الأربعاء، 5 يوليو 2023

التعليم في البحرين: ولغة الإنجازات

منى عباس فضل

التعليم آلية مهمة للتحوّل الاجتماعي والثقافي والسياسي بل وشرط أساسي لأي عملية تغييّر مجتمعي لكنه وتبعاً للباحث البحريني باقر النجار؛ التغييّر لا يرهن بالتعليم وحده، وإنما بقوة تأثير الأنساق والنظم الاجتماعية الأخرى الفاعلة في المجتمع كالأنساق الأسرية والدينية والسياسية، وعبر مؤسساته التي يعاد من خلالها تشكيل القيم وفق الحاجات والتطلعات المستقبلية، وبالتالي فإن تطوّر نظام التعليم يعد شرط من شروط التنمية المستدامة بل وأداة أساسية محركة في هذه العملية بما فيها تغييّر الإنسان صانع التغيّر.

تتباهي البحرين أمام المجتمع الدولي بتحقيقها تقدماً كمياً ونوعياً في التعليم، وتستشهد في ذلك بأعداد الملتحقين به وخريجه، لكن ذلك وبمعايير التطوّر والنجاح الحقيقيين للنظام التعليمي لا يقاسان بعدد الخرّيجين أو كمية معارفهم العلمية وحجمها برغم أهمية ذلك، وإنما في قدرته -أي النظام التعليمي- على تمدين مخرجاته وإنسابها إلى منظومات الحداثة، وبما يقدمه الفرد إلى وطنه وأمته من عمل وجهد وإبداع عقلي حسب النجار. من ناحيتها اليونسكو تشير في تقرير لها: "بأن نتائج التعليم في بلداننا الخليجية عامة لاتزال منخفضة مقارنة بالبلدان الأخرى ذات مستويات الدخل المماثلة، الأمر الذي يجعل من جودة التعليم مصدر قلق يدفع باتجاه تجاوز هذه المعضلة".

تبرز أهمية التعليم في البحرين من خلال استناده إلى قواعد دستورية وقانونية وتشريعات متصلة بتجويده، فالمادة (2) من "مشروع قانون التربيّة والتعلِّيم" لعام 1985 تؤكد بأنّ فلسفة التعليم منبثقة من الدستور الذي يركّز في بنده السابع "على أنّ تكفل الدولة توفير فرص تعليم لكل مواطن وترسيخ سياسة تعليميّة شاملة ترتكز على ركيزتين، الأولى تتمثّل في نشر التعلّيم، والثانيّة تحدّيد نوعيّته وتحسِّين مستواه ليتناسب مع احتياجات المتعلّمين ومتطلّبات التنميّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة للمجتمع"، وماذا أيضاً؟  

محلياً الجميع على قناعة ولايجادل أن العملية التعليمية شهدت تطوّراً نوعياً خلال الثلاث العقود الأخيرة بل وتغيرات تركّزت على إعادة النظر في نظام التعليم وتطويره خصوصاً مع ارتباطه بالتجديد الإداريّ، فقد صدرت الكثير من القرارات واللوائح والأنظمة المتعلقة به منذ ثمانينات القرن الماضي؛ كما سعت إلى تحسِّينه من خلال وضع المعايير المتعلقة بالأبنية المدرسيّة، واختيار المعلّمين، واعتماد الخطّط الدراسيّة وتحديد العلاقة بين التلميذ والمعلّم، وتراخيص إنشاء المؤسّسات التعليميّة الخاصّة الأهليّة والأجنبيّة، واللجان الاستشارية لتقوّيم المناهج والتشخيص واعتماد نظام التدريب التربوي، وترافق ذلك بمشروع إصلاحه عام 2005 وصدور قانون التعليم رقم (27) لسنة 2005 وقانون التعليم العالي الصادر بمرسوم رقم (3) لسنة 2005، وغيرها مما يعد مقوَّمات أساسية للعمليّة التربويّة، إضافة إلى انضمام البحرين إلى مجموعة اتفاقيات دوليّة وإقليميّة وثنائية ذات علاقة بأهداف التعلّيم والتي صدرت بشأنها مراسيم وقوانين حتى في مرحلة الذكاء الاصطناعي؛ ومنه يمكن القول أن النظام التعليمي خضع لمحاولات الإصلاح، لكن ذلك برأي بعض المحللين أصاب في جوانب وأخفق في أخرى؛ وهذا ما كشفه تقرير "هيئة جودة التعليم والتدريب" الأخير الذي سنتطرق إلى أبرز نتائجه، لكن قبلها لنتوقف عند مسألتين مهمتين الأولى حول مؤشرات التعليم والثانية تتعلق بموازناته.   

مؤشرات التعليم

تعد إحصائيات التعليم مرتكزاً أساسياً في إعداد استراتيجيات وسياسيات العملية التعليمية وتحسينها وتطوير خدماتها وبما يحقق أهداف التنمية المستدامة لاسيما عند مقاربتها بمستويات الجودة والمؤشرات الدولية للتعليم فضلاً عن إن البحرين ترتكز في استراتيجيتها التنموية على الرؤية الاقتصادية 2030 وعلى التحول من اقتصاد يعتمد على إيرادات النفط إلى اقتصاد متنوع قادر على التنافسية العالمية؛ الأمر الذي يثير التساؤلات عند مقارنة مؤشرات التعليم ومخرجاته النوعية مع هذه التطلعات والأهداف. 

قدرت دراسة لميرزا القصَّاب بعنوان "ما بعد النفط: تحديات البقاء في دول الخليج العربية"؛ أن نسبة النمو السنوي لعدد الطلاب والطالبات في البحرين تمثل (3.11%) من عام 2012 -2017، وذلك بعدد (248 ألف) عام 2012 وصل إلى (289 ألف) في عام 2017، وتوقع المؤلف أن يصل النمو في عام 2030 إلى (424 ألف) و(767 ألف) في عام 2050؛ ومن جهتها تفيد التقارير التربوية العربية والدولية بأن البحرين سجّلت انجازات مهمة بمؤشر البيانات الرقمية للإلمام بالقراءة والكتابة للفئة العمرية (15-24 سنة) قدرت بـ(99.9%) و(79.2%) للفئة العمرية (65 سنة فأكثر) وذلك وفقاً لإحصائيات 2019-2020(1) وإن نسبة التسرب حسب البيانات الرسمية منخفضة وتبلغ أقل من (0.40%) فضلاً عن انخفاض نسبة أمية الكبار التي بلغت (2.46%)، كما تجدر الإشارة إلى إن هناك اتفاقية اقتصادية لدول مجلس التعاون لعام 2001، تنص على تبني الدول الأعضاء للبرامج اللازمة للمحو الشامل للأمية في جميع دول المجلس ضمن جدول زمني وسن التشريعات اللازمة لذلك. 

