السبت، 12 أكتوبر 2024

الإعلام كأداة تنوير واستنهاض لقضايا الإصلاح السياسي

 

د.منى عباس فضل

 الحديث عن التنوير والاستنهاض لقضايا الإصلاح السياسي يعني ما يعنيه من وجود خللاً ما في المنظومة السياسية والمؤسساتية للدولة، هذا الخلل غالباً ما يترافق بدعوات للإصلاح من قوى التغيير في المجتمع كالأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية والمثقفين والمفكرين الذين يعبرون عن حاجة المجتمع إلى إحداث التغيير والانتقال به إلى وضع أفضل في الأداء السياسي والمؤسساتي للدولة، بل وإنجاز أهداف تحقق تطلعاته واحتياجات أفراده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. 

بهذا المعنى يمكن القول؛ أن الاصلاح السياسي مفهوم دينامي يعبر عن رغبة ملحة في التغيير واستبدال الوضع السياسي القائم بوضع آخر أفضل منه؛ وبالتالي تحقيق أوضاع سياسية تلبي تطلعات قوى المجتمع واحتياجات أفراده وترتقي بهم، ما يعني أن الإصلاح السياسي حركة ارتقاء من وضع يشوبه الخلل والفساد وسوء إدارة مؤسسات الدولة وتوزيع الثروات العامة وغياب العدالة والمساواة في الفرص المبنية على القدرات والكفاءات، إلى وضع يحد من كل هذا الاختلال والفساد وسوء الإدارة ويحقق عدالة أكبر في التوزيع وتكافؤ الفرص.

كما يستند الإصلاح السياسي على ركائز للبناء الديمقراطي، لها علاقة بحرية الرأي والتعبير خصوصاً حرية الصحافة والنشر والإعلام، والتي يمكن قياسها عبر التعرف على مستوى سيطرة الدولة على وسائل الإعلام وممارسة دورها الرقابي على أداء السلطة التنفيذية، فضلاً عن التعددية السياسية والحزبية؛ إذ لا ديمقراطية من دونها، فهي التي تفضي إلى خلق تيارات وأحزاب وتكتلات وجماعات ضغط ومصالح، تنخرط في آليات العمل الديمقراطي الانتخابي، أما الركيزة الثالثة فتتمثل بوجود برلمان يراقب ويشرف على السلطة التنفيذية ويخطط معها، وقوانين انتخاب تحد من تدخل السلطات في العملية الانتخابية وتوجيهها، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني، حيث لا يمكن إرساء قواعد الشفافية والمساءلة، دون نشاط الأخيرة الرقابي وبدون عوائق وضغوط. 

في هذا الشأن يشير الباحثين إلى إن من أصعب مراحل عملية الإصلاح السياسي، هو إحداث التغيرات البنيوية والقيمية المشار إليها والتي تمس البني الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، ذلك لأنها -أي عملية الإصلاح- مركبة ومعقدة ومتشعبة تتداخل فيها المصالح، وتختلف حولها الآراء والتصورات التي تتجاذب القوى السياسية والاجتماعية على اختلافها، وبالتالي فهي -أي قضايا الإصلاح السياسي-  بحاجة إلى تحديد رؤية واضحة بشأنها وأهداف محددة وخطة عمل طويلة، بل وتعاون وثيق ومستمر بين القوى السياسية والاجتماعية والفعاليات الاقتصادية ومؤسسات المجتمع المدني ومراكز صنع القرار السياسي؛ من أجل تقديم حلول للمشكلات التي تواجه المجتمع، هذه الرؤية لابد وأن تكون مدعومة بدارسات منهجية تحدد مكامن الخلل وماهيته في المجتمع السياسي السائد، كما تحدد القوى الاجتماعية المستفيدة من هذه العملية، بتحليل أولوياتها ومصالحها والبحث عن الآليات والمقاربات الإعلامية اللازمة لتنويرها وتوعيتها بشأن قضايا الإصلاح السياسي(1). 

وعليه لا عجب إن تعددت مسارات الإصلاح السياسي في المجتمعات وتداخلت بالمسار السياسي والاجتماعي والقانوني والإداري والاقتصادي، وذلك ضمن توازنات سياسية لها علاقة بتعديل التشريعات والأنظمة الانتخابية وإصلاح قوانين الأحزاب التي تعزز من هذه التعددية إضافة إلى الحريات الصحفية والإعلامية كشرط وذلك بإفساح المجال لها للنقد والمراقبة الجادة للسياسات والخطط والممارسات العامة لرموز الأنظمة الحاكمة، وإعادة ترتيب الأولويات التي تتبنى برامج تركز على مسارات الإصلاح السياسي والإداري والقانوني وبما تتطلبه العملية الإصلاحية برمتها من مهارات سياسية تعمق من نهج التوافق السياسي العام.

بين الإصلاح والإعلام

في هذا الشأن نجد إن بروز قضايا الإصلاح السياسي والمطالبة به برزت في بلداننا العربية خلال العقدين الأخيرين اللذين تخللتهما الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية وتفجرت فيهما الانتفاضات المتكررة بالمطالب النقابية والسياسية المعارضة لأنظمة الحكم، والتي تسبب فيها انتشار آفة الفساد واحتكار طبقة أو فئة قليلة بالثروة واتساع شرائح الطبقات الاجتماعية الفقيرة والمحرومة من الخدمات الأساسية كـ"التعليم والصحة والعمل والضمان الاجتماعي ومن نصيبها في الثروة الوطنية" في ظل تقييد للعمل السياسي وتصحير لنشاط مؤسسات المجتمع المدني وتقييده، والحد من حرية الصحافة واحتكار وسائل الإعلام التي تعمل بلا هوادة على تدجين الرأي المجتمعي، حيث تؤطر الدولة النشاط الإعلامي وتخضعه بما يحدث من تشويش وإدارة من الدولة العميقة له؛ فأكثر الدول فساداً كما تفيد دراسة حديثة: "هي تلك البلدان التي يغيب فيها دور الإعلام كسلطة رابعة، وذلك لكونه مملوكاً للدولة ويبرّر سياساتها، وإمّا مملوكاً لمن يدورون في فلكها من أقارب ورجال أعمال لتحقيق الكسب الاقتصادي". 

