§ الورقة معدة لمحاضرة
للكاتبة بالزوم مع طلاب وطالبات الماجستير بأشراف الدكتورة أمل المالكي أستاذ مشارك في
كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر؛ وتستند في مرجعيتها إلى الخبرة الشخصية
وإلى الفصل الثالث من كتاب للكاتبة "التربية السياسية للبحرينيات: الأثر
والرؤيا، 2008"، وهي بعنوان "الحركة النسوية في البحرين".
للوقوف على واقع الحركة النسوية البحرينية يستلزم دراسة
واقع ونشاط الجمعيات النسائية بالتطرق إلى تعريفها، ونشأتها وأهدافها، ومظاهر وأنواع
أنشطتها وتأثيرها على تمكين المرأة للمساهمة بدور فاعلٍ في النشاط العام.
أدّى
تقّدم أنشطة الحياة وزيادة تراكم التراث الثقافي إلى ظهور أنواع متعددة ومختلفة من
الجمعيات النسائية البحرينية بتخصصات وأهداف تلبي تطور المجتمع المحلي وتعدد حاجات أفراده؛ فحسب
الباحثين كل مجتمع من المجتمعات يقوم على تركيبٍ اجتماعيٍ يضمن له البقاء
والاستمرار وتحقيق رغبات أفراده وجماعاته من خلال ما يشغله هؤلاء الأفراد من أدوار
اجتماعية يمارسونها عبر وسائطه من المؤسسات، وكل دور من تلك الأدوار يختلف باختلاف
السن والجنس والمهنة، وقد يفرض المجتمع دوراً أو أكثر على الرجال يختلف عمّا هو
عليه للنساء، بمعنى أن هناك تعدد للأدوار وهذا بدوره يتباين بحسب اختلاف النظم
الثقافية للمجتمعات وتأثيراتها على الأنماط السلوكية والمواقف الاجتماعية1.
وبالتالي
فإن النظم الاجتماعية ومؤسساتها المتنوّعة "تمثّل وسائط غير متخصصة متعددة
ومتنوعة الأهداف وتتأثر بعوامل تعليمية وثقافية، تتفاعل وتتشابك فيما بينها
وبتأثير من التشريعات والقوانين السائدة؛ وهذه الوسائط "المؤسسات" تعكس
نفسها في تكوين اتجاهات الرأي العام ونشر القيم والمعارف والمفاهيم المتصلة بجوانب
الحياة العامة في المجتمع، بما فيها تشجيع المرأة على المشاركة في الحياة العامة
وإسنادها، والعمل على تغيّر النظرة النمطية لأدوارها المجتمعية، أو على النقيض قد
تقوم بتعزيز الرؤية التقليدية التي تميّز فيما بينها وبين الرجل في الأدوار
الاجتماعية والسياسية.
انطلاقاً
من ذلك، يمكن تعريف "الجمعيات النسائية البحرينية" "الحركة
النسوية" على إنها مؤسسات ذات أبنية اجتماعية وسيطة ما بين الأفراد
والجماعات، وهي تؤمّن بيئة للنشاط الإنساني. وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى ما
توصلت إليه الدراسات2 من إن دور المؤسسات الاجتماعية ليس
محايداً بل لها موقف ودور في عملية إنتاج الثقافة السائدة للمجتمع؛ ويتحدد ذلك
الدور من مؤسسة إلى أخرى، من حيث الأهمية والأثر والفاعلية استناداً إلى طبيعة
العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية القائمة في المجتمع.
كذلك
لابد من الإشارة إلى تشابك وترابط أدوار الجمعيات النسائية بصفها مؤسسات اجتماعية،
حيث تتفق وجهات النظر حول أثر الثقافة السائدة في توزيع الأدوار المجتمعية
للأفراد، وننوه
إلى ما ذكره باقر النجار: "بإن التعليم في البحرين قد خّفف نسبياً من قيود
الموروثات الاجتماعية القائمة، إلا أنه فشل في إحداث تغير نوعي في ذات المرأة كما
الرجل، إذ ما زال الإثنان منهما ولربما المرأة بصورة أكبر مشدودين "للذات
التقليدية" المحافظة على توزيع أدوار القوة في المجتمع، فلا الرجل يرغب في
الثورة عليها لأنها تحقق استمرار هيمنته، ولا المرأة تتجاسر بالتمرد عليها"3، أما هشام شرابي
فيذكر "بأن ثقافة المجتمع تُخضع كل أفراده لعملية تربية وتثقيف بهدف المحافظة
على النظام القائم وتأمين استمراره وهي بذلك تفرض على كل فرد من أفراده أدواراً
اجتماعية لا يستطيع تبديلها أو الخروج منها طوال حياته"4.
تميزت
الجمعيات النسائية البحرينية فيما بينها بخصائص متعددة من حيث تكامل أدائها
الوظيفي الذي يتغير تبعاً لمتغيرات الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وبعضها كوسائط غير متخصصة قد تمارس تأثيرها بشكل خفيّ وغير مباشر وغير مقصود، مما
يتيح لها التغلغل في حياة الأفراد دون ضبط أو رقابة أو مقاومة اجتماعية، فضلاً عما
تخلفه من مؤثرات بسبب اختلاف الانتماءات إلى الجماعات والتجمعات الرسمية وغير
الرسمية وعبر المناسبات الاجتماعية، التي من خلالها تتسرب كل المؤّثرات الثقافية
التقليدية والمحافظة منها والوافدة التي تفعل فعلها، وهو ما قد يؤدي أحياناً إلى
نشوء حالات من الازدواجية والتناقض في القيم والمعايير مع الواقع الذي تنشط فيه5.
وتلتقي
أيضاً كمؤسسات حول قواسم مشتركة تنطلق من اعتبارها ظاهرة اجتماعية وجزء من النظام
الاجتماعي، وحلقة وصل ووسيلة في عملية نقل ثقافة المجتمع السائدة التي تساهم في
التطبيع الاجتماعي للأفراد، وهي تختلف من حيث أهميتها حسب الأهداف التي تسعى إليها
والوظائف التي تؤديها، كما إنها تعمل على تحديد أنشطة النساء وتنظيمها وفق أنماط
فكرية وسلوكية تعمل في نطاق مجالها لكي تصل بهن إلى التكيف مع المجتمع، وذلك من
خلال تشكيل الاتجاهات والقيم والمهارات والعلاقات، ذلك لأنها تحتوي على القيم
الثقافية والمعايير العامة والأنماط الاجتماعية التي تحقق للمجتمع تماسكه
واستمراره ونموه6.
نشأة الجمعيات النسائية البحرينية
ارتبطت
نشأة "الجمعيات النسائية" في البحرين بنشأة العمل الأهلي، فضلاً عن
انتشار التعليم النظامي، وبروز التنظيمات الاجتماعية والثقافية والسياسية، التي
يعود بداياتها إلى تأسيس "نادي إقبال أوال الليلي" في عام 1913 الذي
أغلق بسبب اتهام شيخ القضاة للمؤسسين بالخروج عن الدين، لاسيما وإن الوضع اتسم
آنذاك بوجود صراع بين تيارات الاتجاه التقليدي المحافظ والنهوض الإصلاحي. بعدها
تأسس النادي الأدبي بالمحرق 1920-1936، ثم المنتدى الإسلامي 1928-1936 ونادي
البحرين 1937 ونادي العروبة والأهلي 1939 لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل التطور
الاجتماعي والسياسي في البحرين والتي أثرت بهذا الشكل أو ذاك على مسار النشاط
النسائي7. فاستطاعت هذه التنظيمات بسبب التعليم واستخراج النفط ودور كل
من التجار وبقية فئات المجتمع من المدرسين والطلاب وموظفي الدولة وعمال قطاع النفط
أن تلعب دوراً ريادياً في الحركة الوطنية عام 1954-1956، وقد تعزز هذا الدور نتيجة
لغياب التنظيمات السياسية8.
إجمالاً
اتسمت التنظيمات الأهلية منذ نشأتها بالارتباط الوثيق بحركة التغيير وتياراته
ومعارضته سياسة الوجود البريطاني، وكمؤسسات اجتماعية ومن ضمنها الجمعيات النسائية فقد
اعتمدت أنشطتها على مبدأ التمثيل والانتخاب، ولها هياكل تنظيمية تأسست على النظام
الداخلي واللوائح التنفيذية وعقد الاجتماعات وانتخاب مجالس للإدارة بنظام التصويت
والاقتراع وكتابة المحاضر، وما رافق ذلك من حرية للمناقشة والاعتراض والنقد التي
ساهمت في تعميق الوعي الديمقراطي وحرية التعبير عن الرأي من خلالها9.
وعليه
قد يتشعب الحديث ويطول بالوقوف عند منطلقات الجمعيات النسائية في تسلسلها التاريخي
في ظل متغيرات الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وبعضها يتعلق بأهداف
الجمعيات والمشكلات التي تعترض نشاطها في المجتمع؛ كما يمكن النظر إلى موقف
الصحافة التي تعود إلى تاريخ إصدار أول صحيفة في البحرين عام 1939 ثم صوت البحرين
في 1951، والتي ساهمت في بلورة الوعي بأهمية تشكيل الجمعيات والأندية
النسائية، كما دعمت فكرة تحرّر المرأة،
فتأسس أول تجمع نسائي في البحرين والخليج وعرف بنادي السيدات عام 1953، وكانت
صاحبة الفكرة ورئيسة النادي هي زوجة المعتمد البريطاني في البحرين، واقتصرت عضويته على سيدات المجتمع من الأسرة
الحاكمة وطبقة التجار10.
لم
يكن لهذا النادي صلة بالحركة الاجتماعية والسياسية وتأثيراتها، إذ جاء ليلبي
الطموحات الاجتماعية لفئة من النساء اللاتي حصلن على التعليم ولديهن خبرة في العمل
الخيري والإحساني من خلال أنشطة مدارس البنات، فتركزت أهدافه على القيام بالأعمال
الخيرية ومساعدة الفقراء والمحتاجين والقيام بتعليم النساء الخياطة والطهي. وكانت وجهة نظر الزعيم الوطني عبد الرحمن
الباكر إليه وقتها تذهب إلى أنه نادٍ سابق لأوانه وكان الأجدى أن يؤسس جمعية
لرعاية الطفل وغيرها من الجمعيات التي تزاول الأعمال الخيرية11.
في
السياق بدأت تظهر في الخمسينات عبارة الحركة النسائية في الكتابات التي تتناول
واقع المرأة من خلال الصحافة، فكتبت السيدة موزة الزائد في جريدة الوطن تطالب
بالسفور، بالإضافة على ما كتبته السيدة شهلا خلفان عن مفهومها لتحرير المجتمع من
الاستعمار والمطالبة بالحريات وربطت مصير (الحركة النسائية) بمصير الحركات
النسائية في العالم12. تأثرت هذه الآراء على ما يبدو بالمناخ السياسي
للحركة الوطنية ودعواتها التحررية ومطالبها بالديمقراطية والمساواة، كما توقف نادي
السيدات عن النشاط بعد سنة من تأسيسه، وتأسست بعده جمعية نهضة فتاة البحرين عام
1955، وهي أولى الجمعيات النسائية في الخليج حيث مثّلت نساء الطبقة المتنفذة
سياسياً واقتصادياً. وحسب عزيزة البسام فإن هذه السمة الطبقية التي بدأ بها العمل
النسائي تشترك فيها معظم التجمعات النسائية العربية، وذلك لأن عنصر التطوع يستلزم
أن يملك الشخص فائضاً من الوقت والمال مما لا يتوافر للكثيرين من أفراد المجتمع.
اقتصر نشاط جمعية نهضة فتاة البحرين في البداية على برامج تستهدف العمل الخيري
وتقديم المساعدات الاجتماعية، ثم امتد إلى مجالات محو أمية المرأة وإنشاء رياض
الأطفال13.
في
عام 1960 تأسست جمعية رعاية الطفل والأمومة، ونشطت في مجال العمل الخيري والرعاية
الاجتماعية وتقاربت أهدافها وقتها مع أهداف جمعية النهضة كما تحدد في دستورها قبل
التعديل في عام 1989، كان من أهدافها مساندة الفقراء ومعاونة الأمهات على الارتفاع
بمستواهن المعيشي والثقافي، وقد تخطّت بعد فترة زمنية برامج الأنشطة الخيرية
البسيطة نحو بناء مؤسسات للرعاية الاجتماعية، تكّونت من سبع رياض أطفال ومعهد
الأمل لرعاية الأطفال المعوقين ومركز الرعاية الثقافي للأطفال، ومركز تحفيظ
القرآن، ومشاغل خياطة، ومركز معلومات المرأة والطفل. وساعدها في ذلك الدعم الرسمي
والمساعدات والتبرعات التي تحصل عليها، وهي تمثل الخط السياسي المحافظ، وبالنسبة
لحقوق المرأة السياسية والتشريعية فهي تنادي بالحل الوسط والتدرج في منح المرأة
هذه الحقوق14، بيد أنها برأينا تمثل أحد الواجهات الرسمية بسبب أنّ
أغلبية عضواتها من نساء النخبة والأسرة الحاكمة.
وفي
عام 1970 وبحسب المصادر التاريخية تأسست جمعية أوال النسائية في مدينة المحرق،
وجمعية الرفاع الثقافية الخيرية في مدينة الرفاع، وقد مثلّت عضوات جمعية أوال نساء
الطبقة الوسطى التي حصلت على تعليم جامعي من الخارج وانفتحت على التيارات السياسية
في الوطن العربي من خلال نشاط الاتحاد الوطني لطلبة البحرين في الخارج، ويتضح ذلك
من دستور الجمعية قبل تعديله في عام 1989، فقد تأثرت مواده التنظيمية والإدارية
إلى حد بعيد بدساتير روابط طلبة البحرين، وقد عبّرت المؤسسات لجمعية أوال النسائية
عن التوجهات التي دفعتهن إلى تأسيسها وكان منها "شعور ملحّ بأهمية خلق عمل
نسائي في البحرين مغاير للنشاطات الخيرية التي اقتصر عليها عمل الجمعيات القائمة، وضرورة
خلق كادر قيادي نسائي يتحمل أعباء هموم المنطقة العربية، فتوجهت إلى المرأة في الريف وبرامج محو الأمية
والتوعية الأسرية والاجتماعية15.
ثم
نشطت جمعية أوال مع نهضة فتاة البحرين التي حدث في وسطها تحولات نوعية في
اتجاهاتها الفكرية والاجتماعية والسياسية انعكست على تغير جذري في أهدافها
واهتماماتها وذلك بسبب انضمام قطاع كبير من الموظفات وخريجات الجامعات والطالبات
الدارسات في الخارج اللواتي ينتمي أغلبهن إلى الحركة السياسية والطلابية في
الخارج، مما أدى إلى تعميق التوجه نحو قضايا الحقوق المطلبية والحقوقية للمرأة في
التعليم والعمل وقضايا الأحوال الشخصية والحقوق السياسية.
أما
جمعية الرفاع الثقافية الخيرية فقد تركز اهتمامها على رعاية الأطفال من خلال أربع
رياض أطفال تابعة لها، وخلافاً لذلك لم يكن لها أي نشاط يذكر، علماً بأن هذه
الجمعية في بداية تأسيسها كان لها دور كبير مع جمعية نهضة فتاة البحرين وأوال
النسائية في المطالبة بالحقوق السياسية في البحرين. وفي عام 1975 تأسست الجمعية
النسائية الدولية وتضم في عضويتها النساء الأجنبيات المقيمات في البحرين وهي أشبه
بالنادي منها بالجمعية وأهدافها وأنشطتها خيرية وتنفذ برامج كالأسواق الخيرية
ومساعدة الأسر المحتاجة، وزيارات لدور العجزة وغيرها.
في
1969، تقدمت 60 فتاة ينحدرن من أصول ريفية وحاصلات على قسط من التعليم والثقافة
بطلب لتأسيس جمعية فتاة الريف، بيد أن الجهات الرسمية لم تسمح لها بالإشهار بالرغم
من المحاولات العديدة لإعادة طلب الإشهار في الثمانيات والتسعينات. ويرجع سبب
الممانعة إلى نظرة الحكومة إليها، فقد كانت تراها تمثل واجهة علنية لليسار السياسي
المتمثل في جبهة التحرير الوطني، غير أنه تم إشهارها في 2001 16 بعد
الانفتاح السياسي.
أُشهرت
العديد من الجمعيات النسائية بعد الانفتاح السياسي عام 2000، ونشطت مع من سبقها
وتبنّت التوجهات نفسها، وكان منها جمعية المرأة البحرينية، وجمعية البحرين
النسائية، وتنمية المرأة البحرينية، ومدينة حمد النسائية، إضافة إلى جمعية الحور
النسائية وجمعية المستقبل النسائية التي أشهرت في 15/9/2001، والأخيرتان من
الجمعيات النسائية الدينية الإسلامية الشيعية، فضلاً عن لجان نسائية دينية مثل
اللجنة النسائية في جمعية التوعية الإسلامية واللجان النسائية الأخرى في كل من
جمعية الشورى والأصالة والمنبر الإسلاميات، والثلاث الأخيرات جمعيات سياسية تنتمي
للتيار الديني الإسلامي السلفي وإخوان المسلمين ولهن حضور واسع في البلاد، وهو
حضور يحقق أهداف الرعاية والإصلاح التي تسعى إليها تلك الجمعيات وترسيخ المبادئ
والقيم الإسلامية، وهي أقرب إلى تنفيذ برامج جمعياتها السياسية والدينية في القطاع
النسائي.
وفي 16 سبتمبر عام 2006 تأسس الاتحاد النسائي البحريني ويضم مجموعة من
الجمعيات النسائية البحرينية بما فيها جمعية المستقبل النسائية الإسلامية، وهي
الجمعية الإسلامية الوحيدة في الاتحاد، وباستثناء بقية الجمعيات واللجان النسائية
الإسلامية ذات التوجهات الدينية والمذهبية، وتعتبر أهداف الاتحاد انعكاساً لأهداف
الجمعيات النسائية؛ بيد إنه ولتأثير ما حدث في فترة الحراك الشعبي عام 2011 فقد
انحسر نشاط هذه الجمعيات وانسحب بعضهن من عضوية الاتحاد النسائي أو جمدها واقتصرت
العضوية فيه حالياً على تسع جمعيات نسائية بحرينية.
ويعتمد الاتحاد النهج الديمقراطي في نشاطه الذي تتنوع فيه الطاقات
والقدرات والموارد البشرية والمادية، وتجري انتخاباته كل سنتين بالاقتراع المباشر.
أما أبرز أهدافه؛ فهي العمل على تمكين المرأة والأسرة وتنميتها، وينظر إلى العمل
المشترك كضرورة للنهوض بأوضاعها وخطوة ضرورية للتنمية المستدامة في المجتمع وذلك
في إطار ادراكه للترابط الوثيق بين قضايا النساء وقضايا المجتمع؛ كما تقوم فلسفته على
العمل مع النساء وليس نيابة عنهن، ويؤمن بالعمل المشترك والتشبيك مع منظمات
المجتمع المدني المحلية والخارجية، وبحقوق الإنسان ونبذ التمييز والتصدي لكافة
أشكال العنف ضد المرأة، فضلاً عن العمل على تحديث التشريعات بما يحقق المساواة
للمرأة، وبه لجان متعددة تعمل على ملفات حقوقية كقانون الأسرة، وقانون الحماية من
العنف الأسري وقانون الجنسية وغيرها، وهو المسؤول عن إعداد التقرير الأهلي للسيداو17.
وعند تحليل واقع الحركة النسوية في البحرين لابد من النظر إلى واقع
ونشاط "المجلس الأعلى للمرأة" الذي تأسس حديثاً في عام 2001 وعلاقته
بالجمعيات النسائية والاتحاد النسائي البحريني، فهذه المؤسسة رسمية أنشئت في مرحلة
الإصلاح السياسي؛ وتترأسه صاحبة
السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة؛ وتتكون عضويته
من شخصيات نسائية عامة ذوات الخبرة في شئون المرأة والأنشطة المختلفة المتعلقة
بها، ومدتها ثلاث سنوات قابلة للتجديد، كما يصدر أمر ملكي بتعيين أعضاءه؛ ويعد
مرجعا للجهات الرسمية فيما يتعلق بشئون المرأة، حيث يستند إلى "الإستراتيجية
الوطنية لنهوض المرأة البحرينية" الضامنة لتكافؤ الفرص لها وتعدد الخيارات
المتاحة أمامها من خلال التشريعات والسياسات الداعمة، ويعنى باقتراح السياسة
العامة في مجال تنمية وتطوير شئون وتقديم الاقتراحات بتعديل التشريعات الحالية
المتعلقة بالمرأة وإبداء الرأي في مشروعات القوانين واللوائح والقرارات المتعلقة
بها قبل عرضها على السلطة المختصة، والتوصية باقتراح مشروعات القوانين والقرارات
اللازمة للنهوض بأوضاع المرأة، تمثيل المرأة البحرينية بصفة رسمية في المحافل
والمنظمات العربية والدولية المعنية بشئون المرأة والدخول معها في اتفاقيات تعاون
وبرامج مشتركة18.
أهداف الجمعيات النسائية البحرينية
تعد
أهداف الجمعيات النسائية أحد المؤشرات والمداخل لدراسة حاجات المجتمع وتوجهاته
العقائدية والسياسية فضلاً عن متطلبات أفراده، وهي تختلف بحسب البيئة التي تنشط
فيها تلك الجمعيات. يحصر أحد الباحثين19أهداف الجمعيات النسائية
الخليجية على اختلاف مشاربها وتوجهاتها الثقافية في رفع مستوى الأسرة الاقتصادي
والاجتماعي والثقافي والديني والصحي، والمساهمة في النهوض بالمرأة من النواحي
الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية، وتقديم خدمات الأمومة والطفولة ورعاية
الأسر المحتاجة، وتقديم الخدمات اللازمة لها والرعاية الخاصة للفئات الخاصة، فضلاً
عن إقامة المعارض والأسواق الخيرية.
ويمكن
التركيز على أهم أهداف الجمعيات النسائية البحرينية من خلال استعراض أربعة نماذج
منها، تعتبر اثنتان منها قديمتين ولهما توجهات عصرية قريبة من التيارات السياسية
وهما جمعية نهضة فتاة البحرين وجمعية أوال النسائية، إضافة إلى جمعية رعاية الطفل
والأمومة التي تمثل نساء النخبة وهي قريبة من التوجه الرسمي، وجمعية المستقبل
النسائية التي تعتبر الواجهة النسائية لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية الشيعية ذات
الحضور القوي في وسط الطائفة الشيعية؛ ولكن نشاطها قد توقف بسبب تأثيرات الحراك
الشعبي في 2011 واقتصر نشاط عضواتها في إطار التجمعات الشعبية وتحديداً في المأتم
والمساجد والمناسبات الدينية.
أهداف جمعية نهضة فتاة البحرين20
رفع
مستوى المرأة الثقافي والتعليمي والاجتماعي، وتشجيعها على المساهمة الإيجابية في
عملية التنمية والانخراط في مجالات العمل المختلفة، والإسهام في الارتقاء بواقع
الطفولة لدى أفراد المجتمع، وتعزيز مفهوم العمل الاجتماعي لدى أفراده، والمساهمة
في مجال خدمة المجتمع وتوطيد العلاقات مع المنظمات والاتحادات النسائية العربية
والدولية، وتبني قضايا المرأة وحقوقها والدفاع عنها.
أهداف جمعية أوال النسائية21
النهوض
بالمرأة البحرينية ورفع مستوى وعيها الثقافي والاجتماعي، وتوعيتها بحقوقها
وتشجيعها على ممارسة هذه الحقوق، والمساهمة في الجهود الرامية لإصدار قانون
للأحوال الشخصية، والدفاع عن حقوق ومصالح المرأة العاملة، وإدماجها وإشراكها في
التنمية الشاملة للمجتمع، ونشر الوعي الثقافي والاجتماعي والصحي في المجتمع،
والقضاء على الأمية ومظاهر الجهل والتخلف.
أهداف جمعية رعاية الطفل والأمومة22
غوث
الملهوف وإقالة العاثر ومساندة الضعفاء والمحتاجين، وتبني العائلات ومساعدة
الأمهات على الارتفاع بمستواهن المعيشي والثقافي والاجتماعي ليكنّ أمهات صالحات
يحسنّ تنشئة الجيل الصاعد، والأخذ بيد المرأة البحرينية المقتدرة نحو تطبيق مبدأ
التضامن الاجتماعي علمياً والمشاركة الإيجابية في خدمة الوطن، ورعاية وتنشئة الأطفال في سن ما قبل المدرسة
وتهيئتهم للمرحلة الابتدائية، ورعاية وتعليم الأطفال المعوقين عقلياً وسمعياً،
وتأهيل وتوعية الفتيات والأمهات في الريف ورفع مستواهن المعيشي والثقافي
والاجتماعي، وتنمية المستوى الثقافي والاجتماعي والفني للعضوات وإعدادهن لممارسة
شئون الجمعية الإدارية والتنظيمية، ومواكبة مستجدات ومتطلبات المراحل الانتقالية
على وضع المرأة البحرينية، وتطوير أهداف الجمعية بما يواكب متطلبات الوقت الراهن
للعمل ضمن المجتمع المدني.
أهداف جمعية المستقبل النسائية23
تنمية
روح المواطنة الواعية والمسئولة لدى المرأة البحرينية والعمل على تعزيز ثقتها
بنفسها وبقدراتها واستعداداتها، وتنمية الملكات والقدرات الإبداعية لديها وبناء
شخصيتها الإنسانية المتكاملة في منظومة القيم الإسلامية والعقيدة السمحاء، ومساندة
توجهات الدولة المتعلقة بدعم التشريعات الخاصة بحماية حقوق المرأة والمحافظة على
كيان الأسرة الشرعي ورعاية النشء، وتنمية روح العمل التطوعي إلى منتسبي الجمعية
والانخراط في عملية التحديث الاجتماعي والمؤسسي بما يلبي تطلعات المجتمع البحريني
نحو التطور والتقدم الحضاري، والتعاون والتنسيق مع الجمعيات والمؤسسات العامة
والخاصة في تنفيذ المشروعات بمشاركة المرأة في الشؤون العامة للمجتمع.
مما سبق يمكن ملاحظة، أنه ومع تنامي المتغيرات
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في ظل التطورات الكبيرة التي شهدها المجتمع،
اتجهت بعض الجمعيات النسائية إلى تركيز مجالات اهتماماتها بقضايا المرأة
واحتياجاتها، وأدخلت على أهدافها عناصر جديدة تعكس تلك المتغيّرات. ولعل الأهداف
التي قمنا باستعراضها تعكس تلك التحوّلات ومتطلّباتها، لكن السؤال يدور: عن مدى
تجسيد تلك الأهداف ومضامينها في الخطط والبرامج التي تنفذها الجمعيات النسائية
لاسيما المتعلق منها بتمكين النساء، وإعدادهن لممارسة أدوارهن في المجتمع، خصوصاً
عند الجمعيات النسائية الدينية التي تخضع إلى وصايا وفتاوى مرجعياتها الدينية
والطائفية.
تشير
إحدى الدراسات إلى عدم وضوح أهداف الجمعيات النسائية في البحرين، فهي غالباً لها
صفة التعميم والغموض مثل هدف "رفع مستوى المرأة الثقافي"، ولكن دون أي خطة أو اتجاه محدد، فضلاً عن هدف
"تبني حقوق المرأة والطفل" الذي يظل مجرد شعار وليست له ترجمة واقعية في
برامج وأنشطة بعض الجمعيات النسائية، كما يرد ذكر المرأة الريفية كثيراً في
الأهداف المعلنة وتأكيد ضرورة الاهتمام بها ثقافياً وتوعوياً إلا أن متابعة
البرامج التي تنفذها الجمعيات النسائية -كما تضيف-لا تصل إلى المرأة في الريف، وفي
أفضل الأحوال لا تتعدى برامج "خياطة وتفصيل وبرامج توعية أسرية في مركز محو
الأمية"، مما يبرز فجوة ما بين صياغة الأهداف والشعارات وبين عدم وجود خطة أو
اتجاه يجسّد تلك الأهداف24.
ولعل
أدبيات بعض الجمعيات النسائية25 التي اطلعنا عليها تعلّل انغماسها في
نشاطات ومشاريع خيرية تتجه لرعاية النساء وتدريبهن على بعض المهن التقليدية، بأنها
عبارة عن تلبية لمتطلبات ينشدها المجتمع واحتياجات تتطلع إليها فئات عريضة من
النساء اللاتي يعاني بعضهن من ظاهرة الفقر والحاجة والفراغ، وهي لتشجيع البحرينيات
على ممارسة العمل اليدوي وإيجاد فرص عمل لهن وإعطاء قيمة للمنتج المحلي لدى الفرد
البحريني والمساهمة في دفع عملية التنمية، فضلاً عن مساندة النساء العاملات من
خلال مشاريع رياض الأطفال والحضانات.
ورد
أيضاً في نشرة لجمعية نهضة فتاة البحرين بأن إنشاء مركز عائشة يتيم التابع لها
للدعم والإرشاد الأسري كان استجابة لتزايد ظاهرة التفكك الأسري وارتفاع حالات
الطلاق، وهو لتلبية حاجة المجتمع ورفع مستوى وعي أفراد الأسرة بحقوقهم وواجباتهم
الأسرية والتعامل مع المشكلات الاجتماعية والنفسية والقانونية والوقاية منها، فضلاً عن أن مشروع نسائج الخاص بها للتطريز
يتطلع إلى دعم المشاركة الاقتصادية للمرأة ويوفر لها دخلاً مالياً ثابتاً، ويهدف
إلى إحياء حرفة التطريز القديمة والمحافظة عليها من الاندثار وتعزيز احترام العمل
اليدوي26.
في كل
الأحوال، ستبقى أهداف الجمعيات النسائية برأينا مرهونة في أحد جوانبها بمفهوم
الناشطات فيها لمصطلحات المشاركة في النشاط العام وتمكين المرأة، وضمن أي بعد فكري
وإيديولوجي يتم النظر إليها والتعامل معها. وبرغم الحديث المشار إليه أعلاه من كون
نشاط الجمعيات النسائية لم يخرج في إطاره العام عن العمل الخيري ومحو الأمية
وبرامج التوعية الأسرية والصحية وتقديم إرشادات قانونية وبرامج للتدريب والتنمية،
إلا أنه يمكن القول بوجود متغيرات نوعية حدثت في المجتمع أدّت إلى تغير نوعي واضح
تجلّى في أهداف الجمعيات النسائية وفي مظاهر النشاط في أوساط النساء سواء أكانت
مباشرة أم غير مباشرة، إضافة إلى الأخذ في الاعتبار أبرز النتائج التي رافقت عملية
التغيير في سياق نشأة الجمعيات ونشاطها وانعكست على خططها وبرامجها وأهدافها وما
حدث في مرحلة الإصلاح السياسي وتبني الأهداف التنموية والملفات الحقوقية المتعلقة بحقوق
النساء والفتيات.
ومن
أبرز تلك المتغيرات27 أن نشطت
بعض من طالبات الاتحاد الوطني لطلبة البحرين في الخارج مع بعض النساء المنخرطات في
العمل السياسي السري المعارض في جبهة التحرير الوطني البحرانية28
والجبهة الشعبية في البحرين29، وشكّلن عناصر نشطة في صفوف جمعية نهضة
فتاة البحرين وأوال النسائية وفتاة الريف منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، ممّا عرّض بعضهن للمضايقات الأمنية وتم اعتقال
أمنية محمد علي حافظ في مارس 1969 30 بسبب نشاطها السياسي في صفوف جبهة
التحرير، وسبيكة النجار وصالحه عيسان في 1973 بسبب نشاطهما السياسي في صفوف الجبهة
الشعبية، ومنع أخريات من السفر في 1977، وفصل بعضهن من أعمالهن وتعرضهن للتحقيق
الأمني بسبب مواقفهن الوطنية ومشاركتهن في اعتصامات أهالي المعتقلين السياسيين في
الثمانينيات.
كما
رفعت بعض الجمعيات والشخصيات النسائية البحرينية مطالب بمشاركة المرأة السياسية في
انتخابات 1973، عريضة في 27/4/1995، إلى أمير البلاد آنذاك تطالبه بعودة العمل
بالدستور والمؤسسات الدستورية ووقف عمليات القمع ضد المواطنين المطالبين
بالديمقراطية وحملت هذه العريضة تواقيع المئات من النساء من مختلف الفعاليات
المهنية والمطلبيّة، كما طالبت بمشاركة المرأة البحرينية في صنع القرار السياسي31، وعلى أثرها فصلت
الناشطة في جمعية نهضة فتاة البحرين عزيزة البسام من عملها، والمرحومة حصة الخميري
من وزارة التربية والتعليم، والدكتورة منيرة فخرو من جامعة البحرين، وهدّدت البقية
بالفصل غير القانوني من العمل إن لم يسحبن توقيعهن من العريضة، كما تواصلت عمليات
الاعتقال والتحقيق بكثافة في صفوف الناشطات وسط التيار الديني الإسلامي الشيعي
المعارض منذ ثمانينيات وتسعينات القرن الماضي وحتى مرحلة الإصلاح السياسي.
ومن
جانب متصل برز اهتمام بالجانب الحقوقي عند بعض الجمعيات النسائية منذ أوال
الثمانينيات، وذلك بتأثير من المنظمات الدولية والحقوقية المعنية بقضايا المرأة،
فقد طالبن بتعديل تشريعات تخص النساء كقانون العمل في القطاع الأهلي والقانون
المنظم للجمعيات الأهلية، ومطالبة الدولة بالتوقيع على اتفاقية القضاء على كافة
أشكال التمييز ضد المرأة وحقوق الطفل التي تم التوقيع عليها عام 322002،
كما تأسست لجنة أهلية منهن تطالب بإصدار قانون للأحوال الشخصية في 1981، وشكّلت
لجان توعية وتثقيف للمشاركة في الانتخابات التشريعية والبلدية لعامي 2002
و2006.
إلى
ذلك فقد حصلت المرأة البحرينية على حقوقها
السياسية وبالتساوي مع الرجل في 2002، وأشهرت العديد من الجمعيات السياسية
المتعددة الاتجاهات وانخراط أعداد كبيرة من النساء في صفوفها، وبعضهن يمارسن
أنشطتهن في صفوف الجمعيات النسائية، فضلاً
عن تنامي المد الديني والطائفي وبروز اتجاهاته بجلاء في العمل النسائي والتي أدّت
إلى تأسيس العديد من الجمعيات النسائية الدينية واللجان النسائية التابعة للجمعيات
السياسية الدينية والطائفية التي تعمل في جانب من جوانب أنشطتها على ترسيخ الوضع
المتخلف القائم للمرأة وفي إطار منهجي وتحت رعاية ووصاية مباشرة من المرجعيات
الدينية والمذهبية والطائفية ومؤسساتها الدينية، وهذا التوجه باعتقادنا يؤدي إلى
إخضاع المرأة وتهميش دورها وإعادة إنتاج الواقع الذي تعيشه النساء في سياق ما
تبتغيه السلطات الدينية والاجتماعية وما يتماشى مع متطلباتها ومواقفها تجاه المرأة
وهذا ما يمكن ملاحظته لاحقاً في بعض التصريحات النسائية ذات الصبغة الدينية
والطائفية.
كما
يمكننا ملاحظة بروز توجه رسمي تمثّل في المجلس الأعلى للمرأة مهتم بقضية تحرر
المرأة وتمكينها وإشراكها في الشأن العام وإعداد وتنفيذ برامج للتوعية والتدريب
للنساء، حتى وإن كانت في سياق مصلحة النظام السياسي وبما يتماشى مع برنامجه في
مرحلة التحديث السياسي وبحسب معاييره ومقاساته، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال
تفاصيل الإستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة البحرينية33.
إضافة
إلى ما سبق، يبقى القول بوجود العديد من المشاكل والتحديات التي تعترض الجمعيات
النسائية في البحرين وتمنعها من تحقيق أهدافها، وهي إمّا مشاكل مادية أو قانونية
لها علاقة بقانون الجمعيات الأهلية رقم 21 لسنة 989 الذي يكرّس تبعية المنظمات
الأهلية للجهات الرسمية ويجعل العلاقة بينهما لا تخرج عن نطاق التطبيق الحرفي
للواجبات التي تحدّدها السلطات، إذ إن بعض مواد القانون تشتمل على ممنوعات
وإجراءات بيروقراطية وعقوبات كما في المادة "43"، وإشراف ورقابة صارمة
على كل أنشطة وبرامج الجمعيات وسجلاتها ووثائقها ومكاتباتها، واشتراط الحصول على
موافقة مسبقة من الجهات الأمنية عند عقد أي نشاط عام أو الانضمام إلى أي جمعية
واتحاد في الخارج أو المشاركة في مؤتمر أو ندوة خارجية أو في الحصول على التمويل،
إضافة إلى حق الجهة الحكومية في إصدار قرار الحل وإيقاف البرامج وإلغاء الانتخابات
وعزل مجلس الإدارة وغيرها من الإجراءات34، والحق في إقالة رؤوسا وأعضاء
مجالس إدارة الجمعيات دون تحديد نوع المخالفات كما هو مقترح تعديل القانون.
تجدر
الإشارة، إلى وجود تحرّك مستمر من الجمعيات الأهلية والنسائية باتجاه تغيير بعض
بنود هذا القانون وقد شددت موقفها ومطالبتها في بيان صدر مؤخراً عبرت فيه عن رفضها
التعديلات المقترحة من وزارة التنمية الاجتماعية على القانون ووضحت موقفها منه في
لقاء وفد منها مع الوزير في 31 ديسمبر 2024. في العموم الجهات المسئولة تتغاضى
أحياناً عن التطبيق الحرفي لبعض تلك البنود لتعارضها مع المتغيّرات والمستجدّات
التي حدثت في المجتمع، بينما تتشدّد أحيانا في بعضها المتعلق بممارسة العمل
السياسي. وستظل برأينا الجمعيات النسائية والأهلية تواجه صعوبة في تجاوز
نشاطها التقليدي ولعب دورٍ فاعلٍ في عملية التحول الاجتماعي والاقتصادي ومتطلباته
بسبب ذلك القانون وعوامل أخرى مختلفة، وهي تتمثّل في إشكالات تتعلّق بالظروف
الذاتية للجمعيات التي يفتقر بعضها إلى رؤية واضحة لدورها المجتمعي الحقيقي في ظل
المتغيرات المتسارعة والمستمرة، وبروز اتجاهات الإسلام السياسي والطائفي وانتشارها
في أوساط النساء مما أوجد فجوة عند بعضها بين أهدافها والبرامج التي تنفّذها، مع
الأخذ في الاعتبار وجود استثناءات تتفاعل مع المستجدات بصورة متفاوتة لاسيما عند
تشابكها وتفاعلها بالمد الديني وانتشار ثقافة حقوق الإنسان.
إضافة
إلى ذلك، يلاحظ انحسار المتطوعات الناشطات الشابات في صفوف هذه الجمعيات خصوصاً
العصرية منها وغير الدينية، إما بسبب شيوع روح الاتكالية التي تعوّد الناس عليها
بتلقي الخدمات من دولة الرعاية، وهم لذلك يبدون عدم الاهتمام واللامبالاة، أو بسبب
المد الديني الذي أوجد مؤسساته النسائية الخاصة التي تعمل على تلبية الاحتياجات
المادية والمعنوية لفئات عريضة من النساء وتوجيههن في إطار نظرته لدور المرأة في
المجتمع وفي سياق الأهداف التي يسعى إليها سياسياً وإيديولوجياً، وقد يرجع السبب
من ناحية أخرى إلى عدم فعالية دور بعض الجمعيات النسائية فيما تطرحه من أهداف
وبرامج غير قادرة على جذب فئات وشرائح عديدة من النساء والفئات الشبابية الغائبة
عن المشاركة الفعلية في أنشطتها.
في
ظل هذه الظروف يبقى السؤال مشروعاً حول ما إذا كانت الجمعيات النسائية تقوم عبر
تنفيذ أنشطتها وأهدافها بدورٍ فاعل مباشر أو غير مباشر يساهم في تمكين النساء وإعدادهن
للمشاركة في الشأن العام، أم أن ما تنادي به يتعارض جوهرياً مع هذا التوجه بسبب ما
يضمره بعضها من أهداف تسعى إلى إعادة إنتاج واقع المرأة وتحديد دورها في مجال
الإطار التقليدي وترسيخ تبعيّتها وخضوعها وامتثالها لثقافة المجتمع وعاداته
وتقاليده وتوقعاته منها، أم أن ما تنادي به من ناحية أخرى لا يتجاوز حدود الأمنيات
والتطلعات.
ماهية النشاط في الجمعيات النسائية
كما
ذكرنا تشكّل الجمعيات النسائية بيئة وسيطة حاضنةً لنشاط قطاعات محددة من النساء،
وهي تؤثر بشكّل مباشر وغير مباشر على تحديد اتجاهاتهن واهتماماتهن بشئون المجتمع
العامة، ومن خلالها تستكمل عمليات تشريب القيم والمفاهيم، ومن حيث أهميتها يؤكد
الجانب الرسمي على دورها كشريك في تحقيق الإستراتيجية الوطنية المعنية بالنهوض
بالمرأة البحرينية وتمكينها على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي35،
فضلاً عن أنّها تشكّل دعامة من دعامات النظام الاجتماعي بسبب تعاظم دورها وتأثيرها
في أوساط النساء خصوصاً الدينية منها؛ وهي تضم مجموعة من النساء العضوات المنضويات
في بناء محدود والملتزمات تجاه أهداف الجمعية وبرامجها التي تسعى إلى النهوض
بالمرأة والأمومة وتقديم الخدمات لها ولأسرتها، تمارس ضمن بنائها التنظيمي نشاطاً وعملاً
اجتماعياً لخدمة أغراض الجمعية وتحقيق أهدافها.
ولكل
جمعية من الجمعيات النسائية أهدافها، وهي تهتم في جانب من جوانب أنشطتها بالعمل
التطوعي لتحقيق تلك الأهداف، وتُؤمّن في الحدود الدنيا لعضواتها وللنساء عامة
اهتماماً بقضاياهن وحقوقهن، ونوعاً من المشاركة في أنشطة المجتمع العامة والأنشطة
التي تنفذها، وبالتالي فهي تمارس أدوارها بنماذج مختلفة ومظاهر متفاوتة، مباشرة
وغير مباشرة، معلنة وغير معلنة، أثناء تنفيذ برامجها وأنشطتها وتساهم من خلالها في
تحقيق ما يتوقعه المجتمع منها، وبالإمكان تبيّن ذلك من خلال سعي الجمعية إلى جذب
العضوات وزيادة عددهن وإعدادهن وتوعيتهن وتوجيههن لتحقيق أهدافها من تثقيف المرأة
وتوعيتها بدورها في المجتمع عبر الندوات والمحاضرات وورش العمل، إلى جانب كسب
المؤيدين للجمعية من النساء وتقديم الخدمات والإعانات لهن36.
يختلف
حجم النشاط الذي تلعبه الجمعية النسائية في اتساعه وأهميته حسب اختلاف طبيعة وضعها
التنظيمي وانتمائها الديني والطائفي والفكري والاجتماعي والسياسي، ممّا يجعل من
مظاهر نشاطها يبدو أكثر حصراً وتحديداً في مجالها، وهي تركز أولاً على جماعة معينة
من النساء محددة في إطار الجمعية وثانياً تركز على فئات وشرائح مختلفة من نساء
المجتمع يختلفن في مستويات تعاطفهن وتجاوبهن مع أنشطتها وبرامجها حسب احتياجاتهن
واتجاهاتهن ومتطلباتهن التي تتماهى بصورة وأخرى مع تطلعاتهن وثقافتهن وتفكيرهن
وانتماءاتهن الدينية والطائفية والطبقية، وبالتالي لا يمكن أنّ تبحث تلك المظاهر
والنماذج من النشاط فقط ضمن الاتجاه العام والشامل، بقدر ما ينُظر إليها في إطار
سماتها الخاصة والمتفاوتة حسب طبيعة كل جمعية ومفهومها لنشاطها ومرجعياتها وما
تعكسه من أثر على ممارستها العملية لتحقيق أهدافها.
فالجمعية النسائية الدينية تستحضر الدين والنص
والتأويل في نماذج أنشطتها للوصول إلى أهدافها، بينما تميل الجمعية العصرية إلى
استحضار مفاهيم الحداثة ومنظومة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان
والمرأة في إطار فكرها وقناعاتها تجاه المرأة ودورها في المجتمع، وبالتالي فإنّ
معيار قياس تحقق الأهداف عبر تلك النماذج وأثر مظاهر ذلك النشاط في تمكين النساء سيختلف
من جمعية لأخرى. لذا فـإنّ تحديد نماذج الأنشطة المتبعة في الجمعيات النسائية يتطلب
أيضاً التمييز بين أنماطها الاجتماعية من حيث توجهاتها العصرية أو الدينية
والطائفية، لاسيما في تشابكها وتفاعلها مع عوامل النشأة والمتغيرات وطبيعة الجمعية
النسائية وبيئتها الداخلية وموروثها الثقافي وتعدد وتنوع المعايير التي تحكمها
لتحقيق أهدافها.
وعليه
يمكن تلخيص أبرز الأنشطة التي تتبعها الجمعيات النسائية بصورة عامة لتحقيق أهدافها
في تحسين وضع المرأة، القيام بعملية التوعية والتثقيف والتدريب وورش العمل،
والمناقشة والحوارات الجماعية المفتوحة، إضافة إلى تبادل الرأي والمشورة بين
العضوات، وعقد اللقاءات الأسبوعية والاجتماعات الدورية، واستخدام المطبوعات
الإعلاميّة والمحاضرات والندوات ووسائل التواصل الاجتماعي.
وحيث
تعبّر أغلب أدبيات الجمعيات النسائية عن أهدافها، ومنها السعي إلى تثقيف عضواتها
خاصة والنساء البحرينيات عامة، وذلك لإيمان بعضها بأهميّة الثقافة في المساهمة
برفع مستوى الوعي لدى النساء ودفعهن للمشاركة في الحياة العامة، فأنّها بذلك تتبع
الإجراءات والتدابير إلى بلورة هذا الاتجاه على صعيد عضواتها أو النساء الأخريات،
وقد نلاحظ تحقق ذلك نسبياً في بعض الجوانب من خلال تنفيذ بعض الجمعيات النسائية
لأنشطة في مجالات رياض الأطفال والحضانات وبرامج محو الأمية ومراكز الاستماع
والإرشاد الأسري ومشاغل الحياكة، وإصدار دراسات وبحوث متعلقة بالأسرة البحرينية
والطلاق والسعي إلى تطوير القوانين والتشريعات المتعلقة بالمرأة وبرامج توعيتها
للمشاركة في الانتخابات التشريعية والبلدية37، فهذه الأنشطة وإن اتسم
بعضها بالمظهر الخيري إلا إنّه وأثناء تنفيذها تتم عملية تواصل مع النساء والتأثير
عليهن، بيد أن السؤال المهّم طرحه بتكرار، عما إذا كان هذا النمط من النشاط يحقق
الأهداف ويساهم في تطوير واقع النساء وتمكينهن؟.
ماهية النشاط في الجمعيات النسائية الدينية
قد تظهر
المفارقة في مواقف بعض الجمعيات النسائية التي تعلن عن أهداف محددة وتمارس ما
يعارض تلك الأهداف مما يتسبب في ازدواجية لمواقفها تجاه دور المرأة في المجتمع،
وذلك إما بسبب انتماءاتها الحزبية أو الإيديولوجية أو الدينية أو الطائفية أو
الرسمية أو بمجمل الأسباب السابقة أو بعضها. من أمثلتها كما حدث في موقف "جمعية
المستقبل النسائية الإسلامية" الشيعية أثنا فترة نشاطها العام في 2010 حيث
صرحت إحدى رئيساتها السابقات بأنّ الجمعيات النسائية معنية بأنّ توصل المرأة
لمراكز القرار وبتدريبها وتأهيلها وتوعيتها من جميع الجوانب الاجتماعية أو
الاقتصادية أو السياسية، بيد إنّ جمعيتها تتبع نهج المرجعية للتيار الإسلامي
الشيعي في البحرين، وعضواتهن وضعن النظام الأساسي للجمعية بالتعاون مع الرموز
العلمائية، ويحملن ملف المرأة ضمن نطاق الشريعة والمرجعية، ولهن لقاءات متكررة معها
للتشاور، حيث توصي بضرورة تواجد المرأة بقوة في الساحة، وإنّ قانوناً مثل قانون
الأحوال الشخصية "قبل أقراره آنذاك"؛ لا يمكن التحرك عليه دون الرجوع
للعلماء، وإنّ حقوق المرأة الشرعية محفوظة ضمن الشريعة المقدسة وبالتالي لا حاجة
لتقنين قانون الأحوال الشخصية38.
إلى
جانب ذلك، هناك تصريح لرئيسة اللجنة النسائية "بجمعية التوعية
الإسلامية" الشيعية أنّ هدف لجنتهن الرئيسي هو الناحية الإسلامية، وإيضاح ما
يتعرض له الإسلام من تشويه وتوضيح مفهومه الصحيح للأخوات والبنات، وأنّ اهتمامهن
بالدرجة الأولى المرأة والطفل، ومن أساليبهن لتحقيق ذلك تقديم نماذج من النساء
اللواتي قدمن التضحيات، وتنفيذ الدورات والدروس واستخدام المكتبة الصوتية لتغطية
الندوات والفعاليات، فضلاً عن الاستعانة بالتلفزيون والمنبر والخطابة والاحتفالات
والكلمات والمواعظ والمسجد، وسلوك عضوات الجمعية39، وقد عززت عضوات
اللجنة رؤيتهن بإصدار بيان يحددن فيه موقف لجنتهم من مجموعة قضايا اجتماعية
وحقوقية للمرأة، يعبّر فيه عن طاعة للمرجعية الدينية والمذهبية جاء فيه:
"إننا نكّرر موقفنا المؤيّد لعلمائنا الأفاضل من رفض إخضاع قانون الأحوال
الشخصية للمؤسسات الوضعيّة، وندعو لوضع خطة لمواجهة ظاهرة العنف ولعلاجها من
المجلس العلمائي والمؤسسات الإسلامية، لأن مجتمعنا يتفاعل مع خطابه أكثر من الخطاب
الرسمي والدولي، لا نختلف على ضرورة مراعاة الحشمة والضوابط الأخلاقية في
الجامعة"40.
من
ناحية أخرى ولتحديد أبرز نماذج الأنشطة التي تعتمدها الجمعيات النسائية الدينية،
لابد من التنبه إلى أنّها تستمد شكل تلك الأنشطة ومضمونها مما هو متبع في المؤسسات
الدينية والطائفية التي تسعى إلى تعزيز رؤيتها التقليدية بشأن دور المرأة في
المجتمع، لذا فهي تتسم بالطابع التلقيني الذي يفتقد لثقافة الحوار والجدل والشك
والاجتهاد ويستند على المحاكاة والثقافة السمعية التي تحكم المواقف تجاه المرأة
ودورها في المجتمع. وقد تمارس الأنواع الأخرى من الجمعيات النسائية ذات المظهر
التلقيني بسبب انتماءاتها وخلفيتها السياسية والثقافية والفكرية والقيمية، وتجدر
الملاحظة إلى إن لهذه الجمعيات النسائية الدينية قوة حضور في وسط النساء وتأثيرها
كبير وجوهري على اتجاهاتهن في المجتمع.
ومن
أبرز مظاهر الأسلوب التلقيني41 في الجمعيات النسائية الدينية واللجان
النسائية التابعة للجمعيات الدينية بشقيها السني والشيعي يمكن ملاحظتها عبر
استحضار القدوة التي يؤكد الإسلام على أهميّتها في جميع تعاليمه ويُحرص على تقديم
نماذج من الرجال والنساء الأتقياء كقدوة لغيرهم والتذكير بما قاموا به من أدوار
محددّة في المجتمع ذات طابع خيري أو دعائي، ذلك يتحدد بحسب اختلاف الاتجاهات
والمرجعيات الدينية والمذهبية والفكرية للجمعية النسائية.
يضاف
إلى ذلك استحضار الموعظة التي تقترن بالقدوة بهدف التقليد والمحاكاة، وهي تستند
على مرجعية النص القرآني في استحضارها والتوجيهات التي تعتمد آليات النص وأدواته
الشفاهية والذهنية والعقلية، وتتمثَّل خطورتها في تأثيرها على اتجاهات السلوك
بترسيخ منطق الوصاية والتشكيك في أهلية المرأة للنشاط السياسي، ويتم التسويغ لها
من خلال ما يستشهد به من النص الديني والموروث المذهبي، وما يحث على الأخذ به من
فتاوى وآراء بعض المرجعيات الدينية، سواء المتعلق منها بمشاركة المرأة في الشأن
العام أو القوامة التي يستدل عليها بالآية الكريمة "الرّجال قوّامون على
النّساء بما فضّل اللهّ بعضهم على بعض"، أو بإعطاء أولوية للوظيفة الإنجابية
للمرأة وواجب الطاعة ومنع اختلاط المرأة بالرجل وتقييد حركتها. وهذا ما يبرز
الازدواجية بين أهداف الجمعيات النسائية الدينية واللجان النسائية في الجمعيات
الدينية من جهة، وممارستها العملية لتحقيق أهدافها من جهة أخرى.
كما
وإنه يتم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمطبوعات الإعلاميّة والمنشورات
الدينية الموزعة بالمجان وبكثافة والمحاضرات الدينيّة والندوات التي تقام بالتعاون
مع رجال الدين أو محسوبين على المؤسسة الدينية، ومن خلال المواقع الإلكترونية
والبرامــج الإذاعيـة والتلفزيونية.
وإذا
كان أسلوب التلقين المشار إليه هو المتبع في الجمعيات النسائية الدينية التي تقع
تحت وصاية مرجعياتها وتعليماتها، وهي لها رؤية واضحة تجاه دور المرأة في المجتمع،
وإن كان لهذه الجمعيات حضور مؤثر في أوساط فئات كبيرة من النساء، فلا عجب أن تعمل الجمعيات على إعادة إنتاج الواقع وثقافته تجاه
دور المرأة في المجتمع وتبريره وتزيّنه وتحديد المجالات التي تتحرك فيها المرأة
وتزيد من قيودها، وبالتالي عوضاً عن أن تساهم هذه الجمعيات في إعداد المرأة
للمشاركة في الشأن العام فإنها تعمل باتجاه معاكس وتدفع بتعزيز دورها في الإطار
التقليدي، وبذلك تبقى أهدافها المعلنة مجرد يافطات تُسْتَحْضَر للضرورة، وهي لا
تخدم مصالح النساء ولا تتناسب مع المتغيرات التي تحدث في المجتمع.
من
جهة متصلة، يوضح زكي الميلاد42 خطورة الأدبيات الإسلامية والخطب التي
تستخدم كأدوات للتلقين، تأتي لكون مضمونها يربط كرامة المرأة بالعفّة والطهارة
بعيداً عن الحقوق، وهناك شبه إجماع واتفاق على أولوية وظائف ومسئوليات المرأة داخل
الأسرة قبل ارتباطها وعلاقاتها خارجها، وهي رؤية لها علاقة بخلفيات حماية الأسرة
والمحافظة على كيانها، وتستند على توزيع الأدوار التي تربّت عليها المرأة في محيط
أسرتها، فضلاً عما تتضمنه هذه الأدبيات من مواعظ تركز حديثها عن الحجاب وتنتقد
السفور والتبرج وتعالج قضايا المرأة ودورها في الأسرة، ما يحلّ لها وما يحرّم
عليها انطلاقا من التشريع الإسلامي ومن خلال النص الديني -القرآني
والسنة-والاجتهاد، ومنها الحّد من خروج المرأة إلى المجال العام، وترسيخ مبدأ
الطاعة عند النساء المسلمات، وحجبهن عن الحياة العامة بمنع الاختلاط، استناداً على
الآيات القرآنية والأحاديث النبوية: "وقرن في بيوتكن"، "والرجال
قوامون على النساء"، و"ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، "والنساء
ناقصات عقلاً ودينــــاً"43.
إن قضية
الطاعة والامتثال والعودة إلى المرجعية الدينية والطائفية التي تتبعها الجمعيات
النسائية الدينية في كل شاردة وواردة، تتضح خطورتها، من خلال النظر في مواقف هذه
المرجعيات التي تحدد نمطاً محدداً لدور المرأة في المجتمع يستند على منطلقاتها
ومحدداتها، ذلك ما يمكن تبينه من خـلال ما ورد في خطاب رجل دين بحريني حينما صرح
قائلاً: "لا يجوز التصويت لغير الملتزمين بالدين أو لشارب الخمر أو لفاسق أو
الذي لا يصلي لأنه غير ملتزم، كما لا يجوز انتخاب غير المتحجبة، لأنها غير ملتزمة
وتعتبر فاسقة بالمصطلح الشرعي"44، وكذلك ما ورد في خطاب رئيس المجلس الإسلامي العلمائي الشيعي الذي عارض
مشاركة المرأة البحرينية في الانتخابات البلدية 2002، في الكلمة التي ألقاها في
مهرجان أقامته اللجنة النسائية لجمعية التوعية الإسلامية وضم حشد نسائي كبير وكان
حول مشاركة المرأة في انتخابات 2006، إذ قال: "إذا كانت الحياة النيابية تجد
صفوفاً رجالية كافية فالأولوية تفرض أن تجد المرأة شرف المكانة العالية في مجالات أخرى
كالتخصصات الفقهية" مشيراً إلى "أن تحقيق الاكتفاء داخل صفوف النساء
في التعليم الديني وتخريج المبلّغات من المستوى المتقدم والكتابة والبحث هو مطلب نسعى
لتحقيقه"، وتساءل: "هل للمرأة
المسلمة في ظروف الحشمة والتعامل الإسلامي مع الرجل أن تشعر بالنقص والتخلّف إذا لم تتقلّد
منصباً سياسياً؟45.
ويؤكده
أيضاً، تصريح إمام وخطيب في أحد المساجد حينما ذكر قائلاً: "فالمرأة لا
تُشجعُ على دخول المعترك السياسي، لأن المرأة قارورة ومن صفات القارورة سريعة
الانكسار، فالمحل الصالح والنظيف هو بيتها فإذا ما خالفت أمر ربها ودخلت المجالس
النيابية والبلدية فإنها ترتكب عدة محظورات منها الاختلاط"46، أما
رئيس جمعية الإصالة السلفية فيتحفظ على تمكين المرأة ويفتى بميله إلى عدم جواز
توليها الولاية العامة ولا دخولها البرلمان47، ورئيس جمعية الشورى
الإسلامية يشترط في المرأة التي سيدعمها بالتحلي بلباس الحشمة والرزانة لأنها سوف تختلط
بالرجال وأن لا تنشغل بالموضة"48، فيما يتفق معه شيخ دين آخر في
اشتراطاته: أن تكون محتشمة ووقورة متمتعة بالقيم الإسلامية وألا تكون كاسية وعارية
متعطرة ظاهرة الزينة"49.
بهذا
المعنى، نصل إلى إنّ الجمعيات النسائية البحرينية بأنواعها التي تشكل الحركة
النسوية هي مؤسسات اجتماعية تتسم بمظاهر أنشطة مباشرة وغير مباشرة، تسعى من خلالها
إلى تحقيق أهداف معلنة وغير معلنة، قد تساهم في إعداد المرأة لأدوارها المتعددة في
المجتمع، لكن السؤال المهم: عن أي نوع من الأدوار؟ وضمن أي اتجاه؟ ذلك ما تحدده
طبيعة تكوين هذه الجمعيات النسائية كمؤسسات اجتماعية لها انتماءاتها ووظائفها
وفكرها وتوجهاتها وتنوعها وتخصصاتها وبالتالي الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها،
فضلاً عما لديها من إمكانيات وطاقات، فهي جزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي الذي
يتفاعل ويتكامل في أدواره مع مؤسسات المجتمع الأخرى التي لا تبتعد عن ثقافة المجتمع
ونظام تفكيره وموقفه تجاه المرأة ومشاركتها في الشئون العامة.
تأثير النشاط النسوي عامة على اتجاهات المرأة البحرينية
توصلنا
في إطار البحث إلى إن هناك جمعيات نسائية غير دينية تبرز فيها مظاهر التسيّب أو
التسلّط والمركزية وبعضها تعاني من مشكلات بسبب افتقادها لعقلية البناء المؤسسي
القائم على الممارسة الديمقراطية والحوار البناء وإتاحة الفرصة لكل الآراء لكي
تـُتداول وبحرية، واحترام الاختلاف والعمل
كفريق عمل، فبدلاً من أن تساهم هذه الجمعيات في إعداد المرأة لدور منتج وفاعل في
المجتمع فأنها تهيئ بنموذجها التسلّطي أو المتسيّب بيئة تنتشر فيها المحسوبية بين
ناشطاتها وتتجاذبها الشللية وتنتشر بينها عقلية الشخصنة والفردية في اتخاذ
القرارات مما يسبب الضعف في ممارستها وتربيتها للتقاليد الديمقراطية لدى عضواتها
ومناصريها من النساء.
وتوجد
جمعيات نسائية أخرى استطاعت التعبير نسبياً عن استقلاليتها من خلال نهجها في العمل
المؤسساتي وباتباعها الأسلوب الديمقراطي في الحوارات المفتوحة واتخاذ القرارات
فيها بالتصويت والانتخاب والتوافق والإجماع أو التشاور وعبر اللقاءات الأسبوعية
والمؤتمرات السنوية التي تتم فيها انتخابات حرة وترفع فيها التقارير الأدبية
والمالية، وتتم محاسبة مجلس الإدارة من قبل الجمعية العمومية كما تدّون محاضر
أنشطتها واجتماعات مجلس إدارتها. في الواقع، إنّ التأثيرات التي أشرنا إليها
جميعها مرهونة بطبيعة الجمعية النسائية ونوعها وطبيعة نشاطها واتجاهاتها وأهدافها
وخصائصها وانتماءاتها.
وخلاصة
القول، يتبيّن وجود مفارقة وإن بدرجات مختلفة بين الممارسة العملية لبعض الجمعيات
النسائية وطرقها وأساليبها في الوصول إلى أهدافها، وهي تتحدد حسب انتماءاتها
الفكرية والإيديولوجية والدينية والسياسية والاجتماعية والسياسية. وحتى نقيس أثر ما
تمارسه من نشاط في أوساط نساء البحرين، سوف نحتاج إلى معايير ومقاييس دقيقة تتناول
تحليل واقع الجمعيات النسائية بصورة شاملة ومتكاملة ودقيقة وفي سياق مسار تطورها
والمبادئ والأهداف التي تأسست عليها وبرامجها وأولوياتها والمتغيرات التي طرأت
حديثاً على المجتمع وغيرها من العوامل التي تنظر في المنافع التي تقدمها للمجتمع
والشرائح الاجتماعية التي تخدمها من النساء وتفاعلها مع البيئة والمؤسسات المجتمعية
الأخرى وقدرتها على مواكبة المتغيرات، ذلك لكي نستطيع الوصول إلى نتائج نستطيع
تعميمها، مع الأخذ بعين الاعتبار التفاوت النسبي في أداءها اعتماداً على نوعها
وتخصصها وعوامل عديدة تتعلق بوضعها الداخلي وارتباطاتها مع المؤسسات الأخرى
والتشريعات التي تحكم وتتحكم في أداءها ونشاطها.
الهوامش والمصادر والمراجع
1)
منير
المرسي سرحان، في اجتماعيات التربية، ص 118.
2)
شوكت
سليم اشتي، القيم الاجتماعية في أدب الأطفال، ص 34.
3)
باقر
سلمان النجار، المرأة في الخليج العربي وتحولات الحداثة العسيرة، ص 80-86.
4)
هشام
شرابي، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، ص 20-21.
5)
خلف
أحمد العصفور وآخرين، التنشئة الاجتماعية: بين تأثير وسائل الإعلام الحديثة ودور
الأسرة، ص44.
6)
محمد
الهادي عفيفي، في أصول التربية، ص 191.
7)
رفيقة
حمودة، أوضاع المرأة والتربية السكانية في البحرين، ص 10.
8)
عزيزة
حمد البسام، المرأة الأسئلة الغائبة، ص73.
9)
رفيقة
حمودة، م.س، ص 5.
10) عزيزة حمد البسام، المرأة الأسئلة الغائبة، ص74.
11)
عزيزة
حمد البسام، م.ن، ص75.
12)
خالد
البسام، "تلك الأيام"، بانوراما الخليج، ص 64.
13)
مجموعة
باحثات، بداية لم تنته، ص 15-86.
14)
موزه
الزائد، "الإسلام دين الحرية" الوطن، العدد 4، ص 5.
15)
عزيزة
حمد البسام، المرأة الأسئلة الغائبة، ص78.
16)
منى
عباس فضل، "تقرير حول المشاركة السياسية للمرأة البحرينية"، جمعية نهضة
فتاة البحرين، ص 5.
17) للمزيد أنظر أدبيات الاتحاد النسائي
البحريني.
18) للمزيد راجع موقع المجلس الأعلى
للمرأة الإلكتروني: https://www.scw.bh
19)
محمود
علي حافظ، "العمل الاجتماعي التطوعي الخليجي وجمعياته في ميزان
التقويم"، المكتب التنفيذي، العدد 43، ص307.
20)
انظر
النظام الأساسي لجمعية نهضة فتاة البحرين
http://www.alnahdabahwomwn.org
21)
انظر
أهداف جمعية أوال النسائية في الموقع: http://www.womengateway.com/engwg/societies/awal/
22)
انظر
أهداف جمعية رعاية الطفل والأمومة في الموقع: http://www.womengateway.com/engwg/societies/cmws/index-ar.htm/
23)
انظر
أهداف جمعية المستقبل النسائية في الموقع: http://www.womengateway.com/engwg/societies/future/HTML/index-ar.htm
24)
عزيزة
البسام، المرأة الأسئلة الغائبة، ص 83.
25)
انظر
موقع نهضة فتاة البحرين وموقع أوال النسائية http://www.alnahdabahwomwn.org http://www.womengateway.com/engwg/societies/awal/
26) انظر النظام الأساسي لجمعية نهضة فتاة البحرين http://www.alnahdabahwomwn.org
27) منى عباس فضل، "المرأة البحرينية والعمل
السياسي"، مركز دراسة الإسلام والديمقراطية بواشنطن (البحرين)، ص3-8.
28) جبهة التحرير الوطني البحرانية، تأسست
في 1955، عارضت الوجود الاستعماري في البحرين، تعتبر جزءاً من حركة الأحزاب
الشيوعية والعمالية العربية والعالمية. آمنت بمختلف أساليب النضال، قاطعت المجلس
التأسيسي في 1973، وشاركت في الانتخابات التشريعية في 1974، وصل بعض أعضائها من
كتلة الشعب للبرلمان. قدمت الشهداء وعانى أعضاؤها من الاعتقال السياسي والنفي.
توافقت مع الحكم على ميثاق العمل الوطني في 2000، ثم أسس بعض أعضائها ومناصريها
جمعية المنبر التقدمي الديمقراطي في مرحلة الإصلاح في 2002. نشطت سياسياً تحت
قانون الجمعيات السياسية الذي صدر بمرسوم ملكي. تدعو لإجراء تعديلات دستورية لكنها
ليست من التحالف الرباعي المعارض، شاركت في انتخابات 2002، ووصل ثلاثة من أعضائها
ومناصريها للبرلمان. شاركت في انتخابات 2006، ولم يفز لها أي عضو. للمزيد انظر
موقع جمعية المنبر التقدمي الديمقراطي http://www.almenber.com/
29)
الجبهة
الشعبية في البحرين، نشطت في إطار الجبهة الشعبية لتحرير
عمان والخليج العربي في 1971. شاركت في ثورة ظفار بعمان، انفصلت عن الجبهة الأم
بقرار صدر عن مؤتمرها العام، وأسست تنظيمها في 1974. تعتبر امتداداً لحركة
القوميين العرب. عارضت الوجود الاستعماري وآمنت بمختلف أساليب النضال ومنها الكفاح
المسلح. تحولت لنهج الفكر الماركسي اللينيني في سياق تبني يسار حركة القوميين
العرب لهذا النهج في 1968. قاطعت المجلس التأسيسي في1973 والانتخابات التشريعية في
1974. قدمت العديد من الشهداء وعانى أعضاؤها من الاعتقال السياسي والنفي. توافقت
مع الحكم على ميثاق العمل الوطني في 2001، وجمدت عملها السري، ثم أسس بعض أعضائها
وأنصارها وشخصيات وطنية ذات توجهات مختلفة جمعية العمل الوطني الديمقراطي
"وعد" في مرحلة الإصلاح في 2001، ونشطت سياسياً تحت قانون الجمعيات
السياسية الذي صدر بمرسوم ملكي. عارضت دستور 2002، وقاطعت انتخابات 2002. بعدها
شاركت في انتخابات 2006. شكّلت التحالف الرباعي المعارض لدستور 2002. للمزيد انظر
موقع جمعية العمل الوطني الديمقراطي "وعد" http://www.aldemokrati.org/
30) أحمد العرادي، "أمينة حافظ أول سياسية تروي
قصتها"، الوقت، العدد 505، 10/7/2007، ص 6.
31)
هاني
الريس، دور المرأة البحرينية في الانتفاضة الدستورية1994 -1998، ص7.
32)
اتفاقية
السيدوا، أو القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، اعتمدتها الجمعية العامة في
الأمم المتحدة في 1979، وبدأ تنفيذها بعد تلقي التصديقات العشرين اللازمة في 1981،
وأنشأت لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة لمراقبة تنفيذ الدول الأطراف الاتفاقية.
أنظر صحيفة وقائع رقم 22، مركز حقوق الإنسان بمكتب الأمم المتحدة في جنيف 1993.
33)
للمزيد
راجع الإستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة البحرينية للمجلس الأعلى للمرأة في
الموقع: www.womwncouncil.gov.bh
34) راجع نص قانون تنظيم عمل الجمعيات الأهلية
والثقافية والرياضية رقم (21) الصادر في1989.
35)
للمزيد
راجع المجلس الأعلى للمرأة، الإستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة البحرينية www.womwncouncil.gov.bhwww.scw.gov.bh
36) انظر أهداف الجمعيات النسائية في بوابة المرأة
البحرينية http://www.womengateway.com/arwg
37) للمزيد راجع بوابة المرأة البحرينية http://www.womengateway.com/arwg
38) سيد أحمد أمير، "العمل البلدي ليس
للمرأة"، الأيام، العدد 6067، ، ص 9.
39) حسين مرهون وعلي الديري، "الخطاب النسوي
الديني في البحرين 19/4/2002، منتديات: نقلاً عن موقع: Bahrain on line، http://www.montadayat.org/modules.php،
40)
اللجنة
النسائية في جمعية التوعية الإسلامية، البيان الختامي 2005، hhh://www.islamtv.org./index2.php
41)
سميرة
أحمد السيد، علم اجتماع التربية، ص 96-97.
42)
زكي
الميلاد، الفكر الإسلامي: قراءات ومراجعات، ص 119-136.
43) إبراهيم بوصندل، "وليس الذكر كالأنثى"،
الأيام، 25/9/2002.
44)
بتول
السيد، "العربي يحُرم انتخاب غير "المتحجبة"، الأيام، العدد 6646،
ص 3 .
45)
مالك
عبدالله، "قاسم: الأولوية في المقاعد النيابية للرجل"، الوسط، العدد
1281، ص1 .
46) بدر الحاج، "موقف الجماعات الإسلامية من
تمكين المرأة"، الأيام، العدد 6163، ص9 .
47)
فاضل
عنان، "تمكين المرأة سياسياً"، الوقت، العدد 63، ص6.
48) ياسمين شاهين، "لا مانع من دخولها شريطة
التزامها بالأدب الإسلامي"، الأيام، العدد 6164، ص9.
49) ياسمين شاهين، م.ن، ص9.