وعند النظر الى البيانات المعلنة سنجد أن إجمالي المتوسط التقديري للملتحقين في كافة مراحل التعليم من الجنسين خلال فترة 2014-2020 في ارتفاع وبعدد يمثل (275,490) كما في الشكل أدناه، وهذا دلالة على التوسع الكبير الذي خضع له التعليم عامة وزيادة فرصه، بيد إن السؤال لا يزال يتكرر عن قدرة هذا الإنجاز في تغيير ماهية المخرجات التعليمية وتجويدها نوعياً وبما يلبي التطلعات الطموحة للاستراتيجية الوطنية 2030 ويلبي احتياجات المجتمع وتطوره الاقتصادي والاجتماعي؟

موازنات التعليم

استراتيجياً تتفق أغلب الدراسات بإن الإنفاق على التعليم يعد استثماراً لرأس المال البشري، ومن هذا المنطلق أولت البحرين أهمية لهذا النوع من الإنفاق وبما يضمن اتساق أهداف السياسات التعليمية وموازنتها مع الاحتياجات والموارد المتاحة، فحددت حصة من الناتج المحلي عامة ومن الميزانية العامة للدولة خاصة للتعليم، ولاشك إنها استفادت من المقاربات الدولية في تقويم حجم الاستثمار الملائم في التعليم والتعرف على الاستخدام الأمثل للموارد المخصصة لهذا القطاع، واعتمدت كغيرها من بلدان الخليج على عائدات النفط لإدخال البرامج المتعددة في مناهجه وإدارته وإصلاحه، لكن ذلك لم يضمن لها مستوى الجودة والمخرجات المتوقعة تماماً كما كشفت نتائج تقرير هيئة الجودة للتعليم والتدريب الذي سنناقشه لاحقا. في هذا الصدد؛ يشير ميزا القصاب في دراسته "إلى إن الإنفاق على التعليم مثل نسبة (11%) من إجمالي المصروفات لميزانية 2018، فيما قدر مصروفاته المتوقعة عام 2030 بـ(2.2%) وفي 2050 بـ(7%)، كما يتوقع إنها سوف تستمر في التصاعد، مما يمثل تحدياً لسياسة الحكومة وأولويات النفقات العامة".

وحسب البنك الدولي(2) خصصت البحرين في عام 2020 نسبة (2.2%) للتعليم من إجمالي ناتجها المحلي، فيما يشير تقرير لليونسكو(3) بأنها خصصت له نسبة (9.1%) من إجمالي مصروفاتها الحكومية في عام 2021؛ هنا ثمة ما يستوجب التذكير به وهو إن هذا المعدل يعتبر دون توصيات الامم المتحدة لتحقيق الأهداف التنموية المستدامة التي تنص على أن الانفاق على التعليم يجب أن يصل الى (6%) من الناتج المحلي الاجمالي و(20%) من موازنة الدولة العامة على الأقل، آخذين في الاعتبار بأن نسب الإنفاق تتباين بين الدول، وتعود أسباب التباين إلى اختلاف النظام السياسي للدولة وطبيعة نموذجها ومنهاجها الاقتصادي والتباين في معدلات النمو السكاني والتركيبة الديمغرافية للمجتمع وتوزيع السكان على الفئات العمرية المختلفة إلى جانب الاختلاف في مؤشرات التعليم المختلفة، كنسب الأمية والالتحاق بالمدارس والتسرب المبكر إلى سوق العمل والاكتظاظ في الصفوف ومعامل عدد التلاميذ/التلميذات لكل أستاذ..إلخ من العوامل التي لا نجد لها أثراً في مناقشات السلطة التشريعية ومساءلتها للميزانية المخصصة للتعليم. 

من خلال الجدول التالي يقدر متوسط نسبة المخصص للإنفاق على التعليم في البحرين من 2016 إلى 2018 بـ(10.5%) من الميزانية المعتمدة للدولة، ويلاحظ أن النسب المخصصة ظلت بنفس المستوى حتى أخذت في الانخفاض بين 2019-2021 بنسبة (9.9% إلى 8.8%)، وبالمجمل تعتبر هذه النسبة منخفضة قياساً لمقياس الأمم المتحدة كما أسلفنا ومنخفضة لأهمية الاستثمار في التعليم والتدريب وفي تنفيذ برامج الدولة تبعاً للاستراتيجية الوطنية 2030 وتنويع مصادر الدخل والتركيز على تطوير اقتصاديات المعرفة، ومن الواضح أن مخصصات التعليم تنفق أغلبها على وزارة التربية والتعليم بمتوسط نسبة تبلغ (83%) يليها جامعة البحرين وكلية البحرين للمعلمين معاً بمتوسط نسبة (13%)، ونسبة (3%) للبوليتكنيك و(1%) فقط لهيئة جودة التعليم والتدريب. 

في هذا الشأن ثمة ما يستوجب النظر إليه في تقارير البنك الدولي واليونسكو والبرنامج الانمائي للأمم المتحدة التي تفيد "بأن الدول العربية تنفق على التعليم مبالغ ربما تزيد أحياناً عما تنفقها بعض الدول المتقدمة، إلا أن ذلك لم يساعدها على تقليص الفجوات التنموية، فمتوسط ما تنفقه دول "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" على التعليم يصل إلى (5.8%) من الناتج القومي لهذه الدول، الا أن هناك تراجع واضح في نظامها التعليمي أدى إلى نسب عالية من البطالة بين الخريجين من المغرب إلى الخليج، كما تكشف البيانات عن اختلالاً في هيكل الانفاق على التعليم لصالح الرواتب والاجور والنفقات التشغيلية الاخرى وذلك على حساب البرامج التطويرية والرأسمالية" لم لا والتقديرات تشير الى ان أكثر من ثلثي الانفاق على التعليم يذهب لتغطية فاتورة الاجور وجزء يسير فقط منه يوجه لأنشطة وبرامج تحسن من نوعية عملية التعليم ومخرجاته، خصوصاً والأغلب يعتمد منهج أو نمط البنود في بناء الموازنات العامة وتوزيع مخصصات الانفاق فيها على القطاعات المختلفة بما فيها قطاع التعليم، ومن المعروف أن هذا النمط نمط تقليدي وغير تنموي، ويفتقد في كثير من الاحيان إلى ممارسات المساءلة وقياس وتقييم الأداء، بينما تعتمد الدول المتقدمة على نمط موازنات البرامج والأداء أو نمط الموازنات المبنية على النتائج(4). 

الجودة والإنجازات.. ولكن؟

جاءت نتائج مراجعات هيئة جودة التعليم والتدريـب(5) لأداء المدارس الحكومية للعام الدراسي 2020-2019 وعليها ما ناقشناه حول مؤشر التعليم والإنفاق عليه، لتضع حداً فاصلاً لمساءلة لغة الإنجازات التي ما برحت تسعى في إطار العلاقات العامة لتجميل واقع يخفي في باطنه مظاهر الاختلال والنواقص ويفتقد إلى المساءلة الحقيقية للفساد وسوء الإدارة لاسيما مع ارتفاع معدلات البطالة وتدني مستوى المخرجات التعليمية وعدم اتساقها ومتطلبات سوق العمل؛ فالنتائج التراكمية لـ(207 مدرسة حكومية) في الفاعلية العامة التي تضمنها التقرير؛ تمثل (35%) من المدارس في وضع "غير ملائم" و(29%) "مرضٍ"، ولو جمعنا النسبتين سنجد إن "انعدام الفاعلية" في مدارس البحرين يمثل نسبة (64%). وعزت الهيئة هذا التدني إلى عـدم تعامل المدارس التي تمت مراجعتها بجدية مع توصيات تقاريرها السابقة، وضعـف الخطط الاجرائية المبنية على تلك التوصيات، وعدم تغطيتها كافة جوانب العمل المدرسي في عدم تطور الأداء وأحياناً تراجعه؛ الأمر الـذي انعكس من وجهة نظرهم بصورة مباشرة على تقدم الطلبة الأكاديمي والشخصي، اللافت في مراجعتهم لهذه المدارس حسب جنس الطلبة أن (62%) من مدارس البنين في وضع "غير ملائم" ما يعني إنها لا تزال تعاني من عدم قدرتهــا على رفع دافعية الطلاب للتعليم، وليس أدل على ذلك من سوء الإدارة والتخطيط رغم كل جعجعة الخطابات التي تتصدر الإعلام والصحف.