وقد لاحظنا كيف إن مطالب الإصلاح والتغيير قد بلغت مداها في سياق ما أطلق عليه "بثورات الربيع العربي" ومع تأثيرات الأزمات الاقتصادية وانخفاض معدلات النمو ومع انتشار الجائحة؛ فكل هذه الأزمات وتلك كانت ولا تزال تنذر بكوارث مفتوحة تتسع دوائرها بما تكرسه من فوراق اجتماعية وطبقية وما تنتجه من فقر وهشاشة اجتماعية في ظل الفساد وسوء الإدارة؛ والحال هكذا يجوز طرح السؤال عما يمكن للإعلام القيام به من دور كأداة للتنوير واستنهاض لقضايا الإصلاح السياسي؟

التحولات الإعلامية

تتنوع وسائل الإعلام في مجتمعاتنا العربية كما غيرها، وتتعدد في أشكالها ما بين "التلفزيون والإذاعة والصحف والمجلات رغم تراجع دورها الورقي مع تقدم الإعلام الرقمي، والإعلام الرقمي من "ويب ومنصات التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية" التي توفر محتوى متنوع وتفاعلي من خلال تبادل الأخبار والفيديوهات والمقالات والصور، إلى جانب الوسائل الاجتماعية "فيسبوك، منصة أكس، الانستغرام، ولينكدان..إلخ"، وهي تستخدم للتواصل الاجتماعي ومشاركة المحتوى الشخصي والمهني، وهناك الأفلام والسينما، التي تعد أيضاً وسيلة لنقل القصص والتعبير عن الفن والثقافة، والكتب التي لا تزال وسيلة هامة لنقل المعرفة والثقافة سواء أكانت مطبوعة أو إلكترونية ووسائل الاعلام الاجتماعية، بما تشتمل عليه من "YouTube, TikTok, Snapchat" وغيرها من المنصات التي تسمح للأفراد بمشاركة مقاطع الفيديو والصور والمحتوى القصير وتلعب دوراً كبيراً كأداة تنوير وتشكيل للوعي المجتمعي وبلورته واستنهاضه نحو قضايا المجتمعات وأبرزها قضايا الإصلاح السياسي. 

تتفق الكتابات الكلاسيكية على اضمحلال الحدود وتقارب المسافات لعبور الأدوات الإعلامية مرحلة جديدة من التحولات الجذرية بسبب التقدم التقاني والثورة الاتصالاتية والذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت المنصات الإعلامية وأدوات التواصل الاجتماعي تقوم بدوراً مهماً وأساسياً في بناء الوعي وإعادة تشكيله من خلال استقبال المعلومات وإعادة بثها، وبالتالي فأن لدورها تأثيراً كبيراً في انتقاء محتوى المادة الإعلامية وتدويرها والارتقاء بالوعي أو الانحطاط به عبر نشر الشائعات وتزوير الحقائق وتزييف الوعي وتدجينه، لم لا والدور الذي تؤديه خطير في نقل الآراء والمواقف والأخبار بشكل متداخل فيما بينها؛ بصورة إيجابية أو سلبية، فهي أما أن تساهم في تعزيز الوعي الجمعي نحو قضايا الإصلاح السياسي وما يدور حولها من تداول ونقاش منتج واحترام الرأي الآخر وافساح المجال للمشاركة والمتابعة وتبادل الآراء؛ وأما أن ترسخ عبر ممارساتها وأهدافها من قيم واتجاهات سلوكية لا تتناسب وما تعمل عليه برامج الإصلاح السياسي، خصوصاً وإن أصحاب المصالح والمتنفذين في دوائر السلطة الرسمية ممن يحتكرون الإعلام ويسيطرون على المادة الإعلامية السياسية المتداولة والإيديولوجية أو التجارية التي يتم توجيهها للأفراد ولتشكيل الرأي العام للجماعات؛ وهم قلة قليلة، هذا من ناحية.

إشكالية أداة الإعلام

ومن ناحية متصلة، تؤكد الدراسات المتوفرة، بأن الشفافية وما ينتج عنها من قدرة على المساءلة تعتمد -إلى حدّ كبير- على وجود إعلام حرّ قادر على نشر الأخبار وإجراء التحقيقات، وكشف الأخطاء، فالإعلام المسموع والمرئي والمكتوب تتمثل مهمة أعضائه في تحفيز السياسيين على النزاهة والأمانة من خلال طرح الأسئلة بأشكالها ومتابعة الإشاعات والتدقيق على الإجراءات وتمحيص العقود والمناقصات، وعدم القبول بالإجابات العامة وغير المقنعة، فالإعلاميون كما يقول أحد المختصين –"يمكنهم تحويل الفساد من سلوكٍ ذي مخاطرةٍ منخفضةٍ وربح مرتفع إلى سلوكٍ عالي المخاطرة ومنخفض الربح"، وكذلك هم الذين يبثون روحاً في المعلومات إذا توفرت عبر نشرها على نطاق واسع، وتحليها وعرضها على المجتمع بأكمله، مما يلزم بقية المؤسسات -كالقضاء- بمتابعة من نشير هذه المعلومات إلى تورطه في الفساد، وينقل عن نيلسون مانديلا قوله في كلمه له في براغ عام 1992: "لا أستطيع أن أضع ثمناً على أهمية الإعلام الحر والمستقل.. فهذا الإعلام هو الذي يهذّب غرائز الحكومات في مراكمة النفوذ على حساب المواطنين"(2)، ويجمع الباحثين إلى أن أغلب وسائل الاعلام في بلداننا العربية لا تتمتع بأي استقلالية حيث تسيطر عليها الحكومات وتحتكرها؛ "فأكثر من (70%) من القنوات الفضائية" تعمل تحت إشراف الدولة التي تمتلك وكالات الأنباء وتخضع لرقابتها(3). 

