الأربعاء، 19 يونيو 2024

ثورة ظفار في "حروب" اليحيائي

 


 منى عباس فضل

ليس من اليسير الكتابة عن تاريخ عُمان وثوراتها وحروبها المتشابكة؛ بل والتعبير عن ذاكراتها الاجتماعية والسياسية بعمق كما يستسهل البعض ذلك، بيد إن محمد اليحيائي في روايته "الحرب" تمكن من تجسيد ذلك بنضج فني كسر من خلاله رتابة السردية التاريخية وشد القارئ بمتعة إلى سلالة نص بلغة تصويرية معبرة.

عكست رواية "الحرب" اتساع مدارات نتاجات المؤلف الأدبية، وهو الروائي الإعلامي العماني الذي حصل على جائزة "كتارا" للرواية العربية لعام 2023 عن هذه الرواية، والتي وصفها النقاد بأنها نص أدبي؛ تتأرجح فيه تصاعدياً ستة شخصيات شارك أهلها في "ثورة ظفار" ومثلت فيه شرائح مختلفة من المجتمع العماني نسج من خلالهم خيوط الرواية وغاص فيها ومنحها الحياة والحركة لتلامس قضايا مرتبطة بالتاريخ العماني المعاصر وعبر أزمنة متعددة وأمكنة مختلفة من اليمن إلى السعودية ومصر إلى بولندا والبحرين والعراق والولايات المتحدة وبرلين والكويت، فعبرت في رحلتها عن رؤى واتجاهات فكرية متباينة للوطن والهوية. من خلال تلك الشخصيات استطاع التعبير عما لا تتسع له فضاءات القصة القصيرة التي كتبها كما يشير في مقابلة له، إذ مارس من خلال "الحرب" اللعب الفني والتعامل مع تناقضات الواقع الاجتماعي وتعقيداته والذي تمددت في إطاره مغامرته السردية بانسيابية الحركة وبالتلاعب بالزمن.

ارتكزت رواية "الحرب" على حدث تاريخي رئيسي شكل منعطف مفصلي بتشظياته من "ثورة ظفار" وحرب "الجبل الأخضر" بين السلطنة والإمامة، وتجاوزها إلى الحروب التي يخوضها المرء في الدفاع عن تطلعاته وأحلامه، ومن خلاله طوع ملامح من ذاكراته وتجاربه الشخصية ودراسته وما مر به من أحداث شهدتها عائلته ومحيطه المحلي، فجاء النص بعناصر بنية متقاطعة وإسقاطات تركت آثارها على شخوص الرواية حتى لتشعرك بأنها شخصيات حقيقية، كما شيد عالمه السردي على تقديم قراءة تاريخية تحليلية متباينة في عمقها ومتميزة في بعدها عن القراءات التي مررنا بها ونحن نتتبع تاريخ "الثورة" وشخوصها وما آلت إليه، ساعده في ذلك سعة ثقافته وعمق تجاربه الحياتية وكونه متخصص في دراسة التاريخ العماني؛ ولهذا لم تبتعد سرديته عن نقد هذا التاريخ بل ولم يتردد عن مساءلته بهز المقدس والتابو في إطار إبداعي وفني تداخلت فيه الأحداث مع حكايات الحب التي أبرزت العلاقات الإنسانية السائدة والحالة الصراعية في المجتمع العماني وتوظيفها في سياقات السرد، في هذا الشأن يقول: 

-   الحب هو العصب المتوتر في حياتنا، من غيره تبدو الحياة مملة، وليست جديرة بالعيش، الحب أيضاً حرب، حرب تخاض من أجل بقاء الحب وانتصاره، ويضيف: شخصيات الرواية "عيسى صالح" التي أعطبتها الحرب، وحولتها إلى كائن تلاحقه الأشباح والهواجس والتوهمات، كان يتعلق بالحب لينجو من الحرب، "كرستينا سعيد" التي وضعتها الحروب على الطرف الآخر حيث الحياة أكثر نعومة، كانت تبحث عن الحب من دون أن تجده إلا في أحلامها، والحال ذاته بالنسبة لـ"سعيد قيصر"، العلاقة بين الحرب والحب في هذه الرواية كما يرى اليحيائي ليست جناساً لغوياً، لكنه في نسيج العمل، والحب والحرب كما يصف: حاضران في مفاصل متعددة من الرواية، حب الأميرة سالمة بنت السلطان سعيد بن سلطان وحربها من أجل العودة من المنفى إلى الوطن، وحب "خليل زاهر" لحياة المتعة والبذخ وحربه للخلاص من ذاكرة القبيلة وهكذا". 

في الرواية ثمة تاريخ سياسي وحربي؛ بعضه معلوم وبتحفظ والآخر مضمر ومسكوت عنه، انعكس في شخصية الموظف الإعلامي "سعيد قيصر" بخلفيته الثقافية والسياسية وبالخيبة التي مر بها وعبرت عن وضعٍ مركبٍ يتفاعل بين طموحه وعدم قدرته في إقناع التلفزيون الرسمي الذي كان يعمل فيه لتصوير مشروعه لفيلم وثائقي عن ثورة ظفار "1965-1975"، وهو الذي اشتهر بإنجاز فيلمه الوثائقي الحائز على الجوائز عن حياة السلطانة الصغيرة "سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان" التي ولدت في زنجبار وأحبت تاجر ألماني وعاشت الصراع النفسي باتخاذ قرارها للمضي نحو قرار قلبها مع حبيبها ومغادرة زنجبار، في هذا السياق تتشابك شخصية "قيصر" بعمق ودينامية مع شخصية "كريستينا سعيد" المولودة لأم بولندية ولأب عماني كان مناضلاً في "ثورة ظفار" وقدم شهادته عنها، وحين يلتقيان؛ كريستينا وقيصر في معهد أمريكي للاستشراق، ويتواصلان عبر سردها المزدوج بضمير الأنا والغائب عن حياة والدها سعيد في بولندا وعن انتقالها للدراسة والإقامة في أمريكا في زمن الرواية؛ فيما يتمدد بينهما ويمضي النص في "زمن رسالة المذكّرات" التي تتلقاها كريستينا من والدها متضمنة سيرة حياته ومسارها بين الثورة وبين تحوله إلى مواقع السلطة ومغانمها؛ وعلى لسانه يدور الحوار: 

-    "لكن بخيت بيت عامر غيّر اتجاه البوصلة. لستُ متأكداً إذا كان هو من غير اتجاه البوصلة؛ أم أن رغبة كامنة في داخلي للإلتحام مجدّداً بتراب البلاد الذي روي بدماء رفاق من أجل أن نرى لحظة تحرّرها من قيود الجهل والعزلة وهيمنة البريطانيين ..وضع خطاً بقلم رصاص تحت الجملة التي أرادني قراءتها "أسباب الثورة في الماضي كانت مشروعة، كانت ثورة على التخلف والظلم. لم تكن هناك من وسيلة للتعبير إلا حمل السلاح والعنف" ..وحين سألته كيف عرفتْ السلطة والسلطان بأسمائنا؟ صمت ووضع يده على طرف الطاولة، ..كل الملفات عندهم، وجميعنا معروفون لديهم، والذين لن يقبلوا العفو ولن يستجيبوا لنداء البناء، يكونون قد فوتوا على أنفسهم فرصة لن تتكرر ثانية. وأضاف؛ الوطن ينادينا يا رفيق ..فلنلب نداء الوطن ..إلخ". 

كل ذلك جاء في سياقات رواية "الحرب" وهي تتحرك بمضامين "ثورة ظفار" وما تنطوي عليه من مواقف غموض أو تحولات أو خيانات، وبكثافة لا تنقطع عن التداخل مع شخصية أحد قادتها "صالح ناجم" التي يرويها المؤلف عبر ضمير المتكلم لابنه "عيسى صالح" الشخصية الإشكالية المسكونة بالماضي والمأزومة المطاردة بالأشباح؛ يقول: 

-     عندما وارينا أبي التراب، همس العم سعيد في أذني، وهو يشدّني إليه بقوة، أبناء الأبطال لا يبكون ..تجلّد، فتجلدتُ، وشعرتُ كأنني ابتعلتُ عاصفة رمل جاف تحوس في أحشائي. بكيتُ في صمت، ذرفتُ دمعاً لم يره أحد، بكيتُ الأب الذي انتظرته، وحلمتُ بعودته، وبالجلوس معه والاستماع منه إلى الحكاية كلها، قصة البطل الذي عبر بشحنة السلاح تحت نظر الجنود بابتسامة بطل واثق من بلوغ الهدف. ماذا كان سيفعل بالسلاح، ولماذا؟ ..أبي الذي كتب قصة عن الحرب لم تكتمل، ..هل تعرّض للتعذيب والمعاملة المهينة طوال سنوات سجنه، أم يشعر بالندم على السنوات التي ضاعت في السجن، ليس من عمره فقط، ولكن من عمري وعمر منيرة بوعلي، في الوقت الذي كان فيه بعض رفاق السلاح يلمعون تحت الأضواء في قاعات المؤتمرات مثل مونيكانات؟ هل كان يخاطبهم مؤنباً أو معاتباً على خيانة الثورة؟ هل كان نادماً على الرحلة كلها، على فكرة الثورة من أساسها، على العودة من الكويت إلى ظفار وليس إلى بركاء والى السكينة والهدوء. هل كان بمقدور صالح ناجم المضي في غير الطريق الذي آمن به؟ 

إلى هنا، ظلت الأسئلة بلا إجابات، فالحرب والثورة الظفارية شكلت حمولة ثقيلة من القيم والمبادئ وأحلام التمرد على واقع صعب تقاذفته قوى التغيير بأفكارها وتداعياتها مع تحديات الظروف الذاتية والموضوعية المحيطة التي تكالبت عليها وقوضت مرتكزاتها ومساراتها؛ فأفرزت وضعاً تصادمياً بين حقيقة الواقع المحلي بكل مخلفاته من المعاناة والفقر والجهل والظلم والاستبداد والواقع الإقليمي الذي تتحرك فيه المصالح في إطار علاقات الحماية التي فرضتها الدول الاستعمارية الكبرى على الدول الإقليمية، وعبرت عنها بجلاء أحداث رواية "الحرب" من خلال شخوصها التي عاش بعضها على أحلام الثورة ثم تخلوا عنها وتحولوا إلى مواقع السلطة، فيما هاجر البعض الآخر رافضاً واقعه الداخلي، وهناك من لا يزال يعيش الماضي بانتمائه القبلي، وجميعهم في تفاعلهم وتشابكهم أو في حيادهم؛ إنما يقدمون في المشهد العام للرواية وثيقة تاريخية محملة بأفكار ومبادئ الثورات ومظاهر الطغيان والاستبداد وما استتبعها من كوارث حلت بالمناضلين والمقاومين ممن حلموا بالتغيير وحملوا مسؤوليته وتكسرت أحلامهم في مواجهة لا عدل فيها ولا توازن.

الخلاصة، حضور الشخصيات وتفاعلها بقوة في معالم النص وسياقاته وإن بمسافات تتباعد حيناً وتتقارب حيناً آخر، إلا إنها تبعث على الحزن، وتحمل في طياتها بعداً إنسانياً وتاريخياً تمكن اليحيائي بمهارته الأدبية والفنية واقتداره على تقديم شهادات تصويرية وبواقعية نقدية عبر استنطاق ذاكرة فئات مختلفة من المجتمع والكشف عما في ضمائرها واستثارة التفكير حول ما تتركه الحروب في أرواحنا من آثار نفسية وأوجاع ومن ندوب على ذاكراتنا.

المنامة - 19 يونيو 2024


الأحد، 21 أبريل 2024

واقع تعليم الفتيات في البلدان العربية والإسلامية

 


إعداد: د.منى عباس فضل

 عرض تفصيلي قمت بإعداده على برنامج البور بوينت وتقديمه في الندوة العلمية التي عقدت في مدينة الرباط في الفترة من 17-19 أبريل نيسان 2024 تحت عنوان "واقع تعليم الفتيات في البلدان العربية والإسلامية" والتي تمت بالتعاون بين منظمة المرأة العربية ومنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو).

 الورقة تمثل خلاصة ونتائج تقرير بحثي تم التعاقد على إعداده وتنفيذه منذ ستة شهور مع منظمة المرأة العربية وشارك فيه العديد من الخبراء والخبيرات الباحثين في مجال التعليم وقضايا حقوق المرأة في البلدان التي تم مسحها وتناولها بالتفكيك والتشخيص والتحليل وبالاستعانة بالبيانات المتوفرة، أما الدول فهي (مصر، المغرب، تونس، السعودية، لبنان، العراق، البحرين، واليمن).

