فأنت إما مع الفلسطيني أو مع العدو الصهيوني المحتل».

وعندما تحاصر إسرائيل فعل المقاومة وتوصمها بالإرهاب، فهي لا تحاصر الفلسطيني ولا الرأي العام العربي والعالمي الرافض للاحتلال وجرائمه الكبرى، بقدر ما تحاصر الدلالة التي تعطى معنى جوهريا وقيميا لهذه المقاومة، لهذا الصمود والثبات وقوة الإصرار، هي ترتعد من هذه الدلالة، وهي تحاصرها في الخفاء والعلن وتتخذ من نهج الحصار والتجويع والإبادة الجماعية والتطهير العرقي والعنصرية أسلوب بقاء، تطلق عليه «حق الدفاع عن النفس» وهي التي مجرد كيان مصطنع وغاصب محتل.

أما في جوقة التصهين والتطبيع، فقد كثر المرتدون للأقنعة، تمددت هيئتهم كما هيئة ذئاب تنهش في أجساد الأطفال الذين تفترس مجازر إسرائيل بلادهم وأحلامهم ومستقبلهم، يتوارون بالأقنعة متقمصين قبح مواقفهم أو انكفائهم حول ما تريده سيدة الرعب والقتل والتدمير، ينفذون لها المهمات القذرة بدوافع البقاء على الكراسي البالية أبد الآبدين، وعلى أجساد شعوبهم ينخرطون في تنفيذ «الجريمة الكبرى» وفى تخريب الوعى ودس السموم في التفاصيل والجزئيات حتى ليغدو حديثهم حديث سلام وأمان، وفى حقائق الأمور يشاركون في النكبة الجديدة، في حفلات القتل اليومية التي تقام على مذابح «المعمداني، مخيمات جباليا والشاطئ والنصيرات وجنين... فكل أرض فلسطين مستباحة»، وأياديهم مغمسة بالدماء وأشلاء الشهداء الذين يتساقطون بالمئات والآلاف في أيام.

إنه الانتقام الأسود والأكاذيب والاستكانة والتورط في الجريمة، لا تحركهم مشاهد الإبادة وسردية الكارثة النكبة الأكثر مأسوية، حيث التهجير القسري والبيوت التي تحال إلى خرائب لا أسقف ولا جدران لا شوارع ولا طرقات، الأرض ابتلعت أطفالها ونساءها، شبابها وشيبها، ضباب أسود حزين، دموع جفت والمنخرطون في تدجين الوعى بالهمجية ما زالوا يبررون القتل والإبادة ويتآمرون على فلسطين التي تقاوم، يا لها من وصمة عار أخلاقية ستلاحقكم.

المجد للمقاومة، الخلود للشهداء.

منى عباس فضل كاتبة وباحثة من البحرين

https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=18112023&id=4ed1d61d-736b-4b1a-a8d3-be3f20a92549