في السياق تشير الدراسات إلى أن الأفراد يقضون معدلات عالية من ساعات يومهم أمام وسائل الإعلام مما يجعل تأثيرها عليهم عميق وجوهري، فقد كشفت دراسة حديثة بأن الاستخدام اليومي لوسائل التواصل الاجتماعي قد زاد بنسبة (55%) مقارنةً بالعقد الماضي في عام 2013 بساعة واحدة و37 دقيقة، وإن إجمالي عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في العالم يُقدر بنحو (4.76 مليار) وهو ما يمثل (59%) من سكان العالم(4)، فيما يقول مدير قسم الاتجاهات الرئيسية لدى "غلوبال ويب إندكس": "بات مستخدمو الإنترنت يقضون أكثر من ست ساعات على الشبكة يومياً، وثلث هذا الوقت مكرّس لوسائل التواصل الاجتماعي،.. كما بات معدل التصفح اليومي لوسائل التواصل الاجتماعي موضوعا له أهميته، وتُعدّ المدة التي نقضيها على تلك المنصات يوميا إحدى أهم وسائل قياس هذا النشاط، وقد ساعد التطور الذي تشهده الهواتف الذكية في سهولة رصْد ذلك الأمر"(5). 

أهمية الإعلام وخطورته

وهذا يقود إلى الحديث عن أهمية وسائل الإعلام وخطورة دورها كأداة في تنوير واستنهاض للرأي العام في قضايا الإصلاح السياسي؛ ومن كونه أداة لإعلام أفراد المجتمع بما يحدث ونقل المعلومات والأخبار إليهم من مصادرها المتعددة وبسرعة قياسية، وبالتالي فهي تمكنهم من الاطلاع على مجريات الأحداث ووجهات النظر والتحليلات والأفكار حولها عبر وسائل الإعلام المختلفة، إضافة إلى توجيه واستقطاب انتباههم إلى قضايا الإصلاح السياسي ومواضيعه المهمة وإشكالياته، من خلال نشر التقارير والتحقيقات التي تساهم في تسليط الضوء على قضايا الشأن العام وتوجيه الاهتمام نحوها، إلى جانب توعيتهم بكافة القضايا الاجتماعية والبيئية والصحية والسياسية والاقتصادية بما توفره من معلومات تساعدهم على فهم تلك القضايا بشكل أفضل. 

ما يعني أن أداة الإعلام تلعب دوراً مهماً في تشكيل الرأي العام وتوجيه آراء الأفراد من خلال تقديم معلومات وتحليلات وآراء مختلفة مما يخلق تأثيراً في عملية اتخاذ القرارات والتحفيز على التفكير والنقاش، وهناك قضية مهمة يلعب فيها الإعلام دوراً مهما أيضاً في قضايا الإصلاح السياسي تتعلق بالمساءلة والشفافية عبر مراقبة الحكومات والمؤسسات والشركات وضمان المساءلة عند حدوث فساد ما أو سوء تصرف، كما يمكنه الكشف عنه والمساعدة في تحقيق الشفافية، وكل هذا وذاك يعزز من الممارسة الديمقراطية ومفهومها خصوصاً بتوفير المعلومات للناخبين وتشجيعهم على المشاركة السياسية والمدنية. 

على مستوى البلدان العربية، صحيح أن هناك تقدماً قد أحرز في تطوير البنية التحتية لوسائل الإعلام والاتصال الحديثة وتقانة المعلومات بل وفي انتشار التعامل مع الانترنت وتوسيع هامش الحرية ومحاولات الإصلاح والانفتاح السياسي، غير إن الواقع أثبت خلال هذين العقدين بأنه لا يزال كل ذلك محكوماً بأمرين مهمين الأول منهما: 

الأول يتعلق بتدخل الحكومات العربية في وسائل الإعلام وتحكمها فيه لأغراض الدعاية والتعبئة السياسية والاجتماعية والفكرية وللشحن العاطفي والنفسي لصالح الأنظمة والقادة وتوجهاتهم السياسية والإيديولوجية التي تعالجها بصورة مباشرة ومعلنة أو غير مباشرة ومضمرة؛ وفي كلتا الحالتين تسعى هذه الأنظمة إلى قولبة الفرد في أطر معينة محددة في ضوء الأهداف التي يتصورها قادة هذه الدول وفي مصلحة مشاريعهم للإصلاح السياسي بذاته، وبالتالي تبقى هذه الأدوات الإعلامية تعبيراً فاقعاً عن احتياجات الأنظمة لا الشعوب، حيث تستهدف قولبة المواطن العربي في ذهنية معينة وبأبعاد محددة قد تزيد من سلبيته وقلة مشاركته في الحياة السياسية. 

ويرى بعض المحللين؛ بإن مضمون الاتصال في عالمنا العربي سواء -أكان إعلامياً، أو جارياً في إطار التثقيف العام- لا يحتوي في الغالب على ما يحتاجه عامة الناس أو ما يساعد على تكوين شخصية الإنسان العربي ووعيه بمشكلاته وقضايا وطنه، إلا في حالات استثنائية، حيث ترى هذه النظم الاتصالية أن من مصلحتها اطلاع المواطن على ما تريده هي في ظل تجاهل وعدم اهتمام بالاحتياجات الأساسية لفئات عريضة من المواطنين، فالطرح أحادي البعد للمسائل الحيوية في السياسات العامة ولا يعبر في الأغلب عن الواقع وهناك تجاهل تام للقضايا والمشكلات الحيوية التي تمس المواطن؛ مقابل الانغماس في القضايا السطحية وتحويل الانتباه وتغييب الوعي عن القضايا الأساسية، كما ينتشر الاسراف المبالغ فيه في الاهتمام بالرياضة لقولبة الاهتمامات، ويعمل الإعلام الرسمي على إبراز الإنجازات وتضخيم الانا الوطنية بصورة غير موضوعية، والنتيجة تزييف للوعي العام(6). 