 ركزت في ورقتي هذه؛ على خمسة محاور رئيسية؛ الأول منها بعنوان؛ حقوق الفتیات في التعليم وتطوره، والثاني حول الفروقات بین الجنسین ومؤشراتھا في أنظمة التعليم وقد اشتملت مناقشة هذا المحور على مفهوم تمكین الفتیات والتسرب من التعلیم، أما في المحور الثالث فقد ناقشتُ تعليم الفتیات بین تدابير إصلاح التعلیم وفجوات القوانین، ومن نماذجها تشریعات الزواج وتشريعات العمل، وفي الرابع ناقشت تعليم الفتیات وتدابير موازنات الإنفاق عليه فيما تطرق المحور الخامس الى التدخلات الاجتماعية لمعالجة معوقات تعليم الفتيات.

  












































الثلاثاء، 2 أبريل 2024

في المشهد الاستراتيجي: غزة بابٌ للعبور

 

ينشر بالتزامن في مجلة الهدف - لتحميل العدد 57: اضغط/ي هنا

https://hadfnews.ps/post/127335


منى عباس فضل

 

من نقطة الانطلاق، تحديداً من عملية "طوفان الأقصى" تعمل دوائر القرار السياسي والخبراء والمحللون وفق سيناريوهات متعددة لتفسير وتحليل ما حدث وتداعياته الاستراتيجية على المنطقة، وتقديم استشرافات ما بعد الحرب على غزة، حيث تتكرر الأسئلة حول أبرز مشاهد الحدث وأهميتها وتأثيراتها التي تتشابك مع صراعات المنطقة وتداخل حروبها وواقعها الجيوسياسي.

 

فالحرب على غزة مستمرة ومفتوحة زمانياً ومكانياً، وهي حربٌ غير تقليدية وبأهداف محددة ومفاوضات بين أطراف تسعى إلى وقف إطلاق النار وما يترتب عليه الأمر، لماذا؟ لأن الإسرائيليين أعلنوها بأنهم يخوضون معركة وجودية، وإن أهدافهم المتطرفة تتمحور حول تدمير المقاومة والاحتفاظ بالسيطرة الأمنية على غزة حتى لا تشكل تهديداً لهم؛ وأداتهم في ذلك "الإبادة الجماعية"، واحتمالات تمدد الصراع تصاعدياً إلى أبعد من غزة، تحديداً إلى الجبهات الفلسطينية كـ"الضفة الغربية" ومناطق أخرى كلبنان وارد، وذلك في ظل استعصاء التوصل إلى أي اتفاقات لوقف إطلاق النار أو عقد أي صفقة لإطلاق سراح الرهائن والأسرى الفلسطينيين مع إصرار إسرائيل على تحقيق أهدافها المعلنة باحتلال غزة وحصارها وتهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم، وتنفيذ التطهير العرقي واستباحة الضفة الغربية، وعليه فملامح المشهد الاستراتيجي متداخلة وتبرز باتجاهات مختلفة المسارات وبوضع مرشح إلى المزيد من مشاريع تقسيم المنطقة وارتفاع حدة العنف والإصطفافات؟

 كيف؟ نشرح أكثر.

 

القضية الفلسطينية قوة ضاغطة

فلسطينياً؛ عادت القضية الفلسطينية لتشكل قوة وأولوية ضاغطة على النظام العربي والعالمي، وهي تتضمن انعكاسات وارتدادات خطيرة ومتعدَدة إقليماً ودولياً، الدلالة تتكشف من تمدّد الحرب إلى ساحة البحر الأحمر ودخول اليمن والعراق على خط الاشتباكات الأخيرة التي تمس مصالح العدو الصهيوني والأمريكي والأوروبي في المنطقة، وبالتالي جر الولايات المتحدة إلى صراع قد يقلب مواقفها وسياساتها ويكون معه الوضع أسوأ بكثير مما هو عليه، فالسلام والاستقرار الذي تنشده الأخيرة يمر عبر غزة، هذه حقيقة فاقعة، وقد أثارت الضربات الانتقامية التي نفذتها الولايات المتحدة وحلفاؤها قلقاً عالمياً، لم لا وطريق البحر الأحمر يعد أحد أكبر ممرات الملاحة بين أوروبا وآسيا حيث تمر عبره نحو "15%" من حركة الملاحة البحرية في العالم، ويرى بعض المراقبين بأن هذه الضربات إنما تدلل على ضعف السياسات الأمريكية وتراجع قوتها في منطقة الشرق الأوسط.

 

في المشهد العام، النظام العربي وعلى الرغم من أهمية بلدانه استراتيجياً إلا أن الواقع عرّى كل مساوئه، فهو يعاني من الضعف والتفكك والانهيار ودوله تفتقد إلى فعل السياسة الخارجية والنظام الإقليمي المستقل، وهي ومنذ عقود رهينة لتحكم القوى الدولية ونفوذها وسيطرتها، كما إنها مخترقة من قبل بعض الأطراف الدولية والإقليمية حتى في ممارسة أدوارهاً السياسية والاقتصادية؛ مما يجعلها على خط ناري من المصالح المتضاربة والأجندات الجيوسياسية والتنافس على مناطق النفوذ والموارد والممرات المائية الاستراتيجية التي تزعزع أمنها القومي بل وحتى سيادتها.

 

ومع تكشف مسارات الحرب على غزة، اتجهت التحليلات مجدداً للحديث عن تشكل "نظام شرق أوسطي جديد" تدفع باتجاهه الولايات المتحدة الامريكية التي برز دورها على المستوى الإقليمي والعالمي، لاسيما مع النزاع الأوكراني والحرب على غزة ومشاركتها في صنع القرار الإسرائيلي وعدم اقتصارها على الدور الدبلوماسي وهذا وضع غير مسبوق حسب رأي البروفسور ناثان ج. براون من جامعة جورج واشنطن، إلى جانب ما تقدمه من مساعدات ودعم ثابت تمنحه إلى إسرائيل "14 مليار دولار" للمساعدات الأمنية و"3.8 مليار دولار" تتلقاه سنوياً، عدا عن مساندات من حاملات الطائرات، والغواصات النووية، وجنود وضباط وقيادات عسكرية أمريكية تشارك الجيش الإسرائيلي في حربه، فيما تطرح من جهة أخرى تركيا وإيران أنفسهما كلاعبين إقليميين يفرضان حضورهما في أي تحالفات أو ترتيبات تتم في المنطقة.

 

طوفان الأقصى نقطة تحول

وعليه لا مبالغة في القول بأن عملية "طوفان الأقصى" قد شكلت في هذا الوضع المتحرك والحرج نقطة تحول وانعطافة استراتيجية في الشرق الأوسط، وأصبحت معه القضية الفلسطينية ببعدٍ رمزي محركاً دولياً سيمتد تأثيره على أي اتفاقيات وترتيبات ستشهدها بلدان المنطقة؛ ناهيك عن التطوُرات التي ستلحق بإعادة تشكيل المشهد الإقليمي، فالدعم الأمريكي لإسرائيل مفتوح بل وتدخلها مباشر في قرارات الصراع كما اشرنا بسبب تخلخل القوة العسكرية الإسرائيلية، وتمدد نشاط المقاومة في لبنان والعراق واليمن وبالتالي اختلاط الأوراق، وهذا ما يجعل الطرف الإسرائيلي يتحرك بمسارات أكثر تشدداً تجاه القضية الفلسطينية، ويساعده في هذا الموقف ما حققه نسبياً منذ عام 2020 في إطار اتفاقيات "التطبيع الإبراهيمية" مع بعض الأنظمة العربية والخليجية كـ"الإمارات والبحرين والمغرب" وقبلها مصر والأردن والتواصل مع قطر وتبادل الاتصالات والحوارات التي تعطلت منذ حرب غزة بشأن التطبيع مع السعودية، وإسرائيل في هذا الإطار وبما حدث في مجتمعها من انقسامات حادة بعد "طوفان الأقصى" وقضية رهائنها العالقين، تناقش وضعها الاستراتيجي ضمن سيناريو الاحتلال الكامل لقطاع غزة وضم الضفة الغربية وتهجير الفلسطينيين، الأمر الذي يؤدي إلى المزيد من التحديات لأطراف النزاع وانكشاف الصراع وانعدام التوازن في المنطقة وعدم الاستقرار.

 

بالنسبة للمقاومة الفلسطينية ورغم من تطوّر أساليبها وأدواتها إلا أنّ وضعها غير متكافئ مع جيش الاحتلال، لكنها في ذات الوقت تمتلك حاضنة شعبية وبنية تحتية من الأنفاق تحت الأرض عجز جيش العدو حتى اللحظة عن كشفها، وهذا الأمر يربك حسابات الجانب الإسرائيلي خصوصاً مع إطالة أمد الحرب، وتغيير قواعد الاشتباك في تحركات الجبهات اللبنانية واليمنية والعراقية التي تشتت إسرائيل وتربك حساباتها كما وقد توسع من نطاق الصراع على هذه الجبهات وغيرها، وبالتالي تخلق حالة من انعدام التوازن الأمني في المنطقة بسبب التضارب بين موقف الشارع العربي الرافض للوجود الإسرائيلي واحتلاله لفلسطين، وبين حكوماته التي اتجهت إلى التطبيع مع العدو وعقد الاتفاقيات والاتصالات.

 

أخطر السيناريوهات

أما أخطر السيناريوهات المتداولة؛ فهي تتمثل في دخول إيران مباشرة في الحرب، خصوصاً مع ما تنفذه إسرائيل من اعتداءات واغتيالات بحق عناصرها، ما يعني التدخل الأمريكي المباشر أيضاً، وهذا يجعل المنطقة على كف عفريت في زيادة مستويات التصعيد بتأثراتها على النظام الإقليمي والدولي، وتشابكها مع صراع القوى الدولية على المصالح والنفوذ، وثمة من يقول بأن هذا الوضع ربما يكون مريحاً لروسيا التي لا تزال تخوض حربها مع أوكرانيا، لاسيما حين تحقق انتصاراً وتقدماً، وإن ذلك حتماً سيؤدي إلى عالم متعدد الأقطاب خصوصاً مع تنامي الدور الصيني والروسي في المنطقة وتعزز دورهما الإقليمي وقد شهدنا منذ فترة تحركات الصين باتجاه السعودية لفتح قنوات تواصل بينها وبين النظام الإيراني.

 

على المستوى الإقليمي العربي، تبرز التحديات فاقعة، مباشرة في كل من مصر والأردن من تداعيات غلق المعابر والأزمة الإنسانية التي تحدث في قطاع غزة واستمرار جيش الاحتلال بقصف الشعب الفلسطيني والتجاوزات التي تتم في كافة الأراضي الفلسطينية، فما يحدث يمثل قلقاً وتحدياً عميقاً لهما، خصوصاً مع إصرار إسرائيل والولايات المتحدة على التهجير القسري للفلسطينيين، والمخاوف تبرز حول سيادة أراضيهما بهذا التهجير إلى سيناء والأردن، وتبعاً للمحليين فإن ضغط الكارثة الإنسانية التي تحدث في الأرضي المحتلة قد يعيد تشكيل مشهد النزاع الإقليمي والنظر جدياً في أولويات السياسات الأمنية المتعلقة بقضايا السلام والحرب كما قد يؤلب الشارع المصري والأردني على حكوماته ونكون أمام انتفاضات واحتجاجات شعبية كالتي حدثت قبل عقد من الزمن، فيما يرى آخرون بأن هذا الوضع قد يعيد الحوار مجدداً لإحياء مبادرة السلام العربية وحل الدولتين الذي ترفضه إسرائيل وكذلك المقاومة الفلسطينية.   

 

يضاف إلى ذلك؛ تحديات إقليمية أخرى تتشابك مع مسارات الحل السياسي في ليبيا وفي الحرب الدائرة على السلطة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع وتدخل الأطراف الإقليمية غير المباشر في هذا الصراع وبتداخلها وتشابكها مع المصالح الخارجية والانقسامات الداخلية ما يجعلها ساحة مفتوحة على حرب طويلة الأمد، فالمشهد هنا مثقل بالتحديات الإقليمية والدولية وأطرافها الفاعلة والمؤثرة والذي حتماً ستدخل في اعتبارات إعادة تشكيل خارطة المنطقة ما بعد غزة.

