الثلاثاء، 5 سبتمبر 2017

أين اختفى شعب الخليج؟!

منى عباس فضل
مع الفورة النفطية، تدريجاً اختفى شعب الخليج، أين هم؟ من غيبهم، كيف ولماذا؟
تسأل عن البائع منهم؟ يقال لك المواطن لا يعمل بائعاً ولا سباكاً ولا حمالاً ولا سائقاً ولا صاحب بقالة ولا خضرجي ولا خياطاً ولا حلاقاً ولا منظفاً ولا حارس أمن ولا ولا ولا؟ مهن كثيرة لا تعد ولا تحصى لا يمكنك أن تجد عاملاً مواطناً فيها من تلك البلاد ومثيلاتها إلا باستثناءات ضئيلة.

تظن وتردد في سرك؛ ربما هم يتربعون في الوظائف المصرفية المجزية أو وزارت الدولة برتب وظيفة عالية المداخيل يأمرون ويتسيدون وووو، بيد إن الدراسات انتهت إلى أن القطاع الخاص وحده خلق "5.4 ملايين وظيفة" استحوذت العمالة الأجنبية على "90%" منها. تنظر يمينك تتلفت يسارك فلا تجد للمواطنين أثراً في مهن الطبابة والتمريض في المستشفيات إلا فيما ندر على الرغم من انتظار أعداد كبيرة لهذه المهن من خريجي هذه التخصصات في بعض البلدان، وجودهم في الأمن والشرطة بشروط وقيود ومحاذير، وحتى وظائف التعليم التي كانت مقصداً لهم فقد غزاها الغرباء من كل حدب وصوب يزاحمونهم حولها.

قالوا: إن كنت تبحث عنهم ينبغي أن تلقي نظرة في سجل تقاعدهم المبكر فستجده كاشفاً عن حال أعور ومستور، ومنهم من تربع قوائم الانتظار بوعد لوظيفة طال انتظارها لسنوات بعد التخرج الجامعي، أو ربما في صدارة قوائم العاطلين عن العمل لهذا السبب أو ذاك أو ربما التهمته قوائم المهاجرين المغتربين عن أوطانهم طوعاً أو إجباراً طلباً للرزق أو لشئ من الأمان وحفظ الكرامة.

المواطنون أقلية
أين اختفى شعب الخليج؟
تفتش عنهم وتنقب عن غيابهم من المشهد العام، فلا تجد إلا نفراً ضئيلاً منهم يتجولون في مراكز التسوق ضائعين وسط جيوش القادمين من أصقاع بلاد الدنيا هرباً من وحوش العوز وبحثاً عن مداخيل سريعة وفرص أعمال قد تحقق الأمنيات والأحلام. في مقالة لدلال موسى منشورة في كتاب "الثابت والمتحول 2017" عن مركز الخليج لسياسات التنمية، تشير إلى أن غير المواطنين يشكلون نسبة عالية أقلها بنحو "50%" وأعلاها نحو "90%" من إجمالي المواطنين"، فيما تشير الإحصاءات الرسمية بأن المقيمين من غير المواطنين يمثلون "39%" من إجمالي سكان السعودية في عام 2015 و"89%" في الإمارات و"86%" في قطر و"45%" في عمان و"69%" في الكويت و"53%" في البحرين.

اختفى المواطنون من شوارع بلدانهم واحُتلت أمكنتهم في الأزقة القديمة عمالة أجنبية ووافدة بحضور كثيف، يثير الاستغراب والخوف والتساؤل عن مغزى هذه السياسة ومن وراء ظاهرة تفشي العمالة السائبة والعمال غير النظاميين، من وراء المتاجرة بهم وزجهم في سوق السخرة "الفري فيزا" حيث يشكلون فائضاً لا يقدم أي إضافة إلى الإنتاج بحسب الاقتصاديين.

أحزمة البؤس
اختلفوا على تسميتهم تارة يطلقون عليهم عمالة وافدة وتارة أجنبية، ووراء التسميات ما وراءها من حقوق ومستوجبات وأعباء لا تعد ولا تحصى تنتظر بلدان الخليج إن طال الوقت أو قصر، ففي نهاية المطاف هناك حقوق والتزامات أقرتها المنظمات العالمية لهذه العمالة وتجارهم المحللين وأسيادهم في بلدانهم الأصلية يدركون تلك المخاطر، لكن من يعبأ لضياع الأوطان من؟! هي الأطماع والجشع ولا شئ يعلو عليهما، هو التخبط وسياسات السوق ونظام الكفالة التي معها يتعاظم الخوف من الآثار السلبية على تركيبة المجتمع وعلى عاداته وتقاليده بل ومخاطر الفوبيا و"السلوك العدواني" ضد الأجانب أو العكس نظراً للمعاملة غير السوية في بعض الحالات كما تشير مقالة دلال.

ينتشرون كالجراد، تميزهم ألبستهم الرثة أو هندامهم الفلكوري وروائح أطباقهم وأطباعهم ورطن لغاتهم ومنهم من تميز بلغة الزعيق في الأمكنة العامة، ومنهم من لا يتوقف عن الثرثرة والبصق على الجدران ومنهم من يطالعك بملامح السكينة والبؤس والهدوء القلق وشعور العوز والضياع، ومنهم من يتكور في شكل حلقات وجماعات صغيرة هنا وهناك في الأزقة المهملة التي تشكل أحزمة تلتف حول خاصرة مدن الملح الكئيبة بأبراجها العالية، أزقة وأحياء بكاملها صارت كنتونات للقادمين بلا حدود لا تطأ صوبها أقدام مسؤول أو مواطن هارب مما صار عليه الحال. يتجمعون لمشاهدة عرض ما أو تبادل أحاديث الهموم مع أقاربهم عبر الهواتف الذكية وما توفر من خدمات مجانية؛ تعلو أصواتهم وتنخفض همهماتهم بحسب أحوال عائلاتهم وأوضاعها، فهناك من يرقد بين سكرات الموت والرحيل وهنا من يعاني منهم من صدمة كما حدث لشغالة الجيران التي تزوج عليها زوجها في الغربة بعد أن تسلم بانتظام مرتباتها الضئيلة، مجتمعات فائضة بكاملها تعيش على حافة مجتمعات يسودها ضغط الوضع الشاذ والفوضى الخطيرة التي يتهرب من مشاهدتها وملامستها أي مسؤول.  


 ينوه الباحثون ومعهم مراكز الدراسات إلى أن تفشي ظاهرة العمالة الأجنبية والوافدة وزيادتها في أسواق الخليج، أمر غير مدروس لاسيما لجهة العمالة غير الماهرة التي تشكل عالة على اقتصاديات المنطقة، فأغلبهم يعيش وضعاً رثاً ووجودهم بهذه الأعداد والكثافة يمثل كارثة ديمغرافية واقتصادية، بل ويزيدون ويشرحون ويثبتون بالأرقام والوقائع بأنهم بذرة لكارثة سياسية قادمة لامحالة بسبب غياب سياسات الحماية والضمان والعدالة الاقتصادية والمشاركة في اتخاذ القرار، تماما كما حدث لبلاد تدعى "توباغو وترينيداد" في بحر الكاريبي، مع اختلاف التفاصيل. ترى ما حكايتها؟

درس ترينيداد
تبعاً للمصادر اشتهرت "توباغو وترينيداد" بحرفة الزراعة لقصب السكر والبن والكاكاو وجوز الهند والموز، وأصبحت منذ 1978 مورداً للنفط والغاز. استوطنها الهولنديون بعد الأسبان وجلبوا إليها آلاف الأفارقة للعمل في مزارعها الكبيرة، كما وفد إليها مستوطنون فرنسيون ومعهم عبيدهم للعمل في زراعة قصب السكر في القرن الثامن عشر، فيما استجلب إليها الاستعمار الإنجليزي عشرات الآلاف من أفريقيا للعمل في حقولهم، حتى سيطروا عليها تماماً بعد تنافس وحروب مع الأسبان والفرنسيين وانتهى الحال ببريطانيا إلى إحكام سيطرتها على "ترينيداد وتوباغو" وجمعتهما في إدارة استعمارية موحدة عام 1961، وصارت دولة مستقلة في 1962، لكنها بقيت ضمن دول الكومنويلث البريطاني. وماذا بعد؟

أيضاً مرت عبر تاريخها بحركات ثورية خصوصاً الحركات الاجتجاجية للعمالة السوداء على البطالة، وقد بلغ سكانها تبعاً لاحصاءات 2015 "1,354,483 نسمة" مقارنة بـ"848,481 نسمة" عام 1960، وهم ينقسمون من حيث أصولهم العرقية إلى "40%" من الهنود الآسيويين والصينيين الذين استجلبتهم بريطانيا كعمال سخرة بعد إلغاء تجارة الرقيق، حيث يمثل الهندوس وحدهم نسبة "34%" من إجمالي السكان، إضافة إلى "39%" من الأفارقة، وخليط من أعداد كبيرة من الصينيين والبريطانيين والفرنسيين والبرتغاليين والأسبان، وبعض العرب من سوريا ولبنان. والنتيجة أن أصبح الكاريبيون المواطنون الأصليون في هذه البلاد أقلية ينافسها القادمون في مجمل حقوق المواطنة، وقد صار لهم وضع تمثيلي في التشكيلات الحزبية والمشاركة في اتخاذ القرار بالبرلمان نظراً لضمان حقوقهم السياسية ومستوجبات المواطنة حالهم حال المواطن الأصلي.

في مسح استقصائي شاركتُ فيه مع برفسور وخبير اقتصادي من ترينيداد وكنا منتدبين من "منظمة العمل الدولية" عام 2010 لاستطلاع وضع أطراف الإنتاج الثلاثية في بعض بلدان الخليج، كان يشير بحرقة أثناء زيارات الاستطلاع للجهات الرسمية المعنية بسوق العمل إلى ضرورة إعادة النظر في استقدام الأيدي العاملة الأجنبية، منوهاً وشارحاً لتأثيراتها السلبية على الأوضاع المحلية اقتصادياً وسياسياً. قال محذراً: "أنظروا اليوم إلى وضع بلادي حيث يزاحمنا الأجنبي ليس في الفرص الوظيفية والاستثمارية بل وحتى في المشاركة السياسية وفي اتخاذ القرار بالبرلمان، إنه خلل كبير ويجب معالجته، وعليكم أخذ العبرة من تجارب الآخرين".

لكن من أسف لا حياة لمن تنادي، فالأنانية والجشع وانتشار وباء الفساد وسوء إدارة الاقتصاد ومعهم غياب الضمير وحكمة العقل، مجتمعة أوصلت أوطاننا إلى الأرقام المرعبة؛ "57%" هي نسبة العمالة الأجنبية في السعودية و"95%" في قطر و"81%" في الكويت و"78%" في البحرين" وهي دون أدنى شك باتت أحد أبرز مظاهر خلل التركيبة السكانية والقنبلة الموقوتة.

د.منى عباس فضل 
المنامة 5 سبتمبر 2017

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق