السبت، 4 يونيو 2022

عدم المساواة في المنطقة العربية قنبلة موقوتة: من المسؤول؟

 

منى عباس فضل

شاركت مؤخراً بالحضور في المنتدى العربي من أجل المساواة الذي أقيم في العاصمة عمان في الفترة من 30-31 أيار/مايو 2022. المنتدى نظمته وعقدته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الاسكوا) ومجموعة باثفايندرز PATHFINDERS من أجل مجتمعات سلمية وعادلة وشاملة، وبمشاركة ما يفوق 300 مشارك من قادة سياسيين ووزراء وشخصيات من القطاع الخاص وخبراء عرب وعالمين وممثلين عن المجتمع المدني من ذوي الاختصاص في هذا الشأن.

 

أشارت الجهة المنظمة في تقريرها الذي أطلق في المنتدى؛ إلى إن التباينات عالمياً تفاقمت وبما يتناقض مع رؤية المساواة المنشودة في أهداف التنمية المستدامة، وعدد الفقراء زاد والمعاناة جراء كوفيد-19 ارتفعت بسبب نقص الرعاية الطبية، أما في المنطقة العربية فهي تسجّل أعلى مستوى من عدم المساواة وهي المنطقة الوحيدة التي ازداد فيها الفقر منذ 2010 وتمظهرت فيها ظاهرة اللامساواة بين المناطق والطبقات الاجتماعية وبين الجنسين وهي في تزايد وتهدد التماسك الاجتماعي والازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي؛ ليس هذ فقط؛ وإنما كشف التقرير بأن الفئات الأكثر ضعفاً تعرضت لتأثيرات الجائحة في المداخيل والحصول على الخدمات والموارد، مما جعلها عرضة للضعف والفقر في غياب الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية، وإن الاحصائيات بينت أن عدد فقراء منطقتنا في ارتفاع، كما أدت إلى ارتفاع مستويات البطالة وزيادة الضغط على الخدمات العامة التي هي أصلاً قاصرة وإن التحديات التي تواجهها ما هي إلا انعكاس لأزمات عقوداً من الحروب الأهلية والعنف السياسي والتدخلات العسكرية الخارجية والبطالة وعدم المساواة بين الجنسين والتغطية المحدودة للحماية الاجتماعية وبأبعاد مزمنة من الهشاشة لبعض الفئات نتيجة العوز وعدم تلبية الاحتياجات الأساسية.

 

لماذا المنتدى؟

استهدف المنتدى مناقشة القضايا الرئيسية المتعلقة باللامساواة والإقصاء في المنطقة العربية، وإطلاق حوار حولها بين أصحاب المصلحة المتعددين من قادة وخبراء إضافة إلى مناقشة اتجاهاتها وآثارها كظاهرة وبتأثيرات جائحة كوفيد-19، فضلاً عن التداول بشأن الحلول العملية على مستوى السياسات للتصدي لها وللإقصاء وذلك من خلال التركيز على بطالة الشباب بوصفها سبباً رئيسياً من الأسباب المتعددة الأوجه في بلداننا العربية، فضلاً عن دعم تنفيذ السياسات والمبادرات والاستفادة من التجارب والدروس المختلفة للحد منها.

 

وعودة إلى تقرير الاسكوا الذي جاء بعنوان "عدم المساواة في المنطقة العربية قنبلة موقوته" وهو بالمناسبة يستند إلى التقرير العالمي الذي أصدرته مجموعة باثفايندرز PATHFINDERS بعنوان "من الأقوال إلى الأفعال: تحقيق المساواة والإدماج"، فأنه يتضمن تمهيداً أشارت فيه الأمينة التنفيذية للاسكوا بأن أوجه عدم المساواة بين الجنسين، لا تزال عصية على الحل وأعلى من المستويات العالمية وتتراجع فرص خلق الثروات، فأغنى 10% في المائة من البالغين العرب يمتلكون 80% في المائة من مجموع ثروات المنطقة، وما لم تعالج هذه العوامل، فستضرب بجذورها أعمق، لترسخ عدم المساواة، فتصيب بأسوأ آثارها أفقر المجتمعات المحلية وأشدها هشاشة، مضيفة؛ بإن هذه العوامل تمثل وقود للشعور بالسخط والاغتراب بين السكان وعامل تفتيت لتماسك المنطقة الاجتماعي، كما نوهت إلى نقطة مهمة بأن الجائحة كشفت عن أوجه عدم المساواة الاقتصادية، ومدى هشاشة شبكات الأمان الاجتماعي التي لم تتمكن من حماية المجتمعات المحلية المهمشة والمعرضة للمخاطر من الأزمات المتداخلة التي برزت بفعل تفشي الفيروس. أجمع المشاركين بأن التقرير غني بالبيانات وتناوله بالتحليل مواضع الضعف والخلل في مجتمعاتنا العربية وإن كان برأي المتواضع ناعم اللغة في نقده المباشر لأداء الحكومات وهو يتألف من ستة فصول تضمنت أهم الآتي.

 

عالمنا العربي أقل العوالم في المساواة

بحث الفصل الأول من التقرير في العلاقة الوطيدة بين النزاعات المديدة وعدم المساواة في المنطقة مع ملاحظة إنه وسع نطاق استخدام المفهوم من النطاق الجندري إلى الوضع الأشمل في المجتمع، فقدم لمحة عن مختلف الأبعاد التي جعلت بلادنا العربية هي الأقل مساواة في العالم، مشيراً إلى إن نسبة 58% من الدخل القومي حتى عام 2020 هي بأيدي أغنى 10% مقابل 8% فقط بأيدي أفقر 50%، وهناك تفاوت ملحوظ من حيث الدخل وتوزيع الثروة والفرص المتاحة بين الفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية.

 

وخلص إلى إن الفقر متوارث بين الأجيال وإن عدم المساواة بين الجنسين سجل باستمرار أعلى المستويات في المنطقة العربية مقارنة بالمتوسط العالمي، حيث تشير التقديرات إلى أن سد الفجوة بين الجنسين يتطلب 179 عاماً مقارنة بحوالي 142 عاماً على الصعيد العالمي. وإن النزاع ينتشر فيها بحلقات متكررة لها آثار مدمرة وهو يمثل محرك لعدم المساواة التي تحول دون استدامة مكاسب التنمية، وإن دورات النزاع وعدم الاستقرار في الحروب تتمثل في تدمير البنى التحتية والنزوح وانعدام الأمن الغذائي والتسرب من المدارس والاعتماد على المعونة وإنشاء الجهات الفاعلة غير الحكومية والمناطق غير الخاضعة للحكم، والاتجار غير المشروع، وهناك دورة المظالم الجماعية وانعدام الفرص الاقتصادية وغياب المشاركة السياسية، وعسكرة المجتمعات والعوامل الجيوسياسية، إضافة إلى الركود الاقتصادي وانهيار مؤسسات الدولة وتراجع رأس المال البشري والاستثمار وتمزق المجتمعات واقتصاديات الحرب.

 

ونتيجة لهذا وذاك تكبدت المنطقة العربية حوالي 752 مليار دولار نتيجة للكلفة المباشرة للنزاعات في العراق وليبيا وسوريا واليمن علاوة عن الكلفة غير المباشرة للبلدان المجاورة بين عامي 2011 و2015، فيما لا تزال دولة فلسطين تعاني من أطول احتلال شهده التاريخ الحديث، كذلك بلغ عدد الأشخاص المتأثرين بشكل مباشر أو غير مباشر بالنزاعات 180.6 مليون نسمة، وإن عدد الشباب والشابات منهم من أعمار 10 و24 عاما حوالي 56.04 مليون نسمة، ولهذا من المهم فهم ديناميات النزاع وانعدام الاستقرار السياسي لتحليل المسارات المفضية إلى عدم المساواة في المنطقة، كما إن النمو الاقتصادي وحده لا يشكل حلاً للمشكلة بل على العكس إذا لم يشمل النمو الجميع ويعزز من مشاركتهم الاقتصادية فقد تتفاقم أبعاد عدم المساواة.

 

اللامساواة وكوفيد-19

تناول الفصل الثاني الآثار المترتبة من الجائحة والتي أبرزت أن عدم اللامساواة مزمنة وراسخة ومديدة في المنطقة العربية، وإنها عمقت وفاقمت منها، فدفعت بـ16 مليون إنسان إلى الفقر، حيث وصل الفقراء إلى أكثر من 116 مليون -أي قرابة ربع السكان-، وإن الأثر الأشد كان لفقدان الوظائف على الفئات الهشة كالعاملين في القطاع غير النظامي والنساء والشباب وذوي المستوى التعليمي المنخفض وذوي الإعاقة فيما وجد أن العاملين في الوظائف الدائمة ضمن فئات مهنية يسهل عملها عن بعد، لم يعانوا من شدة البطالة، وإن هذه الظاهرة تنذر بتوسيع الفجوة بين العاملين في القطاع النظامي وغير النظامي.

في السياق قيم استجابات الحكومات للجائحة من منظور عدم المساواة، كما تطرق إلى سياق السياسات الاجتماعية في المنطقة قبل تفشي الجائحة، وتدابير تخفيف تداعياتها التي اتخذت في إطار برامج الحماية الاجتماعية، إلى جانب ذلك خلص إلى إن تحول التعليم عبر الإنترنت أدى إلى تزايد أوجه عدم المساواة في المجال التعليمي وتعميق الفجوات القائمة من حيث الوصول إلى التكنولوجيا والإنترنيت حيث تفتقد نسبة 48% من الأسر في المنطقة العربية إلى الإنترنيت في المنزل، كما أدت الجائحة الى انخفاض ساعات العمل بنسبة 10.3% في عام 2020 مقارنة بنسبة 2.1% في عام 2019، وفي بلدان عربية عديدة، تقل نسبة النساء المسنات اللواتي يحصلن على معاشات تقاعد عن نسبة 25%، وذلك بسبب غياب النساء عن القوى العاملة خلال العقود الماضية.

 

تحديات عدم المساواة

ناقش التقرير في فصله الثالث تحديات اللامساواة بتسليط الضوء على محركاتها في المنطقة، مثل الديناميات الديموغرافية، وضعف المؤسسات، والفجوة الرقمية، وتدني جودة التعليم، والفساد والافتقار إلى الشفافية ونقص البيانات المتاحة، كاشفاً بإن هناك 51 مليون شخص في المنطقة العربية يعاني من نقص التغذية مع زيادة مقلقة في "العب الثلاثي لسوء التغذية" أي؛ نقص التغذية وزيادة الوزن والسمنة، وفي الوقت الذي يعاني فيه الكثيرون من نقص في المغذيات الدقيقة، كما ويشيع التفاوت من حيث الموقع الجغرافي؛ حيث يقيم 75% من الفقراء فقراً مدقعاً في مناطق ريفية، كذلك تشمل العوامل المحددة لارتفاع نسب عدم المساواة في فرص الحصول على التعليم الذي له صلة بظروف الأسرة وبدخل الوالدين والتحصيل العلمي وخصائص المجتمع المدني.

 

ورأى إن الوصول إلى التعليم في بلادنا العربية يتأثر كثيراً بعدم الانتشار الكافي للتكنولوجيا، حيث لا تزيد نسبة انتشاره عن 8.8% مقارنة بالمتوسط العالمي الذي يبلغ 12.1%، والأهم إن متوسط درجات بلدان المنطقة على مؤشر مدركات الفساد مثلت نسبة 32% من أصل 100، وإن تحول توزيع السكان حسب الفئات العمرية قد أدى إلى إن الفئات الأكبر سناً قادت إلى توسيع الفجوة بين من لديهم معاشات تقاعد (وهم غالباً من الرجال) ومن ليس لديهم معاشات تقاعد (وهم غالباً من النساء)، إضافة إلى إن الفساد المنتشر في مجتمعاتنا يسبب المزيد من عدم المساواة وخاصة فيما يتعلق بالقرارات المتعلقة بتوزيع الدخل واستخدام المعونات والإنفاق العام على الصحة والتعليم.

 

استمعوا لهموم الناس، واقضوا على الفساد

الاستماع إلى هموم الناس؛ كان عنوان الفصل الرابع الذي يعد من أهم الفصول التي أبرزت دلالات ومؤشرات خطيرة ومهمة على الرغم من عدم التعمق في تحليل تفاصيلها، حيث عرضت فيه نتائج مسحاً للرأي العام أجرته الاسكوا في بعض البلدان العربية بهدف التوصل إلى فهم أفضل لتصورات السكان بشأن المساواة الاجتماعية والاقتصادية، مع التركيز فيه على بطالة الشباب والشابات. وهنا نسجل ملاحظة على المسح من جهة اختياره للعينة التي جاءت غير متجانسة اقتصادياً أو في بنيتها السياسية والاجتماعية لاسيما بين بلدان المشرق والمغرب العربي كالأردن والعراق ولبنان ومصر والسودان وتونس والمغرب وموريتانيا وبين دولتين فقط من بلدان الخليج وهما الكويت وعمان، مما أثر برأينا على دقة الاستجابات في بعض الأسئلة، ومع ذلك تبقى للنتائج دلالات عميقة ومادة دسمة للمختصين وأصحاب القرار للتركيز عليها ناهيك عن الباحثين في مجال علم الاجتماع.

من أبرز خلاصات المسح المتعلقة بتصور عينة المشاركين حول المساواة الاجتماعية والاقتصادية على المستوى الوطني بين البلدان العشر، بأن سكان المنطقة العربية أعربوا عن تفاؤلهم بشأن المستقبل في بلدانهم من حيث المساواة الاجتماعية والاقتصادية، حيث يعتقد الأفراد في الكويت وعمان أن مستويات المساواة الاجتماعية والاقتصادية مرتفعة الآن بنسبة 60%، و55% على التوالي كما يعتقدون أن بلدهم سيشهد مزيداً من المساواة في غضون خمس سنوات 55% و50% على التوالي؛ بيد إنه وبرأينا المتواضع نجد أن هذه الاستجابة غير دقيقة وتعبر عن حالة التباس بين الحدود التي تعبر في جانب منها بأن بلدانهم مستقرة في أوضاعها الاقتصادية بسبب اعتمادها على العائدات النفطية التي تغطي احتياجات المواطنين في إطار ما يسمى "دولة الرعاية" وبالتالي فهي تمر بظروف شبه مستقرة اقتصادياً وسياسياً، وتشجع على رؤية مواطنيها بأنهم يتمتعون بحال من المساواة فيما الواقع خلاف ذلك، هنا يبدو التقرير متفائلاً تجاه هذا الرأي النسبي؛ لماذا؟ لأن مستويات نسب الفساد في بعض بلدان الخليج في ارتفاع، كما إن بعضها بدأ بالتحول الفعلي من دول رعاية إلى دول تفرض الضرائب على المواطنين وتلغي الدعم عن المواد الأساسية وبما يترافق مع تدني في مستويات حرية الرأي والتعبير، في مقابل ذلك وحسب المسح يعتقد 67% من لبنان بعدم وجود مساواة اجتماعية واقتصادية تامة يليها تونس بنسبة 56% والعراق بنسبة 49% وهي نسبة واقعية تعبر عن حال الاضطرابات السياسية والأمنية والوضع الاقتصادي المتردي المصاحب للفساد التي تمر به هذه البلدان وغيرها وإن بنسب متفاوتة هنا وهناك.

أما من ناحية استجابات العينة بشأن الإجراءات الحكومية لتحسين المساواة الاجتماعية والاقتصادية، وبالتحديد لصالح أي من المجالات التي يجب أن تشكل أولوية بالنسبة للحكومة؟ جاءت أعلى الاستجابات بنسبة 56% لصالح إتاحة فرص العمل للشباب والشابات كخيار مفضل ومثل الأردن فيها أعلى استجابة بنسبة 72%، يليها العراق بنسبة 65% ثم تونس ولبنان بنسبة 58% فـ عمان 57، فالمغرب 56% ثم الكويت بنسبة 53% فالسودان بنسبة 52% ومصر بنسبة 51% وموريتانيا بنسبة 40%، وبخلاف البلدان الأخرى يعتقد اللبنانيون أن أفضل طريق للحد من عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية هي مكافحة الفساد التي جاءت بنسبة 65%. 

  


المرأة خيار أقل جاذبية لتحسين المساواة

حظيت الأولويات الأخرى للسياسات الخمس كأجراء حكومي مفضل لتحسين المساواة الاجتماعية والاقتصادية بأكبر قدر من التأييد الذي يلي الخيار الأول، وهي الخيار الثاني بنسبة 39% لمكافحة الفساد مما يعكس قناعة الشعوب بلدان العينة ومن بينها الكويت وعمان اللتان أشار التقرير إلى تفاؤل شعوبها بوجود مساواة، عكس قناعتهم بتفشي ظاهرة الفساد التي تؤثر بعمق على المساواة الاجتماعية والاقتصادية، وجاءت أعلى استجابة لهذا الخيار من لبنان بنسبة 65% يليها تونس والسوادان والأردن على التوالي بنسب 43%، 42، 42، و41، ثم موريتانيا بنسبة 39% فالمغرب 36% ثم الكويت بنسبة 29% وعمان بنسبة 24%. أما خيار زيادة أجور العمال كأجراء حكومي لتحسين المساواة فمثل متوسط الاستجابة نسبة 36% أعلى نسبة منها كانت لصالح المغرب بنسبة 44%، والخيارات الأخرى بنسب 27% للدعم المالي للأسر ذات الدخل المنخفض و23% للتدريب والتعليم المهينان الأكثر ملاءمة لاحتياجات سوق العمل. بيد إن المفارقة تبدو في استجابة أفراد العينة نحو خيار تعميم المساواة بين الجنسين كأجراء حكومي حيث عبرت عن نسبة متوسطية منخفضة جداً تمثل 13% وهي تشمل 17% للكويت والمغرب، 16% لمصر و15% لموريتانيا، 12% للبنان، و11% لكل من عمان والأردن، 9% فقط لتونس و8% للعراق، إضافة إلى ذلك هناك استجابة بنسبة 22% فقط لصالح إشراك المزيد من النساء في سوق العمل كأجراء على الحكومة أن تفعله كأولوية لتحسين فرص العمل.

وعليه فأن استجابة العينة بالنسبتين (13% و22%) تمثلان برأينا موقفاً ذكورياً تجاه المرأة وانتقاصاً لأهمية دورها كعنصر إيجابي في الإجراءات المتوجب على الحكومات اتخاذه لتحسين حالة المساواة الاجتماعية والاقتصادية، إن هذا الخيار كان الأقل جاذبية للمشاركين من عينة المسح، والمفارقة أن التقرير لم يتوقف عند هذه النسب بما هو متوقع؛ ليحلل ماهيتها ودلالاتها وانعكاساتها ولم يناقش مدى خطورتها وتعبيراتها في اتجاهات وأنماط سلوك مواطني البلدان العربية التي شملها المسح. في كل الأحول جاءت متوسطات نسب تعزيز سيادة القانون واعتماد نظام ضريبي أكثر عدالة وزيادة مشاركة المواطنين في سياسة الحكومة وإتاحة الوصول إلى الإنترنت على نطاق واسع على التوالي بنسب 12%، 9%، 8%، 6%، وجمعيها لافتة وتمثل إشكالية عند مناقشتها لجهة الاتجاهات التي يفكر بها مواطني المنطقة العربية فيما يتعلق بمشكلاتهم وتوقعاتهم من حكوماتهم، إذ كيف تمثل سيادة القانون واعتماد النظام الضرائبي والمشاركة السياسية والرقمنة؛ أهمية دنيا في أولوياتهم واحتياجاتهم لتجاوز حالة اللامساواة المزمنة، إنها حالة تستدعى دراسات بحثية اجتماعية سياسية معقمة أكثر للتعرف على حقيقة الوضع الذي بات عليه المواطن العربي ونمط تفكيره لتجاوز الاختلالات التي تمر بها مجتمعاتنا.

أما لجهة تصورهم عن مدى توفر المزيد من فرص العمل اللائق والمنتجة في غضون خمس سنوات المقبلة، أبدى المشاركون استجاباتهم بأعلى نسبة بأنهم متفائلون بدرجة 55%، فيما الإجابة بلا بنسبة 33% و8% ربما و4% لا أدري، حيث جاءت استجابات العمانيون الأعلى درجة بتفاؤلها وهي 85% ومصر 70% والمغرب والسودان وتونس والأردن والعراق موريتانيا ولبنان على التوالي بدرجات 65%، 56%، 54%، 46%، 44%، 42%، 32%، في المقابل كان اللبنانيون الأكثر تشاؤماً إذ قال 60% إنه لن يكون هناك وظائف لائقة ومنتجة في السنوات الخمس المقبلة، يليهم الأردنيون كثاني أكثر المشاركين تشاؤماً بنسبة 51%.

ومن تصورات الشعوب لما ينبغي أن تفعله الحكومات العربية لتعزيز فرص العمل، حظيت أولويات السياسات الخمس لتعزيز فرص العمل بأكبر قدر من التأييد بين المشاركين في الاستطلاع في البلدان العشرة، نسبة 45% إيجاد المزيد من فرص العمل في القطاع الخاص، 46% المزيد من التمويل للمشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، 39% إصلاح نظام التعليم لتلبية متطلبات السوق، 23% إصلاح القوانين التي تنظم تأسيس الشركات الخاصة و22% إشراك المزيد من النساء في سوق العمل.   




بطالة الشباب والشابات

استعرض الفصل الخامس تحديات بطالة الشباب والشابات من منظور عدم المساواة ومن حيث كونهم موارد غير مستغلة والسمات الخاصة بهم، وتناول القيود التي تحد من إيجاد فرص عمل لهم من طرفي العرض والطلب وتوصل إلى إن البطالة بينهم سجّلت أعلى المستويات في المنطقة العربية على مدى 25 عاماً بنحو 3.8 مرّات من نسبة العاملين البالغين، وإن نسبتها بلغت 26% مقارنة بالمعدل العالمي 12.8% وإن حوالي 85% هم من يعملون في القطاع غير النظامي وإن لبطالتهم آثار وخيمة طوال دورة حياتهم. ويرى التقرير بأن أبرز آثار البطالة يتمثل في الإقصاء الاجتماعي، والفقر، وعدم المساواة في الدخل، والتهميش، والاستغلال، والإحباط، وعدم الاستقرار السياسي، والاضطرابات الاجتماعية والعنف، وسيادة عدم المساواة في العمالة عبر الأجيال، كما إن الارتفاع المزمن في معدل البطالة يُبرز في المنطقة بما يواجه الشباب من عوائق هي الأكثر شدة من تلك التي يوجهها غيرهم من العمّال، وإنه من المتوقع ارتفاع عدد العاطلين عن العمل من 14.3 مليون شخص في عام 2019 إلى 17.2 مليون شخص في عام 2030 وذلك دون أخذ أثر جائحة كوفيد-19 وحلول الآلة محل اليد العاملة في الحسبان.

وإنه وحتى عام 2019 -أي قبل الجائحة- تشير التقديرات إلى الحاجة إلى حوالي 33 مليون وظيفة لضمان بقاء معدل البطالة في حدود 5% بحلول عام 2030 في المنطقة العربية التي سجّلت فيها أكبر الفجوات بين الجنسين في العالم فيما يتعلق بالمشاركة في القوى العاملة والتوظيف، وإن القوى العاملة النسائية هي أقل بنسبة 80% من القوى العاملة من الذكور في الفئة العمرية من 15-24 عاماً، وهي لا تقتصر على الشرائح الأقل تعليماً بل باتت تتطال نسبة كبيرة من الشباب المتعلمين وخريجي الجامعات، وهي تؤثر عليهم حتى في عدم إكمال تعليمهم الرسمي، كما تشير التقديرات إلى أن شابة من كل شابتين في المنطقة هي عاطلة عن العمل وغير ملتحقة ببرامج تعليمية أو تدريبية، مقارنة بشاب في كلّ خمسة شباب. ويُعزَى ارتفاع معدلات البطالة بين الشابات منهم إلى القضايا المتعلقة بعدم تكافؤ الفرص والممارسات التمييزية التي تعامل الرجال والنساء على نحو مختلف، على الرغم مما حققته الشابات من مكاسب هامة في التحصيل العلمي على مدى العقود الخمسة الماضية، إلا إنها لم تترجم إلى زيادات حقيقية وبناءة في مشاركتهن في القوى العاملة، كما تبين أن زيادة مستويات التعليم في منطقتنا العربية لا ترتبط دائماً ارتباطاً إيجابياً بزيادة فرص العمل وتحسينها، لاسيما بين النساء اللواتي تحسّن أداؤهن التعليمي إلى حدّ كبير على مر السنيين. 

هذا وسجل معدل البطالة من عام 2015-2020 نسبة 23%، وبسبب الجائحة ارتفعت في بعض الدول العربية كالمغرب إلى 32% و36.5% في تونس و55% في الأردن في الربع الأخير من عام 2020 فيما تسببت بخسارة ما لا يقل عن 2.4 مليون وظيفة في المنطقة العربية عام 2020، وتوصل التقرير بأن أفضل طريقة لترجمة النمو الاقتصادي هو التوجه نحو المزيد من المساواة في إيجاد فرص عمل لائقة تحدّ من الفقر وتضيّق الفوارق بين أصحاب المداخيل المرتفعة والمنخفضة.

وعليه فإن لهذه الظاهرة تأثير خطير على النمو والتنمية الاقتصاديين في المجتمع وتداعيات اجتماعية خطيرة حين يشعر الشباب العاطلين بأنهم مهملون ومستبعدون اجتماعياً، وهم يواجهون تحديات في العرض والطلب، فمن جهة العرض تظهر ضغوط ديمغرافية ونظم تعليمية ركيكة لا تعد الشباب للعمل، كما يظهر عدم تطابق المهارات وضعفها، ونقص المعلومات عن فرص العمل القائمة وموارد التوجيه المهني للباحثين عن عمل ونقص الخبرة في مجال التوظيف، إضافة إلى عدم تطابق توقعات الباحثين عن العمل من المتعلمين من جهة الرواتب ومزايا الوظائف المتاحة، فيما تواجه النساء كل هذه التحديات إلى جانب أعمال الرعاية التي تقوم بها وغير مدفوعة الأجر والأعراف الاجتماعية المحافظة. أما من جهة الطلب، فالشركات كما خلص التقرير في مواجهة محدودية الوصول إلى البنى التحتية والتمويل والأسواق العالمية، وتواجه قيوداً تنظيمية، ولا يزال الارتفاع النسبي للأجور والمزايا والأمن الوظيفي في القطاع العام يجتذب الشباب ويحثهم على انتظار الوظائف التي تزداد ندرة، يضاف لذلك عجز الاقتصادات العربية عن توليد ما يكفي من فرص العمل اللائقة مما يفرض تحديات منها توسعة فجوة عدم المساواة لأن وظائف القطاع غير الرسمي لا توفر تغطية التأمين الصحي ولا الحقوق الأساسية ولا تغطية الضمان الاجتماعي إضافة إلى الأجور المنخفضة، وساعات العمل غير المنتظمة وظروف عمل غير مستقرة وخطرة. وقد وصلت نسبة الشباب العاملين في أسر فقيرة فقراً مدقعاً في المنطقة العربية إلى 13.3%، إضافة إلى تأثير جائحة كوفيد 19 على نحو غير متكافئ على توظيف الشباب، مما أدّى إلى تأجيج المخاوف من ظهور "جيل ضائع" آخر من الشباب الذين سيحرمون من الحصول على فرص عمل جيدة ومستدامة عند انتقالهم إلى سوق العمل. 

 

هل من حل لمعضلة انعدام المساواة في المنطقة العربية؟

نعم هذا ما قادنا إليه التقرير في خلاصته حين ذكر؛ إنه لا يمكن لأي سياسة بمفردها معالجة عدم المساواة التي هي نتيجة خيارات في السياسة العامة، وإن هناك حاجة لإعادة تأكيد دور الدولة باعتبارها الضامنة للمساواة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وهي في الأساس عملية سياسية تتطلب الإنصاف في توزيع الموارد وتغييرات هيكلية وإصلاحات تنظيمية اقتصادية واجتماعية ومؤسسية وقانونية تعزز من المساواة والإندماج الاجتماعي، وإن هناك حاجة إلى المزيج من السياسات المتكاملة التي يمكن اتباعها وتطبيقها من خلال نهج نموذج المحاور الثلاثة وهي: الأثر الملموس وتأمين المصداقية ونشر روح التضامن، وأنه لابد من إنشاء شراكات بين الحكومة وقطاع الأعمال والنقابات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني، فضلاً عن الاستفادة من المزايا الهائلة التي تتمتع بها المنطقة العربية: من الأفراد ذو المواهب والطاقات والحماس؛ والشبكات الأسرية وأواصر القربي المتينة؛ الموارد الطبيعية الوفيرة؛ الموقع الاستراتيجي؛ والإرث التاريخي والثقافي والروحي المشترك المشيد باللغة العربية والمرتبط بالقرب الجغرافي.  

 

الخلاصة

خلاصة الأمر؛ برغم وجاهة موضوع منتدى الاسكوا وتقاريره المرفقة التي نوقشت على مدى يومين، إلا إننا نجد أنه تم التعامل مع بلدان المنطقة العربية كوحدة متجانسة متكاملة في مسببات انعدام المساواة وبالتالي يمكن تعميم خلاصات تحليل الواقع ونتائجه عليها، فيما الحال يشيء بإن أوضاعها متباينة بسبب الاختلافات العميقة في تكويناتها الديمغرافية والبنيوية وأنساقها الاجتماعية ناهيك عن ظروف وممارسات أنظمتها السياسية التي تآكلت شرعية الدولة في أغلبها وتحول بعضها إلى دول استبدادية ودكتاتورية وتغلغل في بعضها اقتصاد النمط المافيوي-الأمني، كما أشار إليه العديد من الباحثين في تشخيصهم لحال مجتمعاتنا العربية وتأثيرات العولمة عليها التي فرضت متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية أدت إلى تحفيز البيئة التي تحدث عنها التقرير وعلاجها في انعدام المساواة، وهي بالمناسبة يعبر عنها بـ"اللاعدالة الاجتماعية"، ودون أن ينسب -أي التقرير أو مناقشات المنتدى- هذه الظاهرة الخطيرة بشكل مباشر إلى الفشل الذي وقعت فيه أغلب الأنظمة العربية في إدارة مجتمعاتها واختلال علاقتها بمواطنيها خلال العقود الأخيرة.

 

إن خلل الأداء في المنطقة العربية قاد إلى أزمات الدين العام وإلى تدخل المؤسسات المالية الاقتصادية العالمية بنصحائها في تقليل المصروفات والتخلي عن دعم السلع الأساسية للمواطن وخصخصة القطاع العام وفرض الضرائب وتحميل المواطن تبعات مظاهر الفساد وسوء إدارة الاقتصاد حيث أصبحت أغلب هذه الدول تلعب دور الوكيل للشركات المتعددة الجنسية وغيرها. صحيح أن التقرير أشار إلى إن أغلب البلدان العربية خصصت مبالغ عالية للأمن والتسلح على حساب التغطية الاجتماعية والتعليم والصحة وأضيف، تمدد الأجهزة الأمنية والعسكرية وانعكاسه على تقيد الممارسة الديمقراطية والمشاركة الشعبية في صنع القرار والحد من الحريات العامة، إلا إنه لم يتطرق أبداً إلى تأثير وجود العمالة المهاجرة في بلدان الخليج حيث تتجاوز نسب أعدادها المواطنين وتؤثر على فرصهم في العمل، ناهيك عن الجري وراء استقطاب الاستثمارات والثروة التي عمقت من حجم الفجوة الاجتماعية بين الفقراء والأغنياء وتهميش الفئات الضعيفة التي تحدث عنها التقرير واصفاً إياها بإنها ضحية اللامساواة.

كان المتوقع تسمية المتسببين بهذا الوضع الكارثي بأسمائهم وبتحديد مواضع الفشل بشفافية أكثر في عملية الإنجاز التنموي للحكومات، فالأوضاع التي تم تناولها كانت مادة غنية للمناقشة على مدى يومين في المنتدى، وهي لم تأتي من فراغ، فهناك أنظمة فشلت في إدارة مجتمعاتها وقادتها إلى الدمار والانحطاط وساعدت أدوات الحكم فيها على انتشار الفساد والمحسوبية والزبائنية وانتهاك حقوق الإنسان فكيف لها أن تكون شريكاً جاداً في القضاء على انعدام المساواة؟ الأمر الذي جعل التقرير المهم خالي الدسم، ففي الأخير تبقى الحكومات هي من تتولى السياسات العامة وهي من تستحوذ على الأجهزة وكافة السلطات وهي المسؤولة المباشرة والمساءلة بما يضج به الواقع العربي الكارثي من انعدام مساواة ومن غيرها من ظواهر، كما تبقى الحلول والمبادرات المقترحة خطوة رائدة؛ لكنها بحاجة إلى إرادة قوية صادقة من صناع القرار وممن يستحوذون على الثروات.  


المنامة - 4 يونيو 2022




الأربعاء، 9 فبراير 2022

تسويغ النموذج الصيني للجدارة


 

د.منى عباس فضل

مرت المجتمعات الإنسانية ولاتزال بأنساق مختلفة من الأنظمة السياسية التي طالما ادعى أغلبها أنه يتسم بالعدالة والحق، وإنه ديمقراطي ويمارس حكم الشعب بالشعب، حتى في الأنظمة الملكية التي شاعت تاريخياً ولا تزال تتوارث السلطة التي اكتسبت شرعيتها بقوة الحديد والدم أكثر مما اكتسبته بالقانون.

 من هذا المنطلق، يمكن قراءة ما يسوغه دانييل بيل من فكرة رئيسية في كتابه "نموذج الصين: الجدارة السياسية وحدود الديمقراطية" قراءة نقدية تفكيكية بما استفاض به من تحليل متشعب لهذا النموذج؛ فهو ومن خلال مقاربته لنظام الجدارة مع النظام الديمقراطي، كشف عن عيوبهما وقدم مقترحاته لتطوير نظام الجدارةmeritocracy   بصفته تجربة سياسية كبرى تحمل في طياتها إمكانية علاج العيوب الرئيسة في الديمقراطية الانتخابية؛ وطالب من هم خارج التجربة بتشجيعها بدلاً من أن يأملوا فشلها، أو حتى تعزيز سياسة خارجية مؤيدة للديمقراطية لكنها مصممة لزيادة احتمالات الفشل في الصين؛ وهو على ما يبدو يقصد فشل المشروع الأمريكي لدمقرطة الشرق الأوسط.

عيوب الديمقراطية ولكن!

شرح دانييل بيل عيوب الديمقراطية الغربية وأزمة حكمها التي أدت لإضعاف الإيمان بها بل وفتح المجال للبدائل السياسية لها، لماذا؟ لأنها كما يقول لم تعد نموذجاً إيجابياً لدول أخرى، خصوصاً في الأوقات الصعبة والأزمات الاقتصادية، ذلك على الرغم من بروز اتجاه يطرح قضية تجديدها بإدخال درجة أكبر عليها من الممارسات والمؤسسات التي يتميز بها نظام الجدارة.

 المؤلف يُذكر القارئ بأنه كتب الكتاب أساساً للقراء الغربيين الذين نشأوا على ثقافة تقديس الديمقراطية الانتخابية باعتبارها أفضل النظم وأقلها سوءٍ، وأيضاً إلى الديمقراطيين الصينين المؤمنين بشكل أعمى بفوائدها، ذاهباً إلى القول بوجود بدائل سياسية لها يمكن تنفيذها سياسياً ومرغوب فيها أخلاقياً ويمكنها المساعدة في معالجة عيوب الديمقراطية الرئيسية، على الرغم من قناعته بأن مناقشة النظريات غير الديمقراطية والسياسات الواقعية كما في سنغافورة والصين "كنماذج للجدارة السياسية" هي بحد ذاتها مثيرة للجدل، واستهدف بالأساس إزالة "صفة القداسة" عن الديمقراطية  من خلال الإيضاح بأنها لا تنجز الأمور بشكل أفضل من النظم القائمة على الجدارة وفقاً للمعايير المتعارف عليها بشكل واسع حول الحكم الجيد.

 أما عيوب الديمقراطية بنظره فهي تبرز في ظروف مختلفة حصرها؛ بأنها تثير الصراعات الاجتماعية بدلاً من تخفيفها، وطغيان الأغلبية وقمع الأقليات خلال العملية الديمقراطية؛ وقد تتميز في ظروف أخرى بطغيان الأقلية "المجموعة الصغيرة" لمنع التغيير، أو طغيان الجماعة الانتخابية أو طغيان الأشخاص المتنافسين.

 في الإطار، نجد أن دانييال لم يأتي بجديد في نقده لفكرة الديمقراطية الجوهرية "حكم الشعب بالشعب"؛ إذ سبقه علماء اجتماع ومفكرين معاصرين في نقدهم، بل وأثاروا حولها الكثير من التساؤلات المتعلقة بمن هو الشعب؟ ما هي حدود المشاركة المسموح بها للناس؟ ما هي الظروف والأوضاع التي يفترض أنها ستؤدي إلى المشاركة؟ فضلاً عن تساؤلاتهم حول الحُكم ومدى الاتساع أو الضيق في المجال الذي يمارس فيه، هل ينحصر في نطاق الحكومة؟ أم تتسع لمجالات أخرى، هل تشمل القرارات الإدارية أم السياسية أم جميعها؟ علاوة عن آليات الحكم؛ هل ينبغي الامتثال لحكم الشعب؟ ما هي حدود الالتزام بهذا الحكم أو الاختلاف والانشقاق عنه؟ هل يحق للناس التصرف خارج حدود القانون حين يجدون أن القانون القائم لا يتسم بالعدل والإنصاف؟ ما هي الظرف التي يمكن أن تدفع بالحكومة الديمقراطية إلى استخدام الإرغام لمواجهة المعارضين لسياستها؟

 كلها أسئلة تمتد وتثير الجدل، لاسيما حين يتوصل عالم الاجتماع البريطاني أنتوني غدنز إلى (أن الديمقراطية الغربية تعاني من التناقضات والمخاطر وتتسم بمواقف التذمر والمعارضة والإحساس بالخديعة..) فيما يشير عالم اجتماع أمريكي آخر إلى (إنها أصبحت عاجزة عن تقديم إجابات مقنعة ومتوازنة وعادلة عن مجموعة التساؤلات الكبرى، بل إنها مسخرة لتوجيه سياساتها لخدمة قطاعات اقتصادية واجتماعية وسياسية معينة دون غيرها، وقد فقدت سيطرتها على أنشطة الشركات الاقتصادية والتجارية العملاقة، كما إن المواطنين في الدول الديمقراطية بدأوا يفقدون ثقتهم بالسياسيين وبممثليهم المنتخبين لاقتناعهم بعدم تأثيرهم على تحسين حياتهم ولزيادة الهوة الطبقية بينهم وعدم قدرتهم على معالجة قضايا البيئة والفقر، وبعض الحكومات فيها تنتهج أساليب غير ديمقراطية لممارسة مهماتها، حيث ينجرف كبار المسؤولين فيها للإغراءات والفساد والمحسوبية والرشوة واختلاس المال العام).

 من الواضح أنه ليس ثمة اتفاق بشأن الديمقراطية، بيد إن نتائج الدراسات والمسوحات التي تمت في بعض الدول الديمقراطية وجدوا أن شعوبها لا تزال تؤمن بها كأفضل شكل للحكم، وتبقى قوة أساسية مقارنة بالأنظمة التسلطية والدكتاتورية، فهي في نهاية المطاف تشجع المواطنين على الانخراط في العمل السياسي والنشاط المجتمعي، فيما تنكر الأنظمة الشمولية والتسلطية هذه الحقوق أو تحد منها حيث مصالح الناس لا تشكل أولوية بالنسبة لها بل احتياجات الدولة ومصالح النظام الحاكم ومن يدور في أفلاكه.. "أنظر كتاب علم الاجتماع لأنتوني غدنز، ص480، مركز دراسات الوحدة العربية-بيروت".

 وفي كل الأحوال يبقى السؤال عالقاً بشأن عيوب الديمقراطية التي ناقشها المؤلف وغيره؛ وهل ستقود المواطن الصيني أو غيره إلى قناعة راسخة بنموذج الجدارة الصينية المحسنة كبديل عن الممارسة الديمقراطية؟   


الاختيار.. التعين عوضاً عن الانتخاب

عبر تفاصيل سردية تناول المؤلف الخلفية التاريخية لممارسة السلطة في النظام الإمبراطوري المتوارث الذي يستمدها من الأخلاقيات والمبادئ الكونفوشية القائمة على فكرة الجدارة والمهارات الاجتماعية والفضيلة، كما يشترط وصول ذوي الكفاءة والجدارة إلى مواقع السلطة أو إحاطتها بنخبة مميزة من الخبراء في كافة المجالات، وحتى في مرحلة انتعاشها لجهة صعود الصين التي أصبح اقتصادها منذ التسعينيات أكبر اقتصاد في العالم، ففي هذا النظام يوضح كيف تعمل آلية تدريب وتقييم وتعيين القادة السياسيين ممن يمتلكون السلطة النهائية في الجماعة السياسية تماماً مثل القادة المنتخبين في الديمقراطيات، ويشير إلى إنه لا يوجد تمييز مؤسسي واضح في نظام الجدارة بين الموظفين العموميين والقادة السياسيين، وإن نظام اختيار وترقية الموظفين العمومين يعتمد على امتحانات وتقييمات الأداء في المستويات الدنيا للحكومة، منوهاً إلى إن الجدارة ليست بغريبة على الغرب، فقد تناولها أفلاطون ودافع عنها كنظام سياسي في اختيار القادة السياسيين استناداً إلى قدراتهم المتفوقة في التوصل لأحكام سياسية أخلاقية ولديهم القوة لحكم الجماعة، أما الديمقراطيات الليبرالية فتلجأ إليها في تعيين خبراء ومستشارين في مواقع إدارية وقانونية لكنهم مسؤولون من قبل القادة المنتخبين ديمقراطياً، ما يعني إن ممارستهم للسلطة يتم في مجال ضيق ومحدود على أن يبقوا محايدين سياسياً.

 في السياق ناقش عملية اختيار القادة السياسيين الأكفاء في نظام الجدارة السياسية وصفاتهم وأهميته، إلى جانب الآليات الأفضل لاختيارهم وترقيتهم، وطرح تصوراً لنظام جدارة سياسي مرغوب فيه يمكن تحقيقه في سياق دولة كبيرة سلمية قيد التحديث تأخذ به من خلال استخدام مقياس التقييم القائم في الصين، وتوصل إلى أن الأخيرة يمكنها بل ويجب عليها تحسين نظامها القائم على تقييم الأقران من أعلى المستويات لأدناها رغم إقراره بأن هذا النظام مثير للقلق لاحتمالية ما قد ينتج عنه من مكافأة الموظفين الذين يتملقون رؤساءهم بطرق لا أخلاقية، الأمر الذي يتطلب التحديث والإصلاح من داخل النظام بتجذير "ممارسة ديمقراطية القاع" ذات الجذور الكونفوشية لتشمل مستويات الحكم الأعلى، واختيار كوادر الحزب وترقيتهم استناداً إلى الخبرات المتراكمة لسنوات أكثر من الطاقة الثورية؛ فضلاً عن إعادة تصميم معايير التقييم لزيادة احتمالية امتلاك القادة السياسيون الدافع والقدرة على وضع سياسات سليمة، حيث تتميز الصين برأيه بعدم تقيدها بدروس الفلسفة والتاريخ والعلوم الاجتماعية مقارنة بما هو معمول به في الديمقراطيات الانتخابية التي تعتمد على أهواء الشعب، ما يعني إمكانية معالجة وتقليل مساوئ النظام وليس فقط تدعيم مزاياه، فهو يمثل بديلاً وتحدياً للديمقراطية الانتخابية مع استمرارية سرعة نمو الاقتصاد الصيني.

 يضيف إنه من الجيد للجماعات السياسية أن يتولى حكمها قادة على مستوى عال، وإن نظام الحزب الواحد في الصين ليس في طريقه إلى الانهيار، وإن الجانب المتصل بالجدارة به جيد جزئياً ويمكن تحسينه، ويحتاج إلى اختبارات تقيس بشكل أكثر فعالية القدرات الفكرية المتصلة بالسياسة، على أن يكون العمل حثيثاً على زيادة النساء في المواقع القيادية من أجل زيادة احتمالية توافرالقادة الذين يمتلكون القدرات الاجتماعية لصناعة قرارات تتسم بالفعالية، فضلاً عن المزيد من الاستخدام المنهجي لنظام مراجعة الأقران بهدف ترقية المسؤولين السياسيين الذين لديهم الدافع والرغبة في خدمة العامة.

 

عيوب نظام الجدارة

استناداً لما سبق ناقش باستفاضة مشاكل تطبيق نظام الجدارة وعيوبه التي لخص أبرزها، في أن القادة الذين يختارون على أساس قدراتهم المتفوقة يميلون على الأرجح إلى إساءة استخدام سلطاتهم، إضافة إلى الهرمية السياسية التي يتصف بها النظام والتي قد تصبح جامدة وتضر بالحراك الاجتماعي، الأهم قوله في صعوبة إضفاء الشرعية على النظام في نظر من هم خارج بنية القوة -أي المعارضين له- وغير الموالين.  

 ومع ذلك، جادل المؤلف مجموعة الأفكار التي تناولها بعض المحللين كـ  Pan Wei الذي رأى "أن الصين على اقتراب لتأسيس رأسمالية السوق الحرة تحت مظلة دولة سلطوية تقوم على نظام الحزب الواحد وتؤكد على الاستقرار السياسي قبل أي شيء آخر. وإن نموذج الصين هو مزيج من الحرية الاقتصادية والقمع السياسي"، كذلك ما أشار إليه Suysheng Zhao  إلى "أن الصين حققت جوانب في اقتصاد السوق الحر، الذي يتدفق فيه العمل ورأس المال والسلع بحرية، في حين لا تزال الدولة تحتفظ بالسيطرة الكاملة على قطاعات استراتيجية من الاقتصاد ومجموعة كبيرة من الصناعات الأساسية، بما فيها المرافق والنقل والاتصالات والتمويل ووسائل الإعلام"، وما ذكره Barry Naughton "بإن لدى جمهورية الصين الشعبية اقتصاداً مختلطاً يتضمن ثلاثة مستويات تشمل: شركات حكومية كبيرة ومركزية؛ وشركات محلية وأجنبية مختلطة؛ ورأسمالية صغيرة".

 فقد علق على آرائهم قائلاً: "بإن الافتراض القائل إن الحكم الاستبدادي القمعي هو السمة السياسية الرئيسية لـ"نموذج الصين" هو مضلل. من الصحيح أن الحكومة الصينية تنفق ببذخ على جهاز الأمن للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وتلجأ إلى تدابير قاسية لإخماد التهديدات المحتملة لحكم الحزب الواحد، غير أن الصحيح أيضاً أن الحزب الشيوعي الصيني هو محرك الإصلاح السياسي، وأنه لن يعمد إلى تشريع عملية إصلاح قد تقود إلى زواله...".

 ختاماً لا شك أن مقاربة المؤلف بين نظامي الديمقراطية الغربية والجدارة الصينية تضفي أهمية كبيرة على الكتاب، كما إن تناوله لأليات نظام الجدارة القائمة على التقييم بالاختبارات وآراء الأقران والرؤساء في المستويات الهرمية أو الأفقية المتداخلة مع العناصر الأخرى وأبرزها الولاء للنظام والصلات القرآبية والحزبية وغيرها، تثير الالتباس والغموض حول كيفية وصعوبة تطبيق هذه المقاييس بمثالية مع استبعاد الأغلبية من المشاركة السياسية؛ بل وترجيحه للجدارة كبديل عن الديمقراطية.

 في نهاية المطاف النظام الصيني شمولي تسلطي يعيد إنتاج نفسه بتكثيف آليات تسلطه ويفتقد للمساءلة الشعبية ولا يمكن لعلاقته الأبوية مع الشعب الصيني وحكم وصاية الحزب الواحد من إنضاج ظروف للعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية الحقيقية، بل هو بيئة مثالية لتفشي الفساد والنخبوية بما يمس عمق شرعية النظام القائم رغم كل ما حققته وتحققه الصين من نمو اقتصادي.


المنامة - 9 فبراير 2022




الجمعة، 31 ديسمبر 2021

على أعتاب باب مقفل

 

منى عباس فضل

طريقان متوازيان في خريف العمر؛ يتصارعان ولا نهاية لهما، أسير على دروبهما دون هدى، أمتطي ثقل أحزاني وهمومي باتجاه نور لا يتلاشى.

 

خطوة بخطوة متيقظة ولا أعلم ما ينتظرني في كل ركن ومخبأ، أختبئ في داخلي، ألجأ إلى شرنقتي، أراجع وقتي المهدور على كل ما لا يستحق؛ وأبتدع ألعابي بالتفاؤل بإفراط يتجاوز مرارة الحال.

 

أودع سنة كئيبة مرت كشبح غرابي مخيف، أتوجه إلى القادم بخوف ورجف متشبثة بما أحمله من أمل؛ كم أحتاج إلى النهوض بخفة ونحن على أعتاب باب مقفل ليفتح مجدداً وأكون حرة وسعيدة بامتلاء.

كل عام وأنتم بسلام.

المنامة – 31 ديسمبر 2021


الخميس، 18 نوفمبر 2021

نظرة جندرية لقضية المعلقات

 

د.منى عباس فضل

 تمثل حملات المدافعة عن حقوق النساء مدخلاً إلى مناقشة قضايا المرأة البحرينية ورصداً لعلاقتها بالمجتمع وإثارة الأسئلة عما إذا كان الأخير ينحاز إلى صفها من حيث المفهوم "الجندري" أم لا؟

 حملات المدافعة تكشف عن حالة التسلط والغبن الذي تعيشه المرأة في ظل قوانين وتشريعات تعتريها النواقص والعيوب في تفاعلها وتشابكها مع منظومة الأعراف والقيم والعادات والتقاليد والثقافة السائدة، كما إنها تعري مواقف الاتجاهات الذكورية العقائدية المحافظة في محاولة الانتقاص من المنجزات التي حققتها النساء في مجالات الشأن العام والتعليم والعمل والفكر والثقافة بل حتى في استحقاقهن للمساواة القانونية التي ليست بمستوى طموحات ونضالات الحركة النسائية البحرينية بعد.

 لقد سادت ولا تزال مفاهيم ذهنية واتجاهات سلوكية تعزز من دونية النساء ودورهن في المجتمع خلال عقود من الزمن؛ وصار لازماً تقويم هذا الوضع وبسط النقاش حوله والتصدي له، لاسيما وحملات المدافعة تميط اللثام عن التعصب والتشويه لدور المرأة في الحياة ومكانتها؛ ذلك على الرغم من إبراز الجانب الرسمي للمنجزات المتحققة التي تعكس تطور واقع النساء في التعليم والعمل وإقرار التشريعات والقوانين في مشاهد اختزالية يستعرض من خلالها سرديات وبيانات إحصائية تتناغم مع الاستخدام المفاهيمي الحداثي لتمكين المرأة ومساواتها بالرجل من جهة، ومن جهة أخرى محاولة تطويع تلك المفاهيم بما لا يلزمه كطرف بإحداث تغييرات جوهرية على التشريعات والقوانين المتعلقة بقضايا النساء ومساواتهن القانونية.

 ولعله من المفيد الإشارة إلى تسيّد الرؤية الرسمية المتفاهمة مع الرؤية الدينية بصورة معلنة وغير معلنة وبصفتهما سلطتين تخترقان المجتمع وتتوليان تثقيف الأفراد كل بطريقتها وغاياتها حول أهمية دور المرأة ومكانتها في الأسرة والمجتمع؛ وبتوظيف آليات متعددة للتعبيرعن ذلك، هذا المشهد غالباً ما يضعنا في مواجهة حالة من الإزدواجية والتناقض بين ما يقال وبين ما يمارس فيما يتعلق بحقوق النساء الإنسانية ومساواتهن ومعاناتهن من التمييز القانوني.

 المتتبع للواقع، سيلاحظ التحاشي الرسمي لأي تصدٌ مباشر عند الحديث عن التمييز وعدم المساواة البارزين في "قانون الأسرة" وغيرها من التشريعات التي تركت ضمناً وعملياً في يد المؤسسة الدينية بشقيها رغبة في تأكيد الطابع الديني للدولة وبما يحافظ على سيادة الرجل في المنزل والحياة الزوجية، مما أدى إلى بروز اتجاهات متناقضة وإلى وضع غريب ملتبس يتسم به حال المرأة البحرينية التي حققت المنجزات ولا يزال التعاطي معها يتم عملياً بشكل دوني وقاصر، ولنا في القضية التي شهدها المجتمع مؤخراً وأثارت سجالاً من خلال حملة "معلقات ينتظرن الإنصاف" بين مؤيد ومعارض مثالاً يعكس اختلالاً صارخاً في "قانون الأسرة" الذي يستوجب إجراء التعديلات على بنوده لتحقيق المساواة القانونية، وقبلها حملة إلغاء المادة "353" من قانون العقوبات التي تجيز زواج المغتصب من ضحيته وغيرها مما يمثل نماذج فاقعة على التمييز القانوني بحق النساء. 


تمييز ولامساواة قانونية

عربياً حتى لا نقول محلياً، تعد قوانين الأسرة والأحوال الشخصية نموذجاً بارزاً للتمييز بين الجنسين، وبرغم تأكيدنا على التقدم المتحقق في الجوانب التشريعية المتعلقة بقضايا النساء، إلا إن قوانين "كقانون الأسرة والحماية من العنف الأسري، والعقوبات والجنسية" وغيرها لا تزال جامدة نسبياً لجهة تحقيق مبدأ المساواة، وهي تواصل تقويض الشخصية الكاملة للمرأة ومكانتها، إضافة إلى إنه لم يمسها التغيير بعد مضي سنوات من نفاذها والعمل بها كما هو مع "قانون الأسرة البحريني" الذي صدر في 19 يوليو 2017.

 ولو أمعنّا النظر في المواد التي تحكم معاملات الزواج والطلاق والحضانة والميراث منه؛ سنجد أنها تنكر على المرأة الكثير من الحقوق التي يحميها قانون الحقوق الإنساني الدولي، وهي ترسخ ذلك مؤسساتياً من خلال المكانة المتدنية المقررة للمرأة في الأسرة حيث قوضت موقفها القانوني عندما تعاملت معها باعتبارها قاصراً وخاضعة على الدوام لوصاية أفراد أسرتها من الذكور، فهي بنظر هذه الأحكام جزءً من تنظيم الأسرة، لا كفرد مواطن يتمتع بحقوقه المستقلة والمتساوية مع حقوق الرجل.

 لهذا شهدنا التنمر وفزعة الحملة المضادة للمعلقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتغريدات للاتجاهات الدينية والمحافظة بوسم "حملة تدمير العلاقات الزوجية" باعتبار أن حملة "المعلقات" من وجهة نظرهم حملة "أكاذيب وتلفيق وذات أهداف ابتزازية، ويراد منها التعدي على أحكام الشرع في المحاكم الجعفرية وهدفها تسهيل الطلاق وتدمير الأسرة..إلخ". في حقيقة الأمر عكس هذا السجال مدى الاستعصاء في إحداث التغيير في بنود "قانون الأسرة" ومقاومته من خلال التلويح باتهامات المس بالشريعة وإضفاء القداسة على القانون وباستحضار القيم والأعراف الاجتماعية التقليدية والثقافة السائدة تجاه المرأة.

 ليس خافياً أن "قانون الأسرة" بما يتضمنه من إجراءات مستمد من الشريعة؛ عملياً لا يتماشي مع الأحكام التي تنص على المساواة في الدستور، وهو يقوم على فرضية أن الرجل أعلى مرتبة من المرأة فيقدم له مزايا في الأسرة بمجالات "الولاية والزواج والطلاق والميراث وحضانة الأطفال" وهي مزايا تنكر عملياً على النساء أو تقدم لهن منقوصة كما يتضح من مادة الخلع "95/2أ" فضلاً عن المادة "353" من "قانون العقوبات" التي تفسح المجال للجاني "المغتصب" من الإفلات من العقاب. إن في هذا انتهاكاً لحق المرأة في المساواة أمام القانون وعدم التعرض لأي تمييز في الزواج والطلاق، وهي حقوق كفلتها المعاهدات الدولية التي صادقت عليها الدولة كـ"اتفاقية السيداو" والعهدين الدولين السياسي والاقتصادي وغيرها. 


التمييز في قانون الأسرة البحريني: الزواج والطلاق

من خلال مواد القانون المتعلقة بالزواج والطلاق يبرز التناقض بوجود نظامين متوازيين وغير متكافئين بين الجنسين، فحسب الفقه السني في القانون تشترط المادة (28-أ) إذا كانت الزوجة بحرينية ينبغي الحصول على رضا الولي عند إثبات عقد الزواج، وهذا بالطبع ينال من رضا المرأة وفيه تمييز ضدها ولاينسجم مع مقتضات المادة (16-أ/ب)، من "اتفاقية السيداو".

 وثمة أوجه لتسويغ الوضع التمييزي القائم، يتم عبر الحديث عن تحصين حقوق المرأة في عقود الزواج من خلال تضمينها شروطاً تنص على حقوق معينة منها؛ كالحق المتساوي في الطلاق، بيد إن الكثيرات وتبعأً للأعراف لا يستطعن ممارسة حق التفاوض بشأن هذه الشروط إلا فيما ندر بسبب الحرج الاجتماعي ووصمة العيب كما إن معظم العائلات ترى في إعطاء المرأة حق الطلاق أسوة بالرجل أمراً غير مقبول ومعيب، ومن الناحية العملية يمارس أولياء المرأة الذين تعتمد عليهم في تمثيل مصالحها، نفوذاً كبيراً في عملية الزواج والطلاق، ما يعني استمرار القيود المفروضة على استقلاليتها والخيارات المتاحة لها إذا ما قررت إنهاء الزواج.

 ضمناً ينص "قانون الأسرة" أن البت في الطلاق هو في يد طرف واحد وهو الأكثر حكمة -أي في يد الرجل-. فالرجال من وجهة النظر الشرعية والمجتمعية التي يروج لها؛ حكماء "تماماً كما أورد الشيخ هاني البناء في خطابه رداً على حملة "المعلقات"، وإن المرأة غير عقلانية وعاطفية بشأن الاختيارات المهمة في حياتها، غير راشدة وتميل إلى السلوك الاندفاعي وبأنها مترددة ومتقلبة المزاج وتحتاج إلى توجيه وحماية، وقد تتسرع في رفع دعوى الطلاق ولا تتوافر على الحرص في الحفاظ على كيان أسرتها مقارنة بالرجل. 

خيارات المرأة في الطلاق

وحين يسعى الزوج إلى الطلاق فهو يوقعه متى ما شاء إلى حكم الرجعة في القانون الذي يكرس حقه في الطلاق بإرادته التحكمية المنفردة دون علم الزوجة وحضورها مما يخلق العديد من المشكلات، فيما يتوجب على المرأة خوض غمار إجراءت قضائية معقدة مثقلة بالصعوبات ومستهلكة للوقت وباهظة التكاليف، كما إنها تفاضل بين خيارين، أحلاهما مر؛ أولهما طلب التطليق للضرر والشقاق بما يستغرقه من وقت طويل نسبياً لكنه يسمح لها الاحتفاظ بحقوقها المالية؛ إذا ما تم تنفيذ أحكام دفع النفقة وإعالة الأطفال، وعليها تقديم أدلة إثبات للعيب والضرر الذي لحقها، وكثيراً ما يكون ذلك بناءً على شهادة شهود عيان، وبعد المرور بعملية التوفيق الأسري الإجباري، وتقديم هذه الأدلة يشكل عبئاً ثقيلاً يقع على كاهلها لإثبات استحالة دوام العشرة مع زوجها، مع ملاحظة أن شهادتها تعادل نصف شهادة الرجل، وتعتبر ضرورة تقديم الشهود عائقاً كبيراً أمام حصولها على الطلاق بسبب الضرر الجسدي، وهنا ننوه إلى أن القانون في الشق الجعفري لا ينص على حق المطلقة في التعويض في حالة الطلاق التعسفي.

 أما خيار المرأة الثاني فيتمثل برفع دعوى مخالعة الزوج التي لا تحتاج إلى تقديم أدلة على الضرر، وإنما تقوم على التنازل عن حقوقها في النفقة وفي مؤخر الصداق وأن تدفع إلى زوجها مقدم الصداق أو أي مبلغ يطلبه، وكما جاء في الشق الجعفري برضا الزوج: "للزوجة أن تطلب إنهاء عقد الزواج بالخلع ببذل منها ورضا من الزوج."، وذلك بسبب استحالة الحياة معه. 


قصور المخالعة

تلجأ بعض النساء إلى الخلع وفي تصورهن أنه أسرع من التطليق لضرر، ولأنهن غير مطالبات بتقديم الأدلة على وقوعه أو توفير الشهود، وقد يدفع بعضهن إلى الاستدانة لتغطية تكاليف الحصول على حريتهن، وعليه إذا كان المقصود بالخلع هو الإسراع بعملية الطلاق وتيسيره وتقصير إجراءاته، فإنه ومن خلال وضع "المعلقات" وجدنا أنه يستغرق وقتاً طويلاُ  بسبب المنازعات حول مبلغ البذل الذي يتعنت بشأنه بعض الأزواج والإصرار على طلب بذلٍ يفوق المهر بسبب ما منحه القانون لهم، حيث تتعرض الزوجات إلى الابتزاز الذي دللت عليه شهادات "المعلقات" اللواتي تحدثن عن معاناتهن، الأمر الذي يضعنا أمام وضع تعجيزي خصوصاً عند عدم رغبة بعض القضاة في الحكم بطلاق الخلع.

 من هنا فإن القانون يجيز صراحة التمييز ضد المرأة في الزواج وعند الطلاق، إذ تم تقنين وضعها في مرتبة ثانية بعد الرجل في الأسرة، كما يعني أن هناك قبولاً بالأنماط السلوكية الانتقامية والعنفية التي يمارسها بعض الرجال ممن يعلقون زوجاتهم عند طلب المرأة للطلاق بالضرر وبالخلع كما لاحظنا في الحملة المضادة "تدمير العلاقات الزوجية"، أو بالسماح بتزويج الجناة من ضحاياهن بعد اغتصابهن حسب المادة "353" خوفاً من الفضيحة، إن في ذلك هدراً لحق المرأة في المساواة وانتهاكاً للإلتزام بتنفيذ "اتفاقية السيداو". 

تطور الحراك النسائي الحقوقي

استناداً إلى ما سبق، نجد أن القوانين والتشريعات المرتبطة بقضايا المرأة تقع في طليعة أجندة المدافعة للحركة النسائية عن المساواة، ولهذا تنظم الحملات منذ سنوات من أجل إيجاد القوانين وإجراء المزيد من الإصلاحات عليها بما يتناسب وتعدد أدوار المرأة ومساواتها بالرجل، لاسيما وأن القوانين القائمة ونموذجها "قانون الأسرة" تعتريها النواقص وهي موضع اختلاف في وجهات النظر والرؤى بسبب المواقف الدينية المحافظة التي تتعامل مع موادها بقدسية وجمود يقوض حقوق المرأة. 

 أثبتت حركة المدافعة عن حقوق النساء بإنها في مسار تتقاطع فيه العناصر الذاتية بالموضوعة الدينية والإيديولوجيه الحداثية والتقليدية، الأمر الذي جعل من نشاطها أكثر تشابكاً وتعقيداً، رغم تطور قضايا النساء الذي تطور معها اهتمام الجانب الرسمي والمدني، وصار مجال معالجتها لا يقتصر على الحركة النسائية متمثلة في الجمعيات النسائية والاتحاد النسائي البحريني وحدهم، وإنما نجد اهتماما من المنظمات الحقوقية ومختلف فئات المجتمع العمالية والشبابية بتعدد اتجاهاتها، وبالتالي نحن بصدد خلفيات متعددة؛ سياسية ودينية واجتماعية وثقافية جعلت من طبيعة النشاط النسائي يتسم بصعوبة الطرح والمعالجة خصوصاً مع توظيف العديد من القنوات التي لجأت إليها الحركة النسائية لايصال أصوات المعلقات ومن يقع عليهن العنف والظلم بمختلف الأشكال؛ وهذا بالطبع يعكس التزامها وقناعتها فيى التعبيرعن معاناتهن وإيصال مشكلاتهن إلى المجتمع الأمر الذي يفرض على الباحث والمتابع تناول هذا الحراك في تشابك أبعاده المتعددة وباختلاف تفاعلها.

 لاشك أن الحركة الحركة النسائية البحرينية حققت بجهودها المستمرة والمضنية جزءاً مهماً مما كانت تطالب به منذ سنوات، ومعظم ما تم إحرازه جاء بفضل الناشطات الحداثيات في الجمعيات النسائية والاتحاد النسائي البحريني؛ كذلك لا يمكن إغفال دور الدولة في تدخلها الإيجابي لمساندة تلك المطالبات وإن ضمن حدود رؤيتها وأهدافها، فضلاً عن موازرة هيئات الأمم المتحدة وبعض المنظمات الدولية التي تساند الدفاع عن حقوق المرأة وتعتبرها جزءاً لا يتجزأ من حقوق الإنسان، لاسيما مع ظهور العديد من القوانين والتشريعات الدولية التي تنص على مبدأ المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات التي غدت من الشعارات الرئيسية في أجندة وبرامج هذه الجمعيات وغيرها.   

استغلال قضايا المرأة

مع حركة التغيير التى يمر بها المجتمع، أدركت الحركة النسائية أبعاد الاهتمام العالمي بالمرأة وتمكينها من حقوقها وأدوارها في كافة المجالات السياسية والقانونية والاقتصادية في ظل حراك سياسي وطني ومناخ ثقافي طالما سعى إلى إرساء مجتمع ديمقراطي يرتكز على أسس المساواة في المواطنة بين أفراده؛ ومع إن القضايا الحقوقية للنساء ظلت معزولة نسبياً عن أجندة العمل السياسي ولم تدمج في برامج عمل الجمعيات السياسية إلا في حالات استثنائية ومحدودة، ومرجع ذلك باعتقادنا إلى عوامل ذاتية تخص طبيعة تكوين الحركة النسائية وتوجهاتها، وموضوعية تحكمها القيود والقوانين التي تتظم أنشطة الجمعيات الأهلية والتي تحرم عليها ممارسة النشاط السياسي، على الرغم من أن بعضها على علاقة وطيدة غير معلنة بمواقف بعض الاتجاهات الفكرية والإيديولوجية والسلوكية في الجمعيات السياسية سواء تلك التي تناصر قضايا المرأة أو التي يفتقر أغلبها إلى مواقف محددة فيما يخصها أو من يعبر منها عن مواقف التيارات الدينية، ففي كل الأحوال هناك اختلاف في الآراء والمواقف حتى في داخل الجمعية السياسية نفسها حين يتم عرض قضايا المرأة التي غالباً ما تتحكم فيها المواقف الظرفية والآنية أو الاستهلاك الخطابي والديني والتوظيف السياسي الضيق الرؤية خصوصاً في فترات الانتخابات للاستفادة من أصوات النساء. 

 بشكل عام تميزت الحركة النسائية في دفاعها عن حقوق المرأة بمستوى من الوعي الذي تراكم لديها وقاد إلى الاقتناع بأن المرأة البحرينية التي تشكل نصف المجتمع هي ثروة بشرية تختزن القدرات العقلية التي تساهم في بناء المجتمع وشريك أساسي في التنمية المستدامة، كما يسجل لها في مسار نشاطها الحقوقي مرورها بمنعطفات مهمة منذ الثماينيات انعكست على مطالباتها بسن قانون موحد للأحوال الشخصية وآخر لمناهضة العنف ضد المرأة وحمايتها منه فضلاً عن مساواتها في حقوق المواطنة ومطالبة الدولة بالتوقيع على الاتفاقيات الدولية "كالسيداو" و"حماية الطفل" وغيرها والالتزام بتنفيذ بنودها ورفع التحفظات عنها، إضافة إلى مساهمتها بإعداد التقارير ووضع مرئياتها التي ساعدت أصحاب القرار في صياغة القوانين الخاصة بالنساء سواء عند إعادة قراءتها أو مراجعة بنود مسوادتها.   

لحظة تحول نوعي

وهي اليوم تواصل جهودها التي لمسناها عبر "حملة المعلقات"، حيث تضاعفت الأصوات النسائية وشكلت لحظة مفصلية من لحظات التحول في المدافعة عن الحقوق والانتقال من ضغط الواقع والشكوى منه إلى المطالبة المباشرة بزيادة الضغط على الدولة لإحداث إصلاح في النظام القضائي لإنصاف المعلقات وممن يتعرضن للعنف؛ إنها في مرحلية قطيعة مع الظلم واللامبالاة والتعسف باستخدام القانون، ومع الخطاب الذكوري المزدوج بشأن دور المرأة وحقوقها، وجاءت تمثلات ذلك في الجرأة والموضوعية برفع سقف المطالبة والمحاججة تجاه مواقف وردود أفعال التيار الديني المحافظ، كما ووضعت الجانب الرسمي أمام مستوجباته؛ مطالبة إياه ببذل المزيد من الجهود والتسريع بإحداث التعديلات لسد النواقص في التشريعات والقوانين المناهضة للعنف والمعنية بحقوق المرأة ومساواتها بالرجل "كقانون الأسرة" و"قانون الانتخاب" و"قانون الجنسية" بما يسمح بمنح الأم جنسيتها لأبنائها عند زواجها من أجنبي وإلغاء المادة "353" من "قانون العقوبات" المتعلقة بالاغتصاب، وسعياً وراء توسعة حقوق المرأة وحمايتها مع الطفل والأسرة، والتزاماً بنصوص الدستور والميثاق الوطني في حق المرأة بالمواطنة الكاملة، وتحقيقاً لمستوجبات المعاهدات الدولية التي وقعت عليها. 

ومنه يمكن القول أن الحركة النسائية البحرينية قد حققت في مساعيها اختراقاً نوعياً لحالة الظلم واللاعدالة التي جسدتها حالة المعلقات والمطلقات والمعنفات وتقييد حقهن في الطلاق والانتقاص من أهليتهن في منح جنسيتهن لأبنائهن وغيرها، إن مطالباتها بتعديل القوانين والتشريعات تحقيقاً للمساواة يمثل حاجة أساسية تتعلق بمبدأ المواطنة الكاملة والشاملة للمرأة البحرينية وأي تطور يحدث بشأنها لاشك يمثل إنجازاً مهماً وعملاً جريئاً على طريق الدفاع عن حقوق الإنسان، لم لا وقضايا البحرينيات اليوم ومعاناتهن تفرض نفسها بحدة على الساحة المحلية وتستقطب اهتمام المجتمع وتجاوبه.

 

لجم الحراك النسائي

إزاء هذا الواقع نجد أن هناك من يحاول وقف عقارب الساعة، وكبح لجام الحراك النسائي ومطالباته بتعديل التشريعات وإنصاف المرأة؛ بإضفاء طابع القداسة على "قانون الأسرة" وتعزيز رؤيته التقليدية بشأن دور المرأة باستحضار النص الديني والموروث المذهبي وفتاوى المرجعيات الدينية لترسيخ منطق الوصاية والتشكيك في أهلية المرأة التي يتم التسويغ لها بما يعرقل آلية الدفع بقضايا المرأة ومشكلاتها إلى الأطر الرسمية أثناء إعداد مشاريع القوانين والتشريعات أو تعديلها بالاستعانة بمرئيات الاتحاد النسائي والجمعيات النسائية، إن هذا يعرقل نمو المجتمع وتطوره ويعمل على تكريس دونية المرأة وتهميش دورها فيه، فوضع المعلقات لا يبعث على الارتياح وهو مرفوض من الناحية الإنسانية والقيمية، وهو يعني في ذات الوقت أن هناك مسألة جوهرية لم تتغير بعد إقرار "قانون الأسرة" ونفاذه، وإن المرأة لا تزال تفتقد للتعامل معها كذات فاعلة تحقق كيانها كمواطنة تتمتع بكامل الأهلية والحقوق وتتحمل كافة الواجبات كما نص عليها الدستور وأقرتها الشرعة الدولية. 

لقد انقسم المواطنون بشأن المعلقات إلى من هم مع رفع الظلم من حيث المبدأ، ومن هم معارضون للحملة؛ وجزء كبير من التوجه المعارض يستند إلى رؤية عقائدية طائفية محافظة يستحضر الدين والنص والتأويل ويقدم مفهوماً ينظر إلى المرأة من خلال تلك الأقنعة التي تجعل منها ذاتاً تابعة للرجل، وثمة من يلجأ فيهم إلى تهميش قضاياها ويشوهها ويفرغها من محتواها، وهي رؤية تتخطى أصحابها وراء العادات والتقاليد وهوية الانتماء الفرعى والقيم الثقافية والدينية في وجه المطالبة بأي تعديل وتغيير لتطوير وضعية المرأة والتشريعات المتعلقة بمساواتها لاسيما في "قانون الأسرة"، فكل تلك القضايا بالنسبة لهم لا تمثل أولوية. 

يقابل ذلك؛ الرؤية التي يتبناها الحداثيون في محاولتهم وضع قضية المرأة ضمن كفاحها ونضالها السياسي والاجتماعي والاقتصادي العام، ومن منطلق أن تحرر المرأة وحصولها على حقوقها لا ينفصل عن التحرر المجتمعي العام، وهي تتماهى ورؤية المدافعات في الحراك النسائي في شقه الحداثي الذي يعمل على مناهضة العنف الموجه ضد النساء وحمايتهن من مختلف أشكاله، ونشر ثقافة المساواة كقيمة وممارسة وإحداث تغير في مختلف القوانين والتشريعات التي تكرس التمييز ضدها، فضلاً عن تمكينها من المشاركة الحقيقية في مواقع القرار السياسي والتشريعي وتعزيز الصورة الإيجابية عنها في وسائل الاعلام والتربية، لهذا فإن أبعاد الخطاب النسائي الحداثي يتمحور حول إقصاء المرأة وتهميشها والعنف الذي يطالها، على الرغم من التنميط الذي تعمل على أسسه الحركة النسائية وضعف دينامية هياكلها التنظيمية في عملية المدافعة وقصورها في بناء شراكات فاعلة بين أطراف المدافعين عن حقوق النساء وبتأثير من تعدد الخلفيات الثقافية والمرجعية للجهات القائمة عليها وغاياتها التي يتشابك فيها أحيانا الشخصي بالعام. 

الخلاصة

في نهاية التحليل يتضح أن الحركة النسائية البحرينية تجاوزت مستوى المطالب، بتقديم مرئياتها ووجهات نظرها بجرأة أكبر وأكثر تنظيماً وإصراراً ووعياً معرفياً يستند إلى مرجعية حقوقية مفاهيمية تعطي قوة للمطالبات في تطوير التشريعات والقوانين التي تمس حقوق المرأة، وهذا ما يمكن تلمسه من خلال تأسيس مراكز للاستماع والتوجيه الأسري والقانوني والنفسي في الجمعيات النسائية سعياً وراء كسر الصمت وصيانة لكرامة المرأة وانسجاماً مع هويتها ورفع مكانتها وبما يتوافق ومنظومة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وبالتالي فإن حملات المدافعة عن قضايا النساء، تنطلق من مرجعية حداثية توافقية تتقاطع بحكم حراكها الحقوقي بشكل مباشر وغير مباشرة مع النشاط السياسي والثقافي ومع التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي يمر به المجتمع، وهذا حتما يتقاطع مع مواقف الحكومة ويتشابك مع مضامين المرجعيات التنموية والحقوقية الدولية في جوانب متعددة، مما يتراءى للبعض بأنها صوت صدى للحكومة أو إنها لا تبالي بأوضاع النساء السياسيات وتهمل قضاياهن، في الوقت الذي سجلت فيه حضورها ومواقفها التاريخية في كل المنعطفات السياسية وشاركت بقدر ما سمح لها الظرف في الحراك السياسي ووثقت مواقفها في الدراسات والإصدارات ومنها تقارير الظل الأول والثاني للسيداو وغيرها.   

لقد استطاعت حملات المدافعة عن النساء توسيع دائرة المساندة والتضامن باستنهاض جرأة الحالات التي تعرضت إلى العنف والتعسف من استخدام القانون، فعبرت بأصواتها الجريئة عن حالها المعلق منذ سنوات وما تتعرض إليه من ابتزاز مادي وأخلاقي، الأمر الذي استفز المشاعر واستنطق العواطف الإنسانية وأثار الاستنكار حيال ما تعانية المعلقات من تعسف وعنف ولامساواة وفي هذا مكسب للحركة النسائية البحرينية. 

إن ذلك يستوجب على الدولة تبني إصلاحات تشريعية وقضائية وإدارية تضمن تكافؤ الفرص أمام النساء للحصول على الطلاق، والإسراع في معالجة الإجراءات القضائية التحيزية التي تعطل حصولهن عليه، خصوصاً لجهة القوانين والإجراءات التمييزية التي تضع العراقيل أمام المرأة وذلك بهدف تعزيز قدرتها في السيطرة على حياتها وجسمها ومما يمنحها القوة ويقلص مساحة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها الرجال حالياً في علاقتهم مع النساء، وأن لا يكتفي المجتمع بالردود التي جاءت في سياق احتواء الوضع واستيعابه في الإطار الديني والطائفي بالاعتراف بوجود مشكلة لكن تفسيرها ووضع الحلول لها لا يزال يدور في رحى إعادة إنتاج السلطة الذكورية ومنظورها التي ترى مكانة المرأة ودورها ينحصر كربة أسرة وأم فقط. 

المنامة – 18 نوفمبر 2021