 

ازدواجية المواقف والأفعال  

على المستوى الدولي، اتسعت قاعدة المعارضين للحرب المدمرة على غزة وعلى المذبحة التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، وقد تابعنا موقف "دولة جنوب أفريقيا" المشرّف في محكمة العدل الدولية ومن دعمها كالبرازيل وماليزيا وباكستان وغيرهم؛ إلى جانب الاحتجاجات التضامنية في أوروبا والولايات المتحدة واستنكار شعوبها للمواقف المزدوجة لدولها خصوصاً من قضية وقف اطلاق النار في غزة واستمرارية بعضها في دعم الكيان الصهيوني، فقد عبرت بعض الشعوب والنخب السياسية والمجتمعية عن استنكارها لما يحدث من مواقف سلبية وعدائية تجاه الشعب الفلسطيني، ومما لاشك فيه فإن هذا يمثل صحوة ضمير، كما يثير الكثير من القلق في دوائر القرار بالعواصم الغربية، لاسيما تلك التي يتغلغل فيها النفوذ السياسي والإعلامي الصهيوني.

 

الخلاصة، وبرغم زخم حراك الشعب العربي  ضد الحرب الإسرائيلية واحتلال فلسطين؛ إلا إنه لم يصل بعد إلى مستويات التأثير على المشهد العام؛ لم لا ومؤسسات الدولة العميقة في أغلب البلدان العربية وخصوصاً المطبعة مع العدو، لا تزال تعمل وتتحكم في إيقاع الحراك الشعبي العربي ومما يزيد الطين بلة، الضعف الذي تعاني منه الحركات الاحتجاجية وعجزها عن إفراز قيادات حزبية ونقابية شعبية قادرة على التأثير الفعلي بالتعبئة وإدارة الموقف السياسي الذي يجبر النظام العربي على مراجعة موقف بعض أطرافه المتواطئ مع إسرائيل واتخاذ إجراءات تعبر عن مواقف الشعوب العربية في تضامنها مع القضية الفلسطينية، أما الأمر الثابت الذي يسجل في هذا المشهد، فإنه ودون حل للصراع التاريخي بين العرب وإسرائيل وحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه في سيادة أرضه واستقلاله وحريته، لن يكتب النجاح لأي استقرار لكيان العدو الصهيوني أو لأي نظام جديد يعاد تشكله في هذه المنطقة.

 

المنامة – 19 مارس 2024


الخميس، 11 يناير 2024

ضريبة التحويلات المالية مهمة ولكن؟

 


منى عباس فضل

 

لايزال الجدل قائماً حول مشروع "قانون التحويلات المالية" للأجانب الذي تم التصويت عليه في البرلمان؛ بين الحكومة والنواب حيث أطلق بعضهم تحذيرات بشأن التداعيات السلبية التي تخلفها هذه الضريبة، فيما استنفر الفريق المؤيد لها مستغرباً موقف الحكومة المناهض بحجة أنه يخالف الدستور ومبدأ الحرية الاقتصادية.

 

خلاصة آراء بعض النواب "إن الأجانب في البحرين يستفيدون ولا يفيدون..وإنه عند فرض الضريبة سنحصل على 20 مليون دينار سنوياً، هي كفيلة بعودة زيادة المتقاعدين..وإنه لا عنصرية في فرض الضريبة على تحويلات الأجانب التي تبلغ "2.7 مليار دولار" سنوياً ومن دون أي عائد على خزينة الدولة، كما استنكر آخرون سياسات الحكومة المنحازة للوافدين على حساب المواطنين. إلخ". ترى هل سيمر إقرار مشروع القانون في الغرفة الثانية "مجلس الشورى" كما حدث في البرلمان؟ وهل فعلا الحكومة لا ترغب في فرض ضريبة على تحويلات الأجانب؟ وما هي الأبعاد الموضوعية التي غابت عن مناقشة البرلمانيين لهذه القضية؟

 

في حقيقة الأمر وتبعاً لتقارير متعددة، اختلاف الآراء حول فرض ضريبة على التحويلات المالية إلى الخارج ليس قصراً على البحرين وإنما سبقتنا إليه دول خليجية أخرى كالكويت؛ وهناك بلدان كسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية والإمارات والولايات المتحدة؛ تفكر جدياً بفرضها، وقد مرت بلدانهم بذات السجالات التي يحذر فيها الخبراء والسياسيون والمنظمات العالمية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من تداعياتها، كما إنها قضية تناقش من وجهة نظر اقتصادية تأخذ في اعتبارها إن الاقتصاد المحلي جزء لا يتجزأ من الاقتصاد الحر المكبل بالاتفاقيات الدولية والأنظمة التي تحكمه وتتحكم فيه. كيف؟ لنرى.

 

مزايا وعيوب

تجمع الآراء بأن لهذه الضريبة عيوب ومزايا، فهي من جهة تمثل فرصة من فرص تنويع مصادر الدخل الاقتصادي قصير المدى، ومن جهة أخرى تفرض تحديات بعيدة المدى لها علاقة بالاقتصاديات وأسواق العمل.

 

في تقرير نشر في السنوات الأخيرة للخبير في البنك الدولي "ديليب راثا"، أورد فيه أهم الأسباب التي تجعل من فرض هذا النوع من الضرائب فكرة سيئة؛ فهو يرى: "بأنها تخلق ازدواجية ضريبية لدافعي الضرائب من المهاجرين؛ لماذا؟ لأنهم بالأصل خاضعين فعلياً لمبدأ الضرائب المباشرة وغير المباشرة في البلد المضيف، وبالتالي فإنهم يتحملون عبء هذه الضريبة مرتين خصوصاً إذا كانوا من الفئات التي ترسل تحويلاتها إلى الأسر الفقيرة"، آخذين في الحسبان أن هناك أكثر من "25 مليون" وافد يعملون في بلدان الخليج أغلبهم يشغل وظائف ذات مهارات متدنية".