في الأداء التراكمي لهذه المدارس وكما في الشكل (3) تبين وجود تحديات تتعلق بنسبة من المدارس الابتدائية التي هي في وضع "غير ملائم" على مستوى الطموحات، والأسوأ كما ورد في التقرير في ظاهرة تراجع أداء المرحلة الاعدادية، حيث لاتزال (37) مدرسة إعدادية بنسبة (62%) مستقرة في وضعها "غير الملائم"، وذكر بأن التحديات الكبيرة التي تواجههــا هذه المدارس ترتبط بسلوكيات الطلبة، ومدى ملاءمة الاستراتيجيات المستخدمة لمرحلتهم العمرية، وضعف عمليات الإعداد للانتقال مـا بيـن المراحل التي يستوجب النظر فيها بصفة عاجلة من قبل وزارة التربية والتعليم. 

في الإنجاز الأكاديمي كما في الشكل التالي (6) (49%) من المدارس وضعها "غير ملائم" و(19%) منها "مرضٍ"، وهي نسب عالية تشير فيها الهيئة إلى ارتفاع التحديات التي تواجه الطلبة والطالبات عند انتقالهم للمراحل التالية من التعليم؛ ومما قد يؤثر مباشرة على دافعيتهـم نحو التعلم، فيما حصلت (33%) من المدارس على تقديري "ممتاز" و"جيد"؛ بسبب تملك الطلبة مهارات تعلم فاعلة، ساندتها إستراتيجيات تعليم وتعلم ممكنة من قبل المعلمين والمعلمات في المدرسة؛ وهذه النسب بالنسبة للهيئة تشكل قلقاً يتمثل في ضعف المخرجات الأكاديمية، ومن أسبابه المباشرة وجود فجوة في أداء الطلبة ما بين أدوات التقويم الداخلية من اختبارات ومشروعات وغيرها من جهة، ومع نتائج الامتحانات الخارجية من جهة أخرى، "ولقد عـززت الملاحظة الصفية من قبل مراجعي الهيئة وجود تباين بين مستويات الطلبة الحقيقية داخل الدروس، ومستوياتهم في الأعمال الكتابية، ونتائج الاختبارات الداخلية، إضافة إلى افتقار اختبارات هـذه المدارس إلى الدقة في البناء والتصويب". 

ولجهة التعليم والتعلم والتقويم في الشكل (8) كان أداء أغلب المدارس (49%) بمستوى "غير ملائم"، وأعزت ذلك مباشرة إلى عدم قدرة هذه المدارس على الوصول إلى الطلبة، واستثارة دافعيتهم نحو التعلم، وتمكينهم من مهارات التعلم المستقل، فظهرت الدروس فيها بصـورة غير منتجة، وتنقصها مهارات الإدارة الصفية من قبل المعلميـن، في حين اتضح عكس ذلك في المدارس ذات التقديرين: "ممتاز" و"جيد". ولعل أبرز العوامل السلبية المؤثرة في فاعلية إستراتيجيات التعليم والتعلم عامة، حسب التقرير تتمثل في وجود عدد من المعلميـن ممن يْؤِثرون تقديم الدروس بصورة تلقينيه، بحيـث يتمحور الدور الأكبر في العملية التعليمية حولهم عوضاً عن تمحوره حول الطالب؛ مما يزيد من نسبة اتكالية الطلبة على التلقي، ويؤثر في تطور مهارات التعلم لديهم. 

وفيما يتعلق بالقيادة والإدارة والحوكمة في الشكل (10) تبين أن (49%) من المدارس في وضع "غير ملائم" و(19%) "مرضٍ"، فيما حصلت (33%) منها على تقديري: "ممتاز" و"جيد"؛ وتعد نسبة الأداء المتدني تبعاً للتقرير مرتفعة، ولعل أبرز أسبابها يتمثل في عدم استقرار الهيئتين التعليمية والإدارية؛ مما أثر على استمرارية جهود التطوير والتحسين، وكذلك عدم البناء على توصيات تقارير مراجعة الجودة السابقة، وضعف عمليات التمهن. 

أما من حيث القدرة الاستيعابية على التحسن في (62) مدرسة خاصة كما في الشكل (12) سنجد من الناحية التراكمية أن (7) منها فقط في وضع "ممتاز" و(8) "جيد" فيما (24) منها في مستوى "مرضٍ" و(23) "غير ملائم"؛ ما يعني وتبعاً للتقرير إن هذه المدارس (لاحظوا إنها خاصة) تواجه تحديات تتمثل في فاعلية التعليم والتعلم خاصة في المراحل الدراسية المتقدمة، وضعف أساليب التقييم الفاعلة التي تلبي احتياجات الطلبة، وقلة فاعلية الدعم الأكاديمي المقدم لهم، وبذلك ترتفع نسبة المدارس التي وضعها "غير ملائم" لتصل إلى (37%) من هذه المدارس؛ مما يعد نسبة حرجة؛ نظراً لما يثيره هذا الأمر من التساؤل عن مدى قدرة هذه المدارس على التعامل مع التحديات التي تواجهها والتي تشمل ضعف عمليات المتابعة للأداء في المدرسة، والتركيز على الإجراءات دون أثرها على العمليات، وعمومية برامج التطوير المهني، فضلاً عما تواجهه بعضها من قلة الاستثمار في الموارد المادية والبشرية؛ والتي تسبب ضعفاً في قدرتها على استقطاب الكفاءات التعليميـة المناسبة، أو توفير المرافق والموارد التعليمية اللازمة. أما نسبة المدارس الحاصلة على تقديري: "ممتاز" و"جيد"، في قدرتهـا على التحسـن فهي تمثل (11%) و(13%) على التوالي، فقد أظهـرت قدرة فاعلة على التحسـن؛ نظراً لدقة عمليات التقييم الذاتي وفاعلية التخطيط لديها، والتركيـز على برامج رفع الكفاءة المهنية التي تستهدف الاحتياجات التدريبية الفعلية للمعلمين، في حين أن (24 مدرسة بنسبة 39%) وضعها "مرضٍ"، وحصلت (23 مدرسة بنسبة 37%) على تقدير "غير ملائم"؛ ما يعني أن متوسط تقدير النسبتين يمثل (76%) وفي هذا اختلال في قدرة هذه المدارس التي تم مراجعتها على التطوير وتحسين الأداء مما سيترك حتماً أثره على ضعف المخرجات التعليمية. 


خلاصة الأمر، هذه المعضلة لا تقتصر على البحرين، كما لا يمكن التنكر لنتائج العديد من الدراسات حول التعليم في منطقتنا الخليجية والعربية؛ والتي توصلت إلى عدم مواكبة مناهجنا التعليمية لتطوّرات العصر وتقنياته، بل وتخلّفها عن مجاراة التطوّرات النوعية التي يشهدها الحقل التعليمي الدولي ومتابعتها خصوصاً مع تحديات عصر الذكاء الاصطناعي وتطوره، مما يعمّق من الهوة الفاصلة بين التعليم فيها وفي العالم المعاصر، ومن خلال ما تناولناه تبين إن التعليم لايزال يغلب عليه الطابع النظري، وتصميم مناهجه وإعداد كتبه ومواده لايزال يتم بالأساليب التقليدية التي تكرس حفظ المعلومات واسترجاعها في عمليتي التعليم والتقويم، وبالتالي قلة الاهتمام بمهارات تعويد الطلاب وتعليمهم على حل المشكلات ومواجهة المواقف المستجدة وتشجيعهم على المبادرة وتحمل المسؤولية، وهذا الوضع لاشك ينتج ضعف في كفاءة النظام التعليمي وارتفاع مستويات الهدر التي كشفتها بجلاء نتائج مراجعات هيئة الجودة والتدريب. 

صحيح أن المجتمعات الخليجية حتى لا نقول البحرين فقط، تجاوزت النقاش في مقاربة التعليم بعوائق الفقر أو انعدام المساواة ذلك لأن تطور التعليم وتشريعاته بارزة بيد إننا بحاجة إلى رؤية وتحليل أبعد من ذلك في ظل المنافسة والتحديات، وصحيح تحققت إنجازات كمية في مؤشرات التعليم بينتها أرقام قيد الالتحاق بكافة مراحله وتشريعاته، وهناك ضخ للموازنات وإن كانت تحتاج إلى مساءلة وتخطيط، إلا إن هناك ما يشيء عن فجوة عميقة بين الخطاب التربوي الإعلامي الذي يتحدث عن إنجازات تعليمية نوعية استعراضية، وبين ما تحقق فعلياً على أرض الواقع خصوصاً مع حجم الإنفاق على التعليم ومخرجاته التي لا تتناسب ومتطلبات الإصلاح وسوق العمل ناهيك عن الرؤية الاستراتيجية بمداها الواسع أو جانبها الجزئي، بل وهناك إصرار على الاستمرار في توجهات العملية التعليمية التقليدية، والخلل هنا لا يكمن في جوهرها فقط؛ وإنما في التعاطي مع المفاهيم التربوية والإدارية المعاصرة وفي اصلاح التعليم وعلاقته بالاقتصاد وتلبية حاجات المجتمع. 

المصادر:

(1) بوابة البحرين؛ https://www.bahrain.bh/wps/portal/ar/BNP/HomeNationalPo

(2) أنظر الموقع الإلكتروني للبنك الدولي؛ https://data.albankaldawli.org/indicator/SE.XPD.TOTL.GD.ZS?locations=BH

(3) اليونسكو، معدل الإنفاق العام على التعليم من إجمالي الناتج المحلي في البحرين 2005-2020، أنظر https://data.albankaldawli.org/indicator/SE.XPD.TOTL.GD.ZS?locations=BH

(4) نصر عبد الكريم، الانفاق الحكومي على التعليم العام في العالم العربي، ورقة عمل (المؤتمر الاقتصادي الاول: الاقتصاد الاردني في عالم متغير بتنظيم من الجمعية الاردنية للبحث العلمي)، عمان/الاردن 15-16/4/2013.

(5) هيئة جودة التعليم والتدريب، التقرير السنوي 2020، ص 18، أنظر: التقرير السنوي 2020هيئة الجودة.pdf

 

المنامة – 5 يوليو 2023

الاثنين، 5 يونيو 2023

الفقر في البحرين: حين تتحدث الأرقام

 

منى عباس فضل

 في متن كتابه "مخاطر العولمة: كيف يصبح الأثرياء أكثر ثراءً، والفقراء أكثر فقراً" كتب روبرت إسحاق:

 -   أن تكون فقيراً يعني حرمانك من الفرص الكافية للحصول على الغذاء والشراب والعمل ومن الوصول إلى العناية الطبية في حالة المرض، ومن الحصول على النظافة الأساسية ومن الشعور بالأمان خصوصاً الأمان المالي؛ مضيفاً؛ الفقر ليس خياراً وهو يفرض قيوداً على الإدراك وعلى رؤية منكمشة لما يمكن أن يكون عليه المرء.

 

من الواضح إن المؤلف يميل في مقاربته إلى مفهوم الفقر الذي يُحدد بالنقص الحاد في الموارد مقابل حاجات الفرد الأساسية، بمعنى تدنى مستوى المعيشة وانخفاض استهلاك الغذاء وتدنى المستوى التعليمي والوضع الصحي والحرمان من السكن ومن توفر وامتلاك السلع والبطالة وأشياء كثيرة؛ بيد إن الدراسات بينت أن خطوط الفقر تختلف أختلافاً كبيراً بين الدول، وإن الدول الغنية لا تنكر وجوده وتستخدم معايير أكثر سخاء من الدول الفقيرة، ويُعتمد فيها مقاربات وأساليب متعددة لقياس الفقر ومؤشراته؛ كمقياس المنافع والمساعدات، وقياس حصة الفرد من السعرات أو البروتين التي يؤخذ عليها كنظرية إغفال متطلبات الفرد الأساسية في الصحة والتعليم، وقد برز حديثاً مؤشر الفقر المتعدد الجوانب الذي أطلقته "جامعة أكسفورد" لقياس مستويات الفقر والمساعدة في وضع برامج إنمائية تستهدف الفئات التي تعاني منه، وهو يعتمد عوامل متعددة على مستوى الأسرة، كالتعليم والصحة والممتلكات والخدمات الأساسية كالكهرباء والصرف الصحي وغيرها مما ينظر إليها بصورة متكاملة.

 مؤخراً أطلقت "الأسكوا" إصدارها حول الفقر في بلدان مجلس التعاون الخليجي؛ وذكرت فيه حقائق صادمة، مشيرة "إلى أن ازدهار اقتصاد المنطقة خلق انطباعاً بأن معدلات الفقر فيها منخفضة أو لا وجود لها"، لم لا والكل يعتقد أن أهل الخليج يعيشون في رخاء وبحبوحة عيش بعيداً عن الفقر والعوز والمعاناة، وفي حقيقة الأمر هذا ما درجت على تسويغه التقارير الرسمية التي تعد سنوياً لأغراض المؤتمرات الدولية والسياسة. والمهم في التقرير، التنويه "إلى إنه وعلى مدى عقود، اعتمدت اقتصاديات المنطقة على ثرواتها الطبيعية التي مؤلت الإيرادات الحكومية والدخل القومي وارتفاع الإنفاق الحكومي، مما انعكس على ارتفاع نصيب الفرد من الإيرادات وإعانات الحكومة، إلى جانب معدلات الضرائب المنخفضة والعمالة الواسعة في القطاع العام..إلخ"؛ لكن التقرير من جهة أخرى شدد إلى إنه لم يُبذل سوى القليل من الجهد في التحقيق بمدى انتشار الفقر وعمقه، حتى إنه لم يتم تحديد خطوط له تحدد معدلاته وفقاً للتعاريف الوطنية؛ وهنا نتفق مع هذه الخلاصة خصوصاً عندما نناقش وضع البحرين لاحقاً.

 استندت "الأسكوا" في تحديد خطوط الفقر الخليجي على "مقياس دخل الأسرة والإنفاق الاستهلاكي"، على الرغم من وجود معارضين لهذا المقياس يرون؛ أنه لا يعكس صورة واقعية وحقيقية عن مستوى حرمان الأسرة ذات المداخيل المتدنية مؤكدين أن إحصاءات الدخل لابدّ وأن يعززها الانطباعات الذاتية للفقراء وأساليب فهمهم لحالتهم الاجتماعية، بل أن هناك من يجد صعوبة في تحديد الدخل الذي يمثل حداً فاصلاً بين الأسرة الفقيرة وغير الفقيرة، باعتبار إن تحديد حد أدنى لدخل الأسرة هو تعريف ذو طابع اجتماعي متغير بحسب ثقافة المجتمع والفترة التاريخية التي يمر فيها، إضافة إلى إن وضع الأسرة في المجتمع الواحد متباين من حيث حجمها وتركيبتها وفقاً للعمر والجنس وتغير مستوى المعيشة الذي لا يتطابق مع تغير مستوى دخل الأسرة، وبالتالي فإنه لا يعطي إلا صورة جزئية عن ظاهرة الفقر؛ ومع ذلك حسناً أن نشرت "الأسكوا" نتائج ما توصلت إليه، لماذا؟.

فقر البحرين

على المستوى البحريني، غالباً ما يُحاجج حول وجود الفقر من عدمه، وحيث يصعب الأخذ بمفهوم الفقر المطلق الذي يحدد خطه قياساً على مدى توفر الحاجات الضرورية للفرد، وهذه نسبية، خصوصاً وبعض الاقتصاديين يجدونه نسبي ويمكن قياسه على أساس نسب معينة من مقياس الرفاه "كالدخل الوسيط"، ولهذا فأن ما خلص إليه تقرير "الأسكوا" بوجود فجوات كبيرة في الإنفاق وتكلفة المعيشة لكل أسرة بين بلدان مجلس التعاون الخليجي، يعكس وجه من أوجه عدم المساواة، فقد ذكر بإن البحرين تحتل المرتبة الثالثة بنسبة فقراء تبلغ (7.5%) عام 2022 مقارنة ب(6.8) عام 2010، وفي هذا تأكيد على وجود فقر وفقراء لمن ينكرون ذلك، وأن تقديرات "الأسكوا" لمتوسط الإنفاق الشهري للأسرة البحرينية يبلغ (1,548د.ب) فيما خط الفقر الشهري المقدر لها يمثل (490د.ب)، مضيفاً بأن معدل فقر الدخل لدى المواطنين في بلدان مجلس التعاون الخليجي قد انخفض منذ عام 2010، باستثناء الكويت والبحرين التي زاد فيها على نحو طفيف. هنا يحذر البعض من فخ البيانات الإحصائية بشأن تراجع معدلات الفقر؛ ليس في هذا التقرير فقط وإنما في التقارير الوطنية والدولية أيضاً، حيث يشكل الفقر ظاهرة مركبة اقتصادية، اجتماعية، سياسية، نفسية، وثقافية؛ وغالباً ما يُخضع في دراستها وتحديدها لاعتبارات الوضع السياسي وما يحدده من مؤشرات بما لا تعبر عن حقيقة الفقر وتنوعه.

 وعودة إلى كتاب "روبرت إسحاق"؛ فقد حدد عدة مصادر للفقر؛ أبرزها يتمثل في عدم المساواة في المداخيل فيقول: "إن عدم المساواة سببه الارتفاع الشديد في مداخيل الأثرياء، وهو ما يسبب فجوة كبيرة بالمداخيل بين الأغنياء والفقراء"، أما في تقرير "الأسكوا"  فتم التركيز على عاملين أساسيين يساهمان في معدلات الفقر؛ هما مستوى الدخل أو الإنفاق وتوزيعه بين السكان، ويوضح بأن هناك عدم مساواة في توزيع الإنفاق بين بلدان التعاون الخليجي، ففي البحرين مثلاً يقل إنفاق أفقر (10%) من الأسر المعيشية بمقدار (10) أضعاف مقارنة بإنفاق أغنى (10%) من الأسر.

 

مؤشرات الأسكوا

عند مقاربة مؤشرات "الأسكوا" وما كشفته إحصاءات الدخل الشهري للبحرينيين العاملين من الجنسين لعام 2022 كما في الجدول والشكل التالي؛ سنجد أن أعلى نسبة منهم بعدد (45,160) ونسبة (46%) لا تتجاوز مداخيلهم الـ(500 د.ب) وهم نسبة كبيرة يتطابق وضعها وخط الفقر الشهري الذي قدرته الأسكوا للأسرة البحرينية، اللافت أن أقلهم دخلاً هن النساء اللاتي يمثلن نسبة (36%) مقارنة بالرجال الذين يمثلون نسبة (64%).

 أما أصحاب المداخيل الشهرية التي تتراوح بين (100-300 د.ب) فنسبتهم تمثل (11%) أغلبهم نساء بنسبة (56%) مقارنة بالرجال (44%) ونجد هؤلاء في وضع متدنٍ مقارنة بخط الفقر المقدر من "الأسكوا"، فيما تتناقص أعداد من يتمتعون بمداخيل تتناسب ومستوى إنفاقهم الشهري الذي حددته "الأسكوا" للبحرين بمبلغ (1548د.ب) حيث يبلغ عدد من يتقاضون دخلاً من (500-880 د.ب) بلغوا (17,102) فقط وأقلهم النساء بنسبة (36%) مقارنة بالرجال (64%)، وهناك (13,487) فرداً يتقاضون (800-1000د.ب) شهرياً أغلبهم رجال بنسبة (72%) مقابل (28%) نساء، فيما يقل العدد الإجمالي إلى (11,385) فرداً فقط ممن يتقاضون دخلاً شهرياً (1,500 د.ب فما فوق) وأغلبهم رجال بنسبة (78%) وأقلهم نساء بنسبة (22%).   

لامساواة بالمظلة الحمائية  

وماذا عن أوضاع المتقاعدين المعيشية من حيث المداخيل؟

تكشف إحصاءات هيئة التأمينات الاجتماعية لمن يعتاشون على مرتباتهم التقاعدية من القطاعين العام والخاص إنهم بلغوا (76,685) من الجنسين وبمتوسط معاش تقاعدي (789 د.ب) وتصل نسبة النساء منهم (36%) فقط، فيما يتبين أن الوسيط للمعاشات الشهرية لهذه الفئة في القطاع الخاص بلغ (413 د.ب)، ماذا يعني هذا؟

 يعني أنه مؤشر لدخل أدنى من خط الفقر الشهري الذي قدرته "الأسكوا" للأسرة البحرينية ومستوى انفاقها شهرياً حتى مع افتراض أن الزوجين يعملان وينفقان معاً على الأسرة، مع ملاحظة أن أغلب أصحاب المعاشات التقاعدية هم من القطاع الخاص الذي يتسم بتدنِ المداخيل التقاعدية مقارنة بالقطاع العام، وهناك ما مجموعه (22,702) فرداً من المستحقين من "الأرامل واليتامي وآخرين" للمعاشات التقاعدية ممن تقل مرتباتهم الشهرية عن (359 د.ب) في القطاع العام و(279 د.ب) في القطاع الخاص، وهؤلاء أيضا يقعون في مستوى تحت خط الفقر المحدد "للأسكوا".

 وقس على ذلك فيما ذكره مؤخراً الدكتور حسن العالي في مداخلة له بأن "إجمالي عدد البحرينيين من (سن 15 فما فوق) يمثلون (496 ألف) منهم (245 ألف) نساء و(95 ألف) منهن يعملن وإن (70 ألف) منهن يعملن بأجر، ومؤمن على (58 ألف) منهن فقط، أما (12 ألف من هؤلاء ممن يمثلن نسبة 17%) هن من العاملات بأجر وغير مؤمن عليهن؛ وبالتالي يمكن تصنيفهن ضمن خانة العمل غير النظامي"، أي بمداخيل متدنية وغير ثابتة وشحيحه، وهناك "(14 ألف) يعملن لحسابهن الخاص مؤمن على (554 منهن فقط) و(7 آلاف) بتصنيف صاحبات عمل والعاملات لحسابهن الخاص المؤمن عليهن بعدد (1855) فقط ويتضح أن غالبيتهن غير مؤمن عليهن، فيما بلغت ربات البيوت (78 ألف) ربة بيت و(9 آلاف) عاطلة عن العمل، مقارنة بعدد من العاطلين (3 آلاف)، والفئات الأخيرة بالطبع دون مداخيل شهرية، ما يعني افتقاده لأي مظلة اجتماعية حمائية توفر لها الاستقرار المادي. 

 

إلى هنا مظاهر الفقر في البحرين تفقع العيون ودلالتها تكمن في المؤشرات الرقمية التي عرضت أعلاه وبحاجة إلى تمحيص ورؤية نقدية وجدية في النظر إلى واقع هذه المعضلة لاسيما مع تقلص مستوى المساعدات الاجتماعية وخفض الرسوم والفشل في تنفيذ سياسة بحرنة الوظائف وخفض نسب البطالة، وعدم المساواة بين المواطنين في ميزات مظلة الحماية الاجتماعية، لاسيما الذين يعملون في العمل غير المنظم، ولا يمكن لبعضهم امتلاك البيوت والسكن بسبب هشاشة "مداخيلهم" وعدم قدرتهم على تسديد إيجارات المساكن والتخلف في دفع أقساطها أو أقساط القروض المصرفية والسيارات وفواتير الكهرباء وتأمين المواصلات، وبرغم إن التعليم إلزامي هو والرعاية الصحية حيث يقدمان بالمجان أو شبه المجان، إلا إن تدني مستويات الخدمة الصحية والمخرجات التعليمية وجودتها باتت تستهلك مداخيل المواطن البحريني وتؤثر على مستوى معيشته باللجوء إلى خدمات الطب والتعليم الخاص، في ظل ارتفاع مطرد للأسعار وتدني الأجور وتزايد الاقتراض الاستهلاكي لسد الاحتياجات.

وعليه تبقى الخيارات مفتوحة ومتاحة لمن بيدهم قرار الحد من الفقر والقضاء عليه، سواء باعتماد نظام ضريبي عادل ومنصف يخفف من آثار القيمة المضافة عبر الإعفاءات المستهدفة للأغذية والأدوية الأساسية، ويفرض الضرائب على أرباح الشركات والمؤسسات والتحويلات المالية للأجانب، فضلاً عن زيادة كفاءة الإنفاق العام وإصلاح الدعم وتنويع النمو والمساعدة في التوظيف استناداً إلى الكفاءة والأحقية والحد من الفوارق الاجتماعية.  

بيروت - 5 يونيو 2023 

الخميس، 11 مايو 2023

خطاب النواب يدغدغ مشاعر "منتسبي خطوة"

منى عباس فضل

 دعت جمعية نهضة فتاة البحرين مؤخراً إلى لقاءٍ عُقد بين متضرري قرار "هيئة التأمينات الاجتماعية" من منتسبي "برنامج خطوة للمشاريع المنزلية" وبين مجموعة من نواب ونائبات من مجلس النواب في مقرها بالعاصمة المنامة؛ وذلك على خلفية السجالات الدائرة في الساحة المحلية بشأن قضيتهم، وكبادرة منها لكونها تنفذ دراسة بحثية تتعلق بمد الحماية التأمينية للقطاع غير المنظم الذي تنتمي إليه هذه الشريحة وحاجتها إلى استجاباتهم لإنجاز المسح الميداني للدراسة؛ خصوصاً ووزارة التنمية الاجتماعية صاحبة "برنامج خطوة" لم تتعاون معهم للتواصل مع المنتسبين للمشاركة في الاستبيان.  

 ولأن المتضررين من البرنامج احتشدوا مرات عديدة مؤخراً ولازالوا أمام مبنى التأمينات الاجتماعية قائلين للمسؤولين: "ننشد حلاً ينصفنا، فالكثير منا بلا رواتب، وأصبحنا بلا مصدر رزق، ونحن نتعشم خيراً في إنهاء معاناتنا"، وكذلك أثناء انعقاد إحدى جلسات مجلس النواب؛ وناشدوهم من أمام مبناهم لتحمل مسؤوليتهم ومستوجبتاهم لإيجاد حل لمعضلتهم المستعصية التي لا تزال أبواب الحلول مسدودة أمامها.

 في ذلك اللقاء العاصف، حرص ثمانٍ من النواب والنائبات على الحضور فيما سُجل غياباً ملحوظاً كالعادة لأي ممثل رسمي عن الجهات المعنية حيث صار هذا التوجه أمراً معتاداً، فيما تكفلت الجمعية بإدارة المناقشات والاستماع إلى المتضررين في ظل حضور كثيف ولافت منهم ومن ناشطي مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسهم الاتحاد النسائي البحريني والاتحاد العام لنقابات عمال البحرين.  

 سعت الجمعية في الأساس إلى التعرف على مستجدات أوضاع هذه الشريحة والصعوبات التي تمر بها وما تعاني منه بسبب قرارات تتعلق بتسجيلهم وقبولهم في "برنامج خطوة" وبالتعقيدات التي أدت إلى توقف "الهيئة" عن استكمال إنهاء إجراءاتهم للتقاعد الاجتماعي؛ حيث تبين أن مشكلتهم لاتزال قيد الدراسة فيما يعم الموقف الالتباس والسجال بشأن الشروط التي تؤهلهم في الحصول على استحقاقهم للتأمين التقاعدي كما كانوا يتوقعون؛ فهم لا يعلمون إلى ما ستؤول إليهم أوضاعهم المستقبلية على الرغم من استكمالهم كافة الشروط المطلوبة.

 في السياق استمع الحضور إلى شهادات حية كشفت عن حجم المعاناة التي تتمثل بتدني المداخيل وسوء الظروف التي يعملون فيها وعدم استقرارها ورغبتهم الشديدة بتحسين أوضاعهم المعيشية وبتأمين حصولهم على معاش تقاعدي يوفر لهم الكرامة والأمان الاجتماعي، اشتكى أغلبهم من بيروقراطية إجراءات الانتساب إلى "مشروع خطوة" التي تمكنهم من شراء المدد المتبقية عليهم للحصول على معاش تقاعدي. وبعيداً عن التعاطي التقليدي في تحليل هذه المعضلة وما آلت إليه أوضاعهم من سوء وتعقيد؛ لابد من التركيز والسؤال عن أصل المشكلة ومنبع القضية في شبكة تفاعلاتها.

 

لا عدالة اجتماعية

في خضم الحدث وتداعياته، يقف المتابع مشدوهاً مستفزاً أمام وضع شائك يمس حياة المواطن وكرامته وأمنه واستقراره المعيشي، في اللقاء هناك شكوى بمرارة من بطالة المواطنين حيث لا تزال وزارة العمل تصر على إن نسبتها لا تتجاوز الـ"7%" وبأنها مقبولة عالمياً؛ وهي تسهب الشرح عن إنجازاتها للقضاء عليها فيما يكشف الواقع بأنها باتت قنبلة موقوتة وحالة مريضة في ظل أفضليات فرص العمل التي يتمتع بها الأجانب على حساب المواطنين. أما شكاوى الإحالة إلى التقاعد المبكر خوفاً من مصير مجهول يمس قوانين صندوق التقاعد فحدث ولا حرج فقد باتت غير مأمونة ويصعب التكهن بها، لم لا وقد قُضم الحق المكتسب للمتقاعدين في زيادتهم السنوية الـ(3%)، اليوم تأتي المشكلة الأعمق لقضية منتسبي "برنامج خطوة" لتزيد الطين بلة.

 أحد المتضررين يشتكي الحال: "الموضوع بسيط جداً، هناك خطأ من الحكومة، وهي التي وضعت يدها في جيبنا، هناك من أخطأ من "منتسبي خطوة"، لكن هذا لا يجب تعميمه على الجميع. وضعنا حالة ميؤس منها، أمورنا الحياتية تعبانة منذ أكثر من ثلاثة شهور، لم نعش رمضان ولا العيد، أين نذهب لنطالب بحقوقنا، المسؤولين والحكومة والنواب إطالعون ويعلمون بحالنا، وضعنا تعبان، الناس تعاني، لدينا أدلتنا.."؛ قال آخر: "الناس كلها تعاني، يمكنكم معرفة ذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، نصف الشعب عاطل والنصف الآخر يسعى إلى التقاعد، منذ كم سنة؛ ندور عن عمل ومن كل مكان ندور وظيفة، يقال لك: أنت مو مناسب، ابحث عن وظيفة أخرى، دخلنا البحر، قيل لنا؛ أنت مب بحار، دخلنا تجارة، قيل لنا روحوا الزراعة، نريد وظائف محترمة للبحرينيين، وكل شركة ندخلها، الأجانب هم من يتولون أمرها..".

 ومن بين الشكاوى تجد أن منهم من باع سياراته أو لجأ إلى الاقتراض لشراء سنوات الخدمة، ومنهم من قدم استقالته من عمله تجشماً في الحصول على راتب تقاعدي أفضل مما يتقاضاه بعد الانتساب إلى "مشروع خطوة"، ومنهم من اشتكى الحال: "لا يمكننا شراء بيت ولا الحصول على قرض لشراء سيارة وليس لدينا إجازات عمل ولا راحة فنحن نعمل منذ الصباح وحتى المساء.."، نعم هذا حال كل من يعمل في "القطاع غير المنظم" الذي لا يحكمه قانون محدد ومستثنى من أي مظلة للحماية الاجتماعية؛ نعم هذه هي القضية المركزية.

 

ممثلي الشعب ولكن؟!

على الرغم من اعتراف الجميع بأحقية هذه الفئة المهمشة من ذوي المداخيل المتدنية ومظلوميتها؛ إلا إن مشكلتها لا تزال دون حل وعلى ما هي عليه، وهي تمثل تحدياً كبيراً ومحرجاً للحكومة ولمجلس النواب ومصداقيته خصوصاً مع ما يبث عبر أعضائه من وعود بالعمل على إيجاد حل ناجع لمشكلتهم ومعاناتهم، والأهم بمدى قدرتهم على استخدام الأدوات الدستورية من سؤال إلى لجنة التحقيق إلى الاستجواب. فهل فعلاً يستطيع النواب فعل ذلك؟!

 في حقيقة الأمر؛ حوارات المتضررين مع النواب في هذا اللقاء كشفت أمور مهمة؛ كضعف وهزالة الآليات المؤسساتية ونوعية إدارتها وبما تتسم به من مركزية مفرطة مبالغ فيها في اتخاذ القرار الذي لم يتمكن أصحابه حتى اللحظة من حل المشكلة وإنهاء المعاناة، إلى جانب حالة التفخيم التي تقدم بها المبادرات والمشاريع كما هو الحال في "مشروع خطوة"، وكذلك عن الترفع والتعالي؛ حيث يغيب المسؤولين المعنيين بهذه القضية عن المشهد العام وعن تواصلهم مع المتضررين والاستماع إلى شكواهم، الأهم ما سوف تكشفه قادم الأيام في تعاطي البرلمان والجهات المعنية مع هذه القضية الحقوقية الإنسانية الحساسة.

 

تلاعب في الإفادة

من جهتها استنكرت النائبة زينب عبدالأمير تصريحات التأمينات بأن هناك تلاعب من بعض العائلات؛ وتكذيب لعدد من المنتسبين، وقالت: "إذا كان هناك بعض من تلاعب؛ فلا يجوز اتهام أكثر من (300) أسرة بالتلاعب، المفترض محاسبة من قام بختم الورقة التي حدث عليها التلاعب، لماذا لا تحاسب وزارة التنمية ووزيرها؟ لماذا لا يحاسب على منحه أسر معينة أوراق فيها تلاعب إن صح التعبير، وهذه الحالات إن وجدت فهي قليلة. إن شهادة القيد التي يطلبونها "تظلمكم" ولأنها تجدد سنوياً، ويجب اعتماد تاريخ الإفادة.. يجب أن نشير إلى الفساد في وزارة التنمية، وإذا فيه أي جهة يجب أن تحاسب فهي وزارة التنمية لأنها هي من وقعت على الإفادة التي تم التلاعب فيها وأعطيت لبعض الأسر التي خربت عليكم".

 وتضيف في سياق المناقشات: "لن نعمل بيان صحفي، لن نطلع خبر نستنكر فيه أو نغرد..؛ نحن لدينا أدوات دستورية منها لجان التحقيق، نعالج الموضوع من خلالها، وإذا فيه جهة حكومية تتهم جهة حكومية بالتلاعب فأن هذا يستدعي تحقيق عاجل، ثم استجواب للجهة المعنية إذا ثبت وجود تلاعب في مصائر الأسر والشعب فهذا مرفوض ولازم يتحاسب الشخص الذي منح وتلاعب في الإفادات وحرم (300) أسرة من تقاعدها وراح نعمل لجنة تحقيق ندرس فيها كل طلب مع التأمينات والتنمية ونقدم الشخص المعني بالتلاعب إلى العدالة، إلى لجنة التحقيق وإلى ديوان الرقابة المالية والإدارية لوضع اليد على الموضوع، صوتكم وصل إلى رئيس الوزراء أحب أطمئنكم، وحراككم أثمر بنتيجة، والدليل هو أن التأمينات أصدرت تصريح فيه تمويه ومراوغة ومماطلة، لكنها ذكرت بأنها بانتظار المستندات.. وكل ما أنتم فيه سببه أداة دستورية ضربتكم وهي مشروع التقاعد الجديد والحل هو في "لجنة تحقيق عاجلة".

 كما أشارت النائبة إيمان شويطر إلى إنها قابلت مسؤولة التأمينات الاجتماعية بناءً على طلب المتضررين، وعرفت منها أسباب المشكلة؛ بأن الإفادة جاءت بالخطأ من التنمية، وإن الهيئة أكدوا لها بأنهم يعتمدون رقم القيد وإن الإفادة ليس لها معنى ولا تبين رقم القيد، وإن الإفادة تعني مشاركتكم في المشروع الإنتاجي فقط. وأضافت بأن مسؤولة الهيئة تواصلت مع المسؤولة في وزارة التنمية وأفادتها بعدم إصدار (إعطاء) أي إفادة ووضحت لها الخلل مؤكدة إلى شويطر بأنهم يدرسون ملف (370) حالة كل على حد، أما النائبة باسمة المبارك قالت: "الخطأ من جهة وزارة التنمية، ومن طرف معين، ويجب محاسبته وهذا حق دستوري، وعدد المتضررين ليس كبير ولن يهز ميزانية الدولة.. إلخ".

بدورها ذكرت النائبة جليلة علوي: "كلمت إيمان المرباطي التي ذكرت لي: إن الخطأ كله بسبب وزارة التنمية، ولكن لا يمكنني تخطئة الوزارة.! وتساءلت: هذا الخطأ يطب على رأس من؟ مضيفة أن هناك بعض الحالات التي تلاعبت "بالرقم الشخصي مقارنة بتاريخ البدء بالمشروع"، ولكن هذا لا يعمم على الجميع، ويجب فصل هذه الحالات عن الحالات المتضررة..". وأضاف نائب آخر: "أن سبب المشكلة هو موضوع التقاعد الجديد وهذا خلل كبير، وهو نتيجة للقرارات غير المدروسة، ولابد للحكومة أن تتحمل مسؤوليتها، لابد أن يكون لدينا إحصاءات واضحة للأعداد، ونعمل في دائرة واحدة وبشكل منظم، نحتوي الموضوع.. إلخ". فيما شاركت النائبة حنان الفردان بدلوها قائلة: "حراك مقدر، ونحن كنواب نشكل ضغط، بخبر صحفي، باستخدام أداة من أدواتنا "بتقديم سؤال إلى الهيئة" وبانتظار إجابتها، هذا الخطأ اليوم لا يغتفر مهما كانت الجهة، والهيئة تكيل بمكيالين هناك من يوافق عليهم وهناك من يرفض طلبهم، وهذا لا يجوز".  

 انتهى اللقاء الى تشكيل لجنة مكونة من منتسبي خطوة وبالتنسيق مع جمعية النهضة تم استلام ملفات المسجلين المتعثرة طلباتهم لدى برنامج خطوة للمشاريع المنزلية، وهي تحتوي على كافة المستندات المطلوبة لدعم الطلبات المتوقفة من الهيئة للحصول على حقهم في الانضمام للتأمين الاجتماعي، أعقبها لقاء آخر رسمي بمقر الجمعية حضره مجموعة من النواب والنائبات وتسلموا ملفات لـ(285) من المتضررين مقرونة بوعودهم المتكررة على دعمهم لهذا المطلب واستمرار تعاونهم ومتابعتهم له.

 

إدارة الفوضى

إلى هنا يستوجب تحليل المشكلة وتأطيرها من منظور الثغرات والنواقص التي تعاني منها التشريعات والقوانين الوطنية التي تمييز بين فئات المواطنين كما تنتقص من حقوقهم في المواطنة من حيث توفر فرص العمل والحماية الاجتماعية والاستقرار النفسي من خلال ضمان الحقوق والمكتسبات، كما يتطلب تفكيكها للتعرف على مظاهر الفساد وسوء التخطيط المؤسساتي ومساءلته؛ ومقاربة الإشكالية من حيث اقترانها ببريق خطاب يمارسه النواب بإطلاق وعود معلقة في الهواء؛ هي في باطنها وعود رسمية والكل يدرك أن الأمر سينتهي بقرار فوقي، فما يحدث هو جزء لا يتجزأ من استراتيجية إدراة الفوضى والحالة اللزجة التي نعاني منها بهدف بلورة شعور عام بالرضا من الأداء البرلماني الهزيل.

 إننا أمام خطاب ناعم لافت يدغدغ المشاعر بتودده الشديد لهؤلاء المتضررين المهمشين رغم الضربات التي يتلقونها تباعاً وهم في حالة غضب واستنكار لما آلت إليه أوضاعهم، أمام تنافس على الظهور الإعلامي للنواب وكمن يمسك خيوط اللعبة السياسية ويقودها، يحرصون على التأكيد بأن سبب المشكلة تكمن في قانون التأمين الاجتماعي الجديد وإنهم يقدرون حجم معاناة المتضررين ويدغدغون مشاعرهم بعدم التخلي عنهم وعن قضيتهم مؤكدين لهم بأنهم يتواصلون مع هيئة التأمينات التي وعدتهم بدراسة أوضاعهم كل على حدا. وماذا أيضا؟ تنوه النائبة جليلة: بأن النواب استخدموا كل الأدوات الدستورية، حيث قدمت النائبة حنان الفردان سؤالاً، فيما قدمت مجموعة من النواب وأنا معهم مقترحاً عاجلاً، وهناك لجنة تحقيق راح تصير، فيه استجواب وافيه مناقشة عامة...استخدمت علشانكم...".

 إنه الخطاب الموشى بأقوال ووعود رئيس مجلس النواب ومن هم في قمة هرم اتخاذ القرار، حالة تعكس واقع الهوة الواسعة بين هذا الخطاب وبين التدابير والشعارات التي تطلق كجزء من كسب تعاطف الناس وطمأنتهم كي يتعاونوا مع النواب، ولكن وحتى اللحظة تنتهي الوعود إلى غموض إلى لا شيء ولا تجد ترجمتها في حفظ كرامة هذه الفئة بمنحها حقوقها في المواطنة.

 يبقى إن موقف "هيئة التأمينات الاجتماعية" يقوض الحقوق الإنسانية "لمنتسبي برنامج خطوة"، كما إن راعي هذا البرنامج وهو "وزارة التنمية الاجتماعية" في وضع المساءلة عن حالة الالتباس التي وضع فيها المنتسبين وما آلت إليه أوضاعهم، فيما تواجه السلطة التشريعية مستوجباتها تجاه ثغرات التشريع الذي لا يوفر مظلة حماية لفئة العاملين في "القطاع غير المنظم" الآخذ في التمدد والاتساع، كما يواجه النواب تحدياً في مصداقية استخدامهم للأدوات الدستورية التي يكررونها على مسامع العامة، خصوصاً وهي ناقصة منتوفة ويشوبها الخلل.

 خلاصة الأمر، إن الحقوق هي تعبير قانوني لما يحتاج إليه المواطن كي يعيش حياة إنسانية كاملة وشاملة وبكرامة، وهي مترابطة ومتشابكة غير قابلة للتجزئة، إنها تمثل تحد تنموي لمن يضع الخطط والبرامج ويقود الإصلاح والتطوير، والحقيقة أن أي فجوة وخلل يمس تلك الحقوق يعني بالمحصلة النهائية أن هناك انتهاك لها ولأصحابها ومجالاتها.

 المنامة – 11 مايو 2023