الأربعاء، 11 فبراير 2026

نافذة على سنوات قتال الشوارع

 

منى عباس فضل

 

مع شغف القراءة والنبر وجدت نفسي مسافرة عبر زمنٌ مزدحم بالأحداث والشخوص التي جسدها حيّة المؤرخ اليساري البريطاني الباكستاني "طارق علي" في مؤلفه "سنوات قتال الشوارع: سيرة ذاتية للستينيات". أرشدني للكتاب صديق كويتي أثناء لقائي معه قبل أشهر ونحن نستعيد كعادتنا نتف من ذكريات سنواتنا الدراسيّة في جامعة الكويت وزخم أحلامنا الرومانسيّة وتشعبها في إطار نشاطنا الطلابي آنذاك، قال لي: منذ أمسكتُ بالكتاب بين يدي لا أستطيع تركه جانبًا! شعرت بالتحدى، ودعته متوجهة إلى "منشورات تكوين" بالشويخ حيث وجدت ضالتي بنسخة منه وبدأت رحلة التعرف على طارق وتجربته السياسيّة النضاليّة بكل ما تعج به من تواريخ وأسماء وشواهد تمثل بحق مادة دسمة للنقاش وإعادة صقل الوعي وتزيته. 

الحق يقال، السيرة ليست تقليديّة في مضمون سردها السياسي ودلالات نقدها كما عهدنا؛ وإنما تعد وثيقة ثقافيّة أنثروبولوجيّة إن صح التعبير حيث يتداخل فيها السرد السياسي والإيديولوجي النقدي ويتشابك مع الذكريات والتأمل في المفاهيم والمواقف السياسية بل وفي الأخطاء والتناقضات التي راجت في الستينيات، كما يتخللها شهادات حيّة وخلاصة تجارب لا تزال ركائزها وامتداداتها قائمة في عالمنا اليوم على الرغم من المتغيرات الظرفيّة التي طرأت على العالم وتشابكها وتعقيداتها، ورغم انحيازه إلى ما يؤمن به إلا إنه كان موضوعي التحليل والمراجعة. يتساءل أحد النقاد في قراءته للكتاب؛ هل تلك الستينيات العارمة باتت تنتمي للتاريخ أكثر منها للسياسة وإن الحديث عنها أصبح محض نوستالجيا "حنين للماضي" ..أم إن العالم لا يزال بحاجة إلى روح يمكن أن تستدعى ليس للحنين، بل لإعادة التفكير والبناء؟.

خسارات واجتزاء للتاريخ

ينقل عن الشاعر الإيطالي "بيير باولو بازوليني" في بداية صفحات الكتاب أبيات من قصيدة كتبها عام 1970، واصفًا إياها بالمجحفة بحق جيله ومع ذلك اعتبرها قصيدة تنبؤية، كتب في مطلعها: أيها الجيل البائس، ستبكي لكن بدموعٍ بلا حياة، لأنك ربما لن تعرفَ حتى كيف تعود، إلى هذا الذي لا تستطيع خسارته، لأنك لم تملكه أصلاً،...وتنتهي الأبيات: وحين تقدمتُمْ في العمر، رأيتُ رؤوسكم مملوءة باللوعة، حيث تُدوّمُ فكرةٌ مشوشةٌ، يقينٌ مطلق، وافتراض أبطالٍ مقدّرًا لهم ألا يموتوا- أيها الشباب البائس، الذي رأى في المتناول نصرًا مدهشًا لم يكن موجودًا قط"؛ نعم كان لكل منا أحلام وخاض تجربته النضالية التي لا تزال تضج بأحداثها وتفاصيلها في يومياته حتى وإن لم يتقن سردها كما أتقنه "طارق علي" وهو يعبر؛ "الذين ينسون الماضي، لا يمكنهم التعلم من أخطائه وانتصاراته.. كيف لنا أن نمسح من الذاكرة سنوات، أحداث، ألم وفرح.. "فعلاً كيف؟!

في اجتزاء سردية التاريخ يشير إلى إن: "أبطال اليوم غالبًا مجهولون -فلاحون، عمال، سكان عشوائيات، عاطلون عن العمل – في كل قارات العالم، ينفجر غضبهم أحيانًا ليذكرنا بأن جميع المشاكل القديمة لا تزال قائمة، أما الأشرار فهم أنفسهم ما زالوا يحكمون معظم العالم"؛ ويضيف "الشباب ينجذبون إلى فترة الستينيات لأنهم يريدون الحقيقة التي نادراً ما يحصلون عليها في المدارس أو وسائل الإعلام التقليدية، ويسألون أسئلة مثل: أين كان الفهود السود؟ وهل تم القضاء عليهم حقًا من خلال قمع الدولة؟ وماذا عن جماعة (ويذر أندر غراوند) الطلابية اليسارية الأمريكية؟ هل كانت حقيقية؟ و(التوباماروس) الثورية اليسارية في أوروغواي، والثوار الطلاب في باريس ولاهور، والمجزرة في العاصمة مكسيكو؟ وللأسف، كُتُبُ التاريخ المدرسية تلتزم الصمت حيال هذه المواضيع"؛ ورغم ذلك وجد أن جيلاً جديداً من العمال الشباب قد تأثر بالسياسة والثقافة السائدة في تلك الفترة، إضافة إلى وجود النشطاء السياسيين الذين يعيشون في المنافي هربًا من ديكتاتوريات بلدانهم فالجميع منهم قد تتلمذوا على يد الحالة الثورية السائدة في أوروبا الغربية وإن نموذج ثورة الطلاب في فرنسا كانت معدية، في براغ والمكسيك وباكستان والبرتغال واسبانيا وغيرها. 

ثورات على مفترق طرق

تتداخل أزمنة السرد عند طارق ولتعميق فهمنا للشخصيات والأحداث وتفسيرها يعود بنا "فلاش باك" لمرحلة سقوط غرناطة مرورًا بتسعينيات القرن الثامن عشر حيث الثورة الفرنسيّة وثورات 1848 وكومونة باريس 1871 وانتفاضة مايو الطلابية الفرنسية عام 1968 وحركات التمرد الطلابي وثورة 1971، وثلاثينيات القرن العشرين والستينيات وما ألقى بتأثيراته في حاضرنا، بيد إن الثيمة المركزية التي تمحور حولها السرد تمثلت في نشاطه كماركسي تروتسكي يساري ضد الإبادة الجماعيّة التي ارتكبتها أمريكا في فيتنام وضد الاستعمار.

انطلق من طفولته وهو ابن رئيس تحرير صحيفة باكستانية بارزة، وكقائد طلابي تشكل في بيئة ناضجة متنقلاً بنشاطه الطلابي إلى جامعة أكسفورد بارعًا في المناظرات السياسيّة والنقاشات العامة في الحرم الجامعي وخارجه؛ متأثرًا بثورات التحرر الوطني، مرورًا بتجربة لقاءه مع جيفارا وفي بوليفيا، موثقًا انتفاضة مايو الطلابية في فرنسا والثورات الاجتماعية في ستينيات القرن الماضي وكيف شهد حرب فيتنام وربيع براغ وناقش دور اليسار الراديكالي ضد الإمبريالية وتشظياته والعطب الذي أصاب بعض أصحابه وما انتهت إليّه الأحلام والطموحات، كما تناول مؤتمرات الأحزاب والتعبئة الجماهيرية والسجالات حول الستالينية وحكايات الناجين من عملية التطهير التي ارتكبها "ستالين"، واصفًا تلك الفترة بأنها صاخبة وغيرت وجه العالم.

