الثلاثاء، 4 أكتوبر 2022

اضاءة على الحق الانساني الغائب

 


كتبت: خديجة مسعود

باحثة وكاتبة من البحرين

 

باعتزاز كبير سرني صدور هذه الدراسة التوثيقية (حق المرأة البحرينية في منح جنسيتها إلى أبنائها) للدكتورة منى عباس فضل. فإضاءتها على أحد الجوانب الحقوقية ذات البعد الاجتماعي والاقتصادي والحقوقي للأم البحرينية المتزوجة من غير بحريني والتي تعاني وتكابد المرارة لحرمان أبنائها من أهم وأبرز الحقوق الأساسية، وهو حق الاقامة وحق الحصول على الابتعاث والتدريب وفرص العمل والحصول على سكن.

 

إن هذه المبادرة الجميلة التي انبثقت من الدكتورة منى، والتعاون المثمر مع إدارة الإتحاد النسائي البحريني، الذي حرص منذ تأسيسه على متابعة هذا الملف الحقوقي برصد بيانات عن الأمهات البحرينيات المتزوجات بغير بحريني لمنح جنسيتها لأبنائهن، فلجنة الجنسية بالاتحاد النسائي البحريني قامت بجهد محمود عليه للدور الكبير والبارز والملموس الذي اولته في هذه القضية المهمة ولاتزال تقوم بتنفيذ برامج التوعية المجتمعية والأنشطة الاجتماعية والثقافية والحقوقية والاعلامية والحملات الوطنية، والاهتمام بالأمهات المتضررات اللاتي يعانين من مشكلات متعددة لحرمان الأبناء من حقوقهم الاساسية ومساعدتهن كما حرصت اللجنة على المشاركة في كل المؤتمرات والملتقيات والندوات الدولية والاقليمية والمحلية.

 

 بالإضافة الى المتابعة المتواصلة مع الجهات الرسمية المعنية بالجوانب التشريعية والحقوقية كمجلسي الشورى والنواب وحضور الاجتماعات معهم، ورفع المرئيات فيما يخص هذا الجانب الحقوقي والانساني، وللتعرف على أحوال الأمهات البحرينيات المتضررات من حرمان أبنائهم من منح جنسيتهن أو اللاتي يعانين الأمرين، ولكي يتم النظر بعين الرحمة والعدالة والإنصاف في منح الجنسية لأبنائهم. وهذا ما أكده الدستور والميثاق الوطني لمملكة البحرين، اللذان لم يميزا بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات. إن اختيار الدكتورة منى عباس فضل للعمل في هذا الملف الحقوقي (المعقد والشائك) جهد يستحق الثناء عليه.

 

إن تكاتف وتضامن الأيدي مع إدارة مجلس الاتحاد النسائي البحريني – لجنة الجنسية ولجنة الشابات حالياً المتميزة، يعتبر المنبع والأساس بتوفير البيانات والتقارير والمعلومات عن كل الأنشطة والفعاليات التي قامت بها طيلة السنوات، واينعت هذه الدراسة التوثيقية الأولى والتاريخية المهمة في البحرين، وقد استطاعت الكاتبة والباحثة المتمكنة بما تمتلكه من خبرة ومعرفة في إبراز المعلومات والبيانات على أسس عملية ومنهجية دقيقة، كما إن دراستها لخمس حالات من الأمهات المتضررات وعرضها بشكل تحليلي يعتبر اضافة نوعية لهذه الجهود الطيبة والحريصة على مواصلة العمل بتفاني وإخلاص في هذا الملف، لكي يرى النور هذا الحق الإنساني المنسي بمنح الأمهات البحرينيات المتزوجات بغير بحريني بالسلاسة بمنحها حقاً مساوياً مع الرجل في نقل جنسيتها إلى أبنائها، ولتنعم الأسرة البحرينية بالأمن والاستقرار والأمان.

إن المطالبة باستجابة السلطة التشريعية وراسمي السياسة العامة، بضرورة تعديل المادة (4) من قانون الجنسية البحريني الصادر عام 1963 م للمرأة في منح جنسيتها إلى أبنائها على أساس حق المواطنة الذي كفله دستور بلدنا العزيز.

 

أملنا أن يتوج العام الجديد بهذا التعديل المبتغى والمرجو.

 

المنامة – 4 أكتوبر 2022

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2022

قصة شعبنا والثورة


منى عباس فضل

مررتُ على المقبرة حيث يرقد أبي، وكل الشهداء المناضلين هناك. انقطع المطرُ، فوقفت أمام المقبرة، رائحتهم لاتزال عالقة في الكون، وهيبةُ رحيلهم ما تزال في أوُجها، وللحظة شعرتُ بأرواحهم ترفرف حولي كفراشات تتراقصُ. وقفت لحظة حداد أمام قبُورهم أنشد:

 

قِصَّة شعبِنا والثَّورةُ يَرْوِيها العراكُ الضَّارِي

قِصَّتُنا شعبُ تثيرُ كُلَّ شعبٍ فقيرٍ

وأصحابَ الضميرِ

 

إنها ثورة ظفار؛ ليست حقبة تاريخية تشبعت بفكر وقيم ومبادئ ومضت بلا رجعة، بل ملهماً وأيقونة لجيل من الشباب والشابات العمانيين والخليجيين، شعارات الثورة وزمنها وأغانيها تتخلد في متون الحكايات والرؤي التي يبدع فيها هؤلاء الشباب، وها هي نور غفرم الشحري تبدع في نقل لوحة إنسانية مؤثرة وعميقة في روايتها "قصة شعبنا والثورة" وعن مآلاتها.

تنقل نور مشاهد الحياة الظفارية في ظل الثورة، هي لا تبالغ في نقل صور سمعتها من الكبار وقرأتها في صفحات ما وقع بين يديها من وثائق، سجلت أحداثها التي أذهلت العالم من فرط معاناة شعبها وما قاسوه وما قدموه من تضحيات.

 تسرد نور التجربة النضالية من خلال مقاومة مصاعب الحياة التي عاشها الظفاريين وتضحياتهم وكفاحهم المرير من أجل تغيير واقع العبودية الذي كانوا يعيشونه، في متنها يتجول القارئ بين أحراش الجبال وفي هيبة الطبيعة وقسوتها وجمالها النابض بالحياة؛ بعبارات متوهجة تهدي الكاتبة روايتها إلى أبيها أحمد سعيد الشحري؛ فتكتب:

- "إلى ذلك الرجل الشجاع، والبطل المغوار، والذي حمل بندقيته، وفي نبضه كل معاني الكرامة والإباء، إلى الفارس الذي رحل عن الدنيا، وما تزال الرصاصة في جيبه!! رحل وما يزال رمزاً للعطاء، وعنواناً للشرف، ومثالاً للأمانة والنضال. أبي ليتك تقرأ هذه الرواية، والتي أخذت من ذكرياتك ويومياتك، والتي كنت تقصها علينا، ليتك تقرأ ملامحك فيها، وبعض صفاتك الرائعة، والتي لا تتكرر.." أما إلى والدتها فاطمة سهيل سعيد البرعمي فتقول:

 - "أيتها الغالية الحنونة الباسلة، لقد كنت أنت بطلة روايتي؛ فالبطلة أخذت ملامحك، وذكرياتك، ومواقفك المشرفة، ومعاناتك، لطالما ألهمتني، ولطالما كنت فخورة بجمال روحك، وبمواقفك أيام الثورة. أنت الثائرة الصابرة، الوطنية الوفية الأبية الشجاعة. أنت القدوة والمثال، أنت أجمل النساء، وأكثرهن حكمة، ونبلاً وكرماً، يا ابنة الأكرمين". وإلى عمها محمد سعيد غفرم الشحري جاء إهداؤها كشهادة إليه ووسم:

 -"إلى ذلك الرجل الذي عاش شهيداً طوال حياته!! رحلت، وما تزال بعض رصاصات الثورة مغروسة في جسدك!! وأظنها لا تريد انتزاعها منك؛ لأنها أصبحت جزءاً منك، ومن شخصيتك. إلى ذلك الباسل الذي عاش حياته، وهو يتكئ على عصاه بعد أن اخترق الرصاص جمجمته، ورجله، وكامل جسده!! هل تعلم أنك تختصر في تصرفاتك قصة الشعب والثورة بكل معانيها ومعاناتها، حقيقة أشعر بالغصة؛ لأنك رحلت قبل أن تقرأ روايتي، والتي أخذت مشاهدها من شجاعتك وقوتك، لتغشاك الرحمة يا أبي الثاني".

 برصانة من يتحمل مسؤولية السرد التاريخي؛ قدمت نور روايتها قائلة؛ بأنها تتحدث عن فترة الثورة ومعاناتها الإنسانية، وإن الخيال تداخل فيها بالفكر والقيم التي استلهمتها من والداها وأقاربها، ومن مذكرات أبيها وأمها ومعارفها ورجال "طفار الأوفياء"، وأضافت بأنها تنظر إلى قصة "ظفار" الأبية بكل قبائلها وعشائرها بلا تفرقة ولا تصنيف، وإن بطلة روايتها عاشت فترة الثورة، ثم رحلت لليمن وعادت إلى الوطن ثانية وتغربت بعدها إلى لندن.

 ثمة ما بقى في جوهر طفول "ظفار" على حاله وحافظ على إيقاعه حتى آخر سطر من الرواية؛ "فكلما كبرت "طفول" الظفارية، تتعلم، لتدخل غمار الحياة بنقاء، رغم كل التشوهات حولها، تحارب من أجل مبادئها، وقلبها، ونبضها". وهي تعترف بأن روايتها هي قلب الثورة، ومعاناة الإنسانية، ونبض الحرية، وقد حاولت عبر مسار أحداثها، التعبير عن ملامح سكان تلك الفترة ومشاعرهم ومعاناتهم وصراعاتهم ووديانهم وغاباتهم وسهولهم وصفاء سمائهم وخصوبة أرضهم ونقاء قلوبهم رغم الظلام والظلم والفقر والحرب والقنابل والرصاص، وهي هنا تؤكد بأن المواقف والمشاعر التي تنبض في روايتها واقعية.

 بوعي التزمت المؤلفة بتسلسل زمنى وأمانة وطنية في مسار الأحداث وإن بحذر من المبالغة في تصوير الثورة بصورة حالمة وحالة استعراضية على مسرح تنقل عبره شهادات منتوفه وجامدة حباً في البروز أو في الالتصاق بزخم حالة الثورة وشعاراتها في زمن ما، نور على عكس ذلك تماماً؛ إذ إنها أمسكت بخيوط المعاناة والظلم وعبرت عن الفقر والجوع والحرب والحالة التي كان يعيشها الظفاريون مع الثورة والرصاص الذي كانوا يتعرضون له والقنابل التي تلقى عليهم وعلى مواشيهم وأكواخهم التي كانوا يعيشون فيها، عبرت عن مقاومتهم لكل ذلك، فحافظت على نهجها الوطني بأمانة واتزان دون إسفاف وهي التي تهدي روايتها: "لكل شهداء الثورات وأبطال الروايات وصناع المجد والانتصارات، كنتم الشعلة التي أضاءت لنا الطريق، تحية إكبار لأرواحكم الطاهرة، أرقدوا بسلام"، في الوقت الذي أثارت فيه التساؤلات التي تخلفت في نفوس الأطفال الأبرياء:

 لم نكن نحن الصغار نعلم لم قامت تلك الحرب؟ ولم ذلك القتال والتنظيمات؟، ولماذا تحلق الطائرات، وتقذف النار والقنابل على الناس، والحيوانات والمراعي؟ لماذا يأسرون الآباء، ويتركون خلفهم أبناءهم ينتحبون؟ ولماذا يهدمون البيوت، ويتركون أصحابها يباتون في العراء كاللاجئين الذين لا وطن لهم؟!، ولماذا يحطمون الأحلام، ولا يتركون لنا حلماً واحداً نعيش عليه؟! لماذا يحولون الليل للنهار، بفعل أضواء اللهب وكشافات الطائرات التي تقذف الموت، وتوزعه على امتداد السهول والغابات؟!

 نعم كل هذه الأسئلة وتلك أثارتها نور في روايتها ولم تجد لها إجابات في وقتها، لكنها أيقنت ومما سمعته من الكبار أن النصر سيأتي، ولكن أيُ نصر هذا، ولمن سيكون؟! لم يكن هناك شيء واضح لها سوى تلك السماء التي تمطر الرصاص والقنابل بلا انقطاع!! إنها الحربُ. إنها قصة النضال والتضحية. إنها قصة شعبنا والثورة.

 في الرواية دلالات تعبر عن براعة لغوية لدى نور وهي تكشف عن فيض الحب والوفاء والتضحية والتحدي، ومعاناة الغربة؛ "كنا في بعض الليالي نستمع للمذياع الذي يبث لنا أخبار الوطن، ويردد أسماء الشهداء. كانت أمي ونساء الحي ينتحبن طويلاً، سيظل مجد الثورة بكل أبطاله أغنية لا تمل، ترددها قوافل "بلقيس" وتحملها مواني اللبان، ومواسم الخريف الماطرة، وتحكيها مساءات "الصرب" البهية، وليالي الشتاء الحالمة. إنها أنشودة الوطن، إنها قصة شعبنا والثورة.

 لم تغفل عن ذكر من شاركوا في الثورة وحلمها من خارج ظفار؛ مثمنة أدوارهم وتضحياتهم كأحمد الربعي والمعلمة هدى سالم "ليلي فخرو" ويوسف طاهر "أحمد العبيدي"، وتمزج ذلك بشعور الغربة القاتلة؛ "فحين تنفيك الحرب، وتلفظك خارج ديارك، تشعر باليتم والانكسار والحنين، ومهما كنت مستقراً جسدياً، إلا إنك نفسياً لا تهدأ أو تستكين، حتى تعود وتقُبل ذلك التراب الذي إليه تنتمي".

 في الحقيقة، نحن جيل عايشنا حلم الثورة الظفارية ومدرستها، ولا نزال نحلم بغد لا يرجف فيه الأمل، لا نمل ولن نمل عن قراءة كل يتعلق بأنفاس الثورات فهي صراخات الشعوب الغاضبة على الظلم والقهر والفساد والاستبداد والإفقار.

 إن مخاض التغيير الاجتماعي والتاريخي طويل، وهذا ما خلص إليه فواز طرابلسي: "إنه لا يوجد ثورات فاشلة بالمطلق. فالثورات، ولأنها عوارض لأزمات خطيرة تخترم المجتمعات التي تحدث فيها، فلابد وأن تترك أثراً حاسماً على المسارات التي تليها، حتى لو أخفقت في تحقيق أهدافها المعلنة والنهائية في تسلّم الحكم وفي تنفيذ كامل برامجها والسياسات، الثورات هي إعلان عن فشل الإصلاح، وهي تفرض على الحكام تحقيق الإصلاحات تماما كما طالبت بذلك ثورة ظفار".  

 المنامة – 27 سبتمبر 2022 

الاثنين، 19 سبتمبر 2022

مكية الأم والملاية

 


منى عباس فضل

 

تواصلت معي عبر الواتس آب قائلة: معك فاطمة، أبى أسلمش نسخة من كتاب "مكية بنت منصور"، اتفقنا على كيفية الاستلام، وظل بالي طيلة يومين من اتصالها حبيس صورة المرحوم زوجها ظافر الذي اختطفه الموت فجأة من أحضان أحبائه وخلف فقده جرحاً غائراً لا يلتئم، هكذا هي حيواتنا ونحن نودع أحبائنا تباعاً بحزن يمتد ويأكل فينا ولا ينتهي.

 

حين استلمت الكتاب، عرفت أنه سيرة والدتها المرحومة مكية. قرأته بتأن، ليس من عادتي كتابة أي تعليقات أو تحليل انطباعي لكتاب إلا حين تتلبسني مادته التي يعالجها؛ سوءاً تفاعلت مع مضمونها أو اختلفت. كلما توغلت في سيرة مكية التي حررها علي الديري الذي طالما تجادلت معه بشأن كتابة سير الأموات بتفاصيلها ودهاليزها، وبسؤالي دوماً؛ ما الجديد؟ ما القيمة التي ستضيفها هذه السير؟ تسألت مراراً وتكراراً عما يشغله بهذه السيرة ويدفعه للتوغل في التعبير عنها ووصفها وتفكيكها وتحليلها في بعدها الايديولوجي الديني المشبع حد النخاع ببعده الطائفي "بالمناسبة؛ لا أقصد هنا المذمة"؛ وإنما تحفيز سؤالا حساساً لا يحبذه البعض؛ وأجيب على سؤالي بسؤال: هل من إشكالية في التدثر بعباءة الطائفة؟ الغرق في هوياتها الفرعية؛ الإيغال بالتمسك بها وبمظاهرها؟ من الذي فتح عش الدبابير وأطلق ولع الناس ونهمهم لكتابة سير أهاليهم وتعليق صور موتاهم وأعلامهم في الطرقات والفرجان؟ من؟

 

هنا لا تحتمل مضامين المسألة وأبعادها المفاضلة بين موقف صواب وآخر خطأ بين أبيض وأسود، ولطالما تجادلت مع الديري حول إعلاء الهوية الفرعية الحاضنة حين تتنكر لك الهوية الوطنية، دارت بيننا مناقشات متقطعة منذ بدايات قرأتنا للهويات القاتلة لأمين معلوف وما تلاها من مؤلفات، وخطاب الهوية لعلي حرب وغيرهم الكثير، تغيرت الأحداث السياسية والحراك الذي مرت به مجتمعاتنا المحلية بمآسيها وموبقاتها وتفشي الظلم والتمييز؛ لم يغلق باب هذه الإشكالية؛ وليس في المنظور القريب أن يغلق.

 

صوتي الجواني يعلو؛ وأنا أتصفح سيرة مكية، يعلو بشحنات انفعالية تغالب عقلي أحاول الوقوف على مسافة قريبة منها وأتفهم، أتفهم لأنني في نهاية المطاف ابنة هذه البيئة التي تربيت فيها وترعرعت، قلت: لا لؤم على الناس حين تُؤقظ ذاكرتهم المتحررة من وطأة الماضي، حين يجدون أن الحاضر يطمس الوقائع؛ وإن تاريخهم يلفظ ويقضم ويحذف ويشوه ويهمل ويعدم وقل ما شئت، فالسعي لتشكيل حقيقة مزيفة حسب الأهواء تكاد تتغلغل وتطبق على أنفاس الناس.

 

تتقافز الأسئلة تباعاً: من يكتب تاريخ الناس؟ من يقرأه من يفسره وكيف؟ للحديث بموضوعية وبتجرد من التحيزات؛ ثمة عدّد نحتاجها وإن لم تروق إلينا الصور وتفاصيل الحكايات في بعدها الديني والطائفي المؤدلج، لسنا معنيين بأن نكون قضاة قساة على الناس وعلى ما يدور في عقولهم وأفئدتهم، ماذا لديهم كي يتحدثوا عنه ويسردوه غير عقيدتهم، غير الذي عاشوه وشكل هاجساً وقلقاً لهم، ففي تدوينهم لتفاصيل حياة آبائهم وأجدادهم يكمن تاريخ المجتمع ببعده الإنساني، وفي الحقيقة بكل التباينات التي رافقت أحداثه، وحين نتوغل في تفاصيل سيرة مكية، يأخذنا الديري إلى ساحل بحر الديه الذي سرق كما غيره من سواحل قرى البحرين حيث غابت السواحل وراء أسوار اسمنتية، معه نستحضر الغوص وشطف العيش وحياة البساطة للناس بين البساتين الخضراء والنخيل التي مثلت تراثاً متجذرا في الأصالة، وهذا يثير وجع الناس ممن عايش تلك الفترة، في استحضار نهب البساتين من أصحابها وتشكل علاقة "السخرة" بالاستغلال والظلم.

 

يطيل السرد عن المكان "المأتم"، وبما يشكله من موقع ومكانة في الذاكرة الجمعية هذا المكان الذي لا يرد ذكره في كتب المدرسة ومناهجها، يصفه وصفاً دقيقاً حتى وإن شاب السرد التكرار حتى في علاقات أصحاب المكان وطقوسه في كل شيء، فهو هنا يؤرخ بأمانة وصاحبة السيرة "ملاية" معروفة بين ناسها ووسط قريتها والقرى المجاورة، تعبير لا تجده هو الآخر في كتاب التاريخ المدرسي المحكوم ببعد ايديولوجي وطائفي تغيب عنه صورة المختلف المهمش وبتقصد، يدرك الديري أن هذه الذاكرة أداة قوية لقراءة حال الحاضر وعلاقاته والتنبؤ بالمستقبل، وهو يلامس موضوعاً سجالياً ويترافع فيه بتحد عبر إبراز المآسي العوز وقيود التكبيل كما يكشف عن التحولات التي حدثت في القرية في إطار التغيير الذي طرأ بتحولاته النوعية على المجتمع، هو يسرد، وعليك أن تكتشف وتربط الأحداث بوقع التراث الذي يوغل في تفكيكه من خلال سردية الملاية مكية التي  يضيع في متاهاتها من لا يدرك عمقها ولا يقر بحق الناس في كتابة تاريخهم وتاريخ ابائهم المغيب.

 

التقط الديري ما يغور في عقل ابنتها فريال، أخذ موقعه في الماضي القريب وهو يسرد، يرسم تفاصيل بيئة قرية الديه وأدار حواراً مقتطعاً مع شخصيات عاصرت الملاية مكية، وكشف بتأويلات عن بساطة معيشة الناس وأبوابهم المشرعة على مصراعيها، عن مرارة التجارب الحياتية وعلاقات الأهالي التراتبية الطبقية المتخفية والتي يمكنك استشفافها بين السطور، اهتم الديري بالتفاصيل وبالرموز ودلالتها، باللغة الدارجة في القرية، بالعادات التي تجسدت في مواقف وطقوس شكلت ولا تزال عموداً فقرياً في العقل الجمعي وحاضنته، إنها العقيدة المستوحاة من سيرة الإمام الحسين عليه السلام وثورته التي تناولها عبر القبب والمزارات والمكان "المأتم" وطقوس المجلس الحسيني ودور "الملاية" وخدمة الحسين التي يضفي عليها المهابة فهي بالنسبة له الأمانة والصدق والعطاء والتضحية.

 

أن تقرر أسرة العكري الإفصاح عن سيرة إحدى نسائها المعروفات بقرية الديه "الملاية مكية"، لهو بحد ذاته جرأة في القول ونقل الأحاجي والصور التي لا تنضب، فما غُرس في الرؤوس لا يزال يشع ولم يتوقف، لقد آمن الديري بأن حقيقة مكية وغيرها من الملايات ونساء القرى والمدن ليست ملكاً لهن أو لعائلتهن، هي ملك للناس فمن خلالها تُوقظ الذاكرة الجمعية.

 

يقول هنري بر، "أن التاريخ روح التعليم، هو معرفة الماضي الإنساني، بكل تعقيداته وغناه"، أما دور كايم فيذكر: "اعتقد انه بدراستنا الماضي باعتناء فقط، يمكننا أن نستبق المستقبل ونفهم الحاضر، وبالتالي يكون تاريخ التعليم أفضل مدرسة تربوية"، أما اللبناني عصام خليفة فيذكر "قراءة التاريخ تلقّن الناس دروس في الحكمة".

 

ختاماً لا أعلم عن الأسباب الحقيقية التي حملت ابنتها فريال؛ الإصرار على كتابة سيرة والدتها، لكن المهم إن السيرة تشكل إضافة لتدوين تاريخ الناس المغيب في مناهج المدرسة وفي سرديات الإعلام الرسمي، وربما هي تجيب على أسئلة نخله وهبة في كتابه أحفاد بلا جدود حين قال:

 

-       كيف أجد أجدادي في كتب التاريخ إذا لم أجد تاريخ منطقتي، كي أقول تاريخ قريتي؟ كيف أشعر أنني حفيد الأرض التي احتضنت رفات جدتي وجدي ووالدتي إذا لم يمر التاريخ ولو مرة عابرة على ما شهدته تلك الأرض بصفتها مسرحاً لحدث أو أكثر من الأحداث المهمة التي تستحق أن ينتبه التاريخ إليها؛ أو بصفتها معبراً أو ملجأ، كيف التقى ذاتي في بقعة ليس من يحافظ على قدسية ما في باطنها ولا على قيمة ما على جلدتها ولا على ما يحيا ويتحرك ويتفاعل في فضائها.

 

المنامة – 19 سبتمبر 2022


السبت، 10 سبتمبر 2022

حلم الأبّة السماوية


 منى عباس فضل

 إنه ذكرى الطفولة وبراءتها هو الزمن الجميل بتلقائيته وسعادته التي لا توصف، المريول كما درج على تسميته، وهو الزي المدرسي للبنات. له هيبته وطقوسه التي كنا نفرح بها كما نفرح وننتعش بفساتين الأعياد والمناسبات.

 

هو عنوان لافتتاح موسم دراسي جديد في كل شيء، من المريول إلى الحذاء إلى شرائط الشعر ومشابكه والملابس الداخلية والجواريب والمناديل حيث لم يعتد الناس بعد على استخدام المناديل الورقية، هو السعادة بيوم شراء القرطاسية والشنطة بما تحتويه من أقلام رصاص وملونة وخلافه وبتجليد الكتب والدفاتر طقوس تتكرر علينا وعلى أبنائنا كل عام دراسي واليوم على أحفادنا بصورة مختلفة ومغايرة تعبر عن تطور المجتمع وتغير نمط سلوكيات أفراده.

 

هي ذكرى معاودة اللقاء مع الصديقات وزميلات المدرسة بعد انقطاع في الإجازة الصيفة، هو الموعد اليومي لمغادرة محيط المكان المحدود إلى الشارع العام سيراً على الأقدام إلى المدرسة وجدرانها حيث تتفتح عقولنا الطرية الصغيرة لتصغي فيه إلى أصوات تنقلنا إلى عوالم شاسعة ينطلق معها الخيال بالأحلام بالتمني.

 

شهد المريول أبو أبّة بلونه الترابي تغيراً عبر عقود من الزمن، حيث كان يحاك من قماش "الترقال أو البوبلين"، أكمامه طويلة، مع ياقة بألوان مختلفة بحسب أسماء مدارس البحرين الابتدائية؛ تغيرت ألوان الأبّة "الياقة" ثم توحدت إلى اللون الأخضر لجميع مدارس المرحلة الابتدائية وتغير بعدها الزي المدرسي بكامله في منتصف التسعينات إلى قطعتين تتكون من قميص أبيض ومريول محفور الذراعين من قماش ذو خطوط يتمازج فيها اللون الأبيض بالأحمر بالأسود والأخضر، واللون الأحمر هو الأبرز فيها.

 

ارتبطت صورة المريول الترابي بالأبّة "الياقة" وشريطة الشعر بطفولتي وأحلامي الصغيرة المدفونة في مراحل تعليمي الابتدائي والتي لا يعرف عنها أحد، إذ لا أحد لديه وقت ليسألك أو يستمع إليك ربما إلا حين تصرخ من وجع وألم.

 

أخذوني من ساحة اللعب فجأة إلى الصف الأول ابتدائي بمدرسة العجاجي بفريق الفاضل وهي بعيدة قياساً في المسافة في ذاك الزمن عن منزلنا الكائن في فريق الحمام، لم أكن أحب مدرستي لأنها حرمتني من اللعب؛ تعهد والدي رحمه الله بتوصلي كل صباح وقبل ذهابه للعمل على سيكله إلى المدرسة، كما تعهدت معلمة رباب الشريفة كما كنت أعرفها وهي صديقة لعمتي آنذاك وتدرس في نفس المدرسة باصطحابي معها للعودة إلى منزلنا ولأننا جيران.

 

كان لون أبّة مريولي الترابي في مدرسة العجاجي نيلي وهي درجة من درجات اللون الأزرق المشع الجميل، كنت أحب لونها لأنني بالأصل أعشق اللون الأزرق بدرجاته المختلفة، لكنني لم أحب المدرسة لأن تقيدني عن اللعب، وبها تلميذات يكبرونني في العمر كثيراً بسبب دخولهن للتعليم متأخراً كما كان سائداً في ذاك الوقت، ستجد في الصف الأول الابتدائي بين التلميذات بعمر الست سنوات، تلميذات أخريات بعمر 15 سنة؛ ولك أن تتخيل ماذا يحدث من مناوشات ومشاغبات يفترض فيها أن تكون محصناً بالقوة والحيلة لمواجهة أي موقف.

 

بعد شهرين تقريباً، وفجأة ودون معرفتي؛ تم نقلي إلى المدرسة الوسطى في فريق الحطب فتقربت المسافة من بيتنا نوعاً ما لكنها لا تزال بعيدة عنه، المدرسة عبارة عن منزل مستأجر من الحاج أحمد بن خلف؛ وهي ملاصقة بجدار منزل ابنه المرحوم عبد الرسول خلف، جاء نقلي لأن معلمة رباب تم نقلها للتدريس بهذه المدرسة التي مديرتها السيدة موزة القحطاني. لم يكن بالمدرسة غير ثلاث مراحل دراسية فقط الأول والثاني والثالث الابتدائي. كان لابد من تغيير أبّة المريول الترابي إلى اللون البني الذي لا أميل إليه ولا يشدني، حيث حلمي كان يهفو إلى الأبّة باللون الأزرق البحري السماوي الذي ترتديه تلميذات مدرسة فاطمة الزهراء القريبة جداً من منزلنا.

 

كنت أخاف الحي الذي به المدرسة الوسطي؛ كونه وسط منازل وعمارات تسكنها الجالية الهندية ممن يعمل أغلبهم في سوق الصاغة وتؤدي طرقه إلى سوقهم ومعبدهم في سوق المنامة، كما إن روائح المكان تزعجني وتثير اشمئزازي، حتى وهي تختلط بالروائح المشهية المنبعثة من مخبز مرزوق، رائحة الكب الكيك الذي أعشقه والبخصم والكماج وبسكويت الشكلمه.

 

لبست مريلتي بالأبّة البنية لثلاث سنوات، بعدها كنت قريبة من تحقيق حلمي لأن أنقل أوتوماتيكيا كما تراءى لي إلى مدرسة فاطمة الزهراء وأرتدي المريول الترابي بالأبّة السماوية، كنت كعادتي ألح وأطحن وأزن على عمتي لنقلي لهذه المدرسة؛ حاولت، وكل محاولاتها بات بالفشل. كانت صدمتي كبيرة ومخيبة للآمال، لم يكن هناك شاغراً وشعرت أن العالم يتآمر علي، حزنت كثيراً، تم التفاكر لنقلي مع أختي وعماتي إلى مدرستهن الغربية قرب القلعة ومريولهم بأبه بنفسجي، كنت أحب اللون البنفسجي، ولأن المدرسة قريبة من محل أحب أكل كبابه وسمبوسته، لكني لم أحلم بالبنفسجي كما حلمت باللون الأزرق السماوي.

 

تم نقلي إلى مدرسة زينب الابتدائية بمريول ترابي وأبه وشريطة شعر حمراء، انتقلت إليها وهي أقرب نسبياً إلى منزلنا، كانت معلمتي الملهمة جليلة الزيرة التي بدأت مع تعليمها وتربيتها مرحلة الانطلاق والسعادة والشطارة بعد الكسل والاهمال والدوائر الحمراء في الشهادات السابقة. بالطبع ضاع حلمي للأبد بأن أكون أحد تلميذات مدرسة فاطمة الزهراء التي كلما مررت عليها في دربي وأنا متجهة لمدرستي زينب، شعرت بالحسرة والغيرة ألا أحصل على هذه الفرصة.

 

في مدرسة زينب كنت قريبة من مخبز حسن محمود أيضاً وروائح المخبز الزكية تثيرني لكنها لا تختلط بالروائح المزعجة، تأخذني أكثر فأكثر إلى عالم الأحلام الجميلة خصوصاً حين أشتري منه الكعكة الصغيرة مستطيلة الشكل والمغطاة بكريمة الزبدة. ارتبطت هذه الكعكة بمناسبة حفل عيد الميلاد الذي كنت أحلم بالاحتفال به وانا أشاهد يومياً برنامج بابا حطاب في محطة أرامكو التلفزيونية أو برنامج ماما أنيسه في تلفزيون الكويت.

 

عموما أربع سنوات قضيتها مع مريولي الترابي بالأبّة وشريطة الشعر الحمراء، وضاع حلم الأبّة والشريطة الزرقاء بلونها البحري السماوي المريح، نتف صغيرة وأشياء عالقة لا يعلم بها أهلنا، لكنها عميقة محفورة لا تنسى، وتضفي سعادة طفولية على حواسنا كلما أمعنا النظر في الصور كلما استرسلنا في استرجاع محطات الذكريات وتبادل الأحاديث. ها نحن اليوم نعايش افتتاح مدارس أحفادنا وهم يمضون كل صباح في مشوارهم المدرسي عبر الحافلات أو السيارات، يرتدون زيهم المدرسي، يحتجون ويفرحون، ونتساءل كيف ستتشكل ذاكرة هذه الأيام والمرحلة في مخيلتهم يا ترى؟

 

المنامة -10 سبتمبر 2022

الجمعة، 26 أغسطس 2022

أفرام البعلبكي يترجل من الحياة

منى عباس فضل

 

"ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل".

 آخر عبارة استلمتها منه قبل سنوات قريبة بالواتس أب، كانت تعليقاً على بوست عبرتُ فيه عن حزن أسود يتحوطني.

 

التقيته لأول مرة بقاعة دراسية في حرم العلوم الإنسانية بجامعة القديس يوسف ببيروت. غصًت القاعة بدفعة دراسية قوامها يربو على المئة وستة عشر من طلاب وطالبات تنوعت بلدانهم ومشاربهم، جاءوا بحماس للتحضير للدراسات العليا عن بعد، وارتضوا أن يعاد إنتاجهم وصقلهم بتنشئة جامعية جديدة في رحاب هذا المحراب.

 بدأ المحاضرة بتقديم استهل فيه حديثه عما تعنيه الدراسة في هذه الجامعة؟ ما الخيارات التي أمامنا؟ صدمتي كانت كبيرة من شدة صراحته، وللتحدي الذي واجهنا به، قال:

 -  أراهن ألا يبقى منكم عشرة أنفار في نهاية مشوار الماجستير والدكتوراه، فتخيروا من الآن دربكم، ولينسحب من ينسحب، فمن سيبقى هم قلائل جداً، إن تحصيل المعارف والمؤهلات عندنا مهم، الأهم منه أخلاقيات العلم، والتحلي بالمثابرة والشك والموضوعية والمنهج الحسي النقدي بحثاً عن الحقيقة.

ترجل منذ أيام مضت، وغادر الحياة؛ أستاذنا الجامعي الدكتور أفرام البعلبكي؛ الذي أشرف بسعة ثقافته وعلمه على رسائل الطلبة وأطاريحهم، وهو من علمهم منهجه في النقد محفزاً أدمغتهم محاصرهم وهم منهمكون دفاعاً عما احتوته أطروحاتهم ومراجعهم وعن المعارف التي نهلوا منها، عن سهر الليالي والخوف والقلق.

 إنه المربي معلم الفلسفة والأدب العربي وعلم الاجتماع والفلسفة التربوية بقضاياها من الإشراف إلى التقويم وبكل ما له صلة بالمجتمع. درسني التقويم التربوي ومنهجية الاختصاص عند تحضيري لرسالتي الماجستير في العلوم الإنسانية والتربوية التي أشرف عليها وكان أحد أعضاء لجنة مناقشتها، كما كان القارئ الثالث لأطروحتي في الدكتوراه ورئيس لجنة مناقشتها، كان محاوراً متقد الذهن في معالجاته العميقة يُقوم ذهنك ولغتك العربية بتحد لا مثيل له،  عقلاني ملهم بمنهجيته الخطابية الارتجالية الناقدة والدقيقة.


تسنى لي خلال مراحل الدراسة التي أمضيتها بشغف في الجامعة؛ التعرف عن كثب على أفكاره وفلسفته وكتاباته؛ فهو شديداً للغاية ولا يتهاون، علمي التفكير والمنهج، تعلمنا منه طرح الأسئلة المتشعبة وتنمية روح التحليل والنقد وتوخي الموضوعية، تعلمنا معه الصبر الشديد والانضباط ونحن نخوض في متاهات دربنا الأكاديمي، كان يؤمن بالاختلاف ويرى أنه قوة لوجود الذات، ولطالما ردد على مسامعنا بما معناه أن "الفلسفة عنده منهج عقلاني علمي في البحث عن الحقيقة"، وهو الذي يشدد في مفهومه للتربية بأنها فعل مكتسب وتنمية وتراكم معرفي واطلاع، أوصلني كما أوصل غيري في نهاية المطاف إلى محطة الأمان، وأنا محملة بعدة بحثية وعقل ناقد لا يقبل المهادنة بحثاً عن الحقيقة ولا يقبل بالتفاهات.

 إنه القدر، إنها النهاية التي تهاجمنا بين دورة الحياة والموت، وداعاً لمعلمي الفاضل الذي حمل راية العلم واعتلى منصة الشك وترك لنا وللأجيال إنجازات فكرية ومعرفية.

 أرقد بسلام، الرحمة والمغفرة على روحك التي ستبقى مضيئة في رحاب العلم والمعرفة.  

 المنامة – 25 أغسطس 2022 






السبت، 6 أغسطس 2022

الضعيف يفكك الذكورة وانحدارها

 


منى عباس فضل

يستعرض الأديب اللبناني رشيد الضعيف في نصه "خطأ غير مقصود"؛ المستور من العيوب والبوح بما في عمق الأعماق وما لا يجرؤ الشرقي في أيامنا بالحديث عنه علانية أو كشفه، يحكي الخوف والقلق والتوتر القابع في دواخلنا دون حرج، دون مواربة.

 

الرواية إن صح تسميتها رواية، عبارة عن نصوص قصيرة متتابعة ومتفرعة من وقفات لسيرة المؤلف الذاتية، يتناغم فيها الواقع بالمتخيل، الجدية بالسخرية في استعادة ماضٍ لسنوات الطفولة في علاقته مع أسرته وفي الأكثر تشابكاً وتعقيداً؛ وهو علاقته بالأم والأب ومغامراته في مضاجعة النساء، بل وفي فشله بذلك مع اشتداد خريف العمر وهو يتجاوز السبعين عاماً وقد عرف من طبيبه أنه مصاب بسرطان البروستات. أخذ عليه بعض النقاد في كتابة هذا النص؛ ميله للتشبه بتجارب كتاب عالمين وتقليدهم، بعضهم وصف نصه بأنه عبارة عن أقاصيص وحكايات ويوميات ومدونات شخصية لا تتعدى كونها قصصاً قصيرة.

 

على أيا حال، ما يجمع نصوصه يبرز عبر تنقله في الحكي عن حياته منذ الصغر وحتى الشيخوخة وبما تضج به من خبرات وما خلص إليه من عبر. قد يجد القارئ نفسه في لحظة ما، بين دفة نص مفكك متناثر لا رابط بين أجزاءه غير متعة التسكع والبحث والتلصص في المدى الذي سيصل إليه رشيد في البوح والتضارب والتهكم على الهزائم المتلاحقة على المستوى الشخصي والعام.

 

يكشف رشيد بأسلوب الخفة عن كوارث لبنان التاريخية وما انتجته، يأخذنا إليها عبر النص، وعلى محمل الجد حيناً وبالسخرية والهزلية إلى حد الاستفزاز حيناً آخر، تماماً كما عهدناه في أعماله السابقة. فالضعيف مثقل بالهموم الكبرى والقضايا المصيرية؛ بيد إنه يفسح لنا مساحة يحررنا فيها ويضعنا على مسافة قريبة من مكاشفة ذواتنا، يشجعنا للمضي قدماً للاعتراف ولو ما باب المزح والتندر بما هو مقفل ويستعصي الحديث عنه؛ من ألم وضعف وهزال وعبث يرافق حيواتنا في مجتمعاتنا الشرقية المشوهة في علاقاتها مع ذواتها ومع الآخرين، ومع ذلك فهو يختبر ذائقتنا الأدبية في آن، كيف؟

 

قرأت النص، وأنا في خضم إنجاز بحث علمي، شعرت خلاله إنني محاصرة به -أي العمل-، وحاجتي ملحة لقراءة شيء من رشيد الضعيف تحديداً، بحثت عن تسلية لكنها لم تكن كأي تسلية، في حقيقة أمرها؛ هي رؤية مفاهيمية سجاليه تغلف ما يعترينا من حالة نفسية ووجودية بهالة ضبابية. أمضيت وقتاً أتامل في نصوصه الواقعية وأعيد قراءتها وأقلبها فقد أشعلت في ذهني أسئلة وأفكار تداعت إلى الوقوف عند مساءلة مواقف معقدة أشاهدها حولي في أشكالها ومضامين بواطنها.

 

نصه يعد نقداً اجتماعياً لاذعاً وإن أنكر عليه ذلك بعض النقاد، فهو يفكك الذكورة الشرقية في أقصى تجلياتها ومعانيها الحميمية، يتحرر منها بالبوح عبر شخصيته، ويترك من خلالها خيطاً رفيعاً من الهلع الذي يضع فيه الشرقي بمواجهة صارخة مع خيانة الجسد والتقدم في العمر ومع ازدواجيته وتناقضه في علاقته بالمرأة، المرأة الزوجة التي تقدمت معه في العمر، وهي تعاني مما يعانيه وإن تجاهل ذلك، يقابلها علاقته بالمرأة الأخرى المشتهاة، الشابة الصغيرة التي في عمر ابنته، والأخرى صديقته أيام الدراسة التي يستحضرها في أحاديثه وعبر مغامراته في أحلام اليقظة، وحتى علاقته بالمرأة عاملة المنزل الحبشية التي ينظر إليها مجتمعه بعنصرية وازدراء، رشيد يفضح حالة العجز في وداع الفحولة ويختبر نفسيته كإنسان بجرأة يكشف فيها حالة التأقلم مع هذا الوضع المشوه والمريض والمؤلم بكل تحيزاته.

 

وبنظرة فرويديه يمارس الضعيف تعرية النفس وإن بتورية، ينبش القديم من دفاتره بلوحات يرسمها بهزلية حول علاقته المضطربة مع أمه ويخلخل الهالة التي يدور حول دورها وتشابك ذلك مع سرديته بعلاقة الفطام بالسياسة، تبرز الشهوانية بنفور حادّ وهو يربط تلك الصور مع سيرة حياة جدته التي عثر عليها وهو يتقصى تاريخ عائلته المهاجرة في نيويورك، ليكتشف أمرها وهي الصبية المهاجرة ذات العشرين عاماً حيث كانت مدبرة شؤون منزل السيد المسن الأمريكي "بايكر". هي اليوم أشبه بعلاقته المماثلة مع مدبرة منزله الحبشية "فاكرة"، إذ تأخذ فيها العلاقة أبعاداً بدلالات مخفية، تجد تعبيراتها في الرغبة الجنسية الأقرب إلى التحرش والاعتداء الجنسي وتتشابك مع الاستغلال بالاستدراج بالمال والملامسات في وضع العوز والفقر والهجرة والرغبة، وهنا لا يغفل رشيد التوقف عند استسلام المرأة لهذا الاستدراج وتناقضها وهي تصر على الاحتفاظ بما تبقى لها من عذرية تؤهلها للزواج عند العودة إلى بلادها.

 

يقابل ذلك تداوله في سيرة صديقه الشيوعي "نعيم" وما وصل إليه، يعرى خفاياه في علاقته الملتبسة مع زوجته التي يحبها ويحترمها وتمثل عنده خطاً أحمر لا يمس، في ظل علاقاته الأخرى المدنسة والعابرة حتى وهو يتخطى السبعين عاماً، لاسيما مع نادلة المقهى الشابة الصغيرة "غنى" بل والفتى الصغير، وهو الذي يتباهى  استعراضاً لأفكار النظرية الماركسية ومبادئها ورموزها وللحتمية التاريخية والتنظيم الحزبي، صور تعبر عن مفارقات في درب العبور، شُعورٌ بالقرف والاشمئزاز الممزوج باللامبالاة، وعند نهاية المطاف يبرع الضعيف في استحضار تقنية التهرب منها وهو الذي يلجأ إليها كلما أراد كسر التابوت والغوص بنقده للوضع الممسوخ بالمحرمات.

 

في كل الأحول، رغم الانتقادات الحادة التي تناولت نصه الجريء، إلا إن النص ينطوي على دلالات حسية عميقة لعلاقة الرجل بالمرأة وما تعكسه من ازدواجية وتناقضات في مجتمعاتنا، وليبقى أمره تعبيراً عن مدى استعداد القارئ للتماهي مع حالة الاستدراج التي يقودنا إليها رشيد الضعيف للبوح والتعبير عن مكونات النفس وهي تتألم.

 

المنامة – 6 أغسطس 2022


الجمعة، 8 يوليو 2022

هنا البحرين، إليكم علاوة الغلاء

 

منى عباس فضل

 منذ أيام والبحرينيون يتداولون أخبار إعلان الحكومة دفع علاوة الغلاء وإيداعها الحسابات المصرفية لمن يستحقها، كما يتبادلون التعليقات عليها عبر الواتس أب والتويتر وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي؛ ناهيك عن كونها حديث الجلسات العائلية ولقاءات الأصدقاء والمجالس في الفرجان والدواعيس.

 

الخبر تصدر عناوين الصحافة المحلية؛ وثمة مديح متواصل من كتاب أعمدة "الله لا يغير علينا، وشكراً لكم" وبموازاة تصريحات لشخصيات معتبرة شاكرة للنعمة والخير الوفير الذي يتمتع به المواطنون؛ فعلاوة الغلاء برأيهم تحقق للمواطنين حياة كريمة وتعزز من استقرارهم المعيشي، أليس هذا حديثهم بالتمام والكمال؟

 

أعُلن بأن 127 ألف و945 أسرة محدودة الدخل سوف يتسلمون مبلغ شهر إضافي من علاوة الغلاء في حساباتهم المصرفية، وأن الجهات الحكومية وفقاً لوزارة التنمية الاجتماعية باشرت بضخها للمستفيدين في حساباتهم.

 

تعليقات الشارع لم تهدأ، والمواطن لا يستكين له بال؛ مسجات "علاوة الغلاء" تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي والرسوم الكاريكاتورية لم تتوقف هي الأخرى، خصوصاً والشارع يتابع كل شاردة وواردة لما يحدث عند الجيران الذين بدأت دولهم بمراجعات لأوضاعها المالية بعد ارتفاع أسعار النفط وتزايد معدلات النمو؛ فنظرت بعمق وبعد نظر لحال مواطنيها وقدمت لهم برامج دعم نوعية بل سخية تسيل اللعاب.  

علق الكثير من المواطنين بحسرة على حالهم في أحد حسابات الانستغرام، أبرز تعليقاتهم اتسمت بالتندر على كيفية التعامل مع المواطن وأسلوب الإعلان عن علاوة الغلاء، قالوا الكثير، ثرثروا ولا ملامة عليهم فالعلاوة فتحت عش الدبابير ولامست موضع وجعهم الفاقع؛ قالوا:

 

سوا الشي وخلوه بالسر

"أنا مستغرب من النواب والمسؤولين يصرحون ومستانسين على 77 أو 100 دينار، يدفع الله البلاء اذا الحكومة بتسوي شي رجاء خلوه بالسر أفضل علشان الجيران ما يدرون ويضحكون علينه"، وآخر: "ما نزل الا الريش،،، بس مال شهر واحد أما يسوؤون فينا الكاميرا الخفية"، "ويش قال رئيس مجلس الشورى حياة كريمة تراها مائه ما أجيب 4 تواير إيلي على قولتك فقير وعنده سيارة"، "نزل المبلغ نفسه 110 دينار ولا فلس زيادة وين الكلام الي يقول لمحدودي الدخل و !!!!!!!!!!!!

تواصلت شكواهم وآناتهم:

"في فمي ماّء وهل ينطق من في فمه ماء"، والحمدالله على كل حال لكن بس عاد فضحتون المواطنين بالكرة الأرضية على مبلغ ما يكفي حتى لمصرف أسبوع للعائلة البحرينية بسبب الغلاء ذليتون المواطن بهالبهرجة على فتات"،  "الصراحة مو عارف شنو اخذ فيهم متحير ما أدري اخذ سيارة من الوكالة لو مستخدمة انصحونه يا جماعة"، "بس عاد هذا ويش حفاظاً على مشاعر الأشقاء في دول الخليج علىشان ما يحسدونه خلوها سكيتي الحين الواحد يقدر يأمن مستقبلة ومستقبل أولاده...هههههه"، "الحين الواحد يقدر يسافر"، "جان عطو المتقاعدين بعد علاوة تحسين المعيشة"، "انزين هي كلها 77 ما يحتاج هذا الزخم الي صائر لو بتقسمها على أربعة أولاد كل واحد 20  يأخذون اليهم ثياب عيد ما تكفي مشكل؟!"

 

الجيران بيغارون وبيحسدونا

توالت سلسلة التعليقات على ذات الخبر من موقع آخر، لم لا وخبر علاوة الغلاء لا يزال ترند محلي بامتياز:

"بل، بل، الإمارات والسعودية بيغارون الحين وخصوصاً الكويت بيحسدونا"، "المواطن البحريني.. الخليجي.. مواطن نفطي ثري وحكومته ثرية.. لا يستحق مثل هذا الفتات.. هذه العلاوات الفتاتية يجب أن تستمر في راتب المواطن وإن كانت غير مرضية.. ارتفاع الأسعار والغلاء والضرائب لا يمكن لهذه الزيادة لشهر واحد ان تعينه.. على المسؤولين أمام الله أن يعلموا أنهم ليسوا في منصب تشريفي وإنما هم مسؤولون أمام الله عن صرف أموال الوطن على المواطن مثل ما يصرفونه على أنفسهم.. كلمة حق لله"، "ما ظل نفر كبير ما علق على الموضوع، بسكم عاد، بروحها السالفة تفشل"، "أقول: والله فشلتونه!! أين نخفي ونخش وجوهنا عن أشقائنا بدول الخليج الذين ينهلون من خيرات بلدانهم ويرفلون في نعيمها!! تعشمنا بزيادة في رواتب الموظفين والمتقاعدين أسوه بأشقائنا بدولة قطر والإمارات وسلطنة عمان!! الحمد لله على كل حال.."، "غداً كل القنوات الفضائية العالمية ومحطات التّلفزة سيكون لديها خبر بأن المواطن البحريني حصل على شهراً اضافياً لعلاوة الغلاء، وسيتم التطبيل والتهليل حتى مطلع الفجر، المواطن البحريني يستحق أكثر من ذلك..".

 

في حقيقة الأمر أبدع البحرينيون كما فعلت قبلهم شعوب عربية عديدة في تفريغ شحنات الهم وتجاوز ضيق الحال والوجع بالنكتة والتندر، أجادوا التعبير عن سخطهم وقلة حيلتهم لما يجري، فلا يدرى المرء أيضحك من حاله أم على نفسه، أم على من أوصلنا إلى هذا الحال المخلكن.

 

العلاوة بين الكوفي والسيارة

هذا الصباح بعثت لي صديقة برسالة متداولة بالواتس أب تتضمن نصيحة مضمونها "أعزّائي البحرينيين، مو باجر تشوفون عندكم بيزات "فلوس" واجد وتتهورون في الصرف وتفسفسون الـ 70 ديناراً على هرار؛ أبدأ بالأهم ثم المهم؛ أول شي اللي ما عنده بيت يشتري بيت وتالي ادفعوا الديون اللي عليكم وتالي تقدرون تفسفسون الباقي على سيارة مثلاً، سفر، ثياب ماركات إذا خاطركم في كوفي بـ 4 دينار".

 

شعب البحرين لم ولن ينسى الإهانات التي تألم منها حين قالوا له؛ "فقير ويشتري سيارة، أو يمكنه شراء كوفي بأربعة دنانير"؛ صادفت اليوم شاباً يعمل في أحد الجهات الرسمية؛ زميلته في العمل تبارك له الزيادة على مسمع من الجميع: "ليس لديك حجة بعد اليوم يا أبو حسين، دخلوا لك المبلغ، روح واشتر لك كوفي بأربعة دنانير". كلنا يدرك لغز الأربع دنانير، كما لغز سيارة الفقير كما سور أبو طابوقه أو طابوقتين حتى ضاقت البلد بأهلها.

 

مواطن من عبيد الله مهموم وموجوع، ناشد بوعي وإدراك لما يعاني منه المواطنين من ضغوط نفسية، ناشد بتغريدة على منصة التوتير قائلاً إلى "أصحاب الجلالة والسمو حكام دول المجلس، عدم نشر ما يقدمونه لمواطنيهم مراعاة لمشاعر المواطن البحريني"، علق عليه مغرد آخر: "مواطن بحريني يناشد حكام دول الخليج بعدم نشر ما يقدمونه لمواطنيهم مراعاة لمشاعر الشعب البحريني الذي بلده أول دولة في الخليج اكتشف فيها النفط وما زال المواطن البحريني يعيش حالة معيشة قاسية، الأجنبي يستغني في بلاده "البحرين" وهو يزداد فقر بسبب سياسة الدولة التي تعطي تسهيلات للأجانب على حساب فقر المواطن.."

 

خداع المواجهة

كتب عالم الاجتماع جميس سكوت مرة؛ "تحمل المواجهة بين القوي ومن لا قوة لديه قدراً من الخداع. كيف؟ يقول: عندما يصبح الناس غير أحرار في قول آراءهم في حضور السلطة، فإنهم يخلقون خطاباً سرياً يمثل نقدها، ويتم تداوله من وراء ظهرها، أما القوي فيؤسس بدوره، حواراً خاصاً به عن ممارسات حكمه وأهدافه، وهو حوار لا يعلن على الملأ.


بيد إننا اليوم إزاء خطاب المواطنين الضمني الفاقع وغير المخبأ، المعلن الذي لا أقنعة فيه، خطاب يفصح عن نفسه ومكنوناته، عن التناقضات وعن الطبقية واللاعدالة الاجتماعية، خطاب قد يستتر ببعض حوامله التي تعكس انكماشاً في الحرية، لكنه يذكر بالمساحات الاجتماعية التي ينمو فيها السخط والامتعاض فيرد بما لم يكن يلفط ويصرخ بغضب مكتوم من استشراء السيطرة، فيكون تعريضه ملطفاً تلميحاً أو دقيقاً مباشراً لوصف ما يحدث، ولواقع مثقل بنقيضين هما قسوة المعاناة وإحكام السيطرة في توزيع الثروة وفي الهدر واللاعدالة الاجتماعية. تارة يعرض عبر الحكايات الشعبية أو رسوم الكارتير أو الأغاني أو أو...رسائلة دون زخرفة يتذمر بسخرية، والتذمر كما يقول جميس سكوت بتصرف؛ شكل من أشكال الشكوى المقنعة والمغمغة التي تتضمن قوة تبليغية تخترق اللحظة والمشهد.

 

إنه الإحساس العام بالاستياء، إنه قول كل الأشياء غير الممكن قولها، وضعها في الأعين في بؤبؤة الأعين، وبنظرة من الأعلى، قد نجد أن الفاعلين المسيطرين على ذمة سكوت: "قد سمحوا بهذا التذمر شريطة أن لا يتجاوز لياقة الإذعان العامة"، لكن السؤال، إلى متى؟

والخلاصة؛ أن تذمرهم رسائل ليست مبهمة، ليست عصية عن الفهم والإدراك، إنها ضغط الاستياء الذي طفح وتاهت منافذه من فقدان الحكمة وبعد النظر.

المنامة - 8 يوليو 2022