الأحد، 10 سبتمبر 2017

المواد-العار في البلدان العربية


 منى عباس فضل
الأردن ليس وحده من اشتغل على منجز تشريعي كبير منتصراً فيه للمرأة ومحافظاً على حقوقها عبر إلغاء "المادة المشينة" في قانون العقوبات، فقد سبقه إلى ذلك دول أجنبية وعدد محدود من البلدان العربية كالمغرب ومصر وتونس ولبنان في إلغاء نصوص مشابهة من تشريعاتها وهناك من يعمل على إلغائها كالعراق.

في المغرب ألغيت المادة (475) عام 2014 من القانون الجنائي والتي تقضي بإعفاء المغتصب من الملاحقة القانونية في حال تزوج بالمغتصبة، صحيح أن الإلغاء جاء استجابة لمطالبات تراكمية للحركة النسائية، بيد أن الحادثة التي هزت المغرب بانتحار أمينة فيلالي التي تعرضت للاغتصاب في عمر 16 عاماً وأجبرت على الزواج من مغتصبها بموجب قرار قضائي، قد فرضت إلغاء المادة، كما تعتبر مصر من اوائل من ألغى المادة (85) عام 1937 والمادة (291) عام 1999 من قانون العقوبات، أما في تونس فقد أقر برلمانها منذ شهرين قانوناً يجرم العنف ضد النساء ويقدم الحماية لهن لا سيما واحصاءات 2010 كشفت بأن (47%) منهن يتعرضن للعنف الأسري.

يرى المختصون في الشؤون القانونية والحقوقية للمرأة، بأن هذه الإنجازات تكشف الغطاء عن واقع ظلم المرأة العربية والإجحاف بحقوقها والتمييز ضدها في قوانين العقوبات التي تتسيد فيها السلطة الدينية والسياسية بذهنية ذكورية تحكم قبضتها قيود منظومة الثقافة السائدة والأعراف والقيم المجتمعية.

لقد احتدم النقاش خلال العقدين المنصرمين ولا يزال بشأن "مواد-العار" في قوانين العقوبات العربية، وأخذت نصيباً كبيراً من التداول وجهود الناشطين والناشطات وقوى المجتمع والحركات النسائية ممن قدن حملات مكثفة لتوعية المجتمع وللضغط على السلطات التشريعية لتغير مكامن الخلل، حتى باتت تتداخل مساحة السجال والمناقشات حول تعديل قوانين العقوبات بالأزمات السياسية والأوضاع الاقتصادية لأنظمة الحكم، بل وصارت جزأً لا يتجزأ من الأسئلة المزمنة العالقة دون إجابات شافية ولا حلول جذرية بشأن إنجاز الدولة المدنية وتحديث قوانينها وعلاقتها الملتبسة بالدين وبحقوق المرأة وتمكينها ومساواتها كمواطنة، وقد تباينت شدة وإلحاح هذه  السجالات لجهة جريمة الاغتصاب من مجتمع إلى آخر.

71% نعم لإلغاء 308
في الأردن ألغى مجلس النواب الشهر الماضي المادة (308) من قانون العقوبات، وكنص قانوني كانت المادة تؤمن للمغتصب مخرجاً قانونياً للإفلات من عقوبة جريمة الاغتصاب بمجرد زواج المعتدي من ضحيته المعتدى عليها لنحو أربع سنوات.    

في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى مطالبات الحركة النسائية منذ سنوات بتعديل وإلغاء المادة ومشاركتها في تنفيذ الحملات، كذلك نشير إلى دراسة بحثية نفذتها جمعية "تضامن" الأردنية حول "الجرائم الجنسية ضد النساء-المادة (308) من قانون العقوبات الأردني نموذجاً"، وذلك للوقوف على التأثيرات القانونية والاجتماعية والنفسية والصحية الإيجابية منها والسلبية على النساء والفتيات والأسرة. استناداً إلى نتائجها شُكل تحالف مدني أردني ضم أكثر من (116) هيئة ومنظمة وجمعية ومئات الناشطين والناشطات لإلغاء المادة (308)، خلص بحثهم إلى أن (71%) من عينة الدراسة عبرت عن تأييدها لحملة إلغاء المادة، كما أثيرت العديد من التساؤلات حول مدى دستوريتها، حيث أن الأصل في التشريعات أن تطبق على جميع الأشخاص دون تمييز أو تفرقة، وهذه المادة تسمح بالتمييز بين الاشخاص في حالة تعدد الجناة أو تعدد المجني عليهن، كذلك عند اختلاف ديانة المعتدي أو كون المجني عليها متزوجة.   

ومع ذلك، فقد تفاوتت مواقف نواب البرلمان الأردني بشأن إسقاط المادة "بما تنص عليه من إسقاط العقوبة عن مرتكب الجنحة أو الجناية الجنسية الواردة في نص القانون، إذا تم عقد زواج صحيح بين المعتدي والمعتدي عليها، مشروطاً بحد أدنى لاستمرار هذا الزواج "3 سنوات للجنحة و5 سنوات للجناية"، إذ إنه وتبعاً لنص القانون، يمكن للمغتصب بعد أن تزوج من ضحيته أن يطلقها، وتسقط الملاحقة القضائية عنه.

حسب التقارير، سادت عملية التصويت على إلغاء المادة فوضى ووُجهت انتقادات حادة قيل أن سببها تصويت بعض النواب رغم عدم معرفتهم على ماذا يصوتون، وحيث طالب نشطاء منظمات المجتمع المدني وقوى سياسية وحزبية تقدمية بإلغاء المادة التي يجدون فيها مخرجاً للمعتدين وظلماً للمرأة والفتاة التي تتعرض للجريمة وتصبح لاحقاً مطلقة، وإن إتمام هذا الزواج سبباً لإسقاط الحق العام للمجتمع في معاقبة الجاني، فضلاً عن كونه شكلاني يأتي في حالة إذعان وإذلال واستجابة لابتزار المعتدي وأهله للضحية وعائلتها، كان هناك من يميل إلى إبقاء المادة وتعديلها بإتمام الزواج إذا كان هناك رضى من الضحية (إذا عمرها بين 15-18 عاماً) معللين ذلك بأن المجتمع عشائري ويفضل الستر على المعتدى عليها وعائلتها وتغليب المصلحة، ولهذا يجدون إن المادة (308) تمثل أيضا مخرجاً لإثبات نسب الطفل وتفادي ظاهرة الأمهات العازبات، هل هم على حق؟

لا أظن، عملياً الضحية توقف في مراكز الإيواء إذا كانت قاصراً، وفي مراكز الإصلاح والتأهيل بالسجن إذا كانت فوق سن الـ18 حتى يُبَتّ في القضية، فيما يطلق سراح المعتدي عليه بكفالة تنقذه من العقوبة، أما المفارقة الفاقعة والمؤسفة برزت في تصويت بعض النواب الرجال من كتلة الإصلاح (أخوان مسلمين) مع الإلغاء، فيما صوتت نساء من الكتلة ذاتها ضد الإلغاء.   

جدل بعد إلغاء 522  
في لبنان وتزامناً مع نشر جمعيات أهلية لبيانات إحصائية تكشف عن تصاعد نسب حالات الاغتصاب المبلغ عنها، وبعد نضالات ممتدة وكفاح خاضته المنظمات المدافعة عن حقوق النساء لإلغاء المادة (522) من قانون العقوبات اللبناني، صادق البرلمان مؤخراً على إلغاء المادة التي كان نصها يمنع تجريم المغتصب إذا تزوج من ضحيته بالإشارة "على أنه إذا عُقد زواج صحيح بين مرتكب إحدى الجرائم الواردة في هذا الفصل (الاغتصاب - اغتصاب القاصر - فض بكّارة مع الوعد بالزواج - الحضّ على الفجور-التحرّش بطفلة - التعدّى الجنسي على شخص ذي نقص جسدي أو نفسي..)، وبين المعُتدّى عليها أوقفت الملاحقة وإذا كان صدر الحكم بالقضية علق تنفيذ العقاب الذي فرض عليه"، إلا إن أوساطهم القانونية تشير إلى أن هذا الإلغاء سيُبقي باب الجدل مفتوحاً على مصراعية بسبب التداخل بين المحاكم الدينية والمحاكم المدنية -أي بين القوانين الشرعية والقوانين الوضعية- مما يخلق تناقضاً بين مفهوم العقوبة ومفهوم الستر، في ظل غياب قانون مدني موحد يعامل اللبنانيين في قضايا الزواج والطلاق والميراث وفق معايير موحدة.

نعم لإلغاء 353
أما في البحرين فمعلوم أن قانون العنف لا يجرم ممارسة العنف وإنما يحيل إلى باب العقوبات الذي ورد في المادة (17) "مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد في قانون العقوبات أو أي قانون آخر...إلخ". بمعنى أن هذا النصّ لا يوفر حماية للفتيات والنساء من جريمة الاغتصاب في المادة (353) من قانون العقوبات، وبالتالي هذا لا يتناسب وخصوصية الجريمة وآثارها على الضحايا، فنص المادة يشير إلى "لا يحكم، بعقوبة على من ارتكب أية جرائم هتك العرض أو الاغتصاب إذا عقد زواج صحيح بينه وبين المجني عليها، فإذا صدر عليه حكم نهائي يوقف تنفيذه وتنتهي آثاره الجنائية بمجرد إنجاز العقد"، ما يعني إمكانية لجوء الجاني إلى الزواج من الضحية للإفلات من العقوبة وتطليقها فيما بعد، وقد يكرّر جريمته على أخريات.

إضافة إلى ما سبق، غالباً ما يتعرض النشطاء في البلدان العربية أثناء قيادة حملاتهم لإلغاء أو تعديل القوانين التي تنتهك حقوق المرأة، إلى اتهامات بمحاولة استغلال الوضع وفرض أجندة خارجية مستوردة وتدميرية لكيان المرأة والأسرة، لا تتناسب وقيم وأخلاق المجتمع العربي والإسلامي، أو بإنهم يزايدون سياسياً على حكوماتهم أو لغاية أن تحقق المنظمات النسائية مساحات حقوقية أكبر للمرأة تساهم في علمنة المجتمع وتحديثه بما يتعارض والشريعة الإسلامية، بيد إن واقع الحال أن ضحايا الاغتصاب من الفتيات يتعرضن عند تطبيق مواد-العار في حال زواج الضحية من المجني، إلى إساءة نفسية وجسدية، الأمر الذي يقود إلى طلب الطلاق وسقوط أي ملاحقات قضائية للمعتدي المغتصب الذي قد يكرر فعلته.

من هنا، فأن إلغاء هذه المواد المشينة من قوانين العقوبات العربية يعني ما يعنيه من تجريم الاغتصاب الذي يستلزم عقوبات رادعة، وأحكاماً خاصة لوصف الجريمة وتحديد أركانها وأوصافها وحالاتها وطريقة التبليغ عنها وحماية الضحايا وملاحقة المرتكبين جزائياً. 

منى عباس فضل
المنامة-10 سبتمبر 2017

الثلاثاء، 5 سبتمبر 2017

أين اختفى شعب الخليج؟!

منى عباس فضل
مع الفورة النفطية، تدريجاً اختفى شعب الخليج، أين هم؟ من غيبهم، كيف ولماذا؟
تسأل عن البائع منهم؟ يقال لك المواطن لا يعمل بائعاً ولا سباكاً ولا حمالاً ولا سائقاً ولا صاحب بقالة ولا خضرجي ولا خياطاً ولا حلاقاً ولا منظفاً ولا حارس أمن ولا ولا ولا؟ مهن كثيرة لا تعد ولا تحصى لا يمكنك أن تجد عاملاً مواطناً فيها من تلك البلاد ومثيلاتها إلا باستثناءات ضئيلة.

تظن وتردد في سرك؛ ربما هم يتربعون في الوظائف المصرفية المجزية أو وزارت الدولة برتب وظيفة عالية المداخيل يأمرون ويتسيدون وووو، بيد إن الدراسات انتهت إلى أن القطاع الخاص وحده خلق "5.4 ملايين وظيفة" استحوذت العمالة الأجنبية على "90%" منها. تنظر يمينك تتلفت يسارك فلا تجد للمواطنين أثراً في مهن الطبابة والتمريض في المستشفيات إلا فيما ندر على الرغم من انتظار أعداد كبيرة لهذه المهن من خريجي هذه التخصصات في بعض البلدان، وجودهم في الأمن والشرطة بشروط وقيود ومحاذير، وحتى وظائف التعليم التي كانت مقصداً لهم فقد غزاها الغرباء من كل حدب وصوب يزاحمونهم حولها.

قالوا: إن كنت تبحث عنهم ينبغي أن تلقي نظرة في سجل تقاعدهم المبكر فستجده كاشفاً عن حال أعور ومستور، ومنهم من تربع قوائم الانتظار بوعد لوظيفة طال انتظارها لسنوات بعد التخرج الجامعي، أو ربما في صدارة قوائم العاطلين عن العمل لهذا السبب أو ذاك أو ربما التهمته قوائم المهاجرين المغتربين عن أوطانهم طوعاً أو إجباراً طلباً للرزق أو لشئ من الأمان وحفظ الكرامة.

المواطنون أقلية
أين اختفى شعب الخليج؟
تفتش عنهم وتنقب عن غيابهم من المشهد العام، فلا تجد إلا نفراً ضئيلاً منهم يتجولون في مراكز التسوق ضائعين وسط جيوش القادمين من أصقاع بلاد الدنيا هرباً من وحوش العوز وبحثاً عن مداخيل سريعة وفرص أعمال قد تحقق الأمنيات والأحلام. في مقالة لدلال موسى منشورة في كتاب "الثابت والمتحول 2017" عن مركز الخليج لسياسات التنمية، تشير إلى أن غير المواطنين يشكلون نسبة عالية أقلها بنحو "50%" وأعلاها نحو "90%" من إجمالي المواطنين"، فيما تشير الإحصاءات الرسمية بأن المقيمين من غير المواطنين يمثلون "39%" من إجمالي سكان السعودية في عام 2015 و"89%" في الإمارات و"86%" في قطر و"45%" في عمان و"69%" في الكويت و"53%" في البحرين.

اختفى المواطنون من شوارع بلدانهم واحُتلت أمكنتهم في الأزقة القديمة عمالة أجنبية ووافدة بحضور كثيف، يثير الاستغراب والخوف والتساؤل عن مغزى هذه السياسة ومن وراء ظاهرة تفشي العمالة السائبة والعمال غير النظاميين، من وراء المتاجرة بهم وزجهم في سوق السخرة "الفري فيزا" حيث يشكلون فائضاً لا يقدم أي إضافة إلى الإنتاج بحسب الاقتصاديين.

أحزمة البؤس
اختلفوا على تسميتهم تارة يطلقون عليهم عمالة وافدة وتارة أجنبية، ووراء التسميات ما وراءها من حقوق ومستوجبات وأعباء لا تعد ولا تحصى تنتظر بلدان الخليج إن طال الوقت أو قصر، ففي نهاية المطاف هناك حقوق والتزامات أقرتها المنظمات العالمية لهذه العمالة وتجارهم المحللين وأسيادهم في بلدانهم الأصلية يدركون تلك المخاطر، لكن من يعبأ لضياع الأوطان من؟! هي الأطماع والجشع ولا شئ يعلو عليهما، هو التخبط وسياسات السوق ونظام الكفالة التي معها يتعاظم الخوف من الآثار السلبية على تركيبة المجتمع وعلى عاداته وتقاليده بل ومخاطر الفوبيا و"السلوك العدواني" ضد الأجانب أو العكس نظراً للمعاملة غير السوية في بعض الحالات كما تشير مقالة دلال.

ينتشرون كالجراد، تميزهم ألبستهم الرثة أو هندامهم الفلكوري وروائح أطباقهم وأطباعهم ورطن لغاتهم ومنهم من تميز بلغة الزعيق في الأمكنة العامة، ومنهم من لا يتوقف عن الثرثرة والبصق على الجدران ومنهم من يطالعك بملامح السكينة والبؤس والهدوء القلق وشعور العوز والضياع، ومنهم من يتكور في شكل حلقات وجماعات صغيرة هنا وهناك في الأزقة المهملة التي تشكل أحزمة تلتف حول خاصرة مدن الملح الكئيبة بأبراجها العالية، أزقة وأحياء بكاملها صارت كنتونات للقادمين بلا حدود لا تطأ صوبها أقدام مسؤول أو مواطن هارب مما صار عليه الحال. يتجمعون لمشاهدة عرض ما أو تبادل أحاديث الهموم مع أقاربهم عبر الهواتف الذكية وما توفر من خدمات مجانية؛ تعلو أصواتهم وتنخفض همهماتهم بحسب أحوال عائلاتهم وأوضاعها، فهناك من يرقد بين سكرات الموت والرحيل وهنا من يعاني منهم من صدمة كما حدث لشغالة الجيران التي تزوج عليها زوجها في الغربة بعد أن تسلم بانتظام مرتباتها الضئيلة، مجتمعات فائضة بكاملها تعيش على حافة مجتمعات يسودها ضغط الوضع الشاذ والفوضى الخطيرة التي يتهرب من مشاهدتها وملامستها أي مسؤول.  


 ينوه الباحثون ومعهم مراكز الدراسات إلى أن تفشي ظاهرة العمالة الأجنبية والوافدة وزيادتها في أسواق الخليج، أمر غير مدروس لاسيما لجهة العمالة غير الماهرة التي تشكل عالة على اقتصاديات المنطقة، فأغلبهم يعيش وضعاً رثاً ووجودهم بهذه الأعداد والكثافة يمثل كارثة ديمغرافية واقتصادية، بل ويزيدون ويشرحون ويثبتون بالأرقام والوقائع بأنهم بذرة لكارثة سياسية قادمة لامحالة بسبب غياب سياسات الحماية والضمان والعدالة الاقتصادية والمشاركة في اتخاذ القرار، تماما كما حدث لبلاد تدعى "توباغو وترينيداد" في بحر الكاريبي، مع اختلاف التفاصيل. ترى ما حكايتها؟

درس ترينيداد
تبعاً للمصادر اشتهرت "توباغو وترينيداد" بحرفة الزراعة لقصب السكر والبن والكاكاو وجوز الهند والموز، وأصبحت منذ 1978 مورداً للنفط والغاز. استوطنها الهولنديون بعد الأسبان وجلبوا إليها آلاف الأفارقة للعمل في مزارعها الكبيرة، كما وفد إليها مستوطنون فرنسيون ومعهم عبيدهم للعمل في زراعة قصب السكر في القرن الثامن عشر، فيما استجلب إليها الاستعمار الإنجليزي عشرات الآلاف من أفريقيا للعمل في حقولهم، حتى سيطروا عليها تماماً بعد تنافس وحروب مع الأسبان والفرنسيين وانتهى الحال ببريطانيا إلى إحكام سيطرتها على "ترينيداد وتوباغو" وجمعتهما في إدارة استعمارية موحدة عام 1961، وصارت دولة مستقلة في 1962، لكنها بقيت ضمن دول الكومنويلث البريطاني. وماذا بعد؟

أيضاً مرت عبر تاريخها بحركات ثورية خصوصاً الحركات الاجتجاجية للعمالة السوداء على البطالة، وقد بلغ سكانها تبعاً لاحصاءات 2015 "1,354,483 نسمة" مقارنة بـ"848,481 نسمة" عام 1960، وهم ينقسمون من حيث أصولهم العرقية إلى "40%" من الهنود الآسيويين والصينيين الذين استجلبتهم بريطانيا كعمال سخرة بعد إلغاء تجارة الرقيق، حيث يمثل الهندوس وحدهم نسبة "34%" من إجمالي السكان، إضافة إلى "39%" من الأفارقة، وخليط من أعداد كبيرة من الصينيين والبريطانيين والفرنسيين والبرتغاليين والأسبان، وبعض العرب من سوريا ولبنان. والنتيجة أن أصبح الكاريبيون المواطنون الأصليون في هذه البلاد أقلية ينافسها القادمون في مجمل حقوق المواطنة، وقد صار لهم وضع تمثيلي في التشكيلات الحزبية والمشاركة في اتخاذ القرار بالبرلمان نظراً لضمان حقوقهم السياسية ومستوجبات المواطنة حالهم حال المواطن الأصلي.

في مسح استقصائي شاركتُ فيه مع برفسور وخبير اقتصادي من ترينيداد وكنا منتدبين من "منظمة العمل الدولية" عام 2010 لاستطلاع وضع أطراف الإنتاج الثلاثية في بعض بلدان الخليج، كان يشير بحرقة أثناء زيارات الاستطلاع للجهات الرسمية المعنية بسوق العمل إلى ضرورة إعادة النظر في استقدام الأيدي العاملة الأجنبية، منوهاً وشارحاً لتأثيراتها السلبية على الأوضاع المحلية اقتصادياً وسياسياً. قال محذراً: "أنظروا اليوم إلى وضع بلادي حيث يزاحمنا الأجنبي ليس في الفرص الوظيفية والاستثمارية بل وحتى في المشاركة السياسية وفي اتخاذ القرار بالبرلمان، إنه خلل كبير ويجب معالجته، وعليكم أخذ العبرة من تجارب الآخرين".

لكن من أسف لا حياة لمن تنادي، فالأنانية والجشع وانتشار وباء الفساد وسوء إدارة الاقتصاد ومعهم غياب الضمير وحكمة العقل، مجتمعة أوصلت أوطاننا إلى الأرقام المرعبة؛ "57%" هي نسبة العمالة الأجنبية في السعودية و"95%" في قطر و"81%" في الكويت و"78%" في البحرين" وهي دون أدنى شك باتت أحد أبرز مظاهر خلل التركيبة السكانية والقنبلة الموقوتة.

د.منى عباس فضل 
المنامة 5 سبتمبر 2017

الثلاثاء، 29 أغسطس 2017

ناجي وبلاغة الريشة


منى عباس فضل 

قالها حنظلة فاقعة كشمس نهارات الصيف العربية في كبد السماء، قالها ناجي العلي:

-        "الطريق إلى فلسطين ليست بالبعيدة ولا القريبة إنها بمسافة الثورة".

لم يكن ناجي العلي شيخ دين بعمامة وفتوى، ولا قائد سياسي أنيق، ولا ضارب ودع، ولا حاملاً لمباخر السياسيين أو الحكام ولا شاعر منكس الرأس في بلاط السلاطين، ناجي الشهيد كان جراحاً بمبضع وقلم فحم وعقل مستنير يخط أحلامه وأحلام الشعب الفلسطيني المشرد بفرشاة الفن الكاريكاتوري تماما كمن يطلق مدفعاً ورشاشاً في وجه الطغاة.


هو الذي ابتدع حنظلة المر، صبياً صغيراً واقفاً عاقداً يديه المكتفة خلف ظهره بعد مغادرة فلسطين، شاهداً منتظراً، تارة في مواجهة هزائم زمن التطبيع والتلويث بالتسوية الأمريكية-الصهيونية-الرجعية في المنطقة منذ بداياتها، وتارة قبالة فلسطين الحلم والمنارة، يالها من بلاغة للريشة المعجزة التي نطقت بلسان الشعب الفلسطيني والوجدان العربي.

كانت الرسائل وعناوينها واضحة؛ من مآسي الذل والقهر والهزائم والتحديات والاصرار وكل الأحزان والأفراح الصغيرة والكبيرة والأهم رسالة الانتماء إلى الهوية العربية النضالية في الميادين.
 سئل ناجي العلي مرة عن موعد رؤية وجه حنظلة فأجاب:

-        "عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته...".

حنظلة صار التوقيع الرسمي لكل رسوماته التي لخص فيها الواقع العربي بمشاهد الحزن في كل المنعطفات، وبكل رمزية العذاب والصعاب التي يعانيها الإنسان الفلسطيني، فخطّت يده رسم حقيقة الوجع على جدران الزنازن منذ الصغر، وقام بتأصيل الفكرة والموقف المبدئي من التشرد في الغربة، إلى الاضطهاد والتمييز العنصري في الأرض المحتلة على يد دولة الكيان الصهيوني، فكانت الرسومات تعبيراً ودلالة عن جوهر رسالته السياسية اليومية التي ينشرها ناقدة فاقعة لا لبس فيها للواقع الفلسطيني والعربي، فهو شاهداً محنك وعميق على ما جرى ويجري من أحداث وموبقات. 

أما فاطمة التي تكرر حضورها في أغلب رسوماته المبدعة، كانت شاهداً ورمزاً معبراً عن شخصية المرأة الفلسطينية القوية الشجاعة في نضالها اليومي بما لا يقبل الذل ولا المهادنة والمساومة على القضية الفلسطينية، يقابلها ذاك المتكرش بمؤخرته العارية دون أقدام رمزاً نقيضاً على حالة الرفاهية والترهل والتكرش والخيانة والانتهازية التي وصلت إليها بعض القيادات في عالمنا العربي، فيما يقف الجندي الصهيوني المرتزق مرتبكاً وخائفاً مهزوزاً تجاه جسارة أطفال حجار الثورة.
 هي فلسطين التي يقف عند حدودها مولياً ظهره لدعاة الذل والخنوع والتطبيع، وهي التي كبرت ولا تزال في الضمائر من جيل إلى جيل.

كان ناجي العلي شجاعاً لا يخشى الموت ولا يهاب تكميم الأفواه في جملة "ريشته البندقية"، التي لم يتحمل مراراتها وشراراتها أصحاب الكروش المتضخمة، ولا آلة الإبادة العنصرية الصهيونية فامتدت إليه برصاصة غدر وخيانة.   

اختلفت الآراء حول غموض اغتياله "استشهاده" في شارع آيفز بلندن، حيث أودت بحياته رصاصة غدر اخترقت رأسه، ليسقط شهيداً في 29 أغسطس 1987، ولتبقى قضية فلسطين التي حملها بريشته وضميره حية تشد رحالها من جيل إلى جيل حتى التحرير، ففي الخاتمة سجل رسالته مدوية:

-        "اللي بدو يكتب عن فلسطين، وإللى بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حاله ميت، أنا مش ممكن أتخلى عن مبادئ ولو على قطع رقبتي"..!

هذا هو العرس الذي لا ينتهي
في ساحة لا تنتهي
في ليلة لا تنتهي 
هذا هو العرس الفلسطيني
لا يصل الحبيب إلى الحبيب 
إلا شهيداً أو شريد...
من قصيدة "العرس الفلسطيني"
 لمحمود درويش


منى عباس فضل
المنامة-29 أغسطس 2017

الأحد، 27 أغسطس 2017

تجاذبات بشأن المساواة في الإرث


منى عباس فضل
ثمة منظمات نسائية عربية وخليجية تنظر إلى المنجزات التشريعية المتحققة للمرأة التونسية بشئ من الدهشة والإعجاب المشوب بالحسرة في آن، ذلك على الرغم من التبريكات والتهاني التي ترفع إليها. فهي ربما تبحث عن السر الكامن وراء قوتها وجلادتها وصبرها الذي ساعدها في تحقيق ذلك؛ والذي بالطبع لم يأتى اعتباطاً ولا صدفة ولا نتاج مكرمات وشعارات جوفاء خاوية من المضامين، بل إفرازاً لنضال نسائي واع ودؤوب استند إلى واقع تعليمي متطور وحصيلة معرفية تتميز بها قيادات النشاط النسائي مضافاً إليه تجربتهن السياسية وانفتاح ذهني وعقلي وسلوكي على الأفكار والتجارب الإنسانية التي لم تمنعه من المرور بسبب أي محرمات ذكورية أو دينية.

الأهم من هذا وذاك قدرتهن الاحترافية على التقاط اللحظة التاريخية وبلورة مطالبتهن الحقوقية بجدية وجرأة ووعي عال لا يضيع في خضم مجالس الثرثرة ولا التنافس غير ذي معنى، إذن هي الجدية والوعي والإصرار والمعرفة. 

نعم ربما أسعفتهن الظروف الموضوعية منذ أيام الرئيس بورقيبة، لاسيما حين أقرت "مدونة الأحوال الشخصية" بيد إن المهم، هو تفاعل كل تلك العناصر مجتمعة وتشابكها الذي انتج واقعاً متطوراً أفضى إلى مكتسبات متحققة، وعلى من يخامره شعور الحسرة والغيرة ألا يستغرق فيه طويلاً، وعوضاً عنه أن يمعن النظر بالانكباب على دراسة وتفكيك التجارب المتقدمة للمناضلات التونسيات وغيرهن بعمق وبعد نظر، ومواجهة ذاته بالنقد والى ما وصل إليه من ضعف واهتراء ساهمت فيه أنظمة الاستبداد السياسية والدينية، كذلك بسبب ما يسود في أوساطه من تنافس ووهن وتراجع واستسلام لممارسات هذه الأنظمة وقيودها التي تعزز مفاهيم الذكورة واستلاب النساء بإخضاعهن للثقافة السائدة والفتاوى الدينية ولمنظومة أعراف القبيلة والطائفة وعاداتها، على الرغم من شعارات البهرجة التي تتصدر مشاريع تمكين النساء بإقرار تشريعات وقوانين مبتورة من سياقاتها كي تعيد إنتاج واقع إزدواجي متخلف عن عصر الحداثة من خلال تطبيق بنودها التمييزية ضد المرأة.

حدث ثوري ولكن؟
نعود ثانية للتونسيات، مالذي حدث؟
الذي حدث أن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، وبمناسبة "عيد المرأة" الذي تحتفل به التونسيات بمصادفة إقرار المدونة عام 1956، والتي شكلت حدثاً ثورياً متقدماً في تحرير المرأة وإقرار القوانين والتشريعات التي تحميها من الاستغلال وأبرزها منع تعدد الزوجات وزواج القاصرات ومنح التونسية حق الزواج والطلاق والتعليم والعمل والسكن والسفر بمفردها، فقد أفصح السبسي عن مراجعات قانونية جريئة للوصول إلى المساواة بين الجنسين في الميراث، فضلاً عن السماح للمرأة المسلمة بالزواج بغير المسلم، موضحاً بالإحصاءات بأن حضور التونسيات في النشاط العام قوي إذ يشغلن "75 مقعداً في البرلمان من أصل 217 مقعداً"، فيما نسبتهن في أغلب قطاعات المهن كالطب والهندسة والقضاء والمحاماة تمثل "60%، 35%، و41%، و43%"على التتالي، ونسبة "60%" منهن يحملن الشهادات العليا، وتساهم "45%" منهن في مصاريف أسرهن؛ الأمر الذي يؤهلهن برأيه لقضية المساواة في الإرث، لكنه لم يشر إلى حضورهن المتواضع في المناصب القيادية "4%" فقط. 

ومنه يجوز السؤال؛ هل كان السبسي صادما حين ألقى بقنبلة قابلة للانفجار في أي لحظة بشأن النصوص الشرعية؟

بالتأكيد نعم، فقد فتح عش الدبابير حيال المنظومة الذكورية وأكثر القضايا تعقيداً وحساسية في نصوص الشريعة الدينية ومقاصدها فأطلق سجالاً حولها، لاسيما حين أشار إلى أن الدولة ملزمة بتحقيق المساواة كاملة بين الجنسين، وضمان تكافؤ الفرص بينهما في تحمل جميع المسؤوليات، وفق البند "46" من الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

إضافة لما سبق، كلف لجنة رئاسية تضم رجالاً ونساء قانونيين لدراسة القضية وإعداد تقرير حول الإصلاحات المرتبطة بالحريات الفردية والمساواة استناداً إلى دستور 2014 في فصله "21" المتعلق بالمساواة بين المواطنات والمواطنين في الحقوق والواجبات، وذكر بأنه واثق من ذكاء رجال القانون لإيجاد صيغة قانونية لا تتعارض مع الدين ومقاصده ولا مع الدستور ومبادئه، وتُجنب الاصطدام بمشاعر أغلب التونسيين المسلمين، وإنه لن يمضى في أي اصلاحات صادمة، لكن يجب التوجه نحو المساواة في جميع الميادين، منوهاً إلى أن المنشور "73" المتعلق بزواج التونسيات من أجانب من غير المسلمين قد أصبح عائقاً أمام حرية اختيار القرين، وبالتالى من المهم مراجعته وفق "الفصل 6" من الدستور الذي يقر بحرية المعتقد والضمير ويحمل الدولة مسؤولية حمايتهما، وتسوية الوضعية القانونية للكثير من التونسيات المرتبطات بأجانب وما خلفه من مشاكل.

لا تأويل ولا اجتهاد
تباينت المواقف وردود الأفعال على خلفية تصريحات السبسي بين ترحيب واختلاف، ومما زاد الأمر تعقيداً القراءات المختلفة للدستور الجديد لعام 2014، إذ تشير آراء قانونية بأنه يفتقد إلى قراءة رسمية ومحكمة دستورية تفصل في النزاعات المرتبطة بالدستور، كما لايخلو الأمر من فرط حساسية رجال الدين ممن ينظرون إلى مسألة الإرث استناداً للنص "للذكر مثل حظ الانثيين" وبأحكام شرعية ثابتة لا تحتمل التأويل والاجتهاد، فمن جهة "حزب تيار المحبة"، أدان بشدة تصريحات السبسي وقال: "...وكأن المفهوم ضمنياً من الكلام أن شرع الله ورسوله لم يُعدل في الأمر" كما أطلق عريضة شعبية تسعى إلى جمع مليون توقيع، متهماً إياه بإثارة الفتنة والفوضى، وطالب مجلس نواب الشعب بسحب الثقة منه وعزله بتهمة مخالفته الصريحة للفصل الأول من الدستور.

في هذا الصدد يشير الكاتب التونسي توفيق المديني" إنه وبقدر الثناء على المبادرة الجرئية، التي تدخل في سياق مزيد من دعم الحقوق المادية للمرأة عبرة المساواة، ودعم حرياتها عبر تمكينها من الزواج من الشخص الذي تريد، بقدر ما رأى قسم من التونسيين بأن طرح الرئيس التونسي لا يخلو من التوظيف السياسي الذي يخدم مصالحه نفسه ومصالح حزبه "نداء تونس"، لاسيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية للبلديات في ديسمبر القادم، وللتشريعية والرئاسية في 2019، فالمرأة التونسية برأيه أصبحت مصدراً من مصادر شرعية السلطة السياسية القائمة سواء في عهد بورقيبة أو قائد السبسي، لم لا وهي "خزان انتخابي" حيث صوتت له مليون امرأة في 2014، ما يعني إنهن لعبن دوراً حاسماً في فوزه، إذ بلغ عدد أصواتهن نسبة "60%" من مجموع الأصوات التي حصل عليها.   

ومع أن كلام السبسي لقى تأييداً من دار الإفتاء، إلا إنه أثار حفيظة الجامع الأزهر، الذي اعتبر مراجعة أحكام الميراث خطوة عكسية ضد حقوق المرأة، كذلك لم يسلم من الانتقادات الصارمة من مشايخ جامع الزيتونة، كمفتي الديار السابق الذي تساءل قائلاً: "هل يحق للرئيس التدخل في مثل هذه القضايا التي ثبتت بالقرآن القطعي متناً وسنداً. هذه نصوص لا يجب أن نحوم حولها، فالتسوية في الميراث وزواج المسلمة من غير المسلم، لا أقول به ولا ينبغي لأحد أن يقول به، هذا خروج عن الإسلام"، وأضاف عليه وزير الشؤون الدينية السابق: "بأن هناك حكم قطعي ثابت بنص صريح لا يجوز المساس به  أو الاجتهاد فيه. وأحكام المواريث فيها نص قرآني في سورة النساء في الآيات من 11 إلى 14".

مفارقة اليساري والقومي
المفارقة أن موقف رفض المساواة لم يقتصر على التيارات الدينية؛ إنما انضم إليهم بعض الأحزاب القومية واليسارية ممن وجدوا بأن هذه الدعوة ستنقل الصراع ضد رأس المال إلى فتنة داخل الأسرة، أما اللافت فكان في موقف حمائم "حركة النهضة" الذي كان برغماتياً وبأنها لا تمانع في أي مراجعات قانونية طالما أنها تنضوي تحت طائلة الدستور، إلى جانب صمت صقورهم وتلميح بعضهم بأن هذه المقترحات لن تمر.  

بقى القول، إنها ليست المرة الأولى التي تثار فيها قضية مساواة الإرث بتونس، فهناك الطاهر الحداد أول من تجرأ على طرحها عام 1930 في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" والذي طالب فيه بالتجديد الديني، وواجه بسببه الاتهامات بالزندقة والكفر، وأن بورقيبة نفسه أدرك حساسية المسألة فلم يدرجها ضمن مجلة الأحوال الشخصية..." وقال حرفياً: "سأموت وستبقى مسألة المساواة في الإرث في نفسي". أما في 2016 وتبعاً للتقارير فقد تقدم "27 نائباً" من كتل برلمانية مختلفة بمبادرة تشريعية تتعلق بتحديد نظام المنابات "الأنصبة" في الميراث وهي تتضمن "3 بنود" وتقر المساواة في الإرث بين الجنسين، إلا إنها -أي المبادرة- واجهت معارضة برلمانية شديدة توقفت إثرها النقاشات ودون تبرير.

الخلاصة، لاشك أن انتصار رئيس الدولة لقضية المساواة في الإرث وزواج التونسية بغير المسلم، تعتبر من أكثر القرارات جرأة في مجال تمكين المرأة، وهي منعطفاً يرتكز على تراث أصيل في الإطار الحقوقي للمرأة، وقيمة مضافة في بناء الدولة المدنية التي تقبل بالاختلاف والتعايش، بيد إن الطريق لا يزال عسيراً أمامه للمضي قدماً في تحقيق أي تقدم لمراجعة المساواة بالإرث، لكن ذلك لا يعني التوقف والركون للوضع السائد. 

منى عباس فضل
المنامة-26 أغسطس 2017

السبت، 19 أغسطس 2017

المسكينة بريجيت




منى عباس فضل
إذا كانت بلد كفرنسا يدعي ممارسة الشفافية ويتوافر على مؤسسات ديمقراطية عريقة تخضع للرقابة الشعبية منذ عقود، قد حظيت زوجات رؤساءه المعاصرات بنفقات خيالية غطت أكلاف مكاتبهن ومعاونيهن وأعمالهن العلنية والخيرية ناهيك عن مزايا خدمات الحماية وفرق الحراسة واستخدام الطائرات النفاثة المملوكة للدولة وحضور مصففي الشعر ومنسقي الزهور التي تغطيها جميعاً ميزانية الإليزية السنوية بآلاف تزيد على "7 ملايين يورو"، حتى قيل بإن نفقات شريكة فرنسوا هولاند السابقة بلغت لوحدها نحو 400 ألف يورو عام 2013 "قرابة 15 ألف د.ب" شهرياً، فماذا يمكن تخيله أو قوله بشأن مستوى إنفاق مثيلاتهن في البلدان العربية؟
-        طبعاً الكثير الكثير وفوق المتصور.

زوجات الحكام والأزمات
ثورات الربيع هتكت المستور ولم تخفِ عورات واقع البلدان العربية، حيث كشفت تقارير متعددة أن معظم زوجات الحكام كان ولا يزال لهن دور في أزمات بلدانهن بشكل مباشر وغير مباشر، إضافة إلى دور حاشيتهن الفاسدة. أغلبهن يحرصن على الظهور بأناقة مفرطة، في حين تعاني شعوبهم من الفقر والعوز والبطالة، كما برزت موضة تصدرهن للشأن العام في السنوات الأخيرة وعبر مؤسسات فصلت على مقاسهن فيما يتعلق بأدوارهن الجديدة التي أخذت طابع إصلاح حقوقي للنساء.

عند انطلاق شرارة ثورة الياسمين في 2011 لم تسلم زوجة المخلوع التونسي من الشعارات المضادة لها بسبب يدها الملطخة بالفساد وبنفوذها؛ حيث عرفت بـ"السيدة 20 بالمئة"، لإصرارها الحصول على هذه النسبة من المشاريع التي تحتضنها تونس. قيل أنها هربت بثروة هائلة جمعتها وكميات كبيرة من الذهب بسبب موقعها كسيدة أولى، فيما سعت إلى تقريب أفراد عائلتها من مراكز القرار الرسمية وجعلتهم لوبياً ضاغطاً حتى على زوجها المخلوع. مثلها أو أقل فعلت صفية القذافي التي قدر رصيد ثروتها بـ"30 مليار دولار" وعليهم مخزون من الذهب والمجوهرات، أما "ماما سوزان" فعرفت بحبها المتعطش للمال والسلطة الذي تختفي تحت مظلة أنشطتها الخيرية، والبقية حدث ولا حرج.

لكن حديثنا اليوم عن المدرّسة المسكينة المتقاعدة عالية التعليم وغزيرة الخبرة بريجيت قرينة الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون الفتى الذي أحبها حباً جماً منذ كانت معلمته حتى أصبحت شريكة حياته، وهي تكبره بـ"25 عاما" اللهم لا حسد، إذ تصاعد الجدل بشأن وعد قطعه زوجها أثناء حملاته الانتخابية حول نيته "استحداث موقع رسمي فعلي" للسيدة الأولى" بهدف وضع حد للرياء وازدواجية الوضع والكف عن "النفاق" بهذا الشأن.

القانوني الأخلاقي
غير إن مسعاه لإضفاء الطابع الرسمي على هذا الدور ومهامه البروتوكولية، أثار حفيظة أوساط من الرأي العام الفرنسي خصوصاً مع تزامن طرح "مشاريع قوانين تخليق الحياة السياسية" في الجميعة الوطنية الفرنسية. معلوم أن اليسار الراديكالي يعارض في هذا السياق منح أموال لزوجة الرئيس على غرار أعضاء الحكومة والبرلمان، وللحد من امتيازات الوزراء والبرلمانيين الفرنسيين ومنعهم من التوظيف أو الاستعانة بخدمات زوجاتهم وأفراد من أقربائهم. معروف أن ماكرون اقترح أثناء حملته الانتخابية التسريع بتشريع "قانون أخلاقي" يساهم في تنظيف الحياة العامة بعد الفضائح التي هزت فرنسا، بيد أن الأمر ليس بهذه السهولة، فإقرار القانون يتطلب أغلبية من أصوات النواب "289" من أصل "577" صوتاً، مما يشكل حتماً تحدياً ومواجهة مع السياسيين الذين يهددونه بإفشال التصويت، أحدهم قال: "إنه ليس أولوية..وغير مجدٍ وفقير فكرياً" - يقصد القانون الأخلاقي-.

وعليه فالتساؤلات والسجالات التي تم تدويرها بشأن دور "السيدة الأولى" متعددة وتركزت حول ماهية الدور وتأثيره على أخلاقيات العمل العام، وما إذا سيتضارب مع "القانون الأخلاقي"؟ فضلاً عن الأكلاف التي ستتحملها ميزانية الدولة؟ واضح أن المناوئين لماكرون في هذا الصدد، لا يقبلون بسهولة وضعاً كوضع الرئيس الإمريكي دونالد ترامب الذي تتصدر ابنته إيفانكا وزوجها واجهة البيت الأبيض واستقبالاته وأنشطته الرسمية في مشهد يثير العالم بالسؤال عن كيفية قبول المواطن الأمريكي بذلك، أما بالنسبة للعالم العربي الذي تحكم مفاصله دول غنائمية بأشكالها الإستبدادية والدكتاتورية، حتماً لا يجروء الموطن فيها على الاعتراض من شئ كهذا، فالأفواه مكممة لا يمكنها التفوه ببنت شفة بسؤال أو اعتراض.

باي باي "للسيدة الأولى"
ما علينا، نعود لفرنسا بلد الحريات والديمقراطية العريقة التي كشفت استطلاعات الرأي في "هاف بوست ومؤسسة You Gov" أثناء حملة ماكرون الانتخابية في مايو الماضي أن "68%" من الفرنسيين يعارضون أي دور سياسي رسمي لزوجة الرئيس. بدوره تيري بول فاليت رسام وكاتب فرنسي تصدر المعارضة بعريضة انترنتية على موقع "تشانج.أورغ" قبل أسابيع رفض فيها مع الموقعين الـ"275 ألف" موقع على العريضة هذا الدور، وجاء مضمون نصها: "ندين بشدة جميع هجمات التمييز الجنسي التي تتعرض لها بريجيت ماكرون، ولا نشكك بتاتا في كفاءتها، لكن وفي ظل سعى الحكومة لتخليق الحياة السياسية، ومع تبني القانون الذي يمنع توظيف الوزراء والنواب لأقربائهم، ليس بإمكاننا الموافقة على المبادرة لاستحداث لقب رسمي لزوجة الرئيس ماكرون." ونقطة على السطر.

باختصار رفضوا "شاهر ظاهر" وبكل شفافية دون خوف من عقاب أو انتقام، تخصيص لقب وميزانية لزوجة الرئيس من المال العام ومن الضرائب المستحصلة من الشعب الفرنسي، وبرغم نية الإليزية التوضيح بأن المسكينة بريجيت لن تتقاضى أجراً ولن يعدل الدستور لتحديد إطار عملها كزوجة رئيس الجمهورية أو الموارد المخصصة لها، حيث يفتقد الأخير أي نص قانوي وبرتوكولي من الناحية النظرية لهذا المنصب، إلا أن أصواتاً من المعارضة ارتفعت قائلة :"إن بريجيت لديها حاليا قرابة ثلاثة مساعدين وكاتبين ورجلي أمن وهذا كاف". عملياً الأمر ليس كذلك كما أسلفنا، حيث كلفة دور زوجات الرؤساء ونفقاتهن مرتفعة وتتحملها ميزانية الإليزية وجيوب الفرنسيين. 

ضغينة الخصوم
خلاصة الأمر بعد هذا السجال اتخذت الحكومة قرارها النهائي بحرمان بريجيت من لقب "السيدة الأولى" رسمياً، ما يعني عدم حصولها على ميزانية خاصة واقتصار دورها تبعاً "لميثاق الشفافية"، على أنشطة علنية لا تتضمن أي تأثير سياسي. في هذا الصدد أشارت الكاتبة "نبيلة رمضاني" من "الإندبندنت" البريطانية، إلى سبب خوف سيدات فرنسا الأوليات من الاقتراب -ولو قيد أنملة- من هذا المنصب؛ الذي يجلب الحرج والمذلات المتعددة لمن يحملنه، بدءاً من الخيانات الزوجية، وانتهاء بمنعهن من حق التكلم والتعبير عن أنفسهن بتاتاً. رمضاني تقول أن ماكرون مختلف جذريا مقارنة بمن سبقوه، لديه نزعة قوية لمناصرة المرأة والحركة النسائية، ولهذا سعى إلى تغيير الواقع، لاسيما وزوجته ترفض لعب دور الأنثى في مسلسل العذاب المهين، فهي تتمتع بصوت قوي وازن، ولهذا يفضل ماكرون إضفاء الصفة الرسمية على منصبها.

إن مجموعات الضغط من خصوم ماكرون ومناوئي بريجيت كما تختم رمضاني أبدوا ضغينة وموقفاً حاقداً على النساء، ولهذا نظموا العريضة الإلكترونية، التي يتمحور مضمونها حول دلالة المنصب كما يبدو لهم من خلال السيدات الأوليات ليس إلا، فما ذهب إليه ماكرون ومساعدوه مجرد وضع "ميثاق شفافية" لن تكون له أي تكلفة ولا يتطلب جهداً تشريعياً ولن يتقاضى عن المنصب الجديد أي مرتب ولا يتطلب تغييراً دستورياً، فالدور بالنسبة لهم "عام" وليس "سياسي". الأهم تضيف: "أن كسب المال والإحاطة بهالة وجيش من الحرس آخر هم بريجيت".

ومنه إذا صحت رؤيتها بشأن المسكينة بريجيت، فالمرجح والأكيد أن ذلك لا ينطبق على السيدات العربيات الأوليات في عشق المال والسلطة والشهرة.   

منى عباس فضل
المنامة-19 أغسطس 2017

السبت، 12 أغسطس 2017

أبو عدنان..وداعاً للحياة



  
صباح الخير ولو إنه جاءنا اليوم بخبر حزين، في الإعلان عن وفاة الفنان الكويتي والخليجي الأصيل عبدالحسين عبدالرضا، رحمة الله عليه. 

كان الفنان حاضراً في أحلام طفولتنا الجمعية، ويوم قررت الدراسة في جامعة الكويت كان من بعض الأحلام الصغيرة أن نلتقيه وهو يمثل على خشبة مسارح الكويت الشهيرة آنذاك والتي ولأول مرة نتعرف من خلالها وبما قدمته من أعمال؛ على فن المسرح وجماله الذي صال وجال أبو عدنان على خشبته. 

رحل الفنان الذي طالما حمل قضايا الناس والمجتمعات الخليجية والعربية بتلقائية وعمق وجدية رغم طابع الفكاهة والسخرية أحياناً من بعض مظاهر المجتمع في اعماله الفنية والتي قدمها بمرح وابتسامة، دفعتنا للضحك من أعماق قلوبنا في أوقات كنا في أمس الحاجة للابتسام، كما حفز في نفوسنا روح الدعابة والمرح. 

اليوم وإن قال الكويتيون بأنه كان مواطناً مثل طبيعة المجتمع والإنسان الكويتي على أكمل وجه، وإن قالوا بأنه لم يكن طائفياً وكان مخلصاً ومحباً للكويت التي سوف تتذكره في صفحات تاريخ فنها الأصيل ومحطاته، فهم فيما قالوا على حق. 

ونحن في البحرين ومنذ كنا صغاراً وشباباً ولما بلغنا إليه من عمر، لا نرى ولا نشعر إلا بذلك، كنا ولازلنا نحب الكويت وطناً وشعباً أصيلاً أعطى كل شئ جميل لشعبه ولجيرانه وبمحبة، وعبدالحسين عبدالرضا جزء من هذا العطاء الجميل.

رحم الله الفنان القدير الذي أضحكنا بالأمس وأبكاءنا اليوم، وحفظ لنا الكويت سنداً ومحبة لخليجنا العربي ولكل الأمة العربية. 

د.منى عباس فضل 
المنامة 12 أغسطس 2017





الجمعة، 11 أغسطس 2017

تعليق على مقال د.محمد الرميحي


مرحبا ويسعد مساءكم  

في مقال بعنوان "على أي وجه ستنتهي الحرب الأهلية السورية؟ نشر في 5/8/2017 بصحيفة الشرق الأوسط "أنظر الرابط" أدناه، للدكتور محمد الرميحي،

https://aawsat.com/home/article/991081/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%85%D9%8A%D8%AD%D9%8A/%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%8A-%D9%88%D8%AC%D9%87-%D8%B3%D8%AA%D9%86%D8%AA%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9%D8%9F

يتساءل عن الكيفية التي ستنتهي عليها الحرب الأهلية في سورية.

في سياق تحليله يقارب بين ما حدث من حروب أهلية في العالم وكيف كانت نتائجها التي لا يختلف إثنان معه على تلك النتائج، وإن كانت منطلقات التحليل وموقف المتابعين تتم من زوايا متعددة ومختلفة، وهي –أي النتائج- تتلخص في التدمير وخراب الأوطان ومعاناة الإنسان الذي تتحول معه الأرض وما عليها كتلة مدمرة أو هشة قابلة للإلتواء والإنكسار والتفتت.

في هذا الصدد، يعرض د.الرميحي بالتحليل خمسة عناصر وجدها الأشمل والمشتركة والجوهرية للحروب الأهلية في العصر الحديث؛ أولها يتمثل في تمدد شرر الحروب من النطاق المحلي الضيق إلى النطاق الإقليمي والدولي، وغالباً ما تكون نتائجها حروب تتم بالوكالة وتدخل في الدول التي تخسر أمنها واستقلالها وسيادتها.

أما العنصر الثاني، فيرى تمثله في الدمار الهائل الذي تخلفه الحروب على المستويات الاقتصادية والاجتماعية، وما تتركه من القتلى وجرحي ومختفين وقبور جماعية ومُهجرين ومشردين ومظاهر الجوع والمرض والتشرد. 

العنصر الثالث يجده في الندوب الغائرة التي تتركها الحروب من كراهية وعداء وحقد وعنصرية بين مكونات المجتمع الواحد والأسوأ منه سقوط هيبة الدولة، حيث ينتهى الأمر إلى القتل على الهوية وسيادة قيم الغابة في ثارات المنتصر ضد المهزوم والعكس، فيصبح النسيج الاجتماعي هشاً قابلاً للعطب.

في العنصر الرابع، يُحمل "الدين والطائفة والحزب" مجتمعين أدواراً مهمة في عملية الصراع والحروب. هنا يتساءل المرء كيف إنه لم يناقش "دور الأنظمة الدكتاتورية والتسلطية" بأشكالها الملكية والقبلية أو الجمهورية التي تتوارث الحكم وباتت تملك الأرض بما عليها، وتتعاطي مع الأوطان كغنيمة "دول غنائمية".

الدكتور وبرغم فطنته وعمق خبرته وعلمه وتنظيراته لم يتطرق إليها –أي الأنظمة- والطريقة التي تحكم بها وتدير الدولة، لم يكشف للقارئ كيف إن أغلبها يحكم بالدم والحديد؛ يُسخر الدين والطائفة والأحزاب والآلة الإعلامية والعسكرية والأمنية وعليهم جماعات المولاة وجيوش العلاقات العامة ومن ينتشرون كالفطر رهن إشارة الأنظمة في وسائل التواصل الاجتماعي بشتى أنواعهم وأشكالهم التي تحكم أنشطتهم وعقيدتهم مفاهيم يأتي على قمتها "من ليس معنا، فهو بالضرورة ضدنا"، وإن على الجميع الانصياع والتحدث بلغة واحدة تنتفي معها قيم الديمقراطية وممارسة حرية الرأي والتعبير في ظل ممارسة ممنهجة للبطش والترهيب والترغيب لكل من تسؤول له نفسه الخروج عن المرسوم والمحدد من ممارسات ومواقف مرغوبة.

لاشك أن د.الرميحي لا يفتقد للفطنة والمعرفة لكشف هذا الجانب، إنما فقط نُذكر بما غفل عن مناقشته في السياق الذي سلط فيه نقده اللاذع لبعض الأطراف دون المس بمن يقابلهم ويضادهم من أطراف أخرى، الأمر الذي يشكل معضلة علمية في منهجية التعاطي والنقاش لأي ظاهرة سياسية أو اجتماعية. إن الموضوعية تقتضي مناقشة العوامل ولاسيما الرئيسة منها والفعالة في اطار تشابكها وتفاعلها وقربها وتضادها وتأثيراتها دون نقصان قدر الإمكان، حتى وإن كانت الانحيازات تجاه طرف دون آخر.

بشأن العنصر الخامس والأخير الذي تطرق إليه باقتضاب عن الكيفية التي تبدأ فيها الدولة بفقد عناصر استقلالها وبعض سيادتها بسبب التدخلات الخارجية، حيث قارب ذلك الأمر بأمثلة على أنظمة ومجتمعات وأحزاب محددة دون غيرها، بالتأكيد نتفق معه فيما أورده من أمثلة لكننا نضيف، بأن الدولة تفقد سيادتها أيضاً حين ترتضي وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها أيا كانت سواء لجهة روسيا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو الإيرانية أو التركية أو غيرها.

الدول تفتقد سيادتها حتما ويصبح المواطن لا قيمة له حين تستعين بالخبرات الأجنبية لقمع شعوبها والبطش بهم سواء أكانت تلك الخبرات لأجهزة من كيان العدو الصهيوني أو من الولايات المتحدة الأمريكية أو الروسية أو الأوروبية أو التركية أو الإيرانية أو الباكستانية أو من أي خبرات عربية أخرى، وتحت ذارئع المحافظة على الأمن القومي. هنا يبرز السؤال بشأن المواطنة والحريات والحقوق وثقافة حقوق الإنسان.  

نتفق مع د.الرميحي فيما خلص إليه من أن "الدروس الأكيدة في نتاج الحروب الأهلية تؤكد حقيقتين؛ الأولى بمجرد نشوب الحرب الأهلية، فإن الأمور لا تعود أدراجها من جديد، وتفقد الدولة، حتى لو عادت استقلالها الحقيقي، والثاني أن أياً من الدول الخارجية التي تشارك في حرب أهلية بعيدة عنها تخرج بخفي حنين، أي خاسرة لا محالة. قد يطول الوقت لإنهاء الحروب الأهلية في منطقتنا، ولكن النتيجة (للعقلاء فقط) هي الدرسان السابقان!"، انتهى الاقتباس.

هذا بالطبع ينطبق على الجميع، وليس على مجتمع دون آخر، ليس على دولة دون أخرى.
تحياتنا للدكتور وقلمه النابض بالحيوية.

منى عباس فضل
المنامة-11 أغسطس 2017