منى عباس فضل
في نشاط بحثي تشاركي بين
مجموعة "تقاطعات" النسوية بالأردن ومؤسسة "فريدريش
إيبرت-تونس" أطُلقت دراسة حديثة بعنوان "الاقتصاد النسوي" تناولت
فيها مجموعة من الباحثات نظريات ونماذج "للاقتصاد السائد" وفرضياته عبر تتبع
تطوّرها التاريخي ومناهجها المختلفة "الكلاسيكية والنيوكلاسيكية والكينزية
والنيوليبرالية" والتي وجدتها انعكاسًا لعلاقات القوة التاريخيّة المتأسّسة
منذ فترات الاستعمار وما ساهم من بناءه لهياكل
قمعيّة لاتزال قائمة في منطقتنا وتُعيق أي إصلاح جذري كما تكرَّس التهميش
الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للنساء.
في مقدمتها توضح الدراسة
كيف إن السياسات الاقتصاديّة النيوليبراليّة المفروضة من "صندوق النقد الدولي
والبنك الدولي" لا تُعنى بالعدالة الاجتماعيّة أو باحتياجات المجتمعات وإنما تحدّد
التقدم وفق قيم تتجاهل السياقات الثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة لهذه المجتمعات،
فضلاً عن كونها تبني على إجراءات تقشفية وهيكليّة مثل "الخصخصة وتقليص
النفقات العامة على الصحة والتعليم"، الأمر الذي يُضاعف من حالة التمييز ضد
الفئات الأكثر تهميشًا وأبرزهن النساء لاسيما عبر أدوارهن "غير مدفوعة الأجر"
في الرعاية أو عند انخراطهنّ في "الاقتصاد غير المنظم" وبدون أي حمايّة
اجتماعيّة؛ وتضيف بأن مشاريعها التنموية قد تساهم في تدمير الهويات المحليّة
وتستبدلها بمفاهيم غربية عن التقدم والحداثة وبما يتماشى مع المصالح الاقتصاديّة
والسياسيّة للاستعمار وللدول الغربية.
تفكيك
المنظومة النيوليبراليّة
تركز الدراسة في
مراجعتها العلميّة على "النقد النسوي" وتفكيكه للمنظومة الرأسماليّة ومحاولته
فهم مبادئها الرئيسيّة كالأسواق الحرة و"الإنسان الاقتصادي" العقلاني
والأناني، ومبدأ المنفعة القصوى.. إلخ؛ اعتقادًا منها بأن هذه المبادئ تتحالف بعمق
مع "النظام الأبوي" إذ لا تكتفي بإقصاء النساء من دوائر القرار
والموارد، بل وتعمل على تعزيز سياسات التهميش المستمرة لهن وتُعيق أي تحرك نحو
تغيير فعلي في قضاياهن.
وتشير موضحة بأن "النيوليبراليّة"
شجعت على العولمة وبرزت كنموذج اقتصادي مهيمن ركز على تعزيز الأسواق الحرة وتقليص
دور الحكومة داعيًا إلى إلغاء القيود التنظيميّة وتحرير الاقتصاد، وذكرت بأنه
لطالما جادل "النيوليبراليون" حول أن تترك السوق دون تدخل حكومي، كونه قادرًا
على تحقيق الكفاءة الاقتصاديّة وزيادة النمو المستدام وتحسين الرفاهيّة، فيما يشجع
هذا الفكر على "الخصخصة" وتقليص دور الدولة في تقديم خدمات الرعايّة من صحة
وتعليم وإعانات اجتماعية، كما يعتقد أن القطاع الخاص أكثر كفاءة في توفير هذه
الخدمات، وأن تحفيز السوق والمنافسة بين الشركات سيسهم في تحسين الجودة وتقليل
التكاليف؛ ولهذا فهو يتبنى "نموذج المسؤوليّة الفردية" والاعتماد على
الذات؛ بمعنى أن الأفراد مسؤولون أساسيون عن تحسين ظروفهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
التقاطعيّة
الراديكاليّة
وتلفت الدراسة الانتباه
إلى أن هناك تطورًا حدث في أطر التحليل لدى "الحركات النسائية وحركات العدالة
الاجتماعيّة" التي تتبنى "نهجًا تقاطعيًا راديكاليًا" يعي ماهيّة
العلاقات بين قضايا التحرر والعلاقات بين النظم القمعيّة المختلفة -أي علاقة
الرأسماليّة والأبويّة والاستعمار-، مؤكدة بإن "النقد النسائي" في هذه
الحركات، انطلق من تحفيز للتفكير النقدي وهو يعكس المناقشات المستمرة التي تدلل
على تعقيدات الواقع كما يأخذ بالاعتبار "احتياجات النساء والفئات المهمشة"
بل ويؤكد على أهميّة ما تشكله آرائهم وتجاربهم من إضافة في الفكر الاقتصادي عند
بناء السياسات.
أما البدائل المقترحة من
قبل "الحركة النسائية النقديّة" كما تقدمها الدراسة تكمنُ في الدعوة إلى
اعتماد "النهج التقاطعي" في التحليلات الاقتصاديّة التي تساعد على فهم العلاقات
المعقدة وكيفيّة تداخل العوامل الجندريّة مع العرق والطبقة الاجتماعيّة والموقع
الاقتصادي في التجربة الاقتصاديّة للأفراد والمجال القانوني؛ والتي تحصر الأدوار
الاقتصادية للرجال حتى لو كانت النساء معُيلات لأسرهن، وتوضح الدراسة كيف أصبح
الاقتصاد النسوي أداة حيوية في فهم تأثير النزعات العالمية كإبادة في غزة والسودان
والكونفو على الفئات الأكثر هشاشة كالعاملات في القطاعات غير المهيكلة واللاجئات
وغيرهن، وتلفت الانتباه إلى استجابة النسويات في مبادراتهن وتضامنهن كأحد أشكال
المقاومة والاقتصاد غير المرئي الذي يساهم في بناء اقتصاد أكثر عدالة ومراعاة
للاحتياجات الاجتماعية والبيئية للمجتمع، وعليه فلا حريّة للنساء دون فهم ومجابهة
جذور القمع والاستغلال والاضطهاد وأحد أشرسها هو "المنظومة الاقتصاديّة السائدة".
إلى ذلك تتركز "الرؤية
النقدية النسائية" تبعًا للدراسة على نقد سياسات "الأنظمة الاقتصاديّة
السائدة" التي عملت وروجت لبرامج ومشاريع "الاستقلال الاقتصادي للنساء
وتمكينهن" من خلال تدريبهن على مهارات مطلوبة في سوق العمل وتقديم قروض
لمشاريعهن الصغيرة وتعديل قوانين لتعزيز دخولهن إلى سوق العمل وبقائهن فيه، صحيح
أن الرؤيّة النقدية النسائية" تقر بأن هذا النهج للعمل النسوي نجح في تحسين
واقع بعض النساء، إلا إن الصحيح برأيها لم يحررهن، والسبب يكمن حول تركيز هذا
النهج على المساواة بين الرجال والنساء في سوق عمل ينشط تحت منظومة استغلالية وعبر
نهج الفردانية وإلقاء حمل المسؤوليّة على عاتق النساء كأفراد للنهوض بواقعهن
الاقتصادي حيث اكتفي بدعم اقتصادي شكلي من الدولة أو القطاع الخاص وبتركيز على
الأعراض واغفال جذور الإقصاء والاستغلال الاقتصادي للنساء.
فرضيّة اليد
الخفيّة
أما أبرز فرضيات "الاقتصاد
السائد" التي فككتها الدراسة وفندتها يتمثل أولها في الفرضيّات القائمة على مفهوم
"اليد الخفيّة والمنفعة القصوى والمسؤوليّة الفرديّة" المبنية على أن
الأفراد اقتصاديون بطبعهم ويتخذون قرارات اقتصاديّة ذكيّة بهدف تعظيم منفعتهم أو
أرباحهم؛ كما إنهم على درايّة بالمعلومات الاقتصاديّة المتاحة وفهم عواقب
اختياراتهم؛ ولهذا فهم "أنانيون" بدوافعهم المتعلقة بالمكاسب الشخصيّة ومستقلون
يتخذون قراراتهم بمعزل عن التأثيرات الاجتماعيّة والعاطفيّة أو العلاقات الإنسانيّة،
أو القيم الثقافيّة؛ والدراسة تخلص إلى أن مفهوم "الإنسان الاقتصادي"
يعكس نظرة ذكوريّة للعالم يفترض أن الأفراد يقومون بأعمال اقتصاديّة للمنفعة
الشخصيّة فقط، فيما يتم تجاهل أدوار النساء في الحياة الاقتصاديّة ودوافعها التي
ليست بالضرورة ربحيّة أو نفعيّة شخصيّة.
وتبين الدراسة واقعيًا بأن
القرارات الاقتصاديّة للجنسين تتخذ ضمن شبكة معقدة من العوامل العاطفيّة والعلاقات
الاجتماعيّة والضغوط الاقتصاديّة وهذا ما يضعف فكرة أن البشر يتصرفون دائمًا بطريقة
منطقيّة وعقلانيّة لتعظيم منافعهم، في حين أن القرارات الاقتصادية غالبًا دوافعها غير
اقتصاديّة وقد تتعلق بالمكانة الاجتماعيّة أو التقاليد الثقافيّة؛ كما إن فكرة "المنفعة
الشخصيّة" تسقط من الاعتبار أهميّة التعاون والتضامن التي تمثل سمة أساسيّة
في كثير من الأنشطة الاقتصاديّة التي تؤديها النساء؛ ولهذا تطرح الدراسة الرؤي البديلة
"للاقتصاد النسوي" في محاولة لبناء نظم اقتصاديّة قائمة على "التضامن
والتعاون" بدلاً من التنافس، بحيث يركز فيها على الرفاهيّة الجماعيّة
والاستدامة، وليس النمو الاقتصادي فقط كمقياس وحيد للنجاح، بمعنى إبراز "التضامن
كقيمة مركزيّة" تعيد تعريف الإنتاج والتوزيع والاستهلاك بطريقة أكثر عدالة
وهذا ما يتضح من خلال نماذج مثل "جمعيات الإدخار والائتمان الدوّارة (ROSCAs) وشبكات الدعم المتبادل بين النساء"
فهذه الاقتصادات تتحدّى نموذج "الانسان الاقتصادي" المستقل من خلال
التأكيد على القيم التعاونيّة والشبكات التضامنيّة.
السوق
الحر
ثاني الفرضيات التي تنتقدها
الدراسة؛ هي أن "السوق حر" وقائم على العرض والطلب وهذا يؤدي إلى توزيع
عادل للموارد، وإن آلياته تأخذ مسارها نحو الازدهار التلقائي؛ وبأن تقديم حوافز
اقتصاديّة من "تخفيض الضرائب والقيود على الشركات والأفراد ذوي الدخل المرتفع"،
سيؤدي إلى تحفيز النمو الاقتصادي، وهذا النمو سيتسرب من الطبقات العليّا إلى
الأدنى عبر خلق فرص عمل وزيادة في الاستثمارات ورفع الأجور وتحسين مستوى المعيشة، إضافة
إلى فرضيّة عدم وجود "فجوات اقتصاديّة" فعليّة بين الأفراد، فجميع الناس
يمتلكون رأس المال والموارد اللازمة للاستثمار والتجارة في السوق الحر؛ وفي حين ترى
الدراسة بأن تأثير هذا السوق غير مُحايد على النساء وهو منحازًا في تقيمه لقيمة الأنشطة
بناء على علاقتها بالسوق وليس مساهمتها في رفاهيّة المجتمع، تجد أيضًا بإن العمل "المأجور"
ليس بالضرورة خيارًا متاحًا للكثير من النساء وإن الرأسماليّة والسياسات
النيوليبراليّة أدّت إلى ارتفاع تكاليف المعيشة من إيجار وطعام وتعليم ورعايّة صحيّة،
ما يعني الحاجة إلى دخلين لتلبية الاحتياجات الأساسيّة للأسرة الأمر الذي يخلق ضغطًا
إضافيًا على النساء اللواتي يجدن أنفسهن مُجبرات على العمل في القطاع غير
الرسمي.
تهميش
الأدوار المجُندّرة
أما ثالث الفرضيّات التي
جادلت حولها فهي فرضيّة أن زيادة "الناتج المحلي الإجمالي" ستعكس تحسنًا
في رفاهية الأفراد، ولهذا يُعتمد الناتج كمعيار لقياس النمو الاقتصادي وكهدف ومؤشر
على التقدم والازدهار الذي سيرفع من مستوى المعيشة ورفاهيّة المجتمع. في هذا الصدد
يجمع أصحاب "الفكر النسوي النقدي" على أن "مناهج الاقتصاد
السائد" تتجاهل الجندر وتقصي النساء من التحليل الاقتصادي، بل ولا تتعاطى في
فرضيّاتها مع الأبعاد الجندريّة للحياة الاقتصاديّة باستبعاد وجهات النظر المهمشة،
ومما يضاعف من الاختلال تغلغل الفكر الأبوي في بنية الاقتصاد ونظرياته التي وزعت
الأدوار الاجتماعيّة التقليديّة بناءً على الهويّة الجندريّة.
لهذا دعت جماعة "الاقتصاد
النسوي" إلى إعادة تقييم مفهوم "القيمة" المرتبطة بالمنافع الشخصيّة
والإنتاج السوقي في الاقتصاد وإلى تغير طريقة حساب "الناتج المحلي الإجمالي"
بحيث يشمل "العمل غير المدفوع" ولكونه يساهم في النمو، فالدور غير
المرئي الذي لعبته النساء على مدار التاريخ في رعايّة الرجال وتلبيّة احتياجاتهم
الأساسيّة مثل الطهي والتنظيف وغير المُعترف بقيمتها يعتبر أساس جوهري لبقاء
النظام الاقتصادي بل ويمتد تأثيره إلى تطوّر الفكر الاقتصادي نفسه، وتربط الدراسة بين
تقليص "قيمة العمل المنزلي" بتداخلها مع قضايا اقتصاديّة واجتماعيّة لاسيما
ما يتعلق منها "بعاملات المنازل المهاجرات"، التي تشكل حالتهن نموذجًا فاقعًا
من أشكال الاستغلال الطبقي والجندري بسبب ظروف العمل قاسيّة، والرواتب المنخفضة
وساعات العمل الطويلة وغياب الحقوق الاجتماعيّة والمهنيّة، وما يتعرضن له من استغلال
وتمييز.
الخلاصة؛ الدراسة تقدم
رؤية بديلة لبناء اقتصاد يتحول من أداة سيطرة واستغلال إلى أداة تمكين للمجتمع، وهي
تتبنى فكرة إعادة النظر في معنى القيمة
بحيث تشمل قيمة العمل التي تحقق رفاه المجتمع من أنشطته المدفوعة أو غير مدفوعة،
فالقيمة تبعًا لباحثات الدراسة لا تقتصر على تحقيق الأرباح والإنتاج إنما تتضمن
الرعاية والتضامن والعدالة، وتدعو إلى اعتماد الميزانية الجندريّة كنهج في
السياسات والإدارة المالية التي تعزز العدالة الجندريّة وتحسن من واقع النساء فضلاً
عن مراجعة الضرائب والإنفاق العام من هذا المنظور وبما يراعي احتياجات الجنسين
معاً وبشكل عادل.