وأما الثاني، فيتمثل في شيوع المادة الترفيهية على حساب المهمات والخدمات الأخرى، الأمر الذي يجعل مشاريع الإصلاح السياسي في مواجهة تحديات صعبة في ظل التحولات العالمية والتبادل الحر للمعارف على شبكات التواصل. 

محددات وضوابط أداة الإعلام

من هنا وحتى يلعب الإعلام دوراً مهماً ورائداً في استنهاض الوعي العام لقضايا الإصلاح السياسي، لابد وأن يقوم بمعالجتها وأن تحكمه محددات وضوابط من خلال خطاب واضح لقضايا الإصلاح السياسي وأن يترافق الأخير بممارسة ديمقراطية ضمن نموذج دستوري وسياسي كأولوية، فضلاً عن تشريعات وقوانين تعزز من هذه الممارسة وأن تطلق حرية عمل الأحزاب السياسية وتعددها وتمكين النقابات ومؤسسات المجتمع المدني من ممارسة أنشطتها بحرية؛ ولابد أن يكون لقضايا الإصلاح خطة متكاملة ذات أولويات واضحة، وحلول تتناول تعديل الدستور والنظام الإداري والقوانين والتشريعات. 

إن آلية الإعلام التي يمكنها مواجهة تحديات الإصلاح السياسي يستوجب أن تتوافر على سمات وشروط محددة للتأثير في استنهاض الرأي العام حول قضاياه وأهميتها(7)؛ ومن أبرز تلك السمات ما يلي: 

1.أن تتسم هذه الآلية بالدقة وبالكفاءة والفعالية والشفافية في إمداد الرأي العام بالحقائق التفصيلية المتعلقة بقضايا الإصلاح السياسي وفي قدرتها على التعبير بصدق وشفافية عن الحقائق والأحداث دون تحريف أو تزييف للمعلومات، فضلاً عن قدرتها على تحليل الأحداث وتقديم تفسيرات مفهومة وموضوعية للناس، ومواجهة نشر الشائعات والاهتمام بنقل الأحداث بالتواجد في مناطقها والاهتمام بالمادة المصورة المعبرة عن حقيقة الموقف. 

2.الاهتمام بالتقارير والتحليلات والتعليقات الإخبارية المتعلقة بقضايا الإصلاح السياسي وبالمواد الوثائقية المصاحبة للتغطيات الإعلامية والصحفية التي تفسر أهمية المشاركة في برامج الإصلاح السياسي. 

3.الاهتمام بالتصريحات الرسمية والسياسية التي تساعد على تشكيل اتجاهات الرأي العام تجاه قضايا الإصلاح السياسي، والبحث والاستقصاء للعثور على القصص والأحداث الهامة ذات المغزى الذي تفيد الناس والتفاني، بجدية واجتهاد في نقل الأخبار بدقة وموضوعية وتحقيق التوازن في التغطية. 

4.مواجهة التحديات والتهديدات والانتقادات والمشاكل التي قد تنشأ نتيجة تقديم المعلومات الصادقة والدقيقة، مع الحرص على تبيان النواقص والاختلالات لكسب المصداقية والتعامل بموضوعية مع الأحداث. 

5.الالتزام بالنزاهة وبمبادئ وقوانين وأخلاقيات مهنة الصحافة ومعاييرها وتجنب الفساد والتحيز وحماية خصوصية الأفراد. 

6. المحافظة على الاستقلالية وعدم التأثر بالتوجهات السياسية أو الاقتصادية أو الشخصية، خصوصاً وإن للإعلام تأثير كبير على المجتمعات في مجال خلق الرأي العام وما يبثه من رسائل ضمنية -عبر من يتحكم فيه من ممولين أو متنفذين أو عامل خارجي- يؤثر على المجتمع مباشرة وتوجيه الرأي العام نحو قضية ما. 

7. الالتزام قدر المستطاع بالمصادر الموثوقة؛ ومواجهة الضغوط والتهديدات التي قد يتعرض لها الإعلامي أثناء تغطيته للأحداث. 

8. المتابعة المستمرة، بفتح قنوات الاتصال المباشر بين وسائل الاعلام والجمهور لتلبية حاجتهم إلى الفهم والمعرفة، والتوازن في عرض وجهات النظر المختلفة وإتاحة فرص الحوار والنقاش حول ما يحدث على الساحة السياسية. 

خلاصة الأمر؛ الإعلام أداة تنوير واستنهاض لقضايا الإصلاح السياسي الذي يمثل مرتكزاً في البناء الديمقراطي في أي مجتمع من المجتمعات، ولا يمكن لهذه الأداة المهمة والخطيرة القيام بدورها بكفاءة وفعالية في هذه العملية دون إعلاميين ملتزمين بنزاهة وأخلاقيات المهنة بعيداً عن الفساد والمحسوبية والتفاهة.

- شاركتُ بهذه الورقة في مؤتمر الإعلاميات العربيات التاسع عشر في العاصمة عمان بالاردن في الفترة ما بين 7-8 أكتوبر 2024، والذي أقيم تحت شعار "فرسان الحقيقة". 

المصادر والمراجع: 

1.  خالد رحموني، الصراع السياسي حول الإصلاح: المنظور، أنماط الخطاب وتدبير المصالح، 11 فبراير 2013، أنظر رابط هسبريس:

https://www.hespress.com/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%88%D8%B1%D8%8C%D8%A3-116062.html

2.  د.يوسف خليفة اليوسف، الفساد في البلدان العربية النفطية: رؤية شاملة، ط1، جسور للترجمة والنشر: بيروت، لبنان 2020، ص 101.

3.  غدنز (أنتوني)، علم الاجتماع، ط4، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005، صفحة 500.

4.  أنظر "المتوسط العالمي ساعتان ونصف يوميا .. أطول الدول قضاء للأوقات على مواقع التواصل الاجتماعي"، 2023/08/20

https://www.argaam.com/ar/article/articledetail/id/1664765

5.  أنظر؛ ما الدول التي يقضي سكانها أطول الأوقات على مواقع التواصل الاجتماعي؟ 10 سبتمبر2019، https://www.bbc.com/arabic/art-and-culture-49639603

6.   شجن العلك، دور الإعلام في مواجهة الأزمات السياسية pdf2019.

 


الاثنين، 5 أغسطس 2024

غزة بعد "الانتخابات الأمريكية"


منى عباس فضل

 ما وراء الحكاية؟ ما الرسالة الزائفة التي يروج لها مارثون الانتخابات الأمريكية في ظل خطاب معلن لسياسات الإجرام والإخضاع بما يمارس على الشعب الفلسطيني وبلدان المنطقة؟ ما الذي تبيته الولايات المتحدة لغزة في السباق الانتخابي الحامي الوطيس بين "كامالا هاريس وترامب"؟ 

قبل الإجابة على الأسئلة، من المفيد التأسيس على حقيقة فاقعة مفادها؛ إن انخراط الولايات المتحدة في الحرب على قطاع غزة وإدارة المعركة فيه قد انطلق من موقع الشراكة الاستراتيجية الكاملة بينها وبين الاحتلال الإسرائيلي، هذه الشراكة التي عبرت عن نفسها بمستويات متعدّدة؛ من دعم سياسي ومالي وعسكري وإعلامي؛ لم لا وأمن إسرائيل وقوة ردعها يمثلان قاعدة صلبة في السياسة الأمريكية للمنطقة العربية؛ وهذا الدعم يتكشف للعالم عبر مظاهر فاضحة لا جدال حولها؛ كيف؟

تماهٍ أمريكي إسرائيلي

منذ "طوقان الأقصى" وصمود المقاومة الفلسطينية؛ والولايات المتحدة تقدم دعماً مكثفاً لا حدود له للكيان الصهيوني، وهي لاتزال تفعل ذلك براً وبحراً وجواً، بل وتمنحها الضوء الأخضر لاستمرار الحرب وتبرير جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها في غزة، فيما يتدفق كبار المسؤولين فيها لزيارة إسرائيل وإظهار تضامنهم معها، وهي التي توفر لها غطاءً دبلوماسياً في مجلس الأمن باستخدام حق الفيتو ضد أي مشروع قرار لتأسيس دولة لفلسطين أو لوقف إطلاق النار، وتساندها في انتهاك القانون الدولي وتُفشل قراراته التي تدين ممارساتها في الحصار والتجويع ومنع دخول المساعدات.

 وهي -أي الولايات المتحدة- لم تتواني عن إرسال بوارجها الحربية إلى المنطقة وتدشين رصيف بحري عائم بحجة إيصال المساعدات الإنسانية على الرغم من اللغط الذي أثير حول أسباب تدشينه تمهيداً لتهجير أهل غزة ودعماً لمشروع المعبر البديل عن رفح، كما مارست ولاتزال ضغوطاً هائلة على حلفائها في دول المنطقة لحد إحراجهم مع شعوبهم وخلخلة أمن دولهم واستقرارها تحقيقاً لأهداف العدوان الإسرائيلي على غزة، وبوقاحة تطالبهم بوقف إصدار أي قرارات أو مواقف لها علاقة بوقف إطلاق النار على غزة وإدانة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وتدمير البنى التحتية التي يرتكبها جيشها في القطاع؛ فإذا كانت كل هذه وتلك مضامين للسياسة الأمريكية وعناوينها في علاقتها مع إسرائيل، وبما تعكسه فعاليات الحملات الانتخابية لمرشحيها "كامالا وترامب" وشعاراتها المنحازة بشكل مطلق للرواية الإسرائيلية ومغالطاتها وتضليلها؛ فما المتوقع منها بعد فرز صناديق الانتخاب؟

 -       ليس الكثير بل الأسوأ بالطبع!

غزة بعد استراتيجي

فما يحكم الموقف الأمريكي على غزة وفلسطين في سياق السباق الانتخابي ونتائجه؛ تحدده ودون شك المصالح الجيوسياسية الأمريكية في المنطقة والخطوط العريضة لاستراتيجيتها الراسخة التي تمس جوهر أمنها القومي، على الرغم من تشابك هذه الاستراتيجية وتفاعلها مع المدخلات الطارئة والمتغيرة في المشهد السياسي.

 لا يختلف المحللون على حرص الولايات المتحدة وسعيها إلى التفرد بالهيمنة على المنطقة وثرواتها وفرض نفوذها، وغزة في هذا الإطار تمثل منطقة حيوية لهذه المصالح الاقتصادية التي يكمن في جوهرها السيطرة على تجارة النفط ومناطق إمداده؛ خصوصاً وسط حديث الإعلام عن وجود حقول للغاز والنفط والاحتياطي منه بكميات تجارية قرب شواطئ غزة، وهذا سر سعي إسرائيل إلى السيطرة الأمنية والجغرافية الكاملة على قطاع غزة بما يتمتع به من ثروات المياه التجارية ولتمرير مشاريع كـ"قناة بن غوريون" لتأمين الملاحة الإسرائيلية الأمريكية في مواجهة المشروع الصيني الضخم مبادرة "الحزام والطريق" أو ما يسمى "طريق الحرير القديم"، وغزة أيضاً ممراً هاماً لتمرير طاقة الغاز والنفط  وكوابل الألياف الضوئية للاتصالات من الجزيرة العربية، الأمر الذي تخشى فيه إسرائيل من أي نشاط للمقاومة الفلسطينية في هذا الممر الاستراتيجي.

 ليس هذا فقط، فالولايات المتحدة تسعى ضمن استراتيجيتها إلى المحافظة على مستويات أسعار الطاقة بما يدعم اقتصادها، ما يعني إن تأمين إسرائيل وموقعها الإقليمي وحمايتها وتفوقها العسكري والتقني في مواجهة المقاومة الفلسطينية يشكل مسألة في غاية الأهميّة للسياسة الأمريكية، لم لا وهي تساند إسرائيل سنوياً بمبلغ "3.8 مليار دولار" وتمنحها حق الوصول إلى التكنولوجيا العسكرية دون قيود، وترسل إليها بوارجها وتعزز من وضع قواعدها العسكرية في المنطقة حماية لها، حيث تشير المصادر إلى أن عددها وصل إلى "63" قاعدة عسكرية يتواجد جزء منها في "12 دولة عربية". 

تطبيع لتأمين المصالح

ولدعم هذا البعد الاستراتيجي، ستواصل الولايات المتحدة بعد الانتخابات الرئاسية الدفع بقوة بمسار التطبيع بين دولة كيان العدو وبين الدول العربية وعلى الأخص الخليجية منها وتحديداً المملكة العربية السعودية، فهذا هدف استراتيجي لتأمين استمرارية الهيمنة الأمريكية على المنطقة وثرواتها، هدف لم ولن يتغير حتى بتغير الإدارات الأمريكية سواء ربحت " كامالا هاريس" جولة هذه الانتخابات أم منافسها "ترامب". 

إن اختلاف الآراء والتحليلات بشأن مدى تأثير التباين بين إسرائيل والولايات المتحدة حول الحرب على غزة أو تفاصيل إدارة معركتها وحجم عملياتها العسكرية أو ما يدور بشأن المفاوضات حول ملف تبادل الأسرى وتوزيع المساعدات الإنسانية وحتى مشروع إعادة احتلال إسرائيل لقطاع غزة أو من يحكمها بعد الحرب..إلخ؛ لن يغير من اتجاهات الاستراتيجية الأمريكية الصهيونية قيد أنملة، حتى مع التجاذبات التي جعلت من الحرب والتعامل مع مستجداتها وتداعياتها بنداً رئيسياً في سجالات الحملات الانتخابية بين " كامالا وترامب" للحصول على تأييد الناخبين للوصول إلى البيت الأبيض، وما أفرزته الحرب من مواقف مناهضة في المجتمع الأمريكي لسياسة بايدن الداعمة لاستمرار الحرب على غزة ومساندة الولايات المتحدة لإسرائيل.

اللوبي الصهيوني

إن ما عبرت عنه المواقف والاحتجاجات الرافضة التي انتشرت بين طلاب الجامعات الأمريكية سواء المؤيدة للحق الفلسطيني أو المطالبة بوقف الحرب وإدخال المساعدات الإنسانية داخل القطاع، علاوة عن التحولات التي تحدثت عنها وسائل الإعلام  في مواقف الناخبين الأمريكيين وخصوصاً العرب منهم والأقليات، وما كشفته استطلاعات الرأي ومنها "لصحيفة نيويورك تايمز" بأن هناك تراجعاً في التصويت لصالح الديمقراطيين بسبب سياسة بايدن الخارجية وتحديداً الحرب على قطاع غزة، أو ما عبر عنه تصويت عشرات الآلاف بـ"غير ملتزم Uncommitted”" في العديد من الولايات ضد بايدين قبل انسحابه من السباق الانتخابي، ومع تحول القضية الفلسطينية ولأول مرة إلى مادة انتخابية داخلية، إلى جانب استياء شخصيات بارزة من أصول أفريقية ومن مثقفين من سياسة بايدين حيث طالبوا بالضغط على إسرائيل واحترام القانون الدولي وحماية المدنيين ووقف إطلاق النار، أقول؛ رغم كل ذلك، إلا إن قوة جماعات الضغط واللوبي الصهيوني وفي مقدمتهم (إيباك) وبخبرتهم في تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين وبتأثيرهم المباشر على الناخبين وعلى القضايا التي يتبنونها فأن تأثيرهم إلى جانب الدور الذي يلعبه الإعلام المتعاطف مع إسرائيل ورجال الأعمال الصهاينة بنفوذهم المتغلغل في الاقتصاد الأمريكي وتمويلهم للحملات الانتخابية يلعبون جمعياً دوراً قوياً وعميقاً في التأثير على موقف الولايات المتحدة من الحرب على غزة بل وكل قضايا الصراع العربي الإسرائيلي. 

خلاصة الأمر، لا جديد فيما تبيته الإدارة الأمريكية لغزة وأهلها بل وللمقاومة الفلسطينية على المدى القصير؛ فعلى الرغم من أن حرب غزة قد هزت المشهد السياسي في الداخل الأمريكي نسبياً وقد تنعكس تداعياتها على نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية وتوجهها في الشرق الأوسط لكن بمزيد من الدعم والإسناد لإسرائيل. 

إن الاحتمالات الأكثر ترجيحاً ستكون بمواصلة الحرب المفتوحة، وتدفق الدعم الأمريكي السياسي والعسكري والاقتصادي لإسرائيل؛ خصوصاً بعد الاغتيالات الأخيرة التي نفذتها إسرائيل بحق الرئيس الفلسطيني إسماعيل هنية والقيادي بحزب الله فؤاد شكر؛ إذا لا خلاف جوهري بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي تجاه القضية الفلسطينية ودعم حليفهم الاستراتيجي إسرائيل، ولا عجب إن تورطت الولايات المتحدة هي نفسها بالتدخل المباشر لتحقيق أهداف الحرب الاستراتيجية؛ وهي لن تتواني من أجل ذلك في استنزاف حلفائها من دول المنطقة والعمل معهم على إيجاد منافذ لتنفيذ "خطة تهجير الفلسطينيين قسراً أو طوعاً من غزة" وبما يترافق مع محاولاتها المتجددة في استغلال الظرف السياسي لإعادة تشكيل الوعي العربي لإنجاز مخطط إعادة رسم "الشرق الأوسط الجديد" الذي يتمثل جزء منه في "تهجير سكان غزة" وإثارة الصراعات والنعرات الطائفية والإثنية لإضعاف المنطقة والقضاء على المقاومة الفلسطينية والضغط عليها بشتى الوسائل وإلى  تحريض حاضنتها الشعبية عليها بسبب سياسات الإبادة وقتل المدنيين والحصار والتجويع ومنع وصول المساعدات الإنسانية والطبية إليهم.

المنامة - 5 أغسطس 2024

 ينشر بالتزامن مع مجلة "الهدف" العدد (61) -(1535) - تموز (يوليو) 2024 النسخة الإلكترونية"

الرابط: file:///C:/Users/maf_2/Downloads/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AF%D9%81%20-%2061-%20%D9%86%D8%B3%D8%AE%D8%A9%20%D8%A5%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9%203.pdf


الجمعة، 12 يوليو 2024

عزوف الشابات عن العمل النسائي في تحليل سوات SWOT analysis

 



منى عباس فضل

شاركتُ مؤخراً كمتدربة في ورشة تفاعلية عقدتها جمعية نهضة فتاة البحرين بمقرها بالمنامة، وهي تدور حول "حل المشكلات بالنماذج الذهنية والذكاء الصناعي".

 نفذ الورشة كل من مدرب الجودة هاني الشيخ، ومدرب التنمية البشرية محمد الأحمدي، وأخذ عمل الورشة مسارين رئيسيين؛ الأول منهما نظري تناول: تحليل سوات SWOT analysis وتحليل هيكل السمكة FISH bone analysis، ونظرية كايزن ومصفوفة الأولويات وتحليل باريتو 20/80، وتطبيق دائرة دمينج PDSA cycle، الذكاء الصناعي من حيث خدماته وعيوبه، أما المسار الثاني فكان تطبيقاً عملياً تم من خلال تشكيل أربع مجموعات تدربت على تطبيق "تحليل سوات SWOT analysis" بتحديد المشكلة وهي "عزوف الشابات عن عضوية الجمعيات النسائية".




استهدف التحليل التعرف على طبيعة نشاط جمعية نهضة فتاة البحرين كمؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني ومشروعها للدفاع عن قضايا المرأة وحقوقها وتحديد الاستراتيجيات الفعالة وتحسين لعملية صنع القرار، كما استند تطبيق مجموعات التدريب الأربع في هذا المجال على نفس أداة التحليل للمشكلة التي تعاني منها جمعية النهضة وهي عزوف الشابات عن العمل في أوساطها على مستوى أربع محددات أساسية تنطلق من عوامل داخلية وعوامل خارجية وجاءت أبرز نتائجها على النحو التالي:


الأول: نقاط القوة

اتفقت مجموعات العمل على إن جمعية نهضة فتاة البحرين تتوافر على عضوات مخضرمات ومتفرغات للنشاط التطوعي الحقوقي للمرأة، وإنها تمتع كمؤسسة بالقدرات والريادة والمبادرة والتصميم وبها خبرات متنوعة في المجال القانوني والأسري والاستشاري وبكفاءة عالية، فضلاً عن المعارف المتراكمة والانسجام الداخلي والوعي، كما لديها تاريخ من المنجزات وقدرة على التطوير والابتكار في المشاريع والتميز في البرامج ومنها البحوث والدراسات، كذلك لديها القدرة على التواصل الخارجي وعقد الشراكات المجتمعية ومع المؤسسات فضلاً عن خبرة إدارية قيادية بطاقم من الموظفات المهنيات، وتتمتع الجمعية بالاستقرار المادي وبثقة من الداعمين لأنشطتها. 

 الثاني: نقاط الضعف

تعاني الجمعية من الضعف في قدرتها على استقطاب الشابات، وتشتت في الجهود المبذولة إلى جانب تقدم منتسبيها في العمر، فضلاً عن الشعور بالرتابة والتململ، وهناك تغير في اتجاهات بعض العضوات واهتماماتهن وزيادة الالتزامات عليهن، وضعف المهارات التقنية لدى بعضهن، إضافة إلى قلة الدعم المادي المستمر للجمعية كما في السابق وضعف المهارات في توظيف الإعلام، وفي اجتراح الأفكار والبرامج الجديدة.

 الثالث: الفرص المتاحة

التنسيق مع الجهات الرسمية ومع مؤسسات المجتمع المدني، فرص الحضور الخارجي والتشبيك، وفرص للدعم المتنوع من "موارد بشرية، ودعم مالي"، متغيرات الظروف المجتمعية، وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المتاحة والذكاء الاصطناعي، كذلك آلية التشبيك والشراكة وعضوية الاتحاد النسائي البحريني.

 الرابع: التهديدات

لخصت المجموعات عناصر التهديد في كل من القوانين المقيدة ومنها "قانون الجمعيات النسائية" والتشريعات وإجراءات وزارة التنمية الاجتماعية، وتقليص صلاحيات مؤسسات المجتمع المدني، الأعراف الاجتماعية والتقاليد والثقافة السائدة وضعف الوعي المجتمعي لنشاط الجمعية وأهمية العمل النسائي في المجتمع، والتنافس غير المتكافئ في الأنشطة بين الجمعية وبعض المؤسسات الرسمية، توقف الدعم المالي وقلة الموارد، عزوف الشابات عن العمل النسائي وعضوية الجمعيات النسائية، وظروف عمل النساء المهني وتعدد أدوارهن ومسؤولياتهن.