 

ويضيف؛ "بأنها ستؤدي إلى زيادة تكلفتها؛ وهي تتعارض بشكل مباشر مع التزامات مجموعة العشرين، وهدف التنمية المستدامة المتمثل في القضاء على عدم المساواة بين البلدان والسعي إلى خفض تكاليف التحويلات إلى "3%" في غضون عام 2030، وزيادة تعميم الخدمات المالية؛ مشيراً إلى أن متوسط تكاليف معاملات إرسال التحويلات قد بلغ "30 مليار دولار سنوياً"، وإن هذه التدفقات الحيوية التي يرسلها أكثر من "200 مليون" عامل مهاجر، تساعد الأسر على رفع مستوى معيشتهم وتحسين الصحة والتعليم والسكن، وتعزز إمكانية الاستفادة في تنظيم المشاريع خصوصاً في البلدان الأشد فقراً".

 

إلى جانب أن رسوم التحويل من وجهة نظره تعتبر أعلى في البلدان الأكثر فقراً، وقد حذر من أن هذه الضريبة ربما تحفز على تجنب التحويل عبر القنوات الرسمية والقانونية المرخصة والآمنة كـ"المصارف وشركات الصرافة والحوالة" للتدفقات المالية واللجوء عوضاً عنها إلى تحويل الأموال نقداً عبر الأصدقاء والأقارب والأخطر عبر المعاملات الرمادية غير الرسمية كـ"السوق السوداء" التي يصعب رصدها وتتبعها في عمليات غسيل الأموال والتزوير؛ وكلها في نهاية المطاف مخاطر أمنية على المدى البعيد، وهذا فعلاً ما حذر منه البعض واستنكره المؤيدون بالقول إن على الحكومة أن تضبط إجراءاتها الأمنية والرقابية حين تنفيذ القانون.

  

من ناحية متصلة؛ يجد "ديليب راثا" أن هذا النوع من الضرائب سيوثر سلباً على الأنشطة التجارية والسياحية والاستثمارية والأعمال الخيرية؛ وقد يؤدي إلى إعادة توجيه تدفقات التحويلات عبر بلدان ثالثة، مما يضطر المهاجرين إلى سداد رسوم التحويل مرتين؛ أما الإيرادات المتحققة منها فهي ضئيلة مقارنة بمستوى إيرادات الدولة العامة؛ وهذا ما دللت عليه تجارب مثل الغابون عام 2008 وبالاو في عام 2013، ناهيك عن تأثيرها السلبي على أعمال مقدمي خدمات التحويلات، وتأثيرها تباعاً على ما سيدفعونه من ضرائب مستحقة عليهم. الأهم إنها ستؤدى إلى هجرة رواد الأعمال، وفقدان أسواق العمل الخليجية لجاذبيتها على المدى البعيد وهي التي تعتمد على العمالة الآسيوية التي تشكل مكوناً رئيسياً في الاقتصاد.

 

بالمقابل يقترح الخبير الاقتصادي "إم آر راغو" على الحكومات عوضاً عن فرض الضريبة؛ اتخاذ تدابير تحفيزية أكبر للاستثمارات المحلية وفتح الاقتصاد والسوق للأجانب بل وزيادة الفرص لتجميع العائلات الذي يقلل من رغبتهم في التحويلات المالية، وأظن أن هذه النصيحة مثيرة للجدل ولا تتناسب والواقع البحريني، فالسوق متشبع ومفتوح على مصراعيه والمساحة الجغرافية فاضت بما تتحمله من عمالة مهاجرة ذات مهارات متوسطة ومتدنية تشكل عالة مرهقة على الاقتصاد والبنية التحتية وعلى الخدمات التي تقدمها الدولة.

 


بيانات رقمية

على مستوى الدول المصدرة للتحويلات المالية تُعد الولايات المتحدة من أكبر البلدان المصدرة إلى أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، فضلاً عن روسياً خصوصاً بعد الحرب مع أوكرانيا في عام 2022 حيث شهدت التحويلات منها زيادة هائلة وصلت إلى (111.2 مليار دولار) وفقاً لبيانات شراكة المعرفة العالمية بشأن الهجرة والتنمية التابعة للبنك الدولي (KNOMAD)، أما على مستوى منطقتنا العربية، فتحتل دول مجلس التعاون الخليجي المرتبة الثانية، وهي تُعد الأكبر بفارق كبير عند قياس التحويلات المالية بإجمالي الناتج المحلي، حيث تتجاوز نسبة العمالة الأجنبية فيها "90%" من عدد السكان، وتعد الإمارات والسعودية (47.5 و40.7 مليار دولار) من أكبر المصدرين للتحويلات إلى جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وشمال إفريقيا. وتبعاً لتقديرات البنك الدولي؛ فقد حول المغتربون بدول مجلس التعاون مجتمعة؛ أكثر من "100 مليار دولار" في عام 2015 وهذا يمثل "7.7%" من الناتج المحلي الإجمالي المشترك لهذه الدول، وهو يعد رقماً كبيراً، فيما تشكل التحويلات من الولايات المتحدة "0.7%" وفي بريطانيا "0.9%" من الناتج المحلي الإجمالي.

 

يذكر "ديليب راثا" في تقريره آخر بأن التحويلات العالمية إجمالاً سجلت رقماً قياسياً في عام 2022 بلغ "647 مليار دولار" وهو بمعدل ثلاثة أضعاف حجم المساعدات الإنمائية الخارجية، وفي الحقيقة والقول له؛ قد تتجاور قيمة التحويلات هذا الرقم؛ لأن عدداً كبيراً من الأشخاص يرسلون أموالهم عبر قنوات غير رسمية لا ترصدها الإحصائيات الرسمية، ويدلل على أهمية هذه التحويلات؛ حيث يتجاوز ما تتلقاها مصر مثلاً إيرادات قناة السويس، وفي سريلانكا قيمة صادرات الشاي والتحويلات إلى المغرب هي أكبر من عائدات السياحة فيها، وإن الهند تمثل أكبر متلق عالمي للتحويلات المالية، حيث تلقت في عام 2022 أكثر من "100 مليار دولار" يليها المكسيك والصين والفلبين؛ فيما تتجاوز قيمة الأموال التي يرسلها المهاجرون خمس إجمالي الناتج المحلي في كل من "طاجيكستان ولبنان ونيبال وهندوراس وغامبيا واثنى عشر بلداً آخر"، ويعزو الاقتصادي "إم آر راغو" في مقال له نشر في صحيفة "ذي ناشيونال"؛ بأن أحد أسباب ارتفاع قيمة تدفقات التحويلات المالية هو النقص في فرص الاستثمار في البلد المضيف إلى جانب الافتقار إلى الضرائب، الأمر الذي يدفع الوافدين إلى توفير المال وتحويل مدخراتهم إلى بلدانهم الأصلية بدلاً من الدول المستضيفة".

 

الخلاصة

ماذا يعني كل ذلك؟

يعني إننا أمام قضية شائكة ومعقدة تتجاوز رؤيتنا لها من زاوية محلية صرفة، لاسيما ونحن شركاء في خطط التنمية المستدامة شئنا أم أبينا، والتحويلات المالية التي ترسلها العمالة المهاجرة إلى أسرها توفر دخلاً مهماً لملايين البشر في الاقتصادات النامية، وإن العالم يواجه تحديات زيادة الفجوة في المداخيل بين البلدان الغنية والفقيرة إضافة إلى الضغوط الديمغرافية والمتغيرات المناخية وما تفرزه من زيادة معدلات الهجرة.

 

ومنه ينبغي على متخذي القرار دراسة الحالة المحلية في خضم الواقع المتشابك من كافة النواحي والنظر للبدائل؛ فما يقترحه بعض الخبراء من إتاحة فرص الاستثمار والتملك أمام الوافد الذي لا يجد ما يغريه في ادخار أمواله بالبلد المضيف، أن يناقش بجدية أعمق تتطلب مزيداً من الشفافية في المعلومات والبيانات الإحصائية للأجانب ومستويات مداخيلهم والتي يمكن القياس عليها في تحديد جدوى هذه الضريبة، والإجابة عل الأسئلة عما إذا كنا مستعدين للمزيد من هكذا حلول وإجراءات وضغوط خصوصاً مع احتكار الأسواق وضخ العمالة الأجنبية غير المنتجة في الاقتصاد والفساد وضعف الإجراءات الإدارية والرقابية والإفقار التي يتعرض له المواطن وغيرها الكثير.  

المنامة - 11 يناير 2024 


الأحد، 17 ديسمبر 2023

تجريد المدنيين من ملابسهم.. همجية إسرائيلية


منى عباس فضل

نشر في الشروق: السبت 16 ديسمبر 2023 - 7:50 م | آخر تحديث: السبت 16 ديسمبر 2023 - 7:50 م

 

إنها الجريمة الأكثر وقعا وبربرية، الأشد عنفا وحساسية وخطورة من الوجهة الأخلاقية والقانونية في تأثيراتها وتداعياتها وبما تلحقه من أضرار مفرطة وجسيمة بضحايا الاحتلال الصهيوني بدنيا ونفسيا وللمحيط الذي ينتمون إليه.

في السياق نتحدث عن لقطات وصور مشينة نشرها الاحتلال في غزة، يظهر فيها عدد كبير من الفلسطينيين الذين اعتقلهم جيش العدو في مناطق متفرقة تحت تهديد السلاح، واقتادهم إلى مراكز اعتقال في ظروف غامضة مخالفة للقانون الدولي وهم عراة في طقس بارد بعد تفتيشهم وإذلالهم بحجة التحقق من نشاطهم وانتمائهم إلى «المقاومة حماس».

ثمة صور ومقاطع مصورة أخرى يظهر فيها المحتجزون مجردين من أغلب ملابسهم جالسين في الشارع بملابسهم الداخلية ويحاولون تغطية صدورهم بأيديهم من البرد وحولهم جنود إسرائيليون، بينما تكدس آخرون في الشاحنات مكبلين ومعصوبي الأعين قبل اقتيادهم إلى جهة مجهولة ومن بينهم سيدة جردت من حجابها، وصور أخرى لأسرى عراة على الأرض مكبلة أياديهم ومحاصرين من الجنود أمام حفرة كبيرة في أحد المقالع. ترى ما الرسائل التي استدعت إسرائيل إلى توظيف تعبيرات هذه المشاهد وبهذا الأسلوب؟

• • •

في هذا الصدد، كتب نائب رئيس البلدية الإسرائيلية في القدس «أرييه كينغ» تغريدة على منصة إكس «يجب على إسرائيل أن تغطى هؤلاء النازيين بالأرض التي تحيط بهم، الآن يجب تغطيتهم (دفنهم أحياء) حتى لا يواجههم أي إنسان إلى الأبد» مضيفا «لو أتيح لي اتخاذ القرار، لجلبت أربع جرافات ضخمة (D9)، وأمرت بتغطية كل هذه المئات من النمل، وهم لا يزالون على قيد الحياة، إنهم ليسوا بشرا وليسوا حيوانات بشرية، إنهم دون البشر، وهذه هي الطريقة التي يجب معاملتهم بها»؛ أما «دانيال هارغاري» المتحدث باسم جيش العدو علق «بأن العديد من مسلحي حماس استسلموا للجنود الإسرائيليين في غزة، وأن جيشهم استجوب مئات المشتبه بهم فى أنشطة إرهابية، واستسلم الكثير منهم في اليوم الأخير».

على النقيض ذكر موقع «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان» بأنه تلقى إفادات «بأن إسرائيل اعتقلت عشرات المدنيين الفلسطينيين بعد التنكيل الشديد بهم وتعريتهم كليا من ملابسهم على إثر حصارهم منذ أيام في مركزين للإيواء تابعين لوكالة الغوث (أونروا) من بينهم أطباء وأكاديميون وصحفيون ومسنون».

إن ارتكاب فعل تعرية المعتقلين الفلسطينيين ليس صدفة ولا وليد لحظة الثأر والانتقام؛ هو جزء من حرب وجودية واستعراضية معززة باستخدام تقنية الصور وحبك مؤامرات الحرب الإجرامية وتنفيذها والتي بالمناسبة يتعرف العالم من خلالها على واقع الكيان المحتل المفرط في انتهاكه للأخلاق وللقانون الدولي والإنساني. هي مشاهد خليط ومتداخلة تكتسب معانيها ودلالتها عبر ارتكازها على مرجعية سلوك منحرف لهذا الكيان، إذ ليس بوسعه كسب نتائج معركة لم يحقق فيها حتى الآن إلا فشل الوصول إلى المقاومة الفلسطينية والإجهاز عليها، والمزيد من التدمير وارتكاب المجازر بقتل المدنيات والمدنيين الأبرياء وإذلالهم بهذه الصور التي في حقيقتها مضللة ومخادعة متسقة مع خطط العدو وعقيدته العنصرية التي نمت عليها دولة الاحتلال بشكل منظم وممنهج؛ فما قام به جيشهم جريمة أخلاقية وامتهان صارخ لكرامة الإنسانية ومخالفة صريحة لاتفاقية جنيف لعام 1949 والقانون الدولي ولمنظومة حقوق الإنسان.

صناعة الجريمة المنظمة التي ينفذها الاحتلال، لا تزال تواصل اتساعها وانتشارها حيث يمارس فيها إعلام العدو سلوكا منحرفا مخالفا للمعايير الإنسانية والأعراف الدولية؛ ومفهوم الانحراف في حقيقة ممارسات الاحتلال أوسع وأكثر شمولا من مفهوم الجريمة ذاتها التي وصل أقصى مداها في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بقتل الأطفال والنساء، وما نشاهده من إذلال وتحقير للمدنيين ما هو إلا محصلة لغياب النظام القيمي والقانوني في مجتمع الكيان الصهيوني العنصري، يضاف إليه «الفشل الأخلاقي» لمجلس الأمن في استخدام «الفيتو» ضد وقف إطلاق النار في غزة.

• • •

تسعى إسرائيل في استمرار بث مشاهد وصور إذلال المعتقلين؛ إلى تضليل الوعى وتزييفه وهى تعمل ببعدين؛ أولهما؛ بث رسائل تدعى فيها انتصارا وبأن هناك حالة «استسلام للمقاومة» تهدف من ورائها إلى كسر معنويات الإنسان الفلسطيني في مقابل رفع معنويات المجتمع الإسرائيلي الذى اهتزت نظرته وتخلخلت تجاه قيادته السياسية وقواته العسكرية بعد «طوفان الأقصى»، فضلا عن التغلب على الشعور بالفشل خصوصا مع استمرار وجود الأسرى بقبضة «المقاومة»، وعليه فالهدف الأساسي من هذا الاستعراض هو ترميم الحالة المضطربة لجيش العدو وهو ينفذ هجومه البرى والجوي على غزة وأهلها.

أما البعد الثاني فيكمن في تعزيز الآثار النفسية التي لا تقتصر على تأثير عنف الصور التي نشاهدها ويعاد بثها وتكرارها عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي فقط، بل إلى إطار الشعور الجمعي الذى نتلقاه كعرب ومسلمين عبر المشاهد المؤلمة بما يشوبها من شعور بالمهانة والغضب، فهي بحد ذاتها ــ أي صور المحتجزين الفلسطينيين ــ لا تفصح في حقيقتها عن خبر فقط ولا تصف الحدث بموضوعية خصوصا «وأن إسرائيل تمارس التعتيم على أي معلومات بشأن عدد المعتقلين الفلسطينيين وأسمائهم وأماكن اعتقالهم»؛ بقدر ما تحتويه من مضامين ودلالات في نقل موقف عنصري متطرف يتجلى في تصريحات المسئولين الإسرائيليين التي دافع فيها «مارك ريجيف»، مستشار بنيامين نتنياهو، عن تجريد الجيش الإسرائيلي ملابس نازحين في غزة وتصويرهم قائلا: «هنا الشرق الأوسط، والجو حار للغاية»، ورد باستخفاف على مراسل «سكاي نيوز» البريطانية «أولا وقبل كل شيء، تذكر أننا هنا في الشرق الأوسط، والطقس حار جدا، قد لا يكون من الجيد أن يطلب منك خلع قميصك، خاصة في الأيام المشمسة، ولكنها ليست نهاية العالم»، وحين سأله عما إذا كانوا انتهكوا اتفاقية جنيف، رد: «إن الصور ليست مادة رسمية، ومن الضروري النظر في طريقة انتشار الفيديو، ما يعنى أنه لا يمكن تحميل إسرائيل المسئولية في هذا الصدد» وذكر بأنه غير مطلع على القانون الدولي بهذا المستوى.

إلى هنا وبرغم فداحة الاستباحة التي ينشرها الإعلام الإسرائيلي تقصدا ولأسباب معروفة، والإنكار والتشكيك بعدم قانونيتها، فهي ــ أي إسرائيل ــ لا تجرؤ على الدفاع عن جريمتها وتسويغها وتحاول التعبير عنها بأسلوب استخفافي والتفافي تحاشيا للمساءلة القانونية، إذ ليس لديها أي مسوغات أخلاقية سياسية وعسكرية لهذا الفعل المشين، حتى والاحتلال يختصر الإجابة عن أسئلة الصحفيين التي تواجههم بخصوص الأسرى المدنيين، فقط بمسألة الانتماء إلى «حماس» التي ألصقوا بها تهمة «الإرهاب» وابتكروا فكرة تحميلها مسئولية الدمار والمجازر التي ترتكب باستخدام المدنيين كدروع بشرية.

• • •

ختاما، يبقى إن للصور دلالات تعبيرية عميقة، ليس أقلها حالة الفشل العسكري في تحقيق أهداف العملية البرية، خصوصا والعالم يضغط باتجاه إيقاف الحرب والمساءلة القانونية بتهمة ارتكاب جرائم الحرب والإبادة الجماعية، فضلا عن محاولة التنصل من المسئولية القانونية والأخلاقية من الحرب ومن مشاهد تجريد المعتقلين من ملابسهم، وهم الذين طالما كرروا بأن جيشهم من أكثر جيوش العالم احترافية والتزاما بالقانون الدولي فيما لايزال يرتكب المجازر التي راح ضحيتها منذ 7 أكتوبر أكثر من «18 ألفا و700 شهيد» و«48 ألفا و780 جريحا» ناهينا عن الدمار الهائل للقطاع. يحاولون إقناع العالم بأنها صور عادية وتقنية لا علاقة لها «بجريمة الحرب»، القصد منها «التفتيش عن الإرهاب» وإن القانون الدولي يسمح بتنفيذها كأهداف عسكرية، والتخفيف من وقع آثارها وتداعياتها النفسية. إنها رسالة مضللة لواقع إبادة جماعية وحرب تشن من دولة كيان عنصري على الشعب الفلسطيني بحجة القضاء على «حماس» وبالتتالي كل شيء فيها مستباح!

 منى عباس فضل كاتبة وباحثة من البحرين

https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=16122023&id=ca6e7932-028d-43a5-ab80-d10c8855e859