منى
عباس فضل
مضى أحد عشر عامًا على رحيلها، أجزمُ بثقة؛ حين نقرأ لعالمة الاجتماع المغربية "فاطـمـة المرنيسي" كأننا نقرأ ذواتنا بعد تصفح متاهاتها وتعرجاتها، نُقلب زواياها ومنحنياتها؛ قد نصل معها إلى ذات القناعات وقد نختلف؛ بيد إن تنظيراتها تبقى نقطة تحول محوريّة ومضيئة تفتحت على إثرها عقولنا وتوسعت مداركنا، حيث قادتنا وسرنا معها بثبات نحو اكتشاف أعمق لواقع النساء العربيات ومعاناتهن في مجتمعاتنا المحلية.
كانت "المرنيسي" صوت المقهورات والمهمشات؛ مناضلة وناقد نسويّة ساهمت في تأسيس "فكر نسوي" بعمق أكاديمي ونقدي ولم تتوقف عن البحث والتنقيب؛ ومن أشد المدافعات الميدانيات عن حقوق النساء ومساواتهن الجندرية وعن الديمقراطية، منطلقة في رحلتها العلمية الإنسانية من منهجيّة سياسيّة اجتماعيّــة تميـزت فيها بشجاعة متفـردة لاسيما في نــقد "الهيمنة الذكوريّة" لتفسيرات النص الديني والأحاديث النبويّة، فقد تناولت كل ذلك في أبرز وأهم مؤلفاتها "الجنس كهندسة اجتماعية، السلطانات المنسيّات، الحريم السياسي، الخوف من الحداثة: الإسلام والديمقراطية، أحلام النساء: طفولة في الحريم وغيرها من الكتابات والبحوث"؛ فقضايا "التابو" والأنساق التي تقف وراءها؛ اخترقتها بجرأة أزاحت الستار عنها وعالجتها بتفكير استرخائي كما تصف، وبالتفكيك والتحليل مسلطة الضوء على دور المرأة السياسي منذ بدايات الإسلام وحتى واقعها الحالي وما خلصت إليه من تجاربها في الترحال والانفتاح على العوالم والثقافات المختلفة.
ورغم متابعتي الحثيثة لكل ما انتجته منذ التقينا بها في البحرين؛ ثمة ما يشدني ويستثيرني من حين إلى آخر فأعود إلى ما كتبته، وما ورد في كتابها القابع بهدوء على أرفف مكتبتي "العابرة المكسورة الجناح: شهرزاد ترحلً إلى الغرب"؛ حيث لـفتـني تفكيكها لحكاية "المرأة التي تلبس كسوة الريش"، وهي الحكاية التي أعادت بحق تشكيل ذهني وقادتني للغوص أكثر في أعماق الذات تذكر: "إن المرأة تركب مخاطر كبيرة حين تستعمل أجنحتها.. وحين تنسى استعمالها وتهملها يصيبها الألم.."، مضيفة: "على المرأة أن تحيا كالـرّحّل، عليها أن تظل دائمًا مستعدة ومتأهبة للرحيل حتى وإن كانت محبوبة، ذلك أنّ الحبّ قد يصبح قيدًا.."؛ وتستطرد في سردها وهي تستحضر حكايات جدتها "الياسمين": "تضرب الياسمين على أوتار أكثر الأحاسيس الذكوريّة خطرًا، والتي يجهد الرجال في إخفائها عن النساء: أي خوفهم من الهجر. إن الرجال ينجذبون بشدة إلى النساء ذوات الشخصيات القوية، ولكنهم يخافون من أن يتخلين عنهم..؛ وإن المرأة ذات الجناحين تستثير إعجابهم، فيحبونها ولكنهم يودون قص جناحها والاحتفاظ بها مكسورة الجناح.."!
في رحلتها البحثية كانت "المرنيسي" تنضح بالهاجس المعرفي ولا تخفي قلقها من أولئك الذين يخفون لعبتهم ويتظاهرون باقتناعهم بالمساواة ولا يطبقون ذلك، وقد يلقي الـواحد منهم كما تقول خطابًا عن الديمقراطية في الحزب، ثم يعود إلى البيت ليفرض الخضوع على شريكته في الحياة"، أما عن الغرب في تناقضاته فتشير إلى "إن إظهار المرأة لذكائها في ثقافة الغربيين جريمة، عليها أن تتنازل عن ذكائها وتحجب عقلها إذا شاءت إغراء الرجل ولهذا انتقدت رأي الفيلسوف الألماني "كانط" الذي أرعبها تمييزه الذي يضعه بين المثقفة وتلك التي تمارس الإغراء: الجمال أو الذكاء! قائلة: إن رأيه يذكر بمقولة "المال أو الحياة"، لم لا وتفكيره هنا تبعًا لتحليلها يتمثل أساسه في أن الأنوثة هي الجمال، أما الذكورة فـتـوازي السمو، والسمو يعـني القدرة على الـتفكير وتجـاوز الحيـوان والعالم المـادي"، وتتساءل باستنكار؛ لماذا يرغب رجل متفتح "ككانط"، مهموم بتطور الحضارة في رفيقة منزوعة العقل تتظاهر بالغباء حتى في حالة توفرها على معرفة أوسع منه -أي الفيلسوف كانط -.
أما في كتابها "هل أنتم محصّنون ضد
الحريم" تشير "المرنيسي" إلى إن الناس تنسى أن المبادئ الكبرى
كإنشاء دولة، وشرعات حقوق الإنســـان والـديمقراطيـة، تبـدأ مـن نصـوص وقوانين
ومـن ثم تنــدرج فــي السلوكيــات اليوميّة، وهي عمليّة تسـتغرق سنوات عديدة. والتحضر يعني اعتبار الظلم حالة شاذة بكل
بساطة. والديمقراطية تعني اعتبار الامتياز والظلم والجور أمور كريهة تبعث النفور.
وترقى الحضارة ما هو سوى هذه التحولات الصغيرة في الأذهان والتي لا يجب الاستهانة
بها. فالديمقراطية كما تشدد "المرنيسي" لا تقوم فقط على حق الاقتراع بل على
أن تتقبل أن يفكر جارك، ولا سيما زوجتك، تفكيرًا مغايرًا، ويعربان عن رأيهما
المختلف دون أن يُفسَّر ذلك على أنه فعل عدائي، مؤكدة على أن الآخرين يملكون حق
انتقادنا لأنهم خطوا خطوة صغيرة لم نقدم عليها بعد، ويجب توظيف انتقاداتهم للتطوير
وكوقود وعنصر مولّد للطاقة من أجل المضي قدمًا إلى الأمام على غرار ما يفعله
اليابانيين.
تناقش "المرنيسي" في كتابها "الخوف من الحداثة: الإسلام والديمقراطية" الضغوطات التي تواجهها النساء في سياقات تاريخية وتحلل بمنهجية تأويليّة؛ فتذكر: "كي نستوعب الصدمة العميقة لحدث ملتهب؛ لا يكـفي الغــوص في المـوطن العقـلي للمرأة والرجل الإسلاميين، وإدراك شبكاتهــما الرمزيــة ومخـاوفــهمـا وما يـفـتـنهما، فالمـخـاوف عديدة: الخوف من الغرب كمواطن للغرابة والغريب، الخوف من الفرديّة وحرية الرأي، الخوف من الزمن الغربي الذي أصبح عالميًا وإلزاميًا، الخوف من الخيال، ومن قدرة الصور المرتبطة بالجاهلية. تقف المرأة عند ملتقى كل هذه المخاوف، إنها مقرونة بعــودة الأوقات المظلمة، وبالفوضى وبالشرك... ماذا سنصبح نحن النساء في مدينة يكون الدفاع عن حدودها بيد الأجنبي؟ كيف ذلك؟ وبواسطة أية إدارة دقيقة للمخاوف؟ من سيدفع ثمن كل هذه الحدود المضطربة؟ تراثـيًا النساء هن المخصوصات كضحايا لطقوس إعادة التـوازن، وبمجـرد أن تعم الفوضى المدينة، يـطلب الخليفة منهن ألا يخرجن مطلقًا".
وفي نقدها لممارسة الرقابة والحجر على حرية الرأي والتعبير في كتابها "شهرزاد ليست مغربية"؛ تقول: "في كل مرة أفتح فيها فمي أجد نفسي في مواجهة نوعين من الرقـباء: رقباء يحاولون إسكاتي باسم التراث ورقباء آخرين يحاولون خنقي باسم الثورة، ومهاجمتي باسم الدفاع عن البروليتاريا وكأنَّ البروليتاريا لا تضم إلا الرجال، محظَّرين عليَّ التحدث عن معاناة النساء بحجة أن كل خطاب نسوي يعني "تمييع للمشكلة الحقيقية، مشكلة الثورة..."، وكأنه لكي تحدث الثورة، يجب التستر على النساء ومشاكلهن أو لكأنها من المحرمات المعيبة.
كما ترى بإن السبب الوحيد للتفاوت الطبقي يكمن في عدم إتاحة فرص التعليم للنساء بالتساوي )بالمناسبة حقائق الأرقام تؤكد هواجسها، إذ يشير تقرير بعنوان "المغرب: الأمية تطال امرأة من كل ثلاث نساء" لهاجر أريري منشور في حساب انستغرام hounna، بتاريخ 3 يوليو 2026؛ يشير إلى إن نسبة الأمية في المغرب من السكان البالغين 10 سنوات فما فوق حتى 2024 بلغت 24.8%؛ تمثل النساء منها نسبة 32.4% مقارنة بالذكور 17.2%، حيث تتفاوت النسبة بين المناطق وتصل في الوسط القروي إلى نسبة 55.1% بين مختلف الفئات الاجتماعية، وتبعًا للتقرير ذاته فأن هذه النسب تعكس حجم من التفاوت العميق في الولوج إلى التعليم بين الوسطين الحضري والقروي..). فيما تضيف "المرنيسي" بأن ثمّــة عوامل متعددة يستوجب أخذها بعين الاعتبار للحد من التباينات الطبقية مثل "نظام الضرائب، إتاحة القروض والخدمات العامة والأراضي، الضمان الاجتماعي للعاملين في القطاع العام أو الخاص، المسار الديمقراطي لتبوء مناصب اتخاذ القرار...إلخ"؛ مؤكدة بإن العامل الرئيس للتفاوت الطبقي الذي يجب أن يقام له وزنًا لتحقيق ازدهار ومستقبل أفضل يتمثل في إتاحة العلم للنساء وفرص عمل للحصول على أجر.
ختاماً لا شك إن "فاطمة المرنيسي" تركت لنا إرثاً معرفيَّا استطاعت فيه وبجرأتها الفكرية ومهارتها العلمية من تحليل واقع النساء والتعبير عنه بالبحوث الميدانية والمقالات والمحاضرات والسرديات التي تحولت إلى مواد حوارية ونقد أماطت فيه اللثام عن قضايا المرأة و"تابو من المحرمات" ولا نغفل عمق قولها: "بإن العالم العـربي الذي يستحـق المحاربة والتصادم في سجالاتنا من أجلـه؛ هو عالم يستطيع فيه العقل العربي بسط قدراته كما يــبسط عصفور جناحيه ليبلغ الأعالي، لن يولد المجتمع العربي، كمجتمع معرفـة يتكيّـف مـع المجـرّأت ودقائق التكنولوجيا الحديثة ما لم يـتـح للمرأة، أن تتعلّم وتشارك في صنع القرار، وأن تنسج أفكارها حول شبكات البث الإلكتروني مثلما كانت الجدات تحوك، بتلقائية مدهشة، آلاف الأزهار الهندسية فوق السجاجيد.
المنامة - 11 يوليو 2026






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق