الأحد، 17 أكتوبر 2021

ارفع رأسك وانهض

 

منى عباس فضل

 

سيرة "ارفع رأسك" للمحامي الدكتور حسن رضي التي تناغم فيها القلم الرشيق والعميق في تعبيره لغويا وأدبياً للكاتبة باسمة القصاب، كشفت عن إرهاصات تجربة حياتية نابضة بالحياة وملهمة تجسد فيها تاريخ الإنسان البحريني بمعاناته ونضاله وتشكل تكوينه بكل الصور والمعاني الجميلة والمنعطفات العابرة والصعبة.

 

عبرت السيرة في مساراتها المتشابكة عن ضمير حي يحاكي ما وراء الصور والعبارات والمواقف والمنعطفات بعنصر من التشويق والإثارة، وعن تصالح مع الذات وتعاطٍ موضوعي مع الواقع ومكوناته، وهي قائمة على مرتكزات من المحبة والسلام والعدالة والكرامة والقبول بالآخر والأهم بالاختلاف.

 

قرأت السيرة بتأمل وتمعن لتجربة تعليمية بسرد روائي غني وممتع؛ وقد استطاعت الكاتبة باسمة العبور بها للقارئ من خلال منهجية سردية مكثفة استخلصت أجمل وأغنى ما في تجارب المحامي حسن رضي التي وثق فيها مواقف ومعاناة مراحل صعبة من تاريخ الوطن والحراك الشعبي وتجربته الخاصة في هذا الإطار العام بمراحله ومناخاته وما ضج به من صراعات وتصادمات بحلوها ومرها في السجن وخارجه، مما جعلها دون ريب جزءًا أصيلًا من ذاكراتنا الوطنية والجمعية.

 

في السيرة ثمة تفاصيل غنية ملهمة للتحفيز والتغيير يبثها إلى جيل الشباب والشابات، من بوابة التعليم والعمل الدؤوب وصقل المهارات، وعلى الأخص إلى من اتخذ مهنة المحاماة والعمل الحقوقي دربًا له، تضمنت رسائل متعددة ومواقف متنوعة ذات دلالات عميقة في التشديد على ضرورة الالتزام بأصول المهنة وبالقسم لها وبما تعهد به المحامي تجاه مصالح موكله ليكون موضع ثقة وأمانة حتى وإن اختلف معه في الفكر أو التوجه.

 

في هوامش الكتاب تعريفات مختصرة عن الشخصيات التي مر بها وتركت تأثيرها في مسيرته الحياتيه والمهنية، حرص على تدوين أهم ما يميزها، إضافة إلى تدوين بعضها تخليداً لذكرى مناضلين استشهدوا أو قدموا التضحيات ولايزالوا، كما لم تغفل معه الكاتبة في تقديم شروحات للعديد من المواقف أو الأحداث بصدقية وموضوعية عالية تعكس التزاماً علمياً بعملية التوثيق وبما يتصف به الكاتب والباحث الموضوعي.

 

تتميز سردية السيرة بتسلسل زمني، وهي تركز في آن على أبرز وأهم المنعطفات والمواقف بتنوعها واختلافاتها وبما عكسته من خيبات أو أفراح فتحت المغاليق عبر ما مر به كاتب السيرة سواءٌ على صعيد حياته الخاصة أو العامة، من خلال حميمية علاقاته الأسرية وفي القرية والنادي والأصدقاء وأثناء الدراسة وشعور الاغتراب والسعادة في العبور من أجواء القرية إلى المدينة ومنه إلى العالم الأوسع بالدراسة والعمل والسفر والانفتاح على الثقافات المختلفة والتعرف على الاتجاهات السياسية والحزبية المتعددة بتجاربها وإيدولوجياتها وقيمها التي نهل منها معرفة بالقراءة والاختلاط، وأطلق عنان العقل للانفتاح وخوض المغامرات التي وقف عند بعضها على حافة السقوط  لكنه لم يسقط بل حقق حلم النجاحات في امتحانات الحياة ومواقفها.

 

أفاض بالبوح بصدق مع النفس وبجرأة متميزة، أقبل على التحديات بجسارة ولم يسقط بل نهض في كل مرة كي يعيد تدوير زوايا حياته ودفة مسيرته المهنية والنضالية ويحقق ما يصبو إليه وبما شكل ثروة وقيمة مضافة لم تقتصر عليه؛ إنما للوطن وأبنائه.

 

في رسالة لها أبعادها وبما يتشابه فيه مع الكثيرين من جيله يكتب: "تفأجات باقتراب نهاية العام الدراسي الذي مر سريعاً دون أن أشعر به، قضيتها بين (النشاط السياسي) أو بالأحرى (الثرثرة السياسية)، وبين أجواء المرح.."، أما في تجارب الصراعات السياسية وأجوائها يشير: "في الحقيقة، لم أكن متحمّسًا للخروج. شعرت أني انتُزعت من وسط أحبّة قضيت مرّ السجن في حلو اجتماعاتهم، قيادات وعناصر من جبهة التحرير والجبهة الشعبية وآخرين مستقلين، يتغايرون في التوجهات والرؤى والأفكار، لكن في المعتقل تذوب الفوراق الحزبية والإيديولوجية كما يذوب الملح في الماء. كُلنا ملحٌ في ماء وطن نحلم به".

 

يجسد رضي من خلال سيرته فعلا لا قولا، أن العمل قيمة عالية يتحقق منها رضا الذات وشعورها بالامتنان والسعادة يقول: "العمل في هذه المكاتب جاد وصارم ومتواصل لساعات طويلة دون كلل أو كسل. تعلمت منهم الصبر والمثابرة في العمل والإنجاز المتواصل، عشقت العمل ودخل حياتي بقوّة وأخذ وقتي وجهدي وحماسي، ليس هناك وقت محدد للعمل عندي ولا ينتهي بانتهاء ساعات الدوام، انتقل معي هذا النموذج إلى مكتبي وإلى المشتغلين معي بدرجة كبيرة، لقد شُغفت بالعمل الذي صار يأخذ معظم يومي إلى الحدّ الذي جعل زوجتي تقول ذات مرة: -لا ينقصك إلا أن تشتري سريّرا تضعه جانب طاولتك في المكتب وتقضي الليل مع ملفاتك".

 

ومن خلاصة تجاربه الحياتية بمغزاها ومعانيها الرفيعة "لعلّ أجمل ما يفعله النضج بنا، هو التبدّل الذي يُحدثه في علاقاتنا بالآخرين ونظرتنا إلى المختلفين معنا، تحويل التشدّد والجفاء إلى التفهم والقبول وتعزيز المشترك، وربما الصداقة. الاحتراب نوع من المراهقة الفكرية، والقطيعة والجفاء نقص في الوعي".

 

المنامة – 17 أكتوبر 2021

 


الثلاثاء، 12 أكتوبر 2021

مُعَـلَّقات ينتظرن الإنصاف

 

د.منى عباس فضل

-      التغيرات الاجتماعية العظيمة مُستحيلة دون ثورة نسائية، وتقدم أي مُجتمع يُقاس من خلاله وضع المرأة فيه. "كارل ماركس-فيلسوف ألماني".

 

-        إن المرأة يصيبها إحساس أليم عندما تكتشف تفاهة الرجل الذي أحبتُه. "جان بول سارتر-فيلسوف فرنسي".

 

-        في كل مرة تقف فيها امرأة لتدافع عن نفسها وتدعم ذاتها، فإنها تدافع عن جميع النساء. "مايا انجيلو- كاتبة وشاعرة أمريكية مدافعة عن حقوق المرأة".

 

يبدو أن قوة حملة "معلقات ينتظرن الإنصاف" وشدتها؛ وتجاوب الرأي العام المحلي والدولي معها، قد استثارت القائمين على حراسة الفقه والأحكام الشرعية، ناهيك عمن نصبوا أنفسهم مدافعين بالمطلق عن القضايا الوطنية  دون سواهم.

 كمدافعات عن حقوق المرأة وكرامتها غالباً ما عهدنا في المحطات التي تشتد فيها المطالبة بحقوق النساء وإنصافهن أو بتعديل أحكام القوانين كقانون الأسرة، بردود أفعال تتعالى فيها الأصوات وتشحن الأجواء بعيداً عن صلب القضية الأساسية التي تدور حولها المدافعة والمطالبة بالعدالة والمساواة وبتجريم التمييز ورفض التعسف الواقع على النساء.

 حملة "المعلقات" الأخيرة؛ بدأت بدعوات إلى المشاركة بالتغريد يوم الاثنين 20 سبتمبر 2021  بشعار "غردوا معنا تضامناً مع النساء البحرينيات المعلقات في المحاكم". قاد الحملة "مركز تفوق الاستشاري للتنمية"، وشارك فيها بنشاط وحيوية منقطة النظير كافة مؤسسات المجتمع المدنية والحقوقية كمؤسسات أو بصفة فردية شملت نشطاء وناشطات في مجال حقوق المرأة إلى جانب بعض المحامين والمحاميات ممن لبوا دعوة المدافعة حيث عقد لهم لقاء حي مع الحالات طرحوا فيه حلولاً قانونية للمشكلة التي تنقلها الحملة والتي بدأت بسرد وقائع معاناة ثلاث نساء معلقات عبر فيديوهات أشعلت منصات التواصل الاجتماعي وأثرت في الرأي العام لما شاهدوه ولمسوه من ظلم وابتزاز فاقع من بعض الأزواج.

 

مخالعة بالابتزاز

يمكن القول أن الحملة حققت عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي تجاوباً وتفاعلاً مجتمعياً ودولياً وشكلت موضوعاً رائجاً "ترند"، خصوصاً وقد تخللها عرض لحالات تحدثت لأول مرة عن نفسها وعبرت عن معاناتها وكيفية تعليق قضاياها التي لا تزال في المحاكم ومنذ سنوات طويلة بسبب شروط المخالعة التعجيزية التي وضعت أمامهن للحصول على الطلاق، ناهيك عن معاناتهن عند تسجيل أبنائهن في المدارس أو تلقي العلاج بسبب احتفاظ "الأزواج" بالوثائق الرسمية الثبوتية من جواز سفر وهويات حتى لو كانت الحضانة عند الأم المعلقة مما يشكل جريمة وانتقاماً بحق الأطفال.

 تميزت الحملة بتصدرها وبحماس من الشابات والشباب؛ ومن منطلق الإيمان الراسخ من الجميع بضرورة وأهمية إيجاد حل جذري لمعضلة "المعلقات البحرينيات" ومعاناتهن في المحاكم الشرعية. نوه المدافعون النشطاء في الحملة بأنهم اعتمدوا مصطلح "معلقات" بمعناه اللغوي والرمزي الذي ولد من رحم المادة "95/2أ" في قانون الأسرة والتي يشترط من خلالها حصول الزوجة على موافقة زوجها ودفع عوض مادي له ليتم تطليقها منه، وقد درج بين الرجال التعنت بمنح موافقتهم على إنهاء العلاقة الزوجية إلا مقابل مبالغ مادية وشروط تعجيزية استهدفت في الأغلب الانتقام والمساومة التي تبقى بموجبها القضايا قابعة دون حراك ضمن ملفات المحاكم، وتبقى معها المرأة ولسنوات في حال، لا هي في وضع متزوجة ولا هي مطلقة، وبالتالي لا يمكنها نيل الحقوق المترتبة من كلا الوضعين.

 

معاناة متجددة

ومنه فالحملة لم تنزل ببرشوت من الخارج أو بإيعاز من طرف داخلي؛ إنما انطلقت من منصة شملت عدداً من المعلقات اللواتي يعانين من أحكام المحاكم الجعفرية، حيث تنعدم البيانات الاحصائية الرسمية بشأنهن، ومع ذلك استطاعت تقديم حالات مسجلة لدى بعض مراكز الاستشارات التابعة للجمعيات النسائية فضلاً عن استعانتها بما نشر في الصحافة المحلية التي قدرت مجموع المتضررات على مر السنوات بالألوف. ماذا يعني هذا؟ يعني ببساطة شديدة، أن المعاناة متجددة ومستمرة.

 وعلى الرغم من أن مدافعي الحملة قد نوهوا بوعي ومسؤولية عالية بأن الحملة ومنذ بداياتها لا تسعى إلى التشهير وكسب الرأي العام أو نشر القضية اعبتاطاً حتى وإن ركب موجتها من هو ليس أهلاً لها، وإنما تسعى في الأساس إلى التعبير عن التضامن والتآزر مع جميع الحالات اللاتي يحملن معاناتهن منذ سنوات، إلى جانب محاولة إحداث تغيير فعلي في القانون بما يحفظ للنساء العدالة في قرار الانفصال، إذ لايكفي حل مشكلة عدد من النساء راهناً، فيما يستمر تجدد المشكلة بسبب الثغرات الموجودة في قانون الأسرة.   

 

إتهامات باللادينية

رافق الحملة ردود أفعال متشنجة لا تعالج قضايا تعليق الطلاق وغيرها، باجتراح حلول جذرية موضوعية، إنما تتعداها إلى مساجلات وتوصيفات وكيل اتهامات على شاكلة؛ أن من يقود المدافعة هم من تيار "اللادينية" و"الفكر النسوى" أو "إن وراءها أجندة حكومية أو خارجية تستهدف منظومة المؤسسة الدينية وقواعدها..إلخ التوصيفات بالقول بأنها "حملة تحريضية" تتنافى وفتوى المراجع الدينية والمذهبية، بل والمراد منها "هدم العلاقات الزوجية وتفكيك الأسرة"، فضلاً عن التشكيك في توقيت الحملة واتهام الاتحاد النسائي البحريني كجهة مدافعة عن حقوق النساء، بأنه نخبوي بدون فاعلية ولا أرضية شعبية له وإن ما يثيره مجرد زوبعة بدعم رسمي حول فزعة "المعلقات"، كما تم زجر المدافعات والمدافعين بالقول: "لاتعبثوا بشرع الله..واتركوا الفقه الجعفري للفقهاء والعلماء..هم يعالجون المشكلات..، لا تكونوا سيفاً بيدهم لضرب فريق المعارضة..". في كل الأحوال ردود الأفعال هذه أغلبها فقاعية هدفها حرف الرأي العام عن لب القضية وجوهرها المتمثل في الظلم والتعسف الواقع على "المعلقات"، بل والتعامل مع قرار الانفصال "بالطلاق" كحق منفرد للزوج.

 في السياق وفي محفل رده على "حملة المعلقات" والقائمين عليها؛ نشر الشيخ هاني البناء عبر قناته في اليوتيوب رداً مطولاً وبالتفصيل على الحملة منطلقاً من خلفيته الشرعية وخبرته في القضايا الأسرية وحلها، معرفاً المعنى الشرعي للمعلقات ومدعياً بأن من وصفن بالمعلقات في الحملة لا ينطبق عليهن الوصف، كما تحدث عن التطليق "للضرر" والمنصوص عليه في قانون أحكام الأسرة والمأخوذ كما ذكر من أحكام الشريعة التي استفاض في شرحها، قائلاً بأن النساء قد تحصلن على هذا النوع من الطلاق وقد تفشلن لأسباب أهمها "صعوبة إثبات الضرر".

 بعض الرجال..لا إمساك بمعروف ولا تسريح بإحسان 
وبالإنجليزي
Pay me First
 

دليل إثبات تعجيزي

هنا يستوجب التوقف عند اقراره "بصعوبة إثبات الضرر" الذي على أساسه يتم رفض التطليق ومن ثم يحكم على المرأة إنها ناشز إن تمسك الزوج بطلب رجوعها إلى بيت الزوجية؛ وبالتالي تحرم الزوجة على ضوء هذا الحكم من نفقتها وتدخل في دوامة من الصراعات القضائية والأسرية، مضيفاً بأن على القاضي أن يحكم بدليل، ما يعنى بأن النساء اللاتي ليس لديهن دليل على الضرر أو دليلهن غير مقبول من المحكمة لسبب ما أو آخر ليس لديها من حل سوى اللجوَ إلى طلب الخلع، على الرغم من تأكيده بأن الخلع الواقع من ضرر لا يصح خلعاً، وبالتالي ستبقى حريتها وحقها في الطلاق مرتهنا في يد الزوج حتى لو كان منحرفاً سلوكياً وغير قادر على الإيفاء بالتزامات الحياة الزوجية أو ممارسا للعنف عليها، لاشك إن الشروط التعجيزية "بإثبات الضرر"، ستجعل المئات من الحالات "معلقات" لسنوات لا هن متزوجات ومستقرات، ولا هن مطلقات يستطعن العيش باستقرار وبشكل إنساني وطبيعي.

 كذلك رسم الشيخ أحد الحلول في حال عدم إثبات الضرر للتطليق حتى تتجنب المرأة وضع الخلع، أن لا تكون وكيلة نفسها في الطلاق، وذلك من منطلق أن النساء في الغالب قد "يتعجلن" ذلك، وإدخال وساطة للإصلاح بين الزوجين "بتوكيل من يطلقها" وكأنها قاصرلا أهلية لها لعدم توافرها على القدرات العقلية والنفسية والجسدية السوية لاتخاذ قراراتها لنفسها وبنفسها، لاسيما وإن الرجال تبعاً له؛ غالبا "أكثر اتزاناً في اتخاذ القرار، فيما المرأة غالباً الأكثر انسياقاً لعاطفتها".

 نجد أن الحكم بالإتزان والعاطفة مسألة نسبية، ومن غير الإنصاف إطلاق هكذا أحكام على النساء فيما اثبتن في العالم قاطبة دورهن المتميز في الإرتقاء بمجتمعاتهن ومحيطهن الأسري وحققن عبر مسيرة حياتهن أعلى المراتب من النجاحات العلمية والمهنية، وبالتالي لا يجوز البتة وصفهن بالنقص لملكة التعقل والحكمة ووزن الأمور لما هو في صالح الأسرة والمجتمع وحرمانهن من حقهن في تقرير مصيرهن عند استحالة الحياة الزوجية، وبالمقابل منح الرجال حق تعليق المرأة وابتزازها بذريعة الإتزان. إن في ذلك تشوياً للوعي الجمعي وحرفه عن مسار إيجاد حل جذري لهذه المعضلة اللانسانية. في المحصلة يبقى هذا الخطاب عاجزاً عن تقديم حلٍّ عادلٍ للمعلقات لا سيما ممن أفصحن عن معاناتهن أو لتلك الحالات التي لا تزال قضاياها حبيسة الأدارج أو أروقة المحاكم الشرعية.

 ثمة أمر آخر تطرق إليه بشأن "مؤخر الصداق" كألتزام على الزوج من طرف الزوجة؛ قائلاً: للمرأة الحق في طلب المزيد من الصداق أو وضع الشروط في عقد الزواج، في المقابل يكتسب الرجل حق الطلاق؛ ويتساءل هل يجوز هذا؟ ولا يجوز وضع قرار الخلع بيد الرجل؟ يستطرد: "لك أن تطلبي ما تشائين في عقد الزواج؛ وعند التراجع، من حقه أن يفرض شروطه؛...كأن يطلب مبلغاً نقدياُ مرتفعاً يفوق المهر، ولهذا أسبابه أيضاً، ربما قد يدفع المرأة للتراجع عن قرار طلب الطلاق غير الحكيم من وجهة نظره.. حتى لو تزوج عليها امرأة أخرى...إلخ.

 منطقياً وقيمياً إن هذا لا يصح البتة، فنحن لسنا بصدد تطبيق "مبدأ العين بالعين والسن بالسن، إذ لو كان الأمر كذلك فعلى الرجل أن يسترجع المهر فقط ولا غير ذلك"، ومن غير الموضوعية أيضاً استحضار مثال "مؤخر الصداق" لماذا؟ لسبب بسيط، كونه لا يشكل تقليداً متبعاً في العرف المحلي ونادراً ما وضع كشرط في عقود الزواج، حيث يؤخذ به فقط عند بعض الأسر من أصول فارسية، وبالتالي لا تتمتع البحرينيات بهذه الميزه التي لا يجوز تعميمها والحكم عليها وهي خارج سياق إيجاد حل عادل للمعلقات.

 ومن رأيه أيضاً أن المطالبة بتغيير مادة المخالعة "95/2أ" من قانون الأسرة الشق الجعفري، يكمن وراءها "فكر نسوي" "وكأن هذا الفكر تهمة"، مضيفاً أن ذلك يتنافى مع فتوى المراجع ورائحته واضحة في الحملة التي تستهدف الأحكام الشرعية وتنفذ أجندات خارجية، كما غمز من بين السطور بأن المغردين مع الحملة يجهلون الأمور الشرعية وتحركهم العاطفة لا العقل، متسائلاً، لماذا استحضروا نساء فقط ولم يستحضروا شهادات الرجال؟

 

أين الحل؟

خلاصة الأمر؛ سيبقى هذا الخطاب وعليه ردود الأفعال المتشجنة أمام محك عملي شديد ومحرج للغاية، لماذا؟، لأن عليهم بداية الاعتراف بوجود مشكلة قائمة وصفها النائب السابق في البرلمان عبدالجليل خليل في تغريدة له "بالجريمة"، فهي باختصار مشكلة لابد من التفكير في حلها بشكل عاجل وبأفضل الممارسات والإجراءات القضائية التي تتناسب والمتغيرات المجتمعية التي تُعْلِي من مكانة المرأة، وإشراك الأطراف المعنية حرصاً على تحقيق العدالة والانصاف، فالزيجات الفاشلة العالقة في المحاكم منذ سنوات، والتي تطالب فيها النساء بالطلاق ليست ثابتة على حال، إنما هي متجددة ومستمرة، وغالباً يأتيهن الجواب على شاكلة: "لا طلاق إلا بإثبات الضرر"، بغض النظر عن المعاناة الإنسانية وصعوبة إثبات الضرر المطلوب تبعاً إلى معايير المحاكم الشرعية التعجيزية، أو دفع مبالغ خيالية "ابتزاز"، أو العودة التعيسة للعش الزوجي الذي صار جحيماً وليس عشاً ذهبياً.

 النتيجة، الحملة سعت ولا تزال إلى إنصاف المعلقات وغيرهن من المتضررات، ومن غير العدل الحفاظ على الوضع الشاذ بتقديم تبريرات لا تتناسب وما وصلت إليه المرأة البحرينية من مكانة وما حققته من تقدم، ناهيك عن محاولة حرف المشكلة إلى قضايا السياسة التي لها مجالاتها وأطرها الخاصة بها، كما ليس من الحق حرف مطلب الحملة في تغيير مادة المخالعة "95/2أ"، بقانون الأسرة لمنع تعنت الأزواج، بآراء تطعن في الحركة النسائية وتشويه أهدافها والتحريض عليها، ذلك لأن هذه الحركة ستبقى بمنظماتها وبرغم التحديات مدافعاً مناهضاً للظلم والتمييز الذي تعاني منه النساء البحرينيات وستسعى دائما نحو تحقيق المساواة لما فيه صلاح المجتمع واستقرار الأسرة كونها تتمتع بوعي وإدراك بمسؤولياتها ودورها الريادي. قدموا "الحلول الجذرية" وأوقفوا تعسف الأزواج باستخدام مواد القانون.

 

المنامة – 12 أكتوبر 2021

 


السبت، 2 أكتوبر 2021

إخوتنا الغرباء وهاجس الفناء

 

منى عباس فضل

 كعادته أمين معلوف، في أحدث رواياته "إخوتنا الغرباء" يحفّز مَلَكَة التفكير في عقولنا على مقاربة حال العالم الذي اختل توازنه وبما ينذر بنهايته جراء الاختلالات والصراعات والكوارث الطبيعية التي ساهمنا بها.

 ومع إن معلوف عبّر عن مخاوفه من مخاطر معاصرة تتهددنا في زمن الكورونا، إلا إنه يؤكد على كتابة روايته قبل اندلاع "الجائحة" التي حفّزته في الإسراع على نشرها، وهي تتناسق مع ظروف الوباء الذي تنبأ به قائلاً:

 

-       تخيلوا أن ينتشر فيروس قاتل بسرعة فائقة ولا يدل عليه أي عارض قبل انقضاء عدة أسابيع، في اليوم الذي يكتشف وجوده، سيكون قد فات الأوان، ولن يستطيع أحد أن يوقف انتشاره.."صفحة 255".

 

كما تزامنت كتابة الرواية مع أحداث الانتخابات الأميركية الأخيرة وانتشار النزعات القومية والشعبوية وحاجة البشرية لمن ينقذها من الموت الحتمي والكوارث النووية الناتجة عن اختلال التوازن والصراعات بين الأمم.  

 

رؤية استشرافية

الرواية في مضمونها تكشف عن رؤية مستقبلية استشرافية تمثل مزيجاً من الواقعية الوجودية ببعدها الفلسفي السياسي والأخلاقي الحالم حد "اليوتوبيا"، إضافة إلى كونها من جنس الخيال العلمي والفنتازي بما عكسته من تفاعل عناصر الوقت وموازين القوى، بيد إن بعض النقاد خلصوا إلى أنها تتناول فكرة مجردة، لا أساس عملي لها في كيفية تخلص البشرية من آفاتها، إضافة إلى أنها لم تقدم معرفة تاريخية كما اعتادوا عليها من معلوف لاسيما في رواياته "سمرقند، ليون الأفريقي، صخرة طانيوس"، ولا حتى تحليلاً فكرياً اجتماعياً سياسياً إلى واقع منطقتنا والعالم كما فعل في كتاباته "غرق العالم واختلال الحضارات" ولا حتى بحثاً انثروبولوجياً لا يزال يقرأ ويبحث في تفاصيله كما في "الهويات القاتلة والبدايات" ولهذا يجدون أنها لم تضف متعة معرفية متوقعة من معلوف.

 

 في السياق ثمة أمر لا يمكن إغفاله وهو إن موضوع صراع الحضارات وانتهاءها شكّل على الدوام هاجساً عند معلوف، ولهذا جاءت الرواية لتعكس أفكاره الإنسانية ورؤيته التي دأب على تداولها في مؤلفاته حول الاحترابات والكوارث النووية والصحية، وكل الاحوال التي أثارها في أبعادها المتخيلة بفكر هيغلي استحضره من خلال شخصيات المثيولوجيا الأغريقية وما يتصل بحضارة الإغريق الإثنية التي قدمت للعالم فلسفة وثقافة وفكراً تنويرياً في العلوم والطب والمسرح والفنون والديمقراطية وبما تضمنته كتباً وملاحم بقيت خالدة كالإلياذة والأدويسة، كما أنجبت أحفاداً من سلالة الفترة التاريخية المجيدة لتلك الحضارة بقيمها في زمن التوهج التي عرفت فيه العلوم وتطورت المعارف وتحققت فيه الإنجازات التي سرعان من أخذت دربها في الإنحدار.


 

أحفاد النور

تجسدت شخصيات الرواية "المخلوقات الغامضة" في الأحفاد الذين يقومون بدور مراقب للمخاطر التي تسود عالمنا، فهم منقذون للبشرية بقدراتهم العلمية الخارقة التي ستردع الجنون وتنزع الأسلحة النووية والصواريخ المدمرة وتعيد البشرية إلى جادة الصواب، لم لا وقد واجهوا الجميع بعجزهم، وهم المسالمون الذين لا يملكون شيئاً في جعبتهم سوى "مضمون نفوسهم" لا طموح لديهم للسيطرة والهيمنة أو فرض التبعية على حضارتنا المأزومة العاجزة، إنهم أولاد من حمل النور في داخلهم واختبأوا في الظلمة والظل يسكنهم والآن يعودون.  

 استحضرهم معلوف إلى عالم الحاضر عبر أغاميمنون "ملك من أبطال حرب طروادة في إلياذة هوميروس"، وبوزانياس "أحد رموز انتصار الإغريق ضد الغزو الفارسي في القرن الخامس قبل الميلاد" وديموستين "السياسي الأثنيني والخطيب المفوّه في القرن الرابع قبل الميلاد"، وأمبيدوكل "الفيلسوف الإغريقي الشهير" فضلاً عن الملكة إلكترا "ابنة الملك أغاميمنون" وغيرهم، إنهم فرقة من الحكماء:؛ "أقل وحشية منا، وأكثر موثوقية، وأكثر احتراماً لمصير الضعفاء، لكنهم أقوياء إلى درجة مثيرة للخوف".

 تجدر الإشارة إلى أن هذا النمط من هذه الكتابة لم يعد مقتصراً على علماء الأنثربولوجيا والتاريخ والسياسة والاقتصاد، إنما غدا مادة أدبية للروائيين ممن يجترحون فيه مخيلاتهم ويقدمون سيناريوهات وتنبؤات ستؤدي إلى انتهاء الحياة على كوكب الأرض؛ ذلك برغم التطور العلمي والتكنولوجي.

 كتب أمين معلوف روايته على شكل يوميات في فترة زمنية قصيرة وعلى مدى شهر واحد يعتمد فيها على "الإنترنت"؛ يرسم أحداثاً يرصدها ويتخيلها، يقترب فيها من التعبير عن الكراهية للبشرية بسبب ما يحدث على الكوكب من خلال شخصية إيف، أو ينحو للتأمل ومحاولة فهم العالم وتقبله بشكل أفضل، إلا إن تفاصيل الرواية شهدت انقلاباً جذرياً شكّل عنصراً أساسياً في حبكة القصة عبّر عنه على لسان محاوريه؛ لاسيما بشأن حتمية الموت في حضارتنا فيما تمكن "الإخوة الغرباء" أو "غير المