منى عباس فضل
مع شغف القراءة والنبر وجدت نفسي مسافرة عبر زمنٌ
مزدحم بالأحداث والشخوص التي جسدها حيّة المؤرخ اليساري البريطاني الباكستاني "طارق
علي" في مؤلفه "سنوات قتال الشوارع: سيرة ذاتية للستينيات". أرشدني
للكتاب صديق كويتي أثناء لقائي معه قبل أشهر ونحن نستعيد كعادتنا نتف من ذكريات سنواتنا
الدراسيّة في جامعة الكويت وزخم أحلامنا الرومانسيّة وتشعبها في إطار نشاطنا
الطلابي آنذاك، قال لي: منذ أمسكتُ بالكتاب بين يدي لا أستطيع تركه جانبًا! شعرت
بالتحدى، ودعته متوجهة إلى "منشورات تكوين" بالشويخ حيث وجدت ضالتي بنسخة
منه وبدأت رحلة التعرف على طارق وتجربته السياسيّة النضاليّة بكل ما تعج به من
تواريخ وأسماء وشواهد تمثل بحق مادة دسمة للنقاش وإعادة صقل الوعي وتزيته.
الحق يقال، السيرة ليست تقليديّة في مضمون سردها
السياسي ودلالات نقدها كما عهدنا؛ وإنما تعد وثيقة ثقافيّة أنثروبولوجيّة إن صح التعبير
حيث يتداخل فيها السرد السياسي والإيديولوجي النقدي ويتشابك مع الذكريات والتأمل في
المفاهيم والمواقف السياسية بل وفي الأخطاء والتناقضات التي راجت في الستينيات، كما
يتخللها شهادات حيّة وخلاصة تجارب لا تزال ركائزها وامتداداتها قائمة في عالمنا
اليوم على الرغم من المتغيرات الظرفيّة التي طرأت على العالم وتشابكها وتعقيداتها،
ورغم انحيازه إلى ما يؤمن به إلا إنه كان موضوعي التحليل والمراجعة. يتساءل أحد
النقاد في قراءته للكتاب؛ هل تلك الستينيات العارمة باتت تنتمي للتاريخ أكثر منها
للسياسة وإن الحديث عنها أصبح محض نوستالجيا "حنين للماضي" ..أم إن
العالم لا يزال بحاجة إلى روح يمكن أن تستدعى ليس للحنين، بل لإعادة التفكير
والبناء؟.
خسارات واجتزاء للتاريخ
ينقل عن الشاعر الإيطالي
"بيير باولو بازوليني" في بداية صفحات الكتاب أبيات من قصيدة كتبها عام
1970، واصفًا إياها بالمجحفة بحق جيله ومع ذلك اعتبرها قصيدة تنبؤية، كتب في
مطلعها: أيها الجيل البائس، ستبكي لكن بدموعٍ بلا حياة، لأنك ربما لن تعرفَ حتى
كيف تعود، إلى هذا الذي لا تستطيع خسارته، لأنك لم تملكه أصلاً،...وتنتهي الأبيات:
وحين تقدمتُمْ في العمر، رأيتُ رؤوسكم مملوءة باللوعة، حيث تُدوّمُ فكرةٌ مشوشةٌ،
يقينٌ مطلق، وافتراض أبطالٍ مقدّرًا لهم ألا يموتوا- أيها الشباب البائس، الذي رأى
في المتناول نصرًا مدهشًا لم يكن موجودًا قط"؛ نعم كان لكل منا أحلام وخاض تجربته النضالية التي لا تزال
تضج بأحداثها وتفاصيلها في يومياته حتى وإن لم يتقن سردها كما أتقنه "طارق
علي" وهو يعبر؛ "الذين ينسون الماضي، لا يمكنهم التعلم من أخطائه
وانتصاراته.. كيف لنا أن نمسح من الذاكرة سنوات، أحداث، ألم وفرح.. "فعلاً كيف؟!
في اجتزاء سردية التاريخ يشير إلى إن: "أبطال اليوم غالبًا مجهولون -فلاحون، عمال، سكان عشوائيات، عاطلون عن العمل – في كل قارات العالم، ينفجر غضبهم أحيانًا ليذكرنا بأن جميع المشاكل القديمة لا تزال قائمة، أما الأشرار فهم أنفسهم ما زالوا يحكمون معظم العالم"؛ ويضيف "الشباب ينجذبون إلى فترة الستينيات لأنهم يريدون الحقيقة التي نادراً ما يحصلون عليها في المدارس أو وسائل الإعلام التقليدية، ويسألون أسئلة مثل: أين كان الفهود السود؟ وهل تم القضاء عليهم حقًا من خلال قمع الدولة؟ وماذا عن جماعة (ويذر أندر غراوند) الطلابية اليسارية الأمريكية؟ هل كانت حقيقية؟ و(التوباماروس) الثورية اليسارية في أوروغواي، والثوار الطلاب في باريس ولاهور، والمجزرة في العاصمة مكسيكو؟ وللأسف، كُتُبُ التاريخ المدرسية تلتزم الصمت حيال هذه المواضيع"؛ ورغم ذلك وجد أن جيلاً جديداً من العمال الشباب قد تأثر بالسياسة والثقافة السائدة في تلك الفترة، إضافة إلى وجود النشطاء السياسيين الذين يعيشون في المنافي هربًا من ديكتاتوريات بلدانهم فالجميع منهم قد تتلمذوا على يد الحالة الثورية السائدة في أوروبا الغربية وإن نموذج ثورة الطلاب في فرنسا كانت معدية، في براغ والمكسيك وباكستان والبرتغال واسبانيا وغيرها.
ثورات على مفترق طرق
تتداخل أزمنة السرد عند طارق ولتعميق فهمنا
للشخصيات والأحداث وتفسيرها يعود بنا "فلاش باك" لمرحلة سقوط غرناطة
مرورًا بتسعينيات القرن الثامن عشر حيث الثورة الفرنسيّة وثورات 1848 وكومونة
باريس 1871 وانتفاضة مايو الطلابية الفرنسية عام 1968 وحركات التمرد الطلابي وثورة
1971، وثلاثينيات القرن العشرين والستينيات وما ألقى بتأثيراته في حاضرنا، بيد إن
الثيمة المركزية التي تمحور حولها السرد تمثلت في نشاطه كماركسي تروتسكي يساري ضد الإبادة
الجماعيّة التي ارتكبتها أمريكا في فيتنام وضد الاستعمار.
انطلق من طفولته وهو ابن رئيس تحرير صحيفة
باكستانية بارزة، وكقائد طلابي تشكل في بيئة ناضجة متنقلاً بنشاطه الطلابي إلى جامعة
أكسفورد بارعًا في المناظرات السياسيّة والنقاشات العامة في الحرم الجامعي وخارجه؛
متأثرًا بثورات التحرر الوطني، مرورًا بتجربة لقاءه مع جيفارا وفي بوليفيا، موثقًا
انتفاضة مايو الطلابية في فرنسا والثورات الاجتماعية في ستينيات القرن الماضي وكيف شهد حرب فيتنام وربيع براغ وناقش دور
اليسار الراديكالي ضد الإمبريالية وتشظياته والعطب الذي أصاب بعض أصحابه وما انتهت
إليّه الأحلام والطموحات، كما تناول مؤتمرات الأحزاب والتعبئة الجماهيرية
والسجالات حول الستالينية وحكايات الناجين من عملية التطهير التي ارتكبها "ستالين"،
واصفًا تلك الفترة بأنها صاخبة وغيرت وجه العالم.
ومن كونه أحد أبرز الناشطين الماركسيين
التروتسكيين يقدم تحليلاً نقديًا للنظام الرأسمالي وللهيمنة الغربية لا وبل لليسار
التقليدي نفسه، "حيث أصبحت الخصخصة من وجهة نظره وإلغاء القيود والمشاركة الإجبارية لرأس المال
في القطاعات العامة التي كانت تُعتبر مقدسة مثل الصحة والتعليم والإسكان والبث
التلفزيوني والإذاعي العام، معيارًا لا يمكن تحديه. لم يعد المنطق السائد سوى منطق
فردي، وتسللت اللغة النيوليبرالية إلى كل مؤسسة تقريبًا، وأثرت على تفكير الكثيرين
ممن يعارضون النظام الجديد. أصبح مجال الحرية الآن مرتبطًا بالضرورة برأسمالية
جامحة وخالصة؛ أصبحت السياسة الرسمية مجرد اقتصاد مركز، والحرب استمرارًا لها".
ويضيف "تمت كتابة ومناقشة الكثير عن سقوط الشيوعية، لكن نادرًا ما تم مناقشة
انهيار الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية التي كان قادتها رجالاً معتدلين، تبنّوا
السياسات النيوليبرالية بحماسة.
من هنا تنبع أهميّة الاطلاع
على هذا الكتاب لاسيما مع استدعاء مفاهيم كالعدالة والسيادة والمقاومة والتحرر
والإبادة الجماعيّة ومقاربتها مع ما يحدث في فلسطين وما ترتكبه الإمبريالية
الأمريكية الصهيونية والغربية من جرائم في إشعال الحروب وخرق سيادة الدول والتوحش
والجشع والفساد، فقد عارض طارق غزو العراق والأكاذيب التي
بررت الغزو، وأشار إلى دراسة
علمية حول التكلفة البشرية لهذه الحرب التي بلغت ما لا يقل عن 100 ألف عراقي فقدوا
حياتهم منذ الغزو، وإن نصفهم كانوا من النساء والأطفال ممن قتلوا في غارات جوية، فيما
نشرت مجلة (لانست) الطبية البريطانية نتائج دراسة تشير إلى أن عدد الضحايا
العراقيين قد يكون 100 ضعف خسائر قوات التحالف، وانتقدت بشدة فشل قوات التحالف في
إحصاء الضحايا العراقيين.
بين هانوي
وفلسطين والروك
يخصًص المؤلف جزء من الكتاب عن علاقته مع "إدوارد سعيد" والمقابلات التي أجرها معه
وخلص إلى إن الأخير ساعد جيلاً كاملاً في فهم التاريخ الحقيقي لفلسطين باعتباره
المؤرخ الحقيقي لشعبه ووطنهم المحتل، وهذا ما أكسبه الاحترام والإعجاب في جميع
أنحاء العالم؛ سعيد الذي قال بأن الفلسطينيين أصبحوا الضحايا غير المباشرين
للإبادة الجماعية لليهود الأوروبيين في الحرب العالمية الثانية، لكن قلة من
السياسيين في الغرب بدوا مهتمين بذلك"، ورأي بأن "إدوارد سعيد" وخز
ضميرهم الجمعي، ولم يحبوا ذلك فيه؛ ورغم إنه ساعد في مراجعة وإعادة صياغة خطاب "ياسر
عرفات" أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1974، إلا أنه بدأ مع الوقت
ينتقد بشكل متزايد غياب الرؤية الإستراتيجية لمعظم القيادات الفلسطينية؛ ووصف
مصافحة "ياسر عرفات واسحق رابين" في حديقة البيت الأبيض بـ"الابتذال
المسرحي" كما وصف اتفاق أوسلو بأنه "أداة استسلام وفرساي فلسطينية".
تحدث عن أكثر هجمات "إدوارد
سعيد" الحادة على قيادة عرفات وشجبه لاتفاقية أوسلو بوصفها مجرد إعادة تغليف
للاحتلال قائلاً: "الشعب الفلسطيني يستحق أفضل من ذلك، وإنه علينا القول بوضوح
إنه مع عرفات ورفاقه في القيادة، لا يوجد هناك أمل.. ما يحتاجه الفلسطينيون قادة
هم بالفعل من وإلى الشعب، القادة الذين يقاومون فعليًا على الأرض، وليسوا
البيروقراطيين المنتفعين مدخني السيجار الثخين الذين يحرصون فقط على الحفاظ على
صفقاتهم التجارية وتجديد تصاريح كبار الشخصيات، والذين فقدوا كل دليل على النزاهة
أو المصداقية.. إن الكفاح من أجل التحرير من الاحتلال الإسرائيلي هو المكان
المستحق الذي يجب على الفلسطيني الوقوف فيه الآن..".
في سياق السرد عرى جرائم جيش الدفاع الإسرائيلي في إبادة الفلسطينيين، إذ يكشف في
مقابلة لاحد جنودهم كيف أن القتل أصبح جزءًا من مهنتهم ويمثل شكل من أشكال السخط
الوظيفي لهم: "إن عملية إطلاق النار هي طريقة الجندي الإسرائيلي في التأمل،
في التحلل من الغضب عندما تكون في الجيش الإسرائيلي! في الخليل هناك أمر لدينا
يسمى (إطلاق النار التأديبي)، فقط أطلق النار على ما تحب، على كل شيء تراه،
سيارات، أشياء تتحرك، على نوافذ نشر الغسيل ليجف، وكنت أعرف أن هناك أشخاصاً قد
يصابون، إنه أشبه بتفريغ غضبك على كل شيء، إطلاق النار يريحك، مثل التأمل".
اعتمد طارق الشفافية والمصداقية في تعاونه مع الناشطين العالمين مما أضفي قيمة مضافة
لتجربته التي استندت على المقاومة ضد الاستعمار وتفاعله مع الحركات الثقافيّة
(الموسيقيّة منها) والسياسيّة، فقد ارتبط نشاطه التضامني مع فيتنام بتاريخ موسيقى "الروك أند رول"
وتحدث عن مشاركاتهم في مظاهرات الحملات مع فيتنام وقد بلغ ذروة علاقته بها حين لقاءه
مع أسطورة الروك "جون لينون" عضو فرقة البيتلز، فهذه الموسيقى كما يقول:
"هي بمثابة ثورة أساسيّة لأبناء جيلي وظروفي، كنا بحاجة إلى صوت مدوٍّ وواضح
يكسر قسوة المشاعر والقمع الذي كان يُمارس علينا نحن الشباب..". كذلك بنى
علاقة مع "مالكوم إكس" مستندة على فهم أن الاستعمار يضطهد السود ويستعمر
كل مكان بينما البيض أفرادٌ قادرون على المساهمة في تحسين وضع الإنسان، واكتشف من
خلال هذه العلاقة صدق الأخير في حضوره ومنهجه الفكري، واتفق معه حول العنصرية
البيضاء التي تستغلها الولايات المتحدة لكسب التأييد الشعبي لقتل الناس في آسيا
وأفريقيا وفلسطين والشرق الأوسط كما تضطهد السود في أمريكا، وتقارب مع "جون
بول سارتر" بأنه يجب على الناس معارضة الحرب على فيتنام لأنها كانت إبادة
جماعيّة استعماريّة؛ وعن علاقته بـ"ريجيس دوبريه" الذي احتجز في زنزانة
انفرادية في "كَاميري" ببوليفيا، وأصبح بعدها سجينًا للقومية الفرنسية
حيث صار مستشارًا للرئيس "فرانسوا ميتران"، وتطرق إلى تفاصيّل محاولة "بوش"
القيام بانقلاب في فنزويلا قبل عام من حرب الخليج الثانية، ولم يؤيد الشعب
الفنزويلي إزاحة "تشافيز" زعيم فنزويلا وقتها، وفشل انقلاب وكالة
الاستخبارات المركزية في إزاحته.
الخلاصة هذا الكتاب يفسح المجال لسبر غور تجربة نضالية يسارية بكل ما لها
وما عليها؛ ففي نهاية المطاف كان هناك حلم وخسارات وخلاصات يمكن من خلالها إعادة
التفكير في الأفكار والنظريات وفي أسس السياسة والديمقراطيّة ومآلاتها وما نحن فيه
اليوم.
* "لست نادمًا على شيء. لقد ارتُكبت أخطاء كثيرة من قبل أفراد (بمن فيهم أنا) وجماعات، وكان هناك الكثير من التصوف والفانتازيا الحالمة في تلك المرحلة، لكن الثيمة المسيطرة كانت الإيمان الحقيقي بالحاجة إلى عالم جديد، وسؤالي هو: كيف يمكن للمرء اليوم أن يؤمن بشيء غير هذا؟... "طارق علي"
المنامة
- 11 فبراير 2026


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق