الاثنين، 5 يونيو 2023

الفقر في البحرين: حين تتحدث الأرقام

 

منى عباس فضل

 في متن كتابه "مخاطر العولمة: كيف يصبح الأثرياء أكثر ثراءً، والفقراء أكثر فقراً" كتب روبرت إسحاق:

 -   أن تكون فقيراً يعني حرمانك من الفرص الكافية للحصول على الغذاء والشراب والعمل ومن الوصول إلى العناية الطبية في حالة المرض، ومن الحصول على النظافة الأساسية ومن الشعور بالأمان خصوصاً الأمان المالي؛ مضيفاً؛ الفقر ليس خياراً وهو يفرض قيوداً على الإدراك وعلى رؤية منكمشة لما يمكن أن يكون عليه المرء.

 

من الواضح إن المؤلف يميل في مقاربته إلى مفهوم الفقر الذي يُحدد بالنقص الحاد في الموارد مقابل حاجات الفرد الأساسية، بمعنى تدنى مستوى المعيشة وانخفاض استهلاك الغذاء وتدنى المستوى التعليمي والوضع الصحي والحرمان من السكن ومن توفر وامتلاك السلع والبطالة وأشياء كثيرة؛ بيد إن الدراسات بينت أن خطوط الفقر تختلف أختلافاً كبيراً بين الدول، وإن الدول الغنية لا تنكر وجوده وتستخدم معايير أكثر سخاء من الدول الفقيرة، ويُعتمد فيها مقاربات وأساليب متعددة لقياس الفقر ومؤشراته؛ كمقياس المنافع والمساعدات، وقياس حصة الفرد من السعرات أو البروتين التي يؤخذ عليها كنظرية إغفال متطلبات الفرد الأساسية في الصحة والتعليم، وقد برز حديثاً مؤشر الفقر المتعدد الجوانب الذي أطلقته "جامعة أكسفورد" لقياس مستويات الفقر والمساعدة في وضع برامج إنمائية تستهدف الفئات التي تعاني منه، وهو يعتمد عوامل متعددة على مستوى الأسرة، كالتعليم والصحة والممتلكات والخدمات الأساسية كالكهرباء والصرف الصحي وغيرها مما ينظر إليها بصورة متكاملة.

 مؤخراً أطلقت "الأسكوا" إصدارها حول الفقر في بلدان مجلس التعاون الخليجي؛ وذكرت فيه حقائق صادمة، مشيرة "إلى أن ازدهار اقتصاد المنطقة خلق انطباعاً بأن معدلات الفقر فيها منخفضة أو لا وجود لها"، لم لا والكل يعتقد أن أهل الخليج يعيشون في رخاء وبحبوحة عيش بعيداً عن الفقر والعوز والمعاناة، وفي حقيقة الأمر هذا ما درجت على تسويغه التقارير الرسمية التي تعد سنوياً لأغراض المؤتمرات الدولية والسياسة. والمهم في التقرير، التنويه "إلى إنه وعلى مدى عقود، اعتمدت اقتصاديات المنطقة على ثرواتها الطبيعية التي مؤلت الإيرادات الحكومية والدخل القومي وارتفاع الإنفاق الحكومي، مما انعكس على ارتفاع نصيب الفرد من الإيرادات وإعانات الحكومة، إلى جانب معدلات الضرائب المنخفضة والعمالة الواسعة في القطاع العام..إلخ"؛ لكن التقرير من جهة أخرى شدد إلى إنه لم يُبذل سوى القليل من الجهد في التحقيق بمدى انتشار الفقر وعمقه، حتى إنه لم يتم تحديد خطوط له تحدد معدلاته وفقاً للتعاريف الوطنية؛ وهنا نتفق مع هذه الخلاصة خصوصاً عندما نناقش وضع البحرين لاحقاً.

 استندت "الأسكوا" في تحديد خطوط الفقر الخليجي على "مقياس دخل الأسرة والإنفاق الاستهلاكي"، على الرغم من وجود معارضين لهذا المقياس يرون؛ أنه لا يعكس صورة واقعية وحقيقية عن مستوى حرمان الأسرة ذات المداخيل المتدنية مؤكدين أن إحصاءات الدخل لابدّ وأن يعززها الانطباعات الذاتية للفقراء وأساليب فهمهم لحالتهم الاجتماعية، بل أن هناك من يجد صعوبة في تحديد الدخل الذي يمثل حداً فاصلاً بين الأسرة الفقيرة وغير الفقيرة، باعتبار إن تحديد حد أدنى لدخل الأسرة هو تعريف ذو طابع اجتماعي متغير بحسب ثقافة المجتمع والفترة التاريخية التي يمر فيها، إضافة إلى إن وضع الأسرة في المجتمع الواحد متباين من حيث حجمها وتركيبتها وفقاً للعمر والجنس وتغير مستوى المعيشة الذي لا يتطابق مع تغير مستوى دخل الأسرة، وبالتالي فإنه لا يعطي إلا صورة جزئية عن ظاهرة الفقر؛ ومع ذلك حسناً أن نشرت "الأسكوا" نتائج ما توصلت إليه، لماذا؟.

فقر البحرين

على المستوى البحريني، غالباً ما يُحاجج حول وجود الفقر من عدمه، وحيث يصعب الأخذ بمفهوم الفقر المطلق الذي يحدد خطه قياساً على مدى توفر الحاجات الضرورية للفرد، وهذه نسبية، خصوصاً وبعض الاقتصاديين يجدونه نسبي ويمكن قياسه على أساس نسب معينة من مقياس الرفاه "كالدخل الوسيط"، ولهذا فأن ما خلص إليه تقرير "الأسكوا" بوجود فجوات كبيرة في الإنفاق وتكلفة المعيشة لكل أسرة بين بلدان مجلس التعاون الخليجي، يعكس وجه من أوجه عدم المساواة، فقد ذكر بإن البحرين تحتل المرتبة الثالثة بنسبة فقراء تبلغ (7.5%) عام 2022 مقارنة ب(6.8) عام 2010، وفي هذا تأكيد على وجود فقر وفقراء لمن ينكرون ذلك، وأن تقديرات "الأسكوا" لمتوسط الإنفاق الشهري للأسرة البحرينية يبلغ (1,548د.ب) فيما خط الفقر الشهري المقدر لها يمثل (490د.ب)، مضيفاً بأن معدل فقر الدخل لدى المواطنين في بلدان مجلس التعاون الخليجي قد انخفض منذ عام 2010، باستثناء الكويت والبحرين التي زاد فيها على نحو طفيف. هنا يحذر البعض من فخ البيانات الإحصائية بشأن تراجع معدلات الفقر؛ ليس في هذا التقرير فقط وإنما في التقارير الوطنية والدولية أيضاً، حيث يشكل الفقر ظاهرة مركبة اقتصادية، اجتماعية، سياسية، نفسية، وثقافية؛ وغالباً ما يُخضع في دراستها وتحديدها لاعتبارات الوضع السياسي وما يحدده من مؤشرات بما لا تعبر عن حقيقة الفقر وتنوعه.

 وعودة إلى كتاب "روبرت إسحاق"؛ فقد حدد عدة مصادر للفقر؛ أبرزها يتمثل في عدم المساواة في المداخيل فيقول: "إن عدم المساواة سببه الارتفاع الشديد في مداخيل الأثرياء، وهو ما يسبب فجوة كبيرة بالمداخيل بين الأغنياء والفقراء"، أما في تقرير "الأسكوا"  فتم التركيز على عاملين أساسيين يساهمان في معدلات الفقر؛ هما مستوى الدخل أو الإنفاق وتوزيعه بين السكان، ويوضح بأن هناك عدم مساواة في توزيع الإنفاق بين بلدان التعاون الخليجي، ففي البحرين مثلاً يقل إنفاق أفقر (10%) من الأسر المعيشية بمقدار (10) أضعاف مقارنة بإنفاق أغنى (10%) من الأسر.

 

مؤشرات الأسكوا

عند مقاربة مؤشرات "الأسكوا" وما كشفته إحصاءات الدخل الشهري للبحرينيين العاملين من الجنسين لعام 2022 كما في الجدول والشكل التالي؛ سنجد أن أعلى نسبة منهم بعدد (45,160) ونسبة (46%) لا تتجاوز مداخيلهم الـ(500 د.ب) وهم نسبة كبيرة يتطابق وضعها وخط الفقر الشهري الذي قدرته الأسكوا للأسرة البحرينية، اللافت أن أقلهم دخلاً هن النساء اللاتي يمثلن نسبة (36%) مقارنة بالرجال الذين يمثلون نسبة (64%).

 أما أصحاب المداخيل الشهرية التي تتراوح بين (100-300 د.ب) فنسبتهم تمثل (11%) أغلبهم نساء بنسبة (56%) مقارنة بالرجال (44%) ونجد هؤلاء في وضع متدنٍ مقارنة بخط الفقر المقدر من "الأسكوا"، فيما تتناقص أعداد من يتمتعون بمداخيل تتناسب ومستوى إنفاقهم الشهري الذي حددته "الأسكوا" للبحرين بمبلغ (1548د.ب) حيث يبلغ عدد من يتقاضون دخلاً من (500-880 د.ب) بلغوا (17,102) فقط وأقلهم النساء بنسبة (36%) مقارنة بالرجال (64%)، وهناك (13,487) فرداً يتقاضون (800-1000د.ب) شهرياً أغلبهم رجال بنسبة (72%) مقابل (28%) نساء، فيما يقل العدد الإجمالي إلى (11,385) فرداً فقط ممن يتقاضون دخلاً شهرياً (1,500 د.ب فما فوق) وأغلبهم رجال بنسبة (78%) وأقلهم نساء بنسبة (22%).   

لامساواة بالمظلة الحمائية  

وماذا عن أوضاع المتقاعدين المعيشية من حيث المداخيل؟

تكشف إحصاءات هيئة التأمينات الاجتماعية لمن يعتاشون على مرتباتهم التقاعدية من القطاعين العام والخاص إنهم بلغوا (76,685) من الجنسين وبمتوسط معاش تقاعدي (789 د.ب) وتصل نسبة النساء منهم (36%) فقط، فيما يتبين أن الوسيط للمعاشات الشهرية لهذه الفئة في القطاع الخاص بلغ (413 د.ب)، ماذا يعني هذا؟

 يعني أنه مؤشر لدخل أدنى من خط الفقر الشهري الذي قدرته "الأسكوا" للأسرة البحرينية ومستوى انفاقها شهرياً حتى مع افتراض أن الزوجين يعملان وينفقان معاً على الأسرة، مع ملاحظة أن أغلب أصحاب المعاشات التقاعدية هم من القطاع الخاص الذي يتسم بتدنِ المداخيل التقاعدية مقارنة بالقطاع العام، وهناك ما مجموعه (22,702) فرداً من المستحقين من "الأرامل واليتامي وآخرين" للمعاشات التقاعدية ممن تقل مرتباتهم الشهرية عن (359 د.ب) في القطاع العام و(279 د.ب) في القطاع الخاص، وهؤلاء أيضا يقعون في مستوى تحت خط الفقر المحدد "للأسكوا".

 وقس على ذلك فيما ذكره مؤخراً الدكتور حسن العالي في مداخلة له بأن "إجمالي عدد البحرينيين من (سن 15 فما فوق) يمثلون (496 ألف) منهم (245 ألف) نساء و(95 ألف) منهن يعملن وإن (70 ألف) منهن يعملن بأجر، ومؤمن على (58 ألف) منهن فقط، أما (12 ألف من هؤلاء ممن يمثلن نسبة 17%) هن من العاملات بأجر وغير مؤمن عليهن؛ وبالتالي يمكن تصنيفهن ضمن خانة العمل غير النظامي"، أي بمداخيل متدنية وغير ثابتة وشحيحه، وهناك "(14 ألف) يعملن لحسابهن الخاص مؤمن على (554 منهن فقط) و(7 آلاف) بتصنيف صاحبات عمل والعاملات لحسابهن الخاص المؤمن عليهن بعدد (1855) فقط ويتضح أن غالبيتهن غير مؤمن عليهن، فيما بلغت ربات البيوت (78 ألف) ربة بيت و(9 آلاف) عاطلة عن العمل، مقارنة بعدد من العاطلين (3 آلاف)، والفئات الأخيرة بالطبع دون مداخيل شهرية، ما يعني افتقاده لأي مظلة اجتماعية حمائية توفر لها الاستقرار المادي. 

 

إلى هنا مظاهر الفقر في البحرين تفقع العيون ودلالتها تكمن في المؤشرات الرقمية التي عرضت أعلاه وبحاجة إلى تمحيص ورؤية نقدية وجدية في النظر إلى واقع هذه المعضلة لاسيما مع تقلص مستوى المساعدات الاجتماعية وخفض الرسوم والفشل في تنفيذ سياسة بحرنة الوظائف وخفض نسب البطالة، وعدم المساواة بين المواطنين في ميزات مظلة الحماية الاجتماعية، لاسيما الذين يعملون في العمل غير المنظم، ولا يمكن لبعضهم امتلاك البيوت والسكن بسبب هشاشة "مداخيلهم" وعدم قدرتهم على تسديد إيجارات المساكن والتخلف في دفع أقساطها أو أقساط القروض المصرفية والسيارات وفواتير الكهرباء وتأمين المواصلات، وبرغم إن التعليم إلزامي هو والرعاية الصحية حيث يقدمان بالمجان أو شبه المجان، إلا إن تدني مستويات الخدمة الصحية والمخرجات التعليمية وجودتها باتت تستهلك مداخيل المواطن البحريني وتؤثر على مستوى معيشته باللجوء إلى خدمات الطب والتعليم الخاص، في ظل ارتفاع مطرد للأسعار وتدني الأجور وتزايد الاقتراض الاستهلاكي لسد الاحتياجات.

وعليه تبقى الخيارات مفتوحة ومتاحة لمن بيدهم قرار الحد من الفقر والقضاء عليه، سواء باعتماد نظام ضريبي عادل ومنصف يخفف من آثار القيمة المضافة عبر الإعفاءات المستهدفة للأغذية والأدوية الأساسية، ويفرض الضرائب على أرباح الشركات والمؤسسات والتحويلات المالية للأجانب، فضلاً عن زيادة كفاءة الإنفاق العام وإصلاح الدعم وتنويع النمو والمساعدة في التوظيف استناداً إلى الكفاءة والأحقية والحد من الفوارق الاجتماعية.  

بيروت - 5 يونيو 2023 

الخميس، 11 مايو 2023

خطاب النواب يدغدغ مشاعر "منتسبي خطوة"

منى عباس فضل

 دعت جمعية نهضة فتاة البحرين مؤخراً إلى لقاءٍ عُقد بين متضرري قرار "هيئة التأمينات الاجتماعية" من منتسبي "برنامج خطوة للمشاريع المنزلية" وبين مجموعة من نواب ونائبات من مجلس النواب في مقرها بالعاصمة المنامة؛ وذلك على خلفية السجالات الدائرة في الساحة المحلية بشأن قضيتهم، وكبادرة منها لكونها تنفذ دراسة بحثية تتعلق بمد الحماية التأمينية للقطاع غير المنظم الذي تنتمي إليه هذه الشريحة وحاجتها إلى استجاباتهم لإنجاز المسح الميداني للدراسة؛ خصوصاً ووزارة التنمية الاجتماعية صاحبة "برنامج خطوة" لم تتعاون معهم للتواصل مع المنتسبين للمشاركة في الاستبيان.  

 ولأن المتضررين من البرنامج احتشدوا مرات عديدة مؤخراً ولازالوا أمام مبنى التأمينات الاجتماعية قائلين للمسؤولين: "ننشد حلاً ينصفنا، فالكثير منا بلا رواتب، وأصبحنا بلا مصدر رزق، ونحن نتعشم خيراً في إنهاء معاناتنا"، وكذلك أثناء انعقاد إحدى جلسات مجلس النواب؛ وناشدوهم من أمام مبناهم لتحمل مسؤوليتهم ومستوجبتاهم لإيجاد حل لمعضلتهم المستعصية التي لا تزال أبواب الحلول مسدودة أمامها.

 في ذلك اللقاء العاصف، حرص ثمانٍ من النواب والنائبات على الحضور فيما سُجل غياباً ملحوظاً كالعادة لأي ممثل رسمي عن الجهات المعنية حيث صار هذا التوجه أمراً معتاداً، فيما تكفلت الجمعية بإدارة المناقشات والاستماع إلى المتضررين في ظل حضور كثيف ولافت منهم ومن ناشطي مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسهم الاتحاد النسائي البحريني والاتحاد العام لنقابات عمال البحرين.  

 سعت الجمعية في الأساس إلى التعرف على مستجدات أوضاع هذه الشريحة والصعوبات التي تمر بها وما تعاني منه بسبب قرارات تتعلق بتسجيلهم وقبولهم في "برنامج خطوة" وبالتعقيدات التي أدت إلى توقف "الهيئة" عن استكمال إنهاء إجراءاتهم للتقاعد الاجتماعي؛ حيث تبين أن مشكلتهم لاتزال قيد الدراسة فيما يعم الموقف الالتباس والسجال بشأن الشروط التي تؤهلهم في الحصول على استحقاقهم للتأمين التقاعدي كما كانوا يتوقعون؛ فهم لا يعلمون إلى ما ستؤول إليهم أوضاعهم المستقبلية على الرغم من استكمالهم كافة الشروط المطلوبة.

 في السياق استمع الحضور إلى شهادات حية كشفت عن حجم المعاناة التي تتمثل بتدني المداخيل وسوء الظروف التي يعملون فيها وعدم استقرارها ورغبتهم الشديدة بتحسين أوضاعهم المعيشية وبتأمين حصولهم على معاش تقاعدي يوفر لهم الكرامة والأمان الاجتماعي، اشتكى أغلبهم من بيروقراطية إجراءات الانتساب إلى "مشروع خطوة" التي تمكنهم من شراء المدد المتبقية عليهم للحصول على معاش تقاعدي. وبعيداً عن التعاطي التقليدي في تحليل هذه المعضلة وما آلت إليه أوضاعهم من سوء وتعقيد؛ لابد من التركيز والسؤال عن أصل المشكلة ومنبع القضية في شبكة تفاعلاتها.

 

لا عدالة اجتماعية

في خضم الحدث وتداعياته، يقف المتابع مشدوهاً مستفزاً أمام وضع شائك يمس حياة المواطن وكرامته وأمنه واستقراره المعيشي، في اللقاء هناك شكوى بمرارة من بطالة المواطنين حيث لا تزال وزارة العمل تصر على إن نسبتها لا تتجاوز الـ"7%" وبأنها مقبولة عالمياً؛ وهي تسهب الشرح عن إنجازاتها للقضاء عليها فيما يكشف الواقع بأنها باتت قنبلة موقوتة وحالة مريضة في ظل أفضليات فرص العمل التي يتمتع بها الأجانب على حساب المواطنين. أما شكاوى الإحالة إلى التقاعد المبكر خوفاً من مصير مجهول يمس قوانين صندوق التقاعد فحدث ولا حرج فقد باتت غير مأمونة ويصعب التكهن بها، لم لا وقد قُضم الحق المكتسب للمتقاعدين في زيادتهم السنوية الـ(3%)، اليوم تأتي المشكلة الأعمق لقضية منتسبي "برنامج خطوة" لتزيد الطين بلة.

 أحد المتضررين يشتكي الحال: "الموضوع بسيط جداً، هناك خطأ من الحكومة، وهي التي وضعت يدها في جيبنا، هناك من أخطأ من "منتسبي خطوة"، لكن هذا لا يجب تعميمه على الجميع. وضعنا حالة ميؤس منها، أمورنا الحياتية تعبانة منذ أكثر من ثلاثة شهور، لم نعش رمضان ولا العيد، أين نذهب لنطالب بحقوقنا، المسؤولين والحكومة والنواب إطالعون ويعلمون بحالنا، وضعنا تعبان، الناس تعاني، لدينا أدلتنا.."؛ قال آخر: "الناس كلها تعاني، يمكنكم معرفة ذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، نصف الشعب عاطل والنصف الآخر يسعى إلى التقاعد، منذ كم سنة؛ ندور عن عمل ومن كل مكان ندور وظيفة، يقال لك: أنت مو مناسب، ابحث عن وظيفة أخرى، دخلنا البحر، قيل لنا؛ أنت مب بحار، دخلنا تجارة، قيل لنا روحوا الزراعة، نريد وظائف محترمة للبحرينيين، وكل شركة ندخلها، الأجانب هم من يتولون أمرها..".

 ومن بين الشكاوى تجد أن منهم من باع سياراته أو لجأ إلى الاقتراض لشراء سنوات الخدمة، ومنهم من قدم استقالته من عمله تجشماً في الحصول على راتب تقاعدي أفضل مما يتقاضاه بعد الانتساب إلى "مشروع خطوة"، ومنهم من اشتكى الحال: "لا يمكننا شراء بيت ولا الحصول على قرض لشراء سيارة وليس لدينا إجازات عمل ولا راحة فنحن نعمل منذ الصباح وحتى المساء.."، نعم هذا حال كل من يعمل في "القطاع غير المنظم" الذي لا يحكمه قانون محدد ومستثنى من أي مظلة للحماية الاجتماعية؛ نعم هذه هي القضية المركزية.

 

ممثلي الشعب ولكن؟!

على الرغم من اعتراف الجميع بأحقية هذه الفئة المهمشة من ذوي المداخيل المتدنية ومظلوميتها؛ إلا إن مشكلتها لا تزال دون حل وعلى ما هي عليه، وهي تمثل تحدياً كبيراً ومحرجاً للحكومة ولمجلس النواب ومصداقيته خصوصاً مع ما يبث عبر أعضائه من وعود بالعمل على إيجاد حل ناجع لمشكلتهم ومعاناتهم، والأهم بمدى قدرتهم على استخدام الأدوات الدستورية من سؤال إلى لجنة التحقيق إلى الاستجواب. فهل فعلاً يستطيع النواب فعل ذلك؟!

 في حقيقة الأمر؛ حوارات المتضررين مع النواب في هذا اللقاء كشفت أمور مهمة؛ كضعف وهزالة الآليات المؤسساتية ونوعية إدارتها وبما تتسم به من مركزية مفرطة مبالغ فيها في اتخاذ القرار الذي لم يتمكن أصحابه حتى اللحظة من حل المشكلة وإنهاء المعاناة، إلى جانب حالة التفخيم التي تقدم بها المبادرات والمشاريع كما هو الحال في "مشروع خطوة"، وكذلك عن الترفع والتعالي؛ حيث يغيب المسؤولين المعنيين بهذه القضية عن المشهد العام وعن تواصلهم مع المتضررين والاستماع إلى شكواهم، الأهم ما سوف تكشفه قادم الأيام في تعاطي البرلمان والجهات المعنية مع هذه القضية الحقوقية الإنسانية الحساسة.

 

تلاعب في الإفادة

من جهتها استنكرت النائبة زينب عبدالأمير تصريحات التأمينات بأن هناك تلاعب من بعض العائلات؛ وتكذيب لعدد من المنتسبين، وقالت: "إذا كان هناك بعض من تلاعب؛ فلا يجوز اتهام أكثر من (300) أسرة بالتلاعب، المفترض محاسبة من قام بختم الورقة التي حدث عليها التلاعب، لماذا لا تحاسب وزارة التنمية ووزيرها؟ لماذا لا يحاسب على منحه أسر معينة أوراق فيها تلاعب إن صح التعبير، وهذه الحالات إن وجدت فهي قليلة. إن شهادة القيد التي يطلبونها "تظلمكم" ولأنها تجدد سنوياً، ويجب اعتماد تاريخ الإفادة.. يجب أن نشير إلى الفساد في وزارة التنمية، وإذا فيه أي جهة يجب أن تحاسب فهي وزارة التنمية لأنها هي من وقعت على الإفادة التي تم التلاعب فيها وأعطيت لبعض الأسر التي خربت عليكم".

 وتضيف في سياق المناقشات: "لن نعمل بيان صحفي، لن نطلع خبر نستنكر فيه أو نغرد..؛ نحن لدينا أدوات دستورية منها لجان التحقيق، نعالج الموضوع من خلالها، وإذا فيه جهة حكومية تتهم جهة حكومية بالتلاعب فأن هذا يستدعي تحقيق عاجل، ثم استجواب للجهة المعنية إذا ثبت وجود تلاعب في مصائر الأسر والشعب فهذا مرفوض ولازم يتحاسب الشخص الذي منح وتلاعب في الإفادات وحرم (300) أسرة من تقاعدها وراح نعمل لجنة تحقيق ندرس فيها كل طلب مع التأمينات والتنمية ونقدم الشخص المعني بالتلاعب إلى العدالة، إلى لجنة التحقيق وإلى ديوان الرقابة المالية والإدارية لوضع اليد على الموضوع، صوتكم وصل إلى رئيس الوزراء أحب أطمئنكم، وحراككم أثمر بنتيجة، والدليل هو أن التأمينات أصدرت تصريح فيه تمويه ومراوغة ومماطلة، لكنها ذكرت بأنها بانتظار المستندات.. وكل ما أنتم فيه سببه أداة دستورية ضربتكم وهي مشروع التقاعد الجديد والحل هو في "لجنة تحقيق عاجلة".

 كما أشارت النائبة إيمان شويطر إلى إنها قابلت مسؤولة التأمينات الاجتماعية بناءً على طلب المتضررين، وعرفت منها أسباب المشكلة؛ بأن الإفادة جاءت بالخطأ من التنمية، وإن الهيئة أكدوا لها بأنهم يعتمدون رقم القيد وإن الإفادة ليس لها معنى ولا تبين رقم القيد، وإن الإفادة تعني مشاركتكم في المشروع الإنتاجي فقط. وأضافت بأن مسؤولة الهيئة تواصلت مع المسؤولة في وزارة التنمية وأفادتها بعدم إصدار (إعطاء) أي إفادة ووضحت لها الخلل مؤكدة إلى شويطر بأنهم يدرسون ملف (370) حالة كل على حد، أما النائبة باسمة المبارك قالت: "الخطأ من جهة وزارة التنمية، ومن طرف معين، ويجب محاسبته وهذا حق دستوري، وعدد المتضررين ليس كبير ولن يهز ميزانية الدولة.. إلخ".

بدورها ذكرت النائبة جليلة علوي: "كلمت إيمان المرباطي التي ذكرت لي: إن الخطأ كله بسبب وزارة التنمية، ولكن لا يمكنني تخطئة الوزارة.! وتساءلت: هذا الخطأ يطب على رأس من؟ مضيفة أن هناك بعض الحالات التي تلاعبت "بالرقم الشخصي مقارنة بتاريخ البدء بالمشروع"، ولكن هذا لا يعمم على الجميع، ويجب فصل هذه الحالات عن الحالات المتضررة..". وأضاف نائب آخر: "أن سبب المشكلة هو موضوع التقاعد الجديد وهذا خلل كبير، وهو نتيجة للقرارات غير المدروسة، ولابد للحكومة أن تتحمل مسؤوليتها، لابد أن يكون لدينا إحصاءات واضحة للأعداد، ونعمل في دائرة واحدة وبشكل منظم، نحتوي الموضوع.. إلخ". فيما شاركت النائبة حنان الفردان بدلوها قائلة: "حراك مقدر، ونحن كنواب نشكل ضغط، بخبر صحفي، باستخدام أداة من أدواتنا "بتقديم سؤال إلى الهيئة" وبانتظار إجابتها، هذا الخطأ اليوم لا يغتفر مهما كانت الجهة، والهيئة تكيل بمكيالين هناك من يوافق عليهم وهناك من يرفض طلبهم، وهذا لا يجوز".  

 انتهى اللقاء الى تشكيل لجنة مكونة من منتسبي خطوة وبالتنسيق مع جمعية النهضة تم استلام ملفات المسجلين المتعثرة طلباتهم لدى برنامج خطوة للمشاريع المنزلية، وهي تحتوي على كافة المستندات المطلوبة لدعم الطلبات المتوقفة من الهيئة للحصول على حقهم في الانضمام للتأمين الاجتماعي، أعقبها لقاء آخر رسمي بمقر الجمعية حضره مجموعة من النواب والنائبات وتسلموا ملفات لـ(285) من المتضررين مقرونة بوعودهم المتكررة على دعمهم لهذا المطلب واستمرار تعاونهم ومتابعتهم له.