ومن كونه أحد أبرز الناشطين الماركسيين التروتسكيين يقدم تحليلاً نقديًا للنظام الرأسمالي وللهيمنة الغربية لا وبل لليسار التقليدي نفسه، "حيث أصبحت الخصخصة من وجهة نظره وإلغاء القيود والمشاركة الإجبارية لرأس المال في القطاعات العامة التي كانت تُعتبر مقدسة مثل الصحة والتعليم والإسكان والبث التلفزيوني والإذاعي العام، معيارًا لا يمكن تحديه. لم يعد المنطق السائد سوى منطق فردي، وتسللت اللغة النيوليبرالية إلى كل مؤسسة تقريبًا، وأثرت على تفكير الكثيرين ممن يعارضون النظام الجديد. أصبح مجال الحرية الآن مرتبطًا بالضرورة برأسمالية جامحة وخالصة؛ أصبحت السياسة الرسمية مجرد اقتصاد مركز، والحرب استمرارًا لها". ويضيف "تمت كتابة ومناقشة الكثير عن سقوط الشيوعية، لكن نادرًا ما تم مناقشة انهيار الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية التي كان قادتها رجالاً معتدلين، تبنّوا السياسات النيوليبرالية بحماسة.

من هنا تنبع أهميّة الاطلاع على هذا الكتاب لاسيما مع استدعاء مفاهيم كالعدالة والسيادة والمقاومة والتحرر والإبادة الجماعيّة ومقاربتها مع ما يحدث في فلسطين وما ترتكبه الإمبريالية الأمريكية الصهيونية والغربية من جرائم في إشعال الحروب وخرق سيادة الدول والتوحش والجشع والفساد، فقد عارض طارق غزو العراق والأكاذيب التي بررت الغزو، وأشار إلى دراسة علمية حول التكلفة البشرية لهذه الحرب التي بلغت ما لا يقل عن 100 ألف عراقي فقدوا حياتهم منذ الغزو، وإن نصفهم كانوا من النساء والأطفال ممن قتلوا في غارات جوية، فيما نشرت مجلة (لانست) الطبية البريطانية نتائج دراسة تشير إلى أن عدد الضحايا العراقيين قد يكون 100 ضعف خسائر قوات التحالف، وانتقدت بشدة فشل قوات التحالف في إحصاء الضحايا العراقيين.

بين هانوي وفلسطين والروك

يخصًص المؤلف جزء من الكتاب عن علاقته مع "إدوارد سعيد" والمقابلات التي أجرها معه وخلص إلى إن الأخير ساعد جيلاً كاملاً في فهم التاريخ الحقيقي لفلسطين باعتباره المؤرخ الحقيقي لشعبه ووطنهم المحتل، وهذا ما أكسبه الاحترام والإعجاب في جميع أنحاء العالم؛ سعيد الذي قال بأن الفلسطينيين أصبحوا الضحايا غير المباشرين للإبادة الجماعية لليهود الأوروبيين في الحرب العالمية الثانية، لكن قلة من السياسيين في الغرب بدوا مهتمين بذلك"، ورأي بأن "إدوارد سعيد" وخز ضميرهم الجمعي، ولم يحبوا ذلك فيه؛ ورغم إنه ساعد في مراجعة وإعادة صياغة خطاب "ياسر عرفات" أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1974، إلا أنه بدأ مع الوقت ينتقد بشكل متزايد غياب الرؤية الإستراتيجية لمعظم القيادات الفلسطينية؛ ووصف مصافحة "ياسر عرفات واسحق رابين" في حديقة البيت الأبيض بـ"الابتذال المسرحي" كما وصف اتفاق أوسلو بأنه "أداة استسلام وفرساي فلسطينية".

تحدث عن أكثر هجمات "إدوارد سعيد" الحادة على قيادة عرفات وشجبه لاتفاقية أوسلو بوصفها مجرد إعادة تغليف للاحتلال قائلاً: "الشعب الفلسطيني يستحق أفضل من ذلك، وإنه علينا القول بوضوح إنه مع عرفات ورفاقه في القيادة، لا يوجد هناك أمل.. ما يحتاجه الفلسطينيون قادة هم بالفعل من وإلى الشعب، القادة الذين يقاومون فعليًا على الأرض، وليسوا البيروقراطيين المنتفعين مدخني السيجار الثخين الذين يحرصون فقط على الحفاظ على صفقاتهم التجارية وتجديد تصاريح كبار الشخصيات، والذين فقدوا كل دليل على النزاهة أو المصداقية.. إن الكفاح من أجل التحرير من الاحتلال الإسرائيلي هو المكان المستحق الذي يجب على الفلسطيني الوقوف فيه الآن..".

في سياق السرد عرى جرائم جيش الدفاع الإسرائيلي في إبادة الفلسطينيين، إذ يكشف في مقابلة لاحد جنودهم كيف أن القتل أصبح جزءًا من مهنتهم ويمثل شكل من أشكال السخط الوظيفي لهم: "إن عملية إطلاق النار هي طريقة الجندي الإسرائيلي في التأمل، في التحلل من الغضب عندما تكون في الجيش الإسرائيلي! في الخليل هناك أمر لدينا يسمى (إطلاق النار التأديبي)، فقط أطلق النار على ما تحب، على كل شيء تراه، سيارات، أشياء تتحرك، على نوافذ نشر الغسيل ليجف، وكنت أعرف أن هناك أشخاصاً قد يصابون، إنه أشبه بتفريغ غضبك على كل شيء، إطلاق النار يريحك، مثل التأمل".

اعتمد طارق الشفافية والمصداقية في تعاونه مع الناشطين العالمين مما أضفي قيمة مضافة لتجربته التي استندت على المقاومة ضد الاستعمار وتفاعله مع الحركات الثقافيّة (الموسيقيّة منها) والسياسيّة، فقد ارتبط نشاطه التضامني مع فيتنام بتاريخ موسيقى "الروك أند رول" وتحدث عن مشاركاتهم في مظاهرات الحملات مع فيتنام وقد بلغ ذروة علاقته بها حين لقاءه مع أسطورة الروك "جون لينون" عضو فرقة البيتلز، فهذه الموسيقى كما يقول: "هي بمثابة ثورة أساسيّة لأبناء جيلي وظروفي، كنا بحاجة إلى صوت مدوٍّ وواضح يكسر قسوة المشاعر والقمع الذي كان يُمارس علينا نحن الشباب..". كذلك بنى علاقة مع "مالكوم إكس" مستندة على فهم أن الاستعمار يضطهد السود ويستعمر كل مكان بينما البيض أفرادٌ قادرون على المساهمة في تحسين وضع الإنسان، واكتشف من خلال هذه العلاقة صدق الأخير في حضوره ومنهجه الفكري، واتفق معه حول العنصرية البيضاء التي تستغلها الولايات المتحدة لكسب التأييد الشعبي لقتل الناس في آسيا وأفريقيا وفلسطين والشرق الأوسط كما تضطهد السود في أمريكا، وتقارب مع "جون بول سارتر" بأنه يجب على الناس معارضة الحرب على فيتنام لأنها كانت إبادة جماعيّة استعماريّة؛ وعن علاقته بـ"ريجيس دوبريه" الذي احتجز في زنزانة انفرادية في "كَاميري" ببوليفيا، وأصبح بعدها سجينًا للقومية الفرنسية حيث صار مستشارًا للرئيس "فرانسوا ميتران"، وتطرق إلى تفاصيّل محاولة "بوش" القيام بانقلاب في فنزويلا قبل عام من حرب الخليج الثانية، ولم يؤيد الشعب الفنزويلي إزاحة "تشافيز" زعيم فنزويلا وقتها، وفشل انقلاب وكالة الاستخبارات المركزية في إزاحته.

الخلاصة هذا الكتاب يفسح المجال لسبر غور تجربة نضالية يسارية بكل ما لها وما عليها؛ ففي نهاية المطاف كان هناك حلم وخسارات وخلاصات يمكن من خلالها إعادة التفكير في الأفكار والنظريات وفي أسس السياسة والديمقراطيّة ومآلاتها وما نحن فيه اليوم.

 * "لست نادمًا على شيء. لقد ارتُكبت أخطاء كثيرة من قبل أفراد (بمن فيهم أنا) وجماعات، وكان هناك الكثير من التصوف والفانتازيا الحالمة في تلك المرحلة، لكن الثيمة المسيطرة كانت الإيمان الحقيقي بالحاجة إلى عالم جديد، وسؤالي هو: كيف يمكن للمرء اليوم أن يؤمن بشيء غير هذا؟... "طارق علي" 

المنامة - 11 فبراير 2026


 Ali on the march against the Vietnam War, London, 17 March 1968

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

"مبادرات" أم جبايات من جيوب الفقراء

منى عباس فضل

كتب إريك هوبسباوم في مجلة "القزم الأسود" مرة "أنه عندما يُظهر أحدهم أن الناس ليسو بلا قوة، فقد يشرعون في التحرك من جديد".

بين صخب مهرجانات الأنوار والأكل وعروض ليالي المحرق وهوى المنامة؛ بين ضوضاء اجتماعات السلطتين التنفيذية والتشريعية وزوبعة نتائجهما؛ تحتل سرديات السياسة وهموم الناس صدارة المشهد العام؛ لم لا وقد باشروا بتحميل المواطن أعباء "تعديل الوضع المالي" وارتفاع الدين العام؛ وتخفيًا لحدة وقع القرارات غير العادلة على السمع أطلقوا عليها "مبادرات"، فهل هي حقًا مبادرات أم جبايات تُغرف من جيوب العامة وتثقل كواهلهم بكلفة الأزمة الاقتصادية؟ الغريب ما ورد في تصريح رسمي بأن "المبادرات" ليست لتقوية الوضع المالي بحد ذاته، بل لتحقيق مزيد من الازدهار للمواطنين؟! "كيف؟! الله العالم". وفي مزايدة إنشائية أخرى من رئيس غرفة تجارة وصناعة البحرين أيد فيها القرارات لأنها باعتقاده تحقق الصالح العام للوطن والمواطنين وستسهم في زياد كفاءة الإنفاق الحكومي وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الشفافية؟! "كيف؟! لا ندري".  

في الترويج الإعلامي المكثف "للمبادرات"؛ قيل بأنها ستعمل على خفض المصروفات الإدارية بنسبة "20%" لكافة الجهات الحكومية؛ مع الحفاظ على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وزيادة مساهمة الشركات الحكومية في الميزانية العامة للدولة؛ لكن هذا يفتح باب أسئلة متشعبة ومعقدة بحاجة إلى برلمان يمتلك ناصية المساءلة والمحاسبة ووضع النقاط على الحروف في التحقق من أي عبارات إنشائية، خصوصًا وإن شكاوى الناس تمددت وتعمقت حول هبوط مستوى التعليم الرسمي وارتفاع رسوم التعليم الخاص والعالي وتدني الخدمات الصحية حيث مواعيد معاينة المرضى أو الفحوص بأنواعها  تمتد إلى سنة أو أكثر والكثير الكثير.  

من "المبادرات" التي سيعملون على تنفيذها في 2027؛ إحالة مشروع قانون إلى السلطة التشريعية بفرض إيرادات بنسبة "10%" على أرباح "الشركات المحلية" التي تتجاوز إيراداتها مليون دينار، أو يتجاوز صافي أرباحها السنوية "200 ألف دينار"، وذلك على الأرباح التي تفوق "200 ألف دينار" بما يعزز تنويع مصادر الدخل، وتحسين استغلال الأراضي الاستثمارية غير المطورة التي تتوفر فيها كافة خدمات البنية التحتية من خلال رسم شهري بواقع "100 فلس" لكل متر مربع بهدف تطبيقها في 2027؛ السؤال: لماذا تستثنى "الشركات الأجنبية" من فرض هذه الضريبة التي طالما طالب بها الاقتصاديون باعتبارها مصدر دخل لا يستهان به للميزانية العامة.

أما في 2026 فسيستحدثون رسومًا على خدمات الصرف الصحي مع استثناء المسكن الأول للمواطن، بواقع "20%" من قيمة استهلاك المياه؛ إضافة إلى مراجعة رسوم العمل على الأجانب دعمًا لأولوية المواطن في التوظيف، وتصحيح سعر الغاز الطبيعي على الشركات والمصانع بما يعكس التكلفة الفعلية للاستهلاك وتطوير آليّة لتحديد أسعار الوقود، وإحالة مشروع قانون إلى السلطة التشريعيّة بزيادة الإيرادات الانتقائيّة على المشروبات الغازية بناء على التوافقات مع السلطة التشريعيّة، وكما جاء في منشوراتهم عدم تغيير تعرفة الشريحة الأولى والثانية للكهرباء والماء في المسكن الأول مع مراعاة الأسر المركبة وإرجاء تطوير آليّات دعم الكهرباء والماء للمواطنين للمزيد من الدراسة، وتعديل تعرفة استهلاك الكهرباء والماء للفئات الأخرى، وتسهيل الإجراءات الحكومية الداعمة للاستثمار وزيادة فاعليتها لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز دور القطاع الخاص.

بين هذا وذاك التهبت وسائل التواصل الاجتماعي بالشكوى والتذمر تارة والتندر تارة أخرى على ما وصل إليه الحال؛ ولأن حرية التعبير المكفولة دستوريًا نص على ورق ومن خوف الناس بالتعبير عن شكواهم ونقد الحكومة، فليس أمامهم سوى تحميل كامل مسؤوليّة هذه الحالة التعيسة لنواب البرلمان والشورى وكأن بيدهم مفتاح العريش. هناك من غضب وطالب بقراءة الفاتحة على مجلس النواب واستقالة أعضائه على الرغم من اعتراف الجميع بأن النواب ليس في يدهم شيء ولا يتمتعون بصلاحيات وإن جوهر المشكلة يكمن في قصور صلاحيات المجلس الذي وصفوه بأنه "عقيم ومجرد ديكور" وإن أداءه ضعيف ورغم كل ذلك أيضًا يطل رئيس مجلس النواب على الناس مصرحًا "بأنه يدعم ما تم الاتفاق عليه من "مبادرات لتمويل الدعم المستحق لمحدودي الدخل والطبقة الوسطى، ويقدم التشكرات لعدم تغيير تعرفة الشريحة الأولى والثانية للكهرباء للمواطن في المسكن الأول، وإرجاء تطوير آليّة الدعم للمزيد من الدراسة.. إلخ".. عجيب؟!  

وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدُر، كان الأجدى في هذا الواقع الرجراج أن يكون المناضل والقائد الوطني المحلل الاقتصادي إبراهيم شريف حاضرًا بيننا، ليرتفع صوته الجريء حاملاً هموم الناس ومعاناتهم، وهو الجاد الذي لا يراوغ بتقديم حلول ترقيعيه ولا يعبث مع الأرقام، فقد توقع أن يكون الأثرياء أكبر المستفيدين من منظومة دعم الكهرباء والماء والوقود، وهو الذي قارن دعم المواطن الثري الذي يستهلك أضعاف ما يستهلكه المواطن محدود الدخل وتوقع ارتفاع فاتورته إلي (121 د.ب)، لكنه من عجب يحصل على دعم مضاعف رغم إنه ليس بحاجة للدعم كما قال.

في السياق ذكر الشريف بأنه في غياب الدعم الحكومي الحالي؛ فان نصف المواطنين سيتحولون إلى فقراء وبعضهم إلى معدمين، وأكد أن منظومة الدعم القائمة ضرورية بسبب البطالة وركود الأجور جراء سياسة الأبواب المفتوحة للعمالة الأجنبية وحصة رأس المال في الأرباح على حساب العاملين واحتكار الأراضي والفساد والضرائب غير العادلة؛ ولطالما كان إبراهيم فصيحًا واضحًا في التعبير عن أسباب وصولنا إلى العجز الكبير في الميزانية العامة حيث أرجعه إلى "التجنيس السياسي" والهدر في النفقات، وبمسؤولية القائد والاقتصادي اقترح حلولاً بديلة؛ تتضمن فرض ضرائب على الدخل والثروة ورفع رسوم استقدام العمالة وخفض النفقات خارج الموازنة والمصروفات غير الضرورية وبيع أراضي الدولة بدل استخدامها للهبات، والتي لم تتضمنها "مبادراتهم" كما لاحظنا.

من جهة متصلة، حسنًا فعل المنبر التقدمي بإصداره "بيان الرفض القاطع" لقرارات رفع أسعار المحروقات وتعرفة الكهرباء كونها حقوق اجتماعيّة وليست سلعًا ربحية، وبأنها حلقة من حلقات تحميل المواطنين كلفة الأزمة الاقتصادية في حين بقيت مراكز الثروة ورأس المال بمنأى عن تحمل أي أعباء، مؤكدًا أن هذا الخيار الاقتصادي يضغط على الأجور التي لم يطرأ عليها أي زيادة وبالتالي فهذه القرارات تنقل عبء العجز المالي من الدولة إلى المجتمع عوضًا عن مساءلة أنماط توزيع الثروة والامتيازات، كما وإن في هذا تكريس لتجريد الدولة من القيام بدورها الاجتماعي تمامًا كما سبق وعبر الشريف عن حقيقة خفض الدعم الحكومي والتلاشي القادم لشبكة الأمان الاجتماعي للمواطنين. وكان جيدًا أن سارعت سبع جمعيات سياسية بإصدار بيانٍ حول قرارات الحكومة الأخيرة برفض رفع الدعم عن تعرفة الكهرباء وزيادة أسعار المحروقات، مطالبة مجلس النواب بالتحرك الفوري ضد زيادة الكهرباء والماء والبنزين إيفاء لتعهداتهم بحماية مصالح المواطنين وحياتهم المعيشية.   

ختامًا إن المتضرر الأكبر من رفع الدعم عن الكهرباء وزيادة أسعار المحروقات هو المواطن المتدني والمتوسط الدخل ممن ازدحمت بهم محطات البنزين مساء أمس، إنها رسالتهم الفاقعة المعبرة عن عدم مراعاة الحكومة لقدرتهم الشرائية وهي مؤشر صارخ لمن يدير الاقتصاد عن البؤس الذي وصل إليه الناس، وعن هشاشة الوضع الاقتصادي؛ في الحقيقة إنه إنذار لأزمة قادمة إن لم يتم التعامل معها بشفافية وحكمة. 

المنامة - 30 ديسمبر 2025

 

الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025

الأسرة الخليجية وتحديات الرقمنة


منى عباس فضل

 شاركتُ مؤخرًا في منتدى عقده المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية بدول مجلس التعاون ومعهد الدوحة الدولي للأسرة وباستضافة كريمة من وزارة الشئون الاجتماعية بالكويت؛ حول "الأسرة الخليجية بين التحديات الرقمية وفرص الاستثمار البشري"؛ حيث تم فيه تداول محاور مهمة تتعلق بسياسات الحمايّة الاجتماعيّة الرقميّة وتأثيرها على الأسرة الخليجيّة إلى جانب الاستثمار البشري الذكي والابتكار في بناء الأسرة المستدامة، والتربيّة الرقميّة وأهميّة تعزيز القيم والأخلاقيات الأسريّة فضلاً عن رأس المال البشري كقوة محركة للتنميّة المستدامة للأسرة الخليجيّة. 

في حقيقة أمر الأسرة الخليجية وتبعًا لإحصاءات رسميّة خليجيّة يمثل أطفال بلدان مجلس التعاون ما دون سن الـ15 عاماً حوالي "12.6" مليون طفل، الذكور منهم "51.1%" والإناث "48.9%"، وإن نسبة "100" من هذه الأسر تتمتع بإمكانية الحصول على خدمات المياه النظيفة والكهرباء إلى جانب إن التغطيّة الصحيّة فيها قد بلغت "72%" مقارنة بالنسبة العالمية "68%"، أضف إليه ارتفاع نسبة الشباب واليافعين ممن يتقنون مهارات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كما وهناك توسعة في بناء شبكات الضمان الاجتماعي واعتماد سياسات تمكين المرأة وتشجيع للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وتضمين دعم الأسرة في استراتيجياتها السكانية بهدف تعزيز دورها وحمايتها، لكن ومع كل هذه المميزات وتلك؛ إلا إن الأسرة الخليجية وبشهادة الباحثين والاختصاصين تتعرض إلى تحديات متزايدة في ظل الانفتاح الرقمي والتكنولوجي، وهي التي في الأصل تعاني من هدر وجودي في حياة أفرادها اليومية يكاد يطال بنيتها وعلاقاتها الوظيفية؛ كيف؟

تحديات التطوّر الرقمي  

تناول الخبراء والباحثين هذه الإشكاليات والتحديات بالدراسة المتعمقة والتحليل؛ وتوصلوا إلى إن أبرز سمات هذه الإشكاليات تتعلق بأسلوب الحياة المفرط في الاستهلاك والذي أصبح معياراً للقيمة والوجاهة لاسيما في ظل ما تتعرض إليه من طوفان تأثيرات التطوّر الرقمي السريع ووسائل التواصل الاجتماعي التي أوصلت الأفراد عامة إلى حالة من الإغراق في التعامل مع هذه الوسائل والتعرض إلى تأثيراتها بكل ما تعكسه من سلبيات أو ايجابيات تؤثر بهذا الشكل أو ذاك على تماسك العلاقات الأسرية وبنية المجتمع، ففي إحصائية عرضتها الباحثة آمنة النعيمي في المنتدى حول التحديات المرتبطة باستخدام الألعاب الإلكترونيّة ومحتوى الأنترنت على الأسرة؛ تشير إلى إن عدد لاعبي الألعاب الإلكترونية حول العالم في ازدياد وقد بلغ "2,686 لاعب في عام 2024، وإن "21%" منهم في عمر أقل من 18 سنة، وإن عددهم في الشرق الأوسط وأفريقيا وطبعًا من ضمنهم بلدان الخليج يصل إلى "377 مليون"؛ لاسيما وإن المخاطر تكمن كما ذكرت في قصور وعي الأسرة الخليجية لتصنيف هذه الألعاب ومحتواها التي يتم تبادلها في بطاقات الهدايا والتعبئة؛ هذا وتجمع أغلب الدراسات الاجتماعيّة والنفسيّة على تأثيراتها السلبية ومنها بروز ظواهر اجتماعيّة خطيرة كالطلاق والهجر وممارسة العنف الأسري واهمال رعاية أفراد الأسرة لبعضهم البعض ناهيك عن حالة العزلة والاغتراب التي يعيشونها في المجتمع. 

بالطبع أدى ذلك إلى ارتفاع حالات الصراع واتساع الفجوات بين المتطلبات الملحة ومحدودية الإمكانيات المتوفرة، إضافة إلى إشكالية تنشئة ورعاية الأبناء في ظل التعاطي مع المتغيرات السريعة وتطوّر وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي الذي جعل عالمنا المحلي مفتوحًا فأخل بالضوابط السلوكيّة وغابت معه المرجعيّة الوالديّة وكل هذه القضايا الشائكة وغيرها المتعلقة بواقع الأسرة في ظل تحديات التنمية المستدامة؛ قد تم تفكيكها ومناقشتها خلال يومي المنتدى في إطار تفحص لسياسات الحمايّة الاجتماعيّة الرقميّة الخليجيّة من قوانين وتشريعات ومبادرات استحدثتها بلدان الخليج للتعامل مع متغيرات الواقع السريعة وتأثيرات التحول الرقمي وانعكاساتها على العلاقات الأسريّة والتحديات التي تواجهها وذلك بالتركيز على مناقشة أنظمة التعليم والصحة والضمان الاجتماعي  والمبادرات، والتطرق للاستثمار البشري الذكي والابتكار في بناء الأسرة المستدامة فضلاً عن التربية الرقميّة لتعزيز القيم والأخلاقيات الأسرية. 

في ذات سياق التداول؛ شاركتُ في حوارية "رأس المال البشري من كونه قوة محركة للتنميّة المستدامة للأسرة الخليجيّة"، وكان من المجدي أن أتطرق إلى مفهوم "رأس المال البشري" استنادًا إلى النظريات والبحوث التي تناولته؛ لاسيما المتعلق منها من كونه قوة محركة للتنميّة المستدامة في المجتمعات؛ آخذة بعين الاعتبار ما أشار إليه تقرير  CIPD من أن بعض بلدان الخليج لم تستفد إلا بجزء من رأس مالها البشري وإن نحو "44%" منه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا غير مُستغل بالكامل. 

رأس المال البشري

يُعرف رأس المال البشري "Human Capital Theory" الذي يتبناه معظم الباحثين والمنظمات والمؤسسات الدولية بأنه "مجموع المعارف، والمهارات والكفاءات، والصحة التي يمتلكها الأفراد والتي تُساهم في زيادة إنتاجيتهم وقدرتهم على الإبداع والعمل كما تُوظَّف لخلق قيمة اقتصاديّة واجتماعيّة، ما يعني إنه؛ استثمار في الإنسان نفسه من خلال التعليم والتدريب والصحة والخبرة، بهدف تحسين قدرته على الإنتاج وتحقيق التنمية، وتبعًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) يعرف بأنه "المعرفة والمهارات والكفاءات والسمات المتجسدة في الأفراد التي تسهل خلق الرفاه الشخصي والاجتماعي والاقتصادي"، أما البنك الدولي فيشير إلى إنه "يتألف من المعارف والمهارات والقدرات الصحيّة التي تتراكم لدى الأشخاص على مدار حياتهم بما يمكنهم من استغلال إمكاناتهم كأفراد منتجين في المجتمع، وتبرز أهميته من كونه يحارب الفقر والفوارق الاجتماعية وبناء مجتمعات الرفاه وتحقيق أهداف التنمية الشاملة والمستدامة". 

حسب مصادر متعدّدة، برزت نظريّة "رأس المال البشري" منذ خمسينات القرن الماضي خصوصًا بعد الحرب حيث تركز اهتمام أغلب الاقتصاديين على فكرة فوائد التعليم والتدريب الاقتصادية والتي يعود أصلها إلى "نظرية التطوّر الاقتصادي الكلي" التي تتضمن عوامل أساسية للإنتاج من أرض ورأس مال مادي وإدارة، وارتفعت وتيرة بروزها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بين 1988 و1992 بسبب أبحاث نماذج "نمو رأس المال البشري" ومن أهم روادها المساهمين في تطوير المصطلح "ثيودور شولتز"؛ بيد إن التطبيق الأكثر شهرة لفكرة "رأس المال البشري" في الاقتصاد جاءت على يد "غاري بيكر"   Gary Becker من "مدرسة شيكاغو" والحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، ففي كتاب له بعنوان "رأس المال البشري" الذي نشر في عام 1964 والذي أصبح مرجعاً معيارياً لسنوات عديدة، عرف "رأس المال البشري" "بأنه الأنشطة التي تؤثر على الدخل النقدي والنفسي في المستقبل من خلال زيادة الموارد لدى الناس"، كما حدد أشكالها الرئيسية في كل من التعليم والتدريب أثناء العمل. 

من جهة متصلة، تشير نظريته إلى أهمية تحقيق الاستثمار منذ الصغر وفي مرحلة الشباب حيث تقل وينخفض الاستثمار في رأس المال البشري مع تقدم العمر؛ وهو يشبه رأس المال البشري بـ"الوسائل المادية للإنتاج"، مثل المصانع والآلات؛ ويؤكد على إنه يمكن للمرء الاستثمار في رأس المال البشري عن طريق التعليم والتدريب والعلاج الطبي، وتعتمد مخرجات المرء جزئيا على معدل العائد على الإنسان رأس المال الذي يملكه، ومن ثم فإن رأس المال البشري يعد وسيلة للإنتاج، ويؤدي الاستثمار الإضافي فيه إلى إنتاج إضافي ولا يمكن نقله كما الأرض أو العمل أو رأس المال الثابت. اللافت أن النظرية تعرضت إلى انتقادات متعدّدة، كونها تتجاهل خبرة العامل ولم تتطرق لقياس الخبرات على الرغم من أهميتها بما تلعبه من دور رئيسي، كما ركزت على التعليم والتدريب الرسمي العام والخاص وتجاهلت التعليم غير الرسمي الناتج من التجارب العملية. 

رأس المال الاجتماعي

يجدر التنويه بإن "نظرية رأس المال البشري" تختلف عن "نظرية رأس المال الاجتماعي" Social Capital Theory والتي أبرز روّادها "بيير بورديو" الذي قدم مفهومًا أكثر دقة "لرأس المال البشري" يتضمن رأس المال الثقافي ورأس المال الاجتماعي ورأس المال الاقتصادي ورأس المال الرمزي" وتشارك معه "جيمس كولمان وروبرت بوتنام" بأن نظرية "رأس المال البشري" تقوم فكرتها على إنه إلى جانب المعرفة والمهارات، هناك شبكات العلاقات والثقة والتعاون الاجتماعي داخل المجتمع أو الأسرة، وكلها تساهم في تعزيز الكفاءة الاقتصادية والتنمية المستدامة، كما إنها مرتبطة بنظرية القدرات Capabilities Approach وصاحبها امارتيا سن  Amartya Sen حيث تدور فكرتها بإن "التنمية ليست فقط زيادة الدخل، بل توسيع قدرات الإنسان وحرياته الفعلية من خلال التعليم، الصحة، الاختيار، المشاركة، ما يعني إن "الأسرة التي تنمي قدرات أفرادها في تعليم البنات، ودعم الشباب، وتمكين المرأة.. إلخ، تساهم في تحقيق تنمية مستدامة أعمق، وهناك أيضاً "نظرية رأس المال المعرفي" Knowledge Capital Theory التي تدور فكرتها؛ حول إن المعرفة Knowledge تمثل رأس المال الأهم في عصر الاقتصاد الرقمي. 

ولجهة "آدم سميث" فقد عرف أربعة أنواع من "رأس المال الثابت" الذي ينتج عائدات/أرباح دون تداول أو تغيير الأساسيات، وهي: الآلات المفيدة، وأدوات التجارة، المباني كوسيلة للحصول على الإيرادات، تحسين الأراضي، القدرات المكتسبة والمفيدة لجميع السكان أو أعضاء المجتمع. وبالتالي انتهى إلى إن "رأس المال البشري" يعني "القدرات المكتسبة والمفيدة لجميع سكان أو أعضاء المجتمع، في الحصول على مثل هذه المواهب، من خلال إعالة الطالب عبر تعليمه أو دراسته، أو التلمذة الصناعية، يكلف دائما نفقات حقيقية، وهو رأس مال ثابت ومتحقق ويتمثل في شخصه ومواهبه التي تشكل جزءًا من ثروته. 

وبناءً عليه فأن تراكم رأس المال البشري يبدأ بالتعليم قبل المدرسي، ومن خلال التدريب داخل الشركة وينتهي بالتعلم بالممارسة، وعلى الرغم من أن رأس المال البشري أقل قابلية للقياس الكمي، إلا أنه يمكن مقارنته برأس المال الحقيقي بعدة طرق، وكلاهما يرفع من قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات ويمثل عامل إنتاج منتج وقوة محركة للتنمية المستدامة. 

أبعاد ومقومات محركة

استناداً إلى ما سبق، يمكن إثارة سؤال مهم عن أبعاد ومقومات "رأس المال البشري" الذي يمكنه أن يشكل قوة محركة للتنمية المستدامة للأسرة الخليجية لاسيما مع تركيز بلدان الخليج على التعليم والتدريب والصحة باعتبارها استثمار بشري وأولوية من أولويات استراتيجياتها التنموية؟ في المجمل لخصت الدراسات هذه الأبعاد والمقومات بالعناصر التالية: 

1.    تعليم أفراد الأسرة، فإذا تمتع كلا الوالدين أو أحدهما بمستوى تعلم مرتفع أو مهارات متطورة فاحتمالية انعكاسها إيجاباً على الأطفال كبير حيث يُشكّلان بيئة تعليمية فضلى ترفع من إمكانات الأطفال ومستقبلهم كما قد يحسن من استقرار الأسرة المالي ويرفع من جودة الحياة فيها وتمكين الأبناء من التكيف مع اقتصاد المعرفة.

2.    الصحة والرفاه، إن الصحة الجيدة لأفراد الأسرة الخليجية تعني القدرة على العمل، وإنتاج دخل، والمشاركة الفعالة في المجتمع وتأمين بيئة أسرية مستقرة للأطفال والمسنّين، مما يعزز من رفاه الجميع وتحسين جودة حياتهم، وتقليل الفقر والتمييز، وتقوية دور المرأة ورفع مستوى العدالة الاجتماعيّة.

3.    المهارات والتمكين، في عصر التحول الرقمي والاقتصاد المعرفي، أصبحت تنميّة مهارات القدرة على استخدام التكنولوجيا والبرمجة والبحث العلمي والابتكار، والتفكير النقدي، والتعلم مدى الحياة مهمة للغاية، وكلما تطورت قدرة الأسر الخليجيّة على تنمية هذه المهارات لدى أفرادها كلما تعززت قدرتها على التكيّف مع المتغيرات التي تتطلبها سوق العمل المتغيّر.

4.    المشاركة المجتمعية والاقتصادية، عندما يكون أفراد الأسرة لاسيما النساء والشباب مشاركين بنشاط في التعليم أو سوق العمل، فإن ذلك يُعزّز من تنمية الأسرة اقتصاديًا واجتماعيًّا، ويساهم في التنمية المحليّة والوطنية على المدى البعيد، وينتج أفراد متعّلمين وقادرين على تبني ممارسات مستدامة ومواجهة تحديات التغير المناخي أو التحولات الاقتصادية بوعي أكبر.  

الخلاصة، بين التطور والتقدم تبرز التحديات التي تواجه "رأس المال البشري" الخليجي، لاسيما مع استمرار الفجوة بين التعليم والمهارات المطلوبة في سوق العمل؛ ولهذا خلص المنتدى إلى بعض التوصيات المهمة؛ مثل إعداد إطار خليجي موحد للسياسات الرقميّة بهدف الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا داخل الأسرة، وإعداد دراسات وورش عمل وتدريب والدعوة لتحديث التشريعات والسياسات الاجتماعيّة بما يتناسب مع متطلبات العصر الرقمي ويوفر الحمايّة القانونيّة لأفراد الأسرة من مخاطر الفضاء الإلكتروني ومواجهة تحديات الرقمنة والتحول للعمل عن بُعد، ما يعني إن مهارات السوق المطلوبة قد تغيرت وهذا يفرض على الأسرة الخليجية الاستثمار أكثر في التعلم المستمر والتأقلم مع واقع التغيير السريع بأن ترفع الأسرة من معارفها حول التغيّرات الاقتصادية؛ وتكون على وعي بأن مهارات مثل التفكير النقدي، والإبداع والتقنيات الرقمية أصبحت اليوم محورية وأساسية لسوق العمل.

المنامة - 25  نوفمبر 2025 





الخميس، 4 سبتمبر 2025

آچار ومربى

 

منى عباس فضل

ماذا يعني أن تخصنا العمة رازقية في كل فصل من فصول حصاد ثمرة "البمبر" و"ليمون الترنج" بمرطبانات الآچار ومربى الترنج المهيل بماء الورد والزعفران؟

-       يعني الكثير.  

هي أشياء صغيرة برسالة كرم ومحبة وتدليل لا تخصني وأخواتي وأخواني بها فقط، إنما تخص أولادنا بنين وبنات تكتب أسماءهم عليها جمعيًا ويتجاوز كرمها لأقرب صديقاتها ومن يعز عليها.

من منزلها تدق علينا الهاتف، تذكرنا بمحصول الخير والمحبة المتجدّدة؛ تذكرنا بأن لأبناء وبنات أخيها الذين أسهمت في تربيتهم مكانًا حاضرًا في قلب لا يزال ينبض بالحياة ويفيض بحب لا ينضب.

العطية الموسميّة غدت تقليدًا لعمتي التي هي على عادة أهلنا الذين رحلوا وتركوا البيوت فارغة بأبواب مؤصدة إلا من ذكريات ملتبسة بين سعادة ووجع ينخر بين ضلوعنا. هناك في تلك الليالي بأضوائها الخافتة وبطقوس دافئة تجتمع عائلتي على سفرة عشاء بسيط تتقاسم فيه "مربي الترنج" الذي تم تحضيره في البيت ولكل منا قطعة صغيرة من الجبن ورغيف خبز ساخن للتو أحضره العم عيسى من الخباز.

يلتم شملنا على وقع ضوضاء وأحاديث تتداخل فيها أصوات وانفعالات تعلو على التلفاز الذي نتحلق حوله؛ وفي تلك الزاوية تتربع الجدة بنت زبر وهي نبع من حنان؛ لكنها هذا المساء غاضبة لابسة قناع الصرامة؛ غاضبة تشكوني أو تشكو أحد الأخوة أو الأخوات على أمر ما عند والدي المثقل بأعباء الحياة وكدها؛ نظرات العمات صامتة تكشف أسرارها في الأعماق وهي تنبي بالكثير؛ مصحوبة بوجل وخوف على المشتكى عليها أو عليه؛ غالبًا ما تمضي الليلة بسلام بعد عتاب ونهر وغضب دفين يصاحبه التهام تلك الوجبة فمع الجوع لا مجال للزعل أو الحرده.

مع هذا الطقس يبقى طعم ذلك المربى البيتي عالقًا في الذاكرة يهزنا؛ ولا ينسى؛ وعمتي تشبه نفسها حين يتقمصها الحنين وهي تعد المربى والآجار؛ لا يمكنها مفارقة ذلك الزمن ولا التحرر من ذاك المكان المثقل بالذكريات والأوجاع وقسوة الزمن ولا القفز على شعورها العميق بالواجب التربوي الذي حملته على كاهلها منذ صغرها ولا مسؤولية متابعة كل شاردة وواردة في شأن عائلتها الممتدة؛ فهي لازالت تدور في رحى الدائرة التي تتنفس منها؛ دائرة المحبة والبذل والعطاء بسخاء...

شكرًا عمتي "رازقية" من الأعماق على كل شيء جميل أعددته وصنعته بلمسة حب.

المنامة – 4 سبتمبر 2025

السبت، 30 أغسطس 2025

في رثاء "حسين" الإنسان

 

منى عباس فضل

 رحل من رحل وبقيت صورهم تنتحت في ذاكرتنا وتستفز وعينا لزمنٍ مضى حيث كانت الأحلام والأمنيات على مرمى قدم في زمن الشباب وفي الماضي الجميل الذي تعرفت فيه على الفقيد "حسين السماك" كان في أوج نشاطه الطلابي في الاتحاد الوطني لطلبة البحرين-فرع الكويت؛ خمسين عامًا مضت ولا يزال الأصدقاء والصديقات يتساقطون بيننا كأوراق خريف إنها سنة الحياة ورتمها الحزين.

 استقبلنا مع مجموعة أخرى من طلاب وطالبات الاتحاد الوطني لطلبة البحرين القدامى في الكويت وكنا دفعة جديدة في أول يوم من فترة التسجيل للكورس الدراسي الأول من ذلك العام، تحديدًا في إحدى قاعات كلية العلوم بالخالدية، كان الوقت مساءً بعد الإفطار في شهر رمضان في سبتمبر من العام الدراسي الأول 1975-1976. عرفت بأنه أحد أعضاء وعضوات "لجنة شئون الطلبة"، ومهمته معنا والتي كان يبذل فيها جهدًا واخلاصًا وإلتزامًا بلا مقابل، أن يساعد الطلبة والطالبات الجدد الذين في عهدته على تسجيل كافة موادهم الدراسيّة حسب نظام الجامعة الجديد.

كان الازدحام كثيفًا والجميع في حوسه، وقد تملكني وقتها خوفاًً شديدًا بأن أعود أدراجي بخفي حنين دون التمكن من تسجيل أي مادة من المواد، بخبرة طالب قديم يعرف دهاليز عملية التسجيل؛ شعر بقلقي وخوفي وأخذ يطمئنني وغيري بأن الأمور تسير على ما يرام، لكنني ومن شدة الإجهاد وارتفاع درجة حرارة الطقس والازدحام ممزوجًا بشعور من الحزن والضياع والغربة بعيدًا عن الأهل والديار؛ كاد يغمي علي، لم يتوانى وطالبات أخريات في لجنة شئون الطلبة بالاتحاد من إسعافي، لم يتركوني في هذا الحال الهائج المائج؛ حتى أتممت وغيري عمليّة التسجيل بنجاح؛ إنه يوم فارق في حياتي الطلابيًة؛ إن يتعزز شعوري بأنني لست وحيدة والدنيا بخير!

منذ ذلك الوقت تشكلت علاقة زمالة دراسيّة متداخلة بالنشاط الطلابي بيني وبين الفقيد "أبو إيمان"، علاقة سادها الاحترام والعطاء والبذل ضمن أنشطة الاتحاد الوطني لطلبة البحرين ولمن حولنا من الطلاب والطالبات البحرينيين خصوصًا الجدد منهم! كان الفقيد حريصًا على المشاركة في كافة الأنشطة الطلابية في أروقة الجامعة أو خارجها من الأيام الرياضية إلى الرحلات أثناء الإجازات وحفلات استقبال الطلبة والطالبات الجدد التي يقيمها الاتحاد، فضلاً عن الحفل السنوي الذي يحرص على المشاركة في فقراته بحيوية والتزام، ولطالما شارك في لجان الاتحاد المتنوعة الثقافية وبرامجها من دورات توعية ثقافية وبرامج اجتماعية ورياضية تميز في أغلبها بالعطاء والحيوية ومساعدة الطلبة في أمورهم الدراسيّة واللوجستيّة.

 ومما عرفته لاحقًا بأن له ذائقة فنية وموهبة في فن الرسم حيث أسعفته الريشة والألوان في مراحل من العلاج للتغلب على صعوبات المرض في السنوات الأخيرة؛ كما عبر من خلالها عن جوهر استيعابه وقناعاته في القضايا الوطنية.

 حدثني صديق لي من أيام الدراسة بأن الفقيد  كان مبدعًا ومن أبرز من برعوا وتطوعوا في استخدام بعض التقنيات الاحترافيّة لعمل بعض البوسترات لصور الشهداء أو المناسبات الطلابية والوطنية، كما سجلت له مواقفه الوطنية الراسخة من قناعات وانحياز ووعي ثقافي وسياسي تعرض عبره للمضايقات ودفع أثمانها غاليًا لاسيما حين جاء قرار إبعاده مع بعض طلبة الاتحاد الوطني لطلبة البحرين من الكويت ومنعهم من استكمال الدراسة في الجامعة على خلفية خلافات وشجار مفتعل حدث بين أعضاء من نادى الطلبة وآخرين من الاتحاد الوطني لطلبة البحرين – فرع الكويت؛ علمًا بإن النادي أنشئ في الأصل في تلك الفترة لمزاحمة الاتحاد والقضاء على نشاطه الطلابي.

عند عودة الفقيد للوطن، عمل بنشاط والتزام مهني في القطاع المصرفي الذي أكسبه خبرة وعطاء واقترن بصديقتنا الغالية الأم والزوجة الحنون "بدرية القاسمي" التي أنجب منها ثلاث شابات "إيمان وأمل ومريم" حيث أحاطته هذه الأسرة الصغيرة الرائعة بفيض من حنان وحب ورعاية لم يتوقف.

 في فقده اليوم، نترحم عليه إنسانًا خلوقًا عرف بمحبته للخير والعطاء، وندعو له  بالرحمة والسكينة وأن يلهم أسرته الحنون وأفراد عائلته الصبر والسلوان.

 

المنامة - 29 أغسطس 2025






السبت، 23 أغسطس 2025

هل المقاومة ذكورية؟

 


منى عباس فضل

 

بشأن مناقشة الكاتب موسى السادة في مقالة له بعنوان: "إسرائيل الكبرى": حديقة الحيوانات والرجولة في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 21 أغسطس/آب 2025؛ أتفهم حرقة قلبه إلى ما آلت إليه أوضاعنا العربية من واقع انهزامي عبرت عنه ممارسات النظام العربي الفاشل للقيام بأدواره ومستوجباته وتخاذله وتآمره على القضية الفلسطينية والحق العربي؛ لكن من الصعوبة في آن؛ تمرير وتسويغ "منطقه الذكوري" في تحليل عملية المقاومة والنضال ضد الاحتلال وحصرها في شجاعة الرجولة "كقيمة متجذرة في العقل الجمعي" ومسؤولية المقاومة كواجب يخص الرجال الشجعان فقط.  

 

صحيح وله الحق في مقاربته لما تناوله تقرير سوري رسمي حول أحداث الساحل، بأن يساق وبإرادتهم للحرب الأهلية ومسلخ الاقتتال على الهوية 200 ألف مقاتل، أضعاف ما يستدعيه جيش العدو من الاحتياط لاحتلال مدينة داخل غزة، فيما هم عاجزين -أي "مقاتلي العشائر والطوائف والوطنيات العربية"- عن إرسال هذا العدد أو أقل منه واستحضار قيم الشجاعة والمروءة والأخلاق لمواجهة العدو الصهيوني في غزة، نعم تساؤله منطقي وعقلاني، بيد إنه هنا يستثير النخوة العربية الذكورية في مواجهة الاحتلال ولا غير؟!

 

إن ترجمة المعاناة القاسية والمتوحشة التي يمر بها واقعنا العربي؛ لا تمنحنا مبرراً طوعياً للتخلي عن مفاهيم الحداثة التي استوعبنا صياغتها وفهمنا مفاهيمها ودلالاتها؛ والتي يأتي على قمتها مفهوم "المساواة"! إن ما ذهب إليه الكاتب يعكس بعداً فكرياً وسيكولوجياً وسيولوجياً؛ وهو بحق يخترق الذات الجمعية في مجتمعاتنا ويتجاوز من خلالها لغتنا وقناعاتنا وحتى حريتنا في التفكير، فالمرأة في منهجه التحليلي فعل مستتر وغائب ولا وجود له في فعل المقاومة والنضال؛ إن المقالة حمالة بعداً فكرياً ووعياً فاقعاً ومكشوفاً وقائماً على إن العملية النضالية ومقاومة الاحتلال هي في الأصل والتكوين "ذكورية" بحته صفتها ومدلولاتها "الشجاعة والنخوة والإقدام"، وهي كما نعلم فكرة حاضرة ومعاشة في التاريخ العربي والتراثي تخص الرجال، وعليه تبقى المقاومة والتصدي للاحتلال والعدوان والاستعباد والقمع والإكراه بالنسبة إليه تتفاعل وتفسر في داخل أسوار "الأبوية" وقلاعها؛ هذا البعد الخفي يكسر الدائرة المفرغة فنحن أمام صراع فكري حقاً يتجاوز مرارة الواقع والانحطاط الذي وصلت إليه مجتمعاتنا في ظل الاحتلال الصهيوني-الأمريكي ونظام الاستبداد والقهر العربي.  

 

خاضت مجتمعاتنا العربية برغم قسوة الواقع؛ مراحل من التطوّر والتغييّر الذي لا يمكن فيه لجم فكرة وجود "المرأة" في الفضاء العام ولا يمكن تقييّد أدوارها وإلغاءها خارج أسوار "الفعل الذكوري" إن صح التعبير وفي المهمة النضاليّة بالذات ومقاومة المحتل ومواجهة الاستبداد، لا مدلول غامض فيما سوغه فهو واضح في استثارة النخوة العربية بلغة فصيحة لمواجهة الحالة الكارثية والخذلان الذي بتنا عليه، وشئنا أم أبينا إن جزء مما ينمي هذا التوجه في مفاهيم هكذا ومصطلحات، هو اللامبالاة وصمت غالبية نساء مجتمعاتنا العربية وعدم اكتراثها ولنقل قبولها بهذا الواقع وصمتها عن هذا التحليل والقبول به كمسلمة لمجرد إنه مع القضية الفلسطينية وضد الاحتلال الصهيوني.

 

في حقيقة الأمر، نعم لا يمكننا الانفلات من قيود الحاضر ولا استحضار صور الماضي ونماذجه لمواجهة المحتل، إلا إن الحاضر كما يقول هشام شرابي "هو أرض المستقبل وهدفه ودون العمل فيه وتغييّره لا يمكن العمل في المستقبل وبناءه"؛ وعليه لا يمكن لمجتمعاتنا العربية أن تتحرر من الاحتلال والاستعباد وانتهاك الحريات والحقوق طالما قبلنا واكتفينا "بالذكورية" منهجاً وتفكيراً وأسلوب حياة ودرباً للتحرر والانعتاق.

إن قسوة الواقع وكارثيته تتطلب منا كأفراد رجالاً ونساءً وعيّاً مكثفاً لفهم الإشكاليّات والقضايا التي نعايشها ونعاني وزر نتائجها،  صحيح إننا نسعى إلى التحرر من الاحتلال الصهيوني والإخضاع والاستبداد والاستعمار، لكن الصحيح أيضًا إننا مطالبين وبالأخص المثقفين الحداثيين والملتزمين تميز أدوارنا في "المجتمعات العربية الأبويّة المعاصرة"، فنحن كنا ولا نزال في مراحل استهداف التغييّر الاجتماعي أو ما يطلق عليه "الثورة الاجتماعيّة"؛ هذا ليس تنظير من أبراج عاجيّة، إن تغير المجتمع والإنسان يتطلب مجابهة الواقع السياسي المعاش من خلال وعي اجتماعي سياسي يدرك ماهية وطبيعة دور "قوة السلطة القمعيّة في مجتمعاتنا دينية كانت أو سياسيّة أو احتلاليّة"؛ إن في هذا الوعي فرصة لمواجهة حروب الهويّة والاقتتال المذهبي والإثني والارتقاء به إلى تحرر الإنسان والأوطان؛ في هذا الصدد يشير شرابي ثانية وبما معناه وتصرف "إن الخطر الأكبر يأتي من داخلنا من التمسك بالإيديولوجيات الماضيّة والاتجاهات الفكريّة والممارسات السياسيّة التقليديّة التي لم تعد تصلح لمجابهة أوضاع الواقع الحالي وتحدياته...إلخ".

 

إن نزعة التغييّر والتحرر من الاحتلال الصهيوني ومن الاستبداد والقهر يستوجب أن تتوافر في صميمها وجوهرها على إرادة قويّة على المستوى الفردي والجمعي، إرادة التحرر من الاحتلال والاستعمار وإرادة في آن لتغيير النظام الأبوي الذكوري، أن لا يحكمنا هذا النظام في مفاصل حياتنا اليوميّة وقراراتنا؛ أن نتحول إلى نظام آخر يقبل "بالمساواة وبالعلاقات النديّة والأفقيّة" وأن يتجاوز مستوى الوعي فيه وفي حاضرنا مسألة استحضار مفهوم الشجاعة والنخوة بمنطق ذكوري، فهذا المنطق لن يمنحنا الحلول النهائيّة لمشكلات مجتمعاتنا العربية ولن يحررنا ولن يأخذنا إلى حاضرة الحداثة والتطوّر التقني.

 

إن التمسك بالذكورة كأداة حل ومدخل للتحرر من الاحتلال؛ إنما يعكس عورة أيديولوجية ونفاق أخلاقي وقيمي على حساب النصف الآخر من المجتمع، وفيه ما فيه من التكاذب على الذات، فأمثلة الإقدام والشجاعة والمروءة والكرم والنخوة في مجتمعاتنا العربيّة التاريخيّة لها ما لها وعليها وما عليها وهي ليست نموذجًا موضوعيّاً يحتذى به لإعادة قراءة واقعنا الحاضر. إن بروز الوعي الاجتماعي والسياسي على المستوى الفردي والمجتمعي الناقد لذاته وأوضاعه لهو شرط أساسي ومركزي لتغيير الواقع الأبوي وتجاوز تناقضاته بل لمقاومة الاحتلال ومواجهة كوارثه وتحقيق التحرر والعدالة ونيل الحريات.  


المنامة - 23 أغسطس 2025