في السياق تدربت فرق الورشة الأربع على تطبيق تحليل هيكل السمكة Fishbone Diagram أو ما يعرف بمخطط "إيشيكاوا الياباني" وهو بحسب محاضر الورشة أداة تحليلية تستخدم لتحديد جذور أسباب المشكلات باتجاهات رئيسية وفرعية، وهي تنقسم حسب الشكل المبين أعلاه، إلى الأسباب التي تتكون من ستة محاور، وإلى نتيجة، بالنسبة إلى المحاور تدربت المجموعات على تطبيق تحليل "هيكل السمكة" وجاءت أغلب آراء المجموعة المتدربة متشابه تبعاً للمحددات التالية ومن أبرز نتائجها ما يلي:

 1)   الوضع الاقتصادي

صعوبة في توفر المواصلات للوصول إلى الجمعية في ظل ازدحام الحركة المرورية في الشوارع، وضعف الإمكانيات المادية التي تدفع الشابات لقضاء وقت أطول في أعمالهن فيما يعاني البعض الآخر من البطالة ومن صعوبة بعض الأعمال التي يعملن بها وظروف بيئتها.   

2)   الوضع الاجتماعي

الظروف الناشئة من تكوين أسرة وتعدد أدوار المرأة ومسؤولياتها وتأثير علاقات الصداقة والاهتمامات ومواعيد الاجتماعات والأنشطة التي تنفذها الجمعية. 

3)   الوعي المجتمعي

غياب حس الإيثار والعطاء وضعف الوعي بأهمية نشاط الجمعية للمجتمع فضلاً عن عدم تشجيع البيئة المحيطة. 

4)   الدعم والتشجيع

ضعف أساليب العمل في الجمعية وقنوات التواصل واتسامها بالتقليدية والرتابة في عملية الجذب للشابات. 

5)   القيادة والتمثيل

غياب برامج التدريب وخلل في بناء جسر من الثقة الكافية بين جيل العضوات المخضرمات والشابات خصوصاً على مستوى تحميل والمسؤوليات وتنفيذ المهام. 

6)   التواصل والمشاركة

هناك اختلاف في طرق التفكير وتباين في الاتجاهات والاهتمامات وأساليب العمل بين جيلين. 

نوه المحاضر إلى إن أبرز أهداف استخدام مخطط "هيكل السمكة" هو تحليل المشكلات بتحديد أسبابها الجذرية وتحسين جودة العمل، والعمليات من خلال تحديد نقاط الضعف وتحسين الكفاءة، كذلك تحفيز التفكير الإبداعي لتعزيز حلول المشكلات الإبداعية وتوليد أفكار جديدة إلى جانب التحليل السببي بتحديد العوامل التي تساهم في حدوث ظاهرة معينة، أما طريقة الاستخدام فذكر بأنها تتمثل برسم هيكل السمكة على ورقة أو لوحة بيضاء، وكتابة المشكلة في رأس السمكة، وتحديد المحاور والأسباب  الرئيسية والفرعية للمشكلة ثم تحليل المعلومات ووضع خطة عمل في كيفية معالجة أسباب المشكلة؛ وهذا ما طبقه الفريق المتدرب في الورشة. 

تناول المحاضر في الورشة موضوع "الذكاء الصناعي" باعتباره فرع من علوم الكمبيوتر يركز على إنشاء آلات ذكية قادرة على أداء مهام تتطلب عادة ذكاء بشري؛ وهو يُحاكي القدرات الذهنية البشرية في الآلات، ومن أهم نماذجه؛ ChatGPT  وهي أول شركة ذكاء صناعي ظهرت في نوفمبر 2022، و(Poe) وهو موقع فيه عدة تطبيقات للذكاء الصناعي ظهر في مارس 2023، و(Copilot) وهو تابع لشركة ميكروسوفت منذ نوفمبر 2023، و(Gemini) والتابع لشركة جوجل وظهر في ديسمبر 2023، أما أبرز خدمات الذكاء الصناعي  للمستخدمين فتتمثل في: 

1)   الكتابة: كتابة الخطابات والتقارير والايميلات والمقالات والبحوث والتلخيص.

2)   الترجمة: من وإلى جميع اللغات وكذلك تحويل النص إلى صوت والعكس.

3)   صور: تعديل الصور والأفلام وخلق تصاميم وقراءة الصور وما فيها.

4)   تحليل البيانات: ومنها تحليل الأوضاع المالية والصحية.

5)   الحل: حل المشكلات واتخاذ القرارات وإنتاج أفكار جديدة. 

ودار النقاش بين المحاضرين وبين الفريق المتدرب في الورشة حول هذه النماذج التي يتوفر نسخ منها بالمجان وبشكل محدود وأخرى شاملة ومدفوعة، إلى جانب كيفية استخدام تطبيقاتها والتعرف على سلبياتها وعيوبها؛ من كون بيانات بعضها متوقف حتى 2021، وإنها لا تتمتع بالحيادية أو الانحياز بسبب طبيعة البيانات أو البرمجة، فضلاً عن ظهور الهلوسة الإلكترونية عبر الحصول على إجابات خاطئة بسبب عيوب في البرمجة.

كما أشارا إلى أن الحصول على أفضل النتائج يمكن أن يتم من خلال طلب البيانات بلغة بسيطة واضحة ودقيقة، وإعادة تكرار الطلب مع توضيح أكثر، ومقارنة الإجابات بين عدة نماذج، لأن لكل من هذه التطبيقات إيجابيات وعيوب، وخلص الفريق المتدرب في الورشة إلى تطبيق برمجة "الذكاء الصناعي" على مشكلة الجمعية ومقارنة ما حصل عليه من بيانات بنتائج البيانات التي توصل إليها من استخدام أدة التحليل السابقة ولنفس المشكلة حيث كانت النتائج متقاربة الشبه. 



·      شكر خاص وتقدير للأستاذين المدربين هاني الشيخ ومحمد الأحمدي على جهودهما في تنفيذ هذه الورشة القيمة والمتميزة، وعلى مشاركتهما لنا مادة العرض التي اقتبست منها بعض الصور والفقرات التوضيحية لتعزيز هذا النص، والشكر موصول إلى القائمات على تنفيذ هذه الفعالية من جمعية نهضة فتاة البحرين.

المنامة – 12 يوليو 2024