 

إدارة الفوضى

إلى هنا يستوجب تحليل المشكلة وتأطيرها من منظور الثغرات والنواقص التي تعاني منها التشريعات والقوانين الوطنية التي تمييز بين فئات المواطنين كما تنتقص من حقوقهم في المواطنة من حيث توفر فرص العمل والحماية الاجتماعية والاستقرار النفسي من خلال ضمان الحقوق والمكتسبات، كما يتطلب تفكيكها للتعرف على مظاهر الفساد وسوء التخطيط المؤسساتي ومساءلته؛ ومقاربة الإشكالية من حيث اقترانها ببريق خطاب يمارسه النواب بإطلاق وعود معلقة في الهواء؛ هي في باطنها وعود رسمية والكل يدرك أن الأمر سينتهي بقرار فوقي، فما يحدث هو جزء لا يتجزأ من استراتيجية إدراة الفوضى والحالة اللزجة التي نعاني منها بهدف بلورة شعور عام بالرضا من الأداء البرلماني الهزيل.

 إننا أمام خطاب ناعم لافت يدغدغ المشاعر بتودده الشديد لهؤلاء المتضررين المهمشين رغم الضربات التي يتلقونها تباعاً وهم في حالة غضب واستنكار لما آلت إليه أوضاعهم، أمام تنافس على الظهور الإعلامي للنواب وكمن يمسك خيوط اللعبة السياسية ويقودها، يحرصون على التأكيد بأن سبب المشكلة تكمن في قانون التأمين الاجتماعي الجديد وإنهم يقدرون حجم معاناة المتضررين ويدغدغون مشاعرهم بعدم التخلي عنهم وعن قضيتهم مؤكدين لهم بأنهم يتواصلون مع هيئة التأمينات التي وعدتهم بدراسة أوضاعهم كل على حدا. وماذا أيضا؟ تنوه النائبة جليلة: بأن النواب استخدموا كل الأدوات الدستورية، حيث قدمت النائبة حنان الفردان سؤالاً، فيما قدمت مجموعة من النواب وأنا معهم مقترحاً عاجلاً، وهناك لجنة تحقيق راح تصير، فيه استجواب وافيه مناقشة عامة...استخدمت علشانكم...".

 إنه الخطاب الموشى بأقوال ووعود رئيس مجلس النواب ومن هم في قمة هرم اتخاذ القرار، حالة تعكس واقع الهوة الواسعة بين هذا الخطاب وبين التدابير والشعارات التي تطلق كجزء من كسب تعاطف الناس وطمأنتهم كي يتعاونوا مع النواب، ولكن وحتى اللحظة تنتهي الوعود إلى غموض إلى لا شيء ولا تجد ترجمتها في حفظ كرامة هذه الفئة بمنحها حقوقها في المواطنة.

 يبقى إن موقف "هيئة التأمينات الاجتماعية" يقوض الحقوق الإنسانية "لمنتسبي برنامج خطوة"، كما إن راعي هذا البرنامج وهو "وزارة التنمية الاجتماعية" في وضع المساءلة عن حالة الالتباس التي وضع فيها المنتسبين وما آلت إليه أوضاعهم، فيما تواجه السلطة التشريعية مستوجباتها تجاه ثغرات التشريع الذي لا يوفر مظلة حماية لفئة العاملين في "القطاع غير المنظم" الآخذ في التمدد والاتساع، كما يواجه النواب تحدياً في مصداقية استخدامهم للأدوات الدستورية التي يكررونها على مسامع العامة، خصوصاً وهي ناقصة منتوفة ويشوبها الخلل.

 خلاصة الأمر، إن الحقوق هي تعبير قانوني لما يحتاج إليه المواطن كي يعيش حياة إنسانية كاملة وشاملة وبكرامة، وهي مترابطة ومتشابكة غير قابلة للتجزئة، إنها تمثل تحد تنموي لمن يضع الخطط والبرامج ويقود الإصلاح والتطوير، والحقيقة أن أي فجوة وخلل يمس تلك الحقوق يعني بالمحصلة النهائية أن هناك انتهاك لها ولأصحابها ومجالاتها.

 المنامة – 11 مايو 2023 

الثلاثاء، 2 مايو 2023

البحريني قرار.. وليس خيار

 

منى عباس فضل

مدينتنا المنامة عروس الخليج؛ تبدو هادئة وادعة هذا الصباح، شوارعها تكاد تكون خالية من حركة العربات والمتجولين، إنه يوم إجازة رسمية بمناسبة الأول من أيار، عيد العمال العالمي.

 

هدوء مدينتنا يحجب وراءه ظلالاً من الحزن والضجر؛ بعض من التشنج والتململ، فمنذ سنوات وتحديداً منذ الحراك الشعبي في ثورات الربيع العربي، والمسيرة العمالية التي كان يتصدرها الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين في هذا اليوم ممنوعة؛ لا يسمح له ولا لمنظمات المجتمع المدني بالخروج في مسيرات احتفالية وسط شوارع العاصمة بهذا المناسبة ورفع الشعارات كما عهدنا ذلك في بدايات الألفية مع تدشين المشروع الإصلاحي وإطلاق الحريات السياسية والنقابية.

 

في إطار الاحتفالات العالمية بيوم العمال؛ كانت تخرج مسيرة نقابات عمال البحرين في شوارع العاصمة؛ بشيء من النشوة والحماس والحافز الذي يحذوه الأمل؛ تشاركهم في هذا الكرنفال منظمات المجتمع المدني بمختلف القطاعات؛ من جمعيات نسائية وشبابية وحتى الجمعيات السياسية قبل إقفال أبواب بعضها بالشمع الأحمر بتطبيق لأحكام قانون العزل السياسي وانحسار نشاط بعضها الآخر بسبب تصحر الحياة السياسية وترهل الحال.

 

ولطالما علت الإعلام زاهية بألوانها في تلك المسيرات وبما تمثله من ثقل لمنظمات سياسية وأهلية ونسائية وشبابية، من بينها رفرفت بعض من الأعلام الحمراء التي تتوسطها مناجل العمال وقبعاتهم لكن علم البحرين المتداخل باللون الأحمر والأبيض يبقى هو الأعلى يرفرف شامخاً في العلا؛ رمزاً للوطن والهوية.

 

شعارات تلك المسيرات كانت متحركة عابرة للطوائف تعبر بكل حمولتها عن مطالب المرحلة للعمال وعن نبض الشارع واحتياجات الناس، ("لا تنمية حقيقية بدون عدالة"، "نتحدى الصعاب لمستقبل وظيفي آمن"، "عمالتنا الوطنية.. ثروتنا الحقيقية"، "لا للفصل التعسفي لا لفصل النقابيين لا لتهديد الأمن الوظيفي لأي عامل"، "تأسيس نقابات القطاع الحكومي تعززا لمشروع الإصلاح والديمقراطية"، "أجر عادل يساوي حياة كريمة"، "لنعمل معاً من أجل وحدتنا العمالية"، "عاشت حركتنا العمالية"، "1600 سائق أجرة مهددون بقطع الأرزاق وتسريحهم من مهنتهم"، "نناشد المسؤولين لحماية هذه الشريحة من التسريح وقطع الأرزاق؛ جمعية سواق سيارات النقل العام")؛ وفي المسيرة التي أعقبت الحراك الشعبي بظروفه الصعبة والملتهبة؛ علت هتافات حناجر العمال بقوة في مسيرة الأول من مايو "لا تراجع لا تراجع، فصل العمال جريمة، باطل باطل فصل العمال، بالروح بالدم نفيدك يا بحرين، كرامة حرية..إلخ".  

 


اليوم حضرت احتفال الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين بهذه المناسبة تصدرها شعار "البحرنة قرار.. وليس اختيار"، كتب حسن الحلواجي نائب الأمين العام في نشرة الاتحاد بهذه المناسبة: "أصبحت البطالة قضية وطنية، ولهذا فالبحرنة قرار بحاجة إلى تغييرات جوهرية في سوق العمل، إلى مراجعة شاملة لمدخلات ومخرجات هذا السوق، إلى خطط وبرامج تجعل من هذا السوق بيئة حاضنة مرغبة للعمالة الوطنية، إلى خلق وظائف بأجور ذات قيمة مضافة، وإلى استراتيجيات تضمن تكافؤ الفرص، ولأن تكون سوق البحرين نقطة جذب للمستثمر مع الحفاظ على أولوية استفادة العمالة الوطنية من عائد هذه الاستثمارات، ويحتاج إلى اصلاح التشوه في سلاسل الإمداد التي ترفده بعمالة وافدة. البحرنة قرار يحتاج لإعطاء أولوية التوظيف للعمالة الوطنية التي أصبحت نسبتها لا تتعدى الـ (20%) في المؤسسات والشركات، قرار يحتاج إلى زيادة النسبة، وإلى قصر بعض المهن والوظائف على البحرينيين، يحتاج إلى بحرنة مراكز اتخاذ القرار في الشركات والمؤسسات الكبرى التي تساهم في رفد اقتصاد البحرين؛ ما يعني الحاجة إلى مراجعة سياسة الخصخصة، خصوصاً وإن أغلب القطاعات التي تم خصخصتها تعتمد على العمالة الوافدة وبأجور غير مجزية وبيئة عمل غير مواتية لاحتضان العمالة البحرينية في ظل رقابة منقوصة من الجهات المعنية.  

 

أما كلمة الأمين العام عبد القادر الشهابي وبما تضمنته من مطالب وما أورده في نشرة الاتحاد فهو يلخص حالة البلاد والعباد؛ حيث ذكر "أن المعاناة المعيشية تشتد من حيث استشراء التضخم وموجة الغلاء وزيادة الضرائب وتآكل الأجور وضعف القدرة الشرائية، إلى جانب العجز الأكتواري لصناديق التأمين الاجتماعي مما ينذر بمخاطر على أوضاع المتقاعدين ويهدد الرفاه الاجتماعي، وكذلك الآثار السلبية لقانون التقاعد الجديد على مجمل نظام التقاعد ومستقبل المتقاعدين ويمثل عقبة لإدماج المواطنين في سوق العمل، هذا السوق الذي هو أصلاً بحاجة إلى إصلاح واستدامة للصناديق التقاعدية، مطالباً بإصلاح حقيقي لمعالجة جذور المشكلة والبدء بحوار أطراف الإنتاج الثلاثة.

 

وأضاف "هناك صعوبات اقتصادية والوضع المعيشي في تراجع، والخدمات الصحية والتعليمية ومخرجاتها لم تعد بالمستوى المطلوب، ارتفعت نسب البطالة وشحة الوظائف، وانسحب التراجع إلى البنية التحية من سكن وطرق ومواصلات، تفاقم الدين العام ووصل إلى (17 مليار دينار) يعني (أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي)، إنها وصفة صندوق النقد الدولي السيئة واللاإنسانية، بتقليص المصروفات (أجور القطاع العام؛ يعني تسريح موظفي الصحة والتعليم، يعني شبح الخصخصة الذي يفاقم المشكلات الاقتصادية في البلاد) وطرح الشهابي سؤالا عليهم: هل تسريح العمال وتقليص حقوق المتقاعدين ووقف توظيف العاطلين واستمرار تدفق العمالة المهاجرة للسوق المحلي يحقق التوازن المالي؟ كاشفاً بأن هناك مطالبات ملحة لرفع مستوى المرتبات وتعديل الأجور، ووقف استنزاف الاقتصاد بجلب العمالة الأجنبية على حساب الوطنية.

 

في حسابه ومن على منصة الانستغرام كتب النقابي المخضرم يوسف الخاجة الذي تحمل المتاعب والمصاعب والمخاطر بصبر وكان رئيساً لنقابة شركة (BAS) باس خدمات مطار البحرين لمدة 31 سنة وفصل من عمله على خلفية حراك 2011، كتب: "يمر علينا يوم العمال العالمي والوضع العمالي في أسوء حالاته، حيث الأجور المنخفضة التي لا تتناسب والغلاء الفاحش في البلاد ولا تكاد تكفي لسد أبسط احتياجات الأسرة وطابور من المفصولين بحجج واهية ولغياب تشريعات الحماية للعامل بالإضافة إلى بطالة منتشرة تكاد تطال كل بيت في وقت تزاحم فيه الأيدي العاملة الأجنبية المواطنين في أرزاقهم، فأي احتفاء بالعمال يقام اليوم؟!

 

ختاماً مع كل مظاهر الظلال وسطوة التوحش في أرجاء عالمنا، تبقى مناسبة الأول من مايو فرصة تبرز من خلالها معاناة العمال ومطالبهم لتحقيق العدالة الاجتماعية، وحيث تتفاوت مظاهر الاحتفال بهذا العيد من مكان إلى آخر؛ إلا إن القاسم المشترك بين هذه الاحتفالات هو الاحتجاج على خصخصة الخدمات، والغلاء والتضخم وارتفاع مستويات المعيشة والمطالبة بزيادة أجور العمال وتحسين ظروف عملهم في بيئة لائقة وخفض نسب البطالة.

 

تبقى مساحة الأمل مشرعة نتقدم عبرها بخالص التهاني لعمال وعاملات البحرين وفي العالم أجمع بمناسبة يوم العمال العالمي؛ الأول من أيار 2023.




الاثنين، 1 مايو 2023

منتسبي "خطوة" وحكايتهم مع هيئة التقاعد

منى عباس فضل

 

إنها صرخة لقمة العيش وقطع الأرزاق وهدر الكرامة، هي معضلة الفشل والتجاهل واللامبالاة في زمن التوحش والفقر والغلاء والانحطاط. عن أي حكاية وأي معاناة نتحدث؟

 نتحدث عن الوجع والمفارقة بين تعداد المنجزات والنجاحات، وبين أصوات مقهورة ارتفعت يملؤها شعوراً بالظلم واللاعدالة التي وقعت عليهم دون حساب، دون محاسبة، دون استماع، دون شفافية.

 

تصف متضررة حالتها كما حالة غيرها: (أكتب رسالتي وكلي أمل وثقة بأن تجدون حلاً لمشكلتي ومشكلة الكثير من نساء البحرين اللاتي عملن بجد واجتهاد لسنوات استنزف فيها العمل طاقتهن من أجل توفير حياة كريمة لأبنائهن وتلبية حاجاتهم التي باتت صعبة في ظل الغلاء الفاحش وتدني الرواتب، وما إن تجاوزنا سنوات عديدة في العمل وطمحنا إلى الوصول لمرحلة التقاعد والتفرغ التام لأسرهن ومراعاة أبنائهن ومتابعة تحصيلهم الدراسي وقضاء وقت طويل برفقتهم؛ حتى جاء قرار "التقاعد الجديد" الذي كان كالصاعقة التي هدت كيان المرأة بعد انتظار سنوات، لم يكن لهن من مخرج سوى اللجوء إلى "برنامج خطوة" لضم سنوات عملن فيها دون تأمين، ومع ذلك تبقت أشهر قليلة أو سنة وسنتان حتى يخضعن إلى تطبيق القانون، فهل يعقل أن يطبق القانون على من تجاوزت سنوات عملهن عشر سنوات وأكثر؟ فبدل أن يعملن لمدة أشهر أو سنة بعد تطبيق "القانون الجديد"، سيعملن لمدة ست سنوات أو أكثر. هذا ظلم وإجحاف في حق المرأة البحرينية.. فهل تكافئ بهذا القانون التعسفي؟ خاصة وأن البعض تعملن في وظائف ذات رواتب ضعيفة لا تقارن بمستوى عملهن وأدائهن والتعب؛ كمعلمات رياض الأطفال والعاملات في المصانع وغيرها، أليس من حق المرأة أن توفر جزء من صحتها وطاقتها لأطفالها بعد هذه السنوات؟ وكأنها تجري خلف سراب فكلما تقدمت للتقاعد زادت السنوات.  كلنا أمل أن تجد مشكلتنا ومعاناتنا حلًا وذلك بعمل استثناء أو شراء المدة المتبقية لهن، كلنا أمل في وقفتكم معنا.. ).   


وحيث لايزال السجال دائراً بين النواب والحكومة في أروقة البرلمان حول موقف "الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية" وشرائح المتضررين من منتسبي برنامج "خطوة" الذين ينتظرون موقفاً رسمياً ينتشلهم من الضياع والمعاناة. ولكي ندرك حقيقة ما يحدث، علينا إلقاء الضوء على ماهية البرنامج خصوصاً وإن وزارة التنمية الاجتماعية تعتبره إحدى منجزاتها الرائدة.

 

ما هو برنامج "خطوة"؟

كعادتها سوقت وزارة التنمية "برنامج خطوة للمشروعات المنزلية" كأحد أهم وأبرز مبادراتها التنموية والذي كما ورد في أديباتها بأنه "يستهدف" التمكين الاقتصادي والاجتماعي للأسرة البحرينية، ويوفر لها ولأفرادها الاحتياجات والتسهيلات لبدأ مشروعاتهم التجارية من المنزل، وإنه استند على القرار الوزاري (رقم 39 لعام 2010)، وقد اعتبرته بلغة التفخيم "برنامج أول خطوة يخطوها صاحب فكرة مميزة للتسجيل القانوني وبدون أي تكلفة مالية للتسجيل". وماذا أيضا؟

 

برنامج يستهدف ست من فئات اجتماعية مصنفة كـ: صاحب فكرة لمشروع منزلي؛ المسجلين في برنامج الأسر المنتجة، المستفيدين من البرامج التدريبية بالمراكز الاجتماعية، العاطلين عن العمل، المتقاعدين، المستفيدين من برنامج الضمان الاجتماعي، ويشار إلى إنه يمكنهم التسجيل في البرنامج من خلال ملي استمارة متبوعة بسلسلة إجراءات إدارية أخرى.

 

وزير العمل لا يخفي سعادته بالقول إن البرنامج حقق نجاحات متعددة منذ 2010، سواء من خلال زيادة عدد الأسر المنتجة الحاصلة على الترخيص، أو عدد الذين تحولوا إلى رواد أعمال وحصلوا على سجلات تجارية، أو عبر قصص النجاح المتحققة لبعض المنتسبين له، إضافة إلى فوز البرنامج بجائزة البرنامج الخليجي العربي للتنمية "أجفند" في المسابقة الدولية لمشاريع التنمية البشرية الريادية للعام 2014 في مجال تسويق المنتجات المصنعة منزلياً، وجائزة التميز الحكومي العربي كأفضل مشروع لتنمية المجتمع عام 2020، منوهاً إلى ارتفاع عدد الحاصلين على رخصة المنزل المنتج إلى (1243) أسرة منذ بدء انطلاقته، كما يعدد كتيب "خطوة" المنجزات المتحققة من عام 2010-2020 كما في الجدول التالي:


في السياق، يصنف "برنامج خطوة" حوالي (20) نشاط إنتاجي تمارسها هذه الشرائح من بينها التطريز والتصميم والخياطة وصناعة التحف والإكسسوارات وأشغال النسيج ودروس في المطبخ المنزلي، والأشغال الفنية واليدوية وخدمات الأفراح..إلخ، إضافة إلى (16) نشاط إنتاجي خاص بالمواد الغذائية من بينها عمل السمبوسة وتعبئتها والمهياوة والرنكينة. أما مميزاته التي تعددها الوزارة في خانة المنجزات المتحققة حتى عام 2021؛ فهي تمثل (12 ميزة) أهمها؛ أن التسجيل فيه بالمجان، ويمكن للمنتسب الحصول على بطاقة تعريفية خاصة وشهادة قيد للعمل من المنزل وتجديد التصريح سنوياً بدون رسوم، إلى جانب توفير تدريب احترافي ومنافذ للتسويق، ودعم للمشاركة في المعارض والمسابقات وتطوير جودة المنتجات، وتطوير المهارات الإدارية، وتوفير حاضنات إنتاجية وإمكانية الحصول على التمويل للمشاريع وتوفير غطاء قانوني مجاناً من خلال قرار رقم 39 لسنة 2010 لتنظيم العمل من المنزل. أما أبرز مميزاته التي يدور حولها السجال حالياً، (أنه يوفر تأمين اجتماعي؛ من خلال الاستفادة من التأمين الاجتماعي الاختياري في الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي، والتي تضمن للمستفيدين من برنامج خطوة مستقبلهم التقاعدي).



 ثقل الخطاب والوعود

وعليه نخلص إلى أن مضامين "مشروع خطوة" الحكومي بكل ما يحمله من ثقل الخطاب والوعود بالتأمين الاجتماعي والتعابير المنمقة؛ قد أغرى الكثيرين والكثيرات وشجعهم للانضواء تحت مظلته وبحسب الشروط والمعايير التي وضعت، بل وفتح أبواب الأمل للعاطلين والعاطلات في إيجاد مخارج لأزمتهم ومعاناتهم المستعصية منذ سنوات؟ والسؤال يلح هنا؛ هل وفرت الوزارة والهيئات الحكومية ذات العلاقة الضمانات لكل الوعود والمميزات التي تم التسويق والترويج لها؛ وبما يوفر لهذه الفئات الأمن الاجتماعي والاستقرار النفسي. في الحقيقة لا يبدو الأمر كذلك. كيف!  

 تشير الوقائع إلى اعتصام قامت به مجموعة من منتسبي "برنامج خطوة" في مبنى الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية في يوم الجمعة 27 أبريل احتجاجاً على إيقاف طلبات التأمينات الخاصة بالبرنامج. قالوا: (نحن مجموعة من المتضررين من القرار المفاجئ الذي صدر عن التأمينات الاجتماعية، قبل أسبوع واحد فقط من تاريخ تطبيق قانون التقاعد الجديد، وذكروا بأنهم قاموا بجميع الاجراءات المطلوبة من إصدار قيد الترخيص، وشراء المدة المتبقية للتقاعد، وإنهم وصلوا إلى مرحلة متقدمة من إجراءات صرف المعاش التقاعدي؛ وإذا بهم يفاجئوا بإيقاف الطلبات وطلب توفير قيد للمدة المطلوب ضمها أو شرائها ..).

 وذكروا أيضاً (أن وزارة التنمية أخبرتهم بعدم مقدرتها في توفير القيد القديم للمدة المطلوب منهم للتقاعد، وذلك بسبب عدم وجود أو توافر قيد قديم قبل 2010، وان تم إصدار التراخيص والقيود الخاصة بالأسر المنتجة بعد 2010 مع العلم بأننا بحاجة إلى شراء سنوات ومدة من قبل 2010 وتسألوا: كيف لنا إصدار قيد وتراخيص من العدم وغير متوافره قبل سنة 2010؛ وإن الكثير منا قد تدين المبلغ الذي تم دفعه لشراء السنوات، والكثير منا بلا مدخول شهري ثابت؛ ووضعنا الحالي صعب، إذ لا وظيفة ولا تأمين ولا راتب ولا تقاعد ونحن بحاجة ماسة الى قلوبكم الرحيمة لإنهاء جميع معاناة المتضررين من وزارة التنمية وهيئة التأمينات، ولكي يتم استئناف الطلبات قمنا بمراجعة التأمينات اكثر من مرة، وكذلك "مركز خطوة"، ونأمل من المعنيين مساعدتنا في ايجاد حل منصف لنا). كما عاودوا التجمع والاعتصام ثانية يوم الأحد 30 أبريل في نفس مبنى الهيئة وتحدث أحدهم عن أوضاعهم، وقال إنهم يمرون بأوضاع معيشة صعبة، وطالبوا مجدداً بحل لمعاناتهم التي تهدد مستقبلهم ومستقبل عوائلهم.

 معضلة تتحدى النواب

قبلها بيومين وأثناء المداولات البرلمانية ذكرت النائبة حنان فردان: (أن هيئة التأمينات الاجتماعية أساس المشكلة فيما يخص أزمة مشتركات برنامج خطوة اللواتي تقدمن بطلبات التقاعد المبكر قبل انقضاء فترة العمل بقانون التقاعد القديم وقدمن كل ما هو مطلوب لأجل ذلك بحسب اشتراطات الهيئة وبما يتفق مع القانون، إلا أن الهيئة لم تلتزم بالقانون وتعسفت في استخدام سلطاتها عبر مخالفة سياستها مع حالات التقاعد السابقة ومطالبة المشتركات العازمات على التقاعد بشروط تعجيزية لم تكن مطلوبة في السابق فقط من أجل تعطيل تقاعدهن وفرض مواصلة اشتراكهن كمؤمنات ضمن القانون الجديد الذي سوف يتطلب منهن العمل لعشر سنوات إضافية).

 أضافت النائبة (بأن الهيئة تتعسف في استخدام سلطاتها مع هذه الشريحة الضعيفة من المجتمع من أصحاب المداخيل المتدنية فقط لأنها شريحة لا ناصر لها، وتنكرت لكل الأصوات العاقلة المنادية بإنصاف مشتركات برنامج خطوة من النواب وغيرهم من نخب المجتمع، وأن الحكومة مسؤولة عن اتاحة حق التظلم لجميع من تم تعطيل خطواتهم قبل سريان القانون الجديد، خصوصا وأن الشريحة التي اختارت الهيئة أن تضيق عليها خيارات التقاعد هي الشريحة الأضعف في المجتمع، والذين يشكل المساس بحقوقهم التقاعدية تعدياً على أمنهم المعيشي واستقرارهم الاجتماعي، وهو الأمر الذي لم تراع الهيئة عواقبه، خصوصاً أن عدداً واسعاً من هؤلاء استقالوا من وظائفهم في سبيل استيفاء الاشتراطات المطلوبة، ما يجعلهم في موقف في غاية الخطورة بعد تعنت الهيئة في تيسير إجراءات تقاعدهم. وأكملت: لا يمكننا أن نصمت عما يتعرض إليه هؤلاء المواطنات من ظلم يتناقض مع أصل وظيفة التأمين الاجتماعي التكافلية والمعنية بحماية الأسر البحرينية وصون كرامتها).

                                              

 الخلاصة

إلى هنا تبقى معاناة المتضررين معلقة بانتظار أن تتحمل الجهات المعنية مسؤوليتها بالإيفاء بالتعهدات؛ ليس بتوفير حق التظلم وحسب لهذه الشريحة، وإنما بالاستماع إليهم بجدية وعدم تجاهلهم والاستجابة إلى مطالبهم وحفظ حقوقهم التقاعدية وأمنهم الاجتماعي والأهم كرامتهم، وأن لا يغيب عن البال أن هذا الوضع مخجل لا يتناسب وخطاب الترويج للمنجزات الريادية والنجاحات؛ وإنما هو تعبير فاقع عن أزمة في كيفية اتخاذ القرارات غير المدروسة، وإن ما يحدث وصمة سوداء لما تحقق من جوائز وتميز "لمشروع خطوة" وما يتم احتسابه ضمن المتحقق في سياق أهداف التنمية المستدامة والتجارب الناجحة في مجال تمكين المرأة ومساواتها وتأمين استقرار الأسرة البحرينية وأمنها الاجتماعي، كما إنه يشكل تحدياً لقدرة البرلمان على إيجاد مخارج منصفة وعادلة للمتضررين ولمن يعملون في القطاع غير المنظم بعيداً عن الخطابات والوعود الفقاعية والإنشائية.

المنامة - 1 مايو 2023 



الاثنين، 20 مارس 2023

المسألة الشرقية تعيد نفسها بمكر ومهزلة

منى عباس فضل

التزاماً بواجب "التعقّل"، وإعادة ترتيب الأفكار، وتحطيم التصوّرات والتخيّلات، وبالقدر نفسه تفكيك النمطيّات والروايات التافهة والمكرّرة، يعيد "جورج قرم" في كتابه "المسألة الشرقية الجديدة؛ دار الفاربي: بيروت ط 2021"، مناقشة قضية الشرق ويتعمق في تفكيكها بمنهج تحليلي استراتيجي-جيوبوليتيكي ويقاربها من كونها موضوعاً حياً مؤلماً لايزال يتجسد في مشهد الصراع الغربي-الشرقي الذي انطلق منذ صراع البلدان الأوروبية "الغرب" والعثمانيين "الشرق" في أوائل القرن التاسع عشر؛ وعبر الحملات الاستعمارية وما آلت إليه بسقوط الإمبراطورية العثمانية.

 يحلل قرم الأحداث منذ اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 والنكبة 1948 ونكسة 1967 وحتى الربيع العربي 2011، كاشفاً عن دور الدول الإمبريالية فيها؛ منوهاً إلى ولادة "مسألة شرقية جديدة" مع نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 وتراجع وضع الدول التقليدية الكبرى كألمانيا وفرنسا وبريطانيا وصعود الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، متيقناً بأن الأحداث التي ضربت الشرق الأوسط، قد أدت إلى بروز الفوضى وتأجيج الإرهاب؛ واستمرار دوامة العنف منذ سبعين عاماً ولاتزال في ذروتها المتمثلة في حروب "العراق وسوريا وليبيا وفلسطين واليمن".

أما عن دافعه في العودة إلى الكتابة، فهو لإحساسه بالخطر، وبأهمية مواصلة جهوده في التحليل وترتيب الأمور فكرياً ولغوياً، لاسيما وإن إحياء نكبات العالم العربي قد حدثت بفعل متغيرات طرفية واستراتيجية جديدة كما يشير؛ وارتكازاً على رؤيته كخبير سياسي في العلاقات الدولية والاستراتيجية والتاريخية؛ اتبع منهجية التحليل القائم على العوامل المتعددة وارتباطها بأسباب موضوعية وذاتية مختلفة على الرغم من تركيزه على تأثير العناصر الموضوعية في علاقة الشرق بالغرب وما تتسم به من حالة صراعية حيث يٌذكر بأنه "لابد أن نكون واعين بأن القوّة أو التأثير في العوامل الداخلية ترتبط بشكل واسع بما تحظى به من دعم بفضل التدخلات الخارجية"، مضيفاً بأن هذه العلاقة قد تحولت راهناً إلى صراع عربي-عربي، سيؤدي بالمنطقة نحو المزيد من العنف والإرهاب، بل والفوضى المطلقة وإلى تناقضات في السياسات المتبّعة والهذيان المتفاقم، مؤكداً "بأن كل تحليل لا يأخذ في اعتباره التعقيد الناجم عن تفاعل العوامل الداخلية بالخارجية فهو يبسّط مسائل هذه المنطقة التي تمر اليوم في انهيار عنيف".

في ثمانية فصول من كتابه يرصد قرم الصراعات العربية وتطوّرها عبر الكيفية التي تنظر فيها الجماعات الفكرية الغربية إلى عالمنا العربي وتركز عليه بنمطية أحادية خاضعة إلى تأثير السرديات الدينية وثقل الصراع التاريخي بين الشرق والغرب لاسيما مع سياقات تأثير الحرب الباردة التي أعادت رسم "المسألة الشرقية الجديدة" في بعدٌ ديني "مسيحي" عبرت عنه قضايا الصراعات المحلية، وكذلك ثورات الربيع العربي والتراجع التنموي.

 

خطاب العنصرية والازدراء

تناول المؤلف في الفصل الأول إرث الضغوطات التي تثقل أطر تحليل العلاقات الدولية وتأثر الكبار اللاعبين المؤثرين في أحداثها بذاكرات جمعية واجتماعية وانتماءات غالباً ما تسّوغ فيها تحليلاتهم؛ لأعمال العنف والحروب وانتشار الجيوش والاحتلالات، وبتأثير من مفاهيم ومقولات غامضة تشكل قاموس مفردات تلك التحليلات، لم لا والأنثروبولوجيا الدينية والسوسيولوجيا الكولونيالية تبعاً لقرم لها تأثير جوهري على بث خطاب العنصرية والصراع والازدراء تجاه الآخر، وبتأثير خبيث من وسائل الاعلام التي تبث صورة عن بلدان الشرق في الغرب.

 في هذا الصدد ينوه إلى إنه وبرغم اتخاذ دول الشرق توجه "عدم الانحياز" تجاه تحولات الحرب الباردة، إلا إنها كانت الخاسر الأكبر، خصوصاً مع بروز الأحادية القطبية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي 1989 الذي حفز وأحيا خطاب "مركزية الفكر الأوروبي-أرنست رينان" إضافة إلى تطور أيديولوجيات "صراع الحضارات" بتدخل مباشر وسافر في إعادة تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حيث استخدمت "نظرية فوكوياما" وشعارات تعزيز دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، لتسويغ السياسة الإمبريالية الأميركية وحلفائها الأوروبيين، في تدمير الأنظمة غير الديمقراطية بالقوة، تماماً كما حدث في اجتياح العراق عام 2003، وهذا أدى كما يقول إلى انحرافات في تحليل نزاعات الشرق الأوسط التي أخذت بعداً في الروايات النمطية التي سعى إلى تفكيكها. 

 

"النمطيات القاتلة" شرّعت العنف

يحدد قرم "النمطيات القاتلة" التي سّهلت وشرّعت، تصاعد أعمال العنف في العالم العربي ويحللها في سيرورة علاقة الغرب بالشرق خلال القرن الأخير، ودور "الكليشهات" في وصم هذا العالم بمفاهيم "العنف والتطرف والإرهاب والفوبيا"، فضلاً عن تعزيز نظريات المؤامرة المسوغة إلى شرعية التقسيم الجيواستراتيجي العمودي "شمال وجنوب"، والتدخل في الشؤون الداخلية لدول الجنوب عبر تقسيم عاطفي بين "أخيار" يساندون أمريكا والغرب و"أشرار" يمثلون دول معارضة ومنافسة تبعاً للمصالح الجيوسياسية واستراتيجية سياسية معززة بالضغط الدولي لشيطنة "الدول المارقة" أو "محور الشر" كما يحدث لإيران وسوريا وكوريا الشمالية؛ وتهميشها من خلال بسط الهيمنة الغربية على العالم، أما في المجال الديني؛ فيجد أن تسيس الديانة بات يجتاح المساحة الجيوسياسية الكاملة للعالم التوحيدي، وإن النزاعات الطائفية المتطرفة قد ازدهرت منذ التسعينيات.

في السياق ناقش الملابسات حول مفهوم الإرهاب واقترنه بالإسلام في العالم العربي، وازدواجيه التعاطي مع قضايا الأمن الدولي، حيث يدعم بعضهم ويجابهه البعض الآخر، وتحت شعارات "العهد الصليبي"، والتمييز بين وجود مفترض لجماعات إرهابية "معتدلة" يجب دعمها وجماعات "متطرفة" تجب مقاومتها؛ كما في الرغبة الجامحة لإسقاط النظام السوري، وحلل في الإطار موضوع "المثلث الشيعي" وتداوله كمصدر للإرهاب.

 

الإسلام السياسي وليد الاستعمار

يكمل تحليله حول "ثقل الروايات الرسمية" التي يفككها في الفصل الثالث عبر إثارة أسئلة افتتاحية؛ هل الإرهاب الإسلامي وليد الدكتاتوريات العلمانية العربية؟ هل الإسلام السياسي ردّ فعل ضد القمع في المرحلة التي أعقبت الاستعمار؟ هل بلوغ الحداثة السياسية يجب أن يمرّ حتماً بالإسلام؟ هل الإسلام عنيف في جوهره؟ وهل يدعو إلى التعامل الشائن مع الأقليات الدينية؟ وهل يستهدف الإرهابيون القيمَ الغربية؟

هنا لا يكتفي "جورج قرم" بالإجابة على تلك التساؤلات؛ وإنما يناقشها من جهة تأثير المحددات الدينية والتاريخية في تشكيل صورة الشرق في المخيلة الغربية، ودور الصيرورات السياسية والتاريخية التي تربط بين الإسلام والعنف والإرهاب وعلاقة ذلك بالدكتاتوريات العربية والعلمانية؛ فكل هذا وذاك برأيه يساهم في تشكيل ذهنية الغرب وصناعة رأيه العام وموقفه من "المسألة الشرقية"، ومنه يخلص إلى إن الإسلام لم يرتبط يوماً بالعنف والإرهاب أو معاداة الأقليات، وحتى حركات الإسلام السياسي التي برزت كانت وليد رد فعل على سنوات الاستعمار في الشرق، وبالتالي فما يحدث اليوم هو امتداد لرهانات وتصورات تاريخية، الأهم أن الغرب لعب دوراً أساسياً في تشكيل هذه الكيانات -أي الإسلام السياسي- ومحاربتها فيما بعد، منوهاً بأن مختلف التحليلات والدراسات المتعلقة بها والتي تروج لها مراكز الدراسات والأبحاث الأكاديمية ووسائل الإعلام؛ ما هي إلا دراسات استعمارية جديدة و"أبوية"، وهي اجترار لنظرية "صراع الحضارات" والرغبة في طمس "المسألة الشرقية" بشكل دائم.

 

تدخّلات خارجية بتواطؤ القادة العرب

يسلط الضوء في الفصل الرابع حول "مكونات المسألة الشرقية القديمة"، ويبدأ حديثه عن الجذور التاريخية والسياسية لتشكلها وهي تتعلق أساساً بالاضطرابات وأعمال العنف التي تواجهها المنطقة، واستشعار الغرب بخطر التمدد الإسلامي عبر "الإمبراطورية العثمانية" على مصالحه التوسعية والإمبريالية، ودلالته في ذلك كيفية تناول نسق الإسلاموفوبياً في الغرب؛ الذي لا يتم إلا عبر العودة إلى الجذور التاريخية للمسألة، وبقصد شرعنة الهيمنة وطمس الهوية الشرقية، ويعطي قرم نموذجاً لذلك حين استخدمت منذ حملة نابوليون بونابارت وحتى اتفاقية سايكس بيكون ومعاهدة سيفرس 1920 كأداة لإضعاف قوى الشرق من خلال بث الفرقة وتشكيل فسيفساء دينية وعرقية" في العديد من البلدان العربية كـ(لبنان والعراق وسورية..) وتحويل "الوطن القومي لليهود" إلى دولة يهودية "إسرائيل" بوصاية وإشراف غربي.

وفي مقاربة تحليلية؛ يذكّرنا أنّ ما يحدث اليوم يشبه تطوّرات بلاد البلقان التي أثارتها تدخّلات القوى الأوروبية الكبرى وظهور مختلف أشكال الإرهاب التي انتشرت فيها آنذاك جراء الغليانات الوطنية، بحكم الأقليات غير التركية وغير المسلمة في الإمبراطورية العثمانية وأشعلت الحرب العالمية الأولي عام 1914 وانتهت إلى انهيار الإمبراطورية النمساوية-المجرية، والإمبراطورية العثمانية ومن نتائجها السيطرة التامة الفرنسية والبريطانية على المجتمعات العربية؛ في هذا، الفصل يستفيض حديثه عن القضية الفلسطينية، كونها همشت على الساحة الدولية إن بفعل الدعم المطلق الذي تلقاه الدولة الإسرائيلية في بناء مستعمراتها، وإن بأعمال العنف الفظيعة التي تهزّ المجتمعات العربية في المشرق، حيث تجدّدت التدخّلات الخارجية بكثافة وبتواطؤ العديد من القادة العرب.

 

التوظيف اللامسؤول للدين

يغوص قرم في الفصل الخامس بـ"معطيات المسألة الشرقية الجديدة"، منذ إنهاء الاستعمار، وتزايد تدخلات القوى الخارجية الغربية والاتحاد السوفياتي، واحتلال فلسطين وبروز دولة لليهود، والتوظيف اللامسؤول للديانة الإسلامية ونشوء القاعدة، مروراً بالحرب الباردة المخلة بالاستقرار، ومصادرة الثورة الإيرانية الشعبية الإيرانية 1979 من قبل رجال الدين ونتائجها على العالم العربي، وحرب الخليج وغزو العراق، واختطاف الربيع العربي في 2011، والتدخل الروسي في سورية، كل ذلك أفضى إلى العنف المعمّم، الذي تلقى فيه الإسلام السياسي دعماً بطرق مختلفة وعبر سياسات القوى الأوروبية والولايات المتحدة، بوصفه العلاج المضاد لانتشار النزعة المناهضة للإمبريالية، وللحركة القومية العربية، فكل ذلك يكشف مجدداً عن مدى استمرار التدخّلات الخارجية في شؤون المنطقة ونتائجها العبثية.

 جاء عنوان الفصل السادس "مسيحية الأصول في طريقها إلى الزوال" حيث يحلل "قرم" قضية تقلق الرأي العام الأوروبي وعالمنا العربي وتركيا؛ ألا وهي مصير مسيحّيي الشرق. من منطلق الاختلاف والتعددية الدينية في الشرق الأوسط، ركز تحليله على المتغير الديني، والشروط التاريخية المتحكمة في توزيع الطوائف المسيحية في لبنان وسورية منذ سبعينيات القرن الماضي، ورأى أن الباحثين -كما المجتمع الدولي- تغاطوا عن دور السوريين المسيحيين في صياغة شروط الفعل الاحتجاجي في المجال السوري، وإنهم غالباً ما يجنحون إلى الحديث عن "المسيحيين المشرقيين" أو "المسيحيين في الشرق" متغافلين الآثار السوسيو-ثقافية على تشكيل منطق التعايش والتعددية الثقافية في منطقة عرفت بالاضطرابات المستمرة، فتسمية "مسيحي الشرق" تجعل من الشرط الديني بالنسبة لهم مدخلاً وحيداً لتحديد الهوية والانتماء، بعيداً عن المتغيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية، التي يمكن الارتكاز إليها لتكون مفتاحاً لمناشدة الوحدة في إطار التعددية وسياق تحولات المشهد السياسي والاستراتيجي الإقليمي.

 

إباحة التدخل العسكري وتفكيك الدول

ويضيف قرم هنا بإن الرهان لا يدور قط حول العيش المشترك الإسلامي-المسيحي، أو الإسلامي-اليهودي وحسب، بل أيضا حول التعددية الدينية داخل العالم الإسلامي وبين مختلف الجماعات الإسلامية، السنة كأكثرية ساحقة، والشيعة، وجماعات أخرى من الإسلام، ويصل في هذا الفصل؛ "إلى إن بعض القوى الأوروبية وعلى رأسها فرنسا قد أباحت لنفسها أن تتدخل عسكرياً، وتؤجّج النار سياسياً وعسكرياً، لم تفعل سوى العودة إلى التقاليد الاستعمارية البغيضة؛ وبالأمس كانت تتذرّع بالدفاع عن الأقليّات المضطهَدة، واليوم تتذرّع بحقوق الإنسان المحتقرة، وإن هذه القوى تعمل اليوم على تفكيك الدول القائمة، بعد أن سلخت لواء الاسكندرون عام 1939 حيث تقع مدينة أنطاكية مرجع المسيحية المشرقية الأعلى، لتقدمه إلى الأتراك، بعد أن مهّدت لاستعمار فلسطين والقدس على يد الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، مما تسبّب في إزالة الفلسطينيين المسيحيين، والجماعات المسيحية في سورية مهدّدة بالاندثار، لأن قادة أوروبيين مصابين بالعمى، لاسيما في فرنسا، لم يتردّدوا من مساندة التعصب الديني لدى المجموعات الإسلامية المتطرفة، التي صادرت لمصلحتها المعارضة السورية". 

اقتصاد الريع أصل المشاكل

وكاقتصادي يدق "جورج قرم" في الفصل السابع ناقوس الخطر بشأن التراجع التنموي وما تتخبط به أغلب البلدان العربية، على الرغم من امتلاكها ثروات طبيعية مهمة، إلا إن مجتمعاتها تعيش وضعاً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً كارثياً، مقارنة بدول أخرى أثبتت وضعها الاقتصادي العالمي كدول جنوب شرق آسيا، أما أسباب ذلك التناقض المثير فيكمن في تعميم اقتصادات بُنيت على الهدر الناجم عن الفساد والنموذج المدمر للنمو والتنمية، وعلى اقتصاد الريع حتى في داخل المجتمعات التي لا تملك احتياطيات نفطية، وهنا لا يكتفي بذلك؛ إنما يحاول فهم أسباب الإخفاقات المتكرّرة في محاولات التصنيع، وفشل الإرياف، واستمرار بؤر واسعة من الأميّة، والبطالة بين حملة الشهادات من الشباب والهجرة وتشكل شرائح واسعة تعاني من الفقر والتهميش الذي جعلهم ضحية رخيصة للدعاية الدينية المتطرفة التي تموّلها التنظيمات الإرهابية وبعض الدول، إضافة إلى تطبيق وصفات اقتصادية مالية نيوليبرالية لم تفعل سوى تأجيج الوضع المتفجّر.

مضيفاً بأن التحولات في المجتمعات المحلية والنسيج السوسيو-اقتصادي العربي لم تواكبه دراسات علمية جادة -محلياً بالأساس- للوقوف عند مكامن خلل الخطط التنموية، والمعضلة تبعاً له لا تنحصر في ضعف الموارد المادية البشرية واللوجستية، وإنما في إدارتها وتدبيرها وقيادتها، في وقت تتنامى فيه حدة ظواهر الفساد واللاعدالة الاجتماعية وسوء توزيع الثروات والموارد المحلية في الاقتصاد الريعي التي شكلت أهم عناصر تفجر حركات الانتفاضات الشعبية عام 2011.

 

أطروحة "هانتينغتن" هذيان عرقي

يتصدى "قرم" بحزم في كتابه لمفهوم "صراع الحضارات"، فيدحض منهجياً أطروحة "هانتينغتن" ويندّد بوظائفها الإيديولوجية ويرى بأنها هذيان عرقي تجب مقاومته من دون هوادة، وهي تكرار قديم لعنصرية القرن التاسع عشر الأوروبي العنيفة التي قسمت العالم إلى كيانين خياليين: العرق النبيل والراقي، عرق الآريين، والعرق المنحط، عرق الساميين ذوي العقل الثقيل، المتجسد اليوم في الإسلام. وإن تشجيع فكرة حوار للحضارات والثقافات والأديان، إنما يدعم فكرة "هانتينغتن" من أن الحضارات والثقافات والأديان، تشكل الأسباب الحقيقية للنزاعات، وليس طموح القادة السياسيين واعوجاج ضمائرهم، إن هذه الأطروحة تستخدم في تشريع وعلى نحو مباشر وواع وغير مباشر وغير واع، تشريع السياسات الهوجاء القائمة على تدخّلات الحلف الأطلسي، في شؤون العالم العربي الداخلية، وخدمة مصالح اقتصادية غربية، كما إن اقترانها بظاهرة الإرهاب شكل ذريعة للتدخل في المنطقة العربية وتحت مسميات متنوعة كاجتثاث التطرف وزرع الديمقراطية، وإن ربط الحضارة بالصراعات الاجتماعية الثقافية والسياسية ما هو إلا دليل على البعد الديني للمسألة، أكثر من البعد الاستراتيجي أو الاقتصادي.

 في خلاصة الكتاب، طالب مجلس الأمن بالامتناع عن التصويت على أي عقوبات اقتصادية تمسّ حياة الشعوب البريئة عوضاً عن حياة قادة الدول المتهمين، فهي تشكل جريمة ضد الإنسانية، ووجد أن أسباب التدخلات في منطقتنا العربية تعود إلى الرغبة في تشغيل معامل السلاح والحصول على امتيازات اقتصادية كالعقود النفطية والغازية، هذه التدخلات التي بررتها الولايات المتحدة وحلفائها الغرب بالكذب وتسميم الأجواء والإعلام الكاذب، كي يبرّروا في عيون برلماناتهم ورأيهم العام المغامرات العسكرية الخارجية، وتساءل: كيف يمكن ألا تعاقب الأكاذيب المكشوفة لمسؤولين كبار كجورج بوش الأبن وطوني بلير بسبب اجتياحهم العراق عام 2003 وما سببوه من خراب وآلام بشرية، ومناطق للنزاع وموجات من اللاجئين؟

 بحق؛ إن قراءة الكتاب مهمة، خصوصاً ومنطقتنا العربية لاتزال تطحنها التدخلات الأجنبية والاحترابات الطائفية والعرقية واستمرار وتيرة العنف وعجز الشعوب عن تحقيق حلمها في الانتقال السياسي والديمقراطي الذي وعدت به، وما تعانيه من فساد وهدر للثروات. إن الحل الاستراتيجي لتجاوز حالة الصراع التاريخي بين الشرق والغرب، تكمن في البحث عن صور "التعددية" وقبول الآخر الغربي أو الشرقي بوصفه مختلف عنا ويشكل غنى وإضافة نوعية لوجودنا.

 

المنامة – 20 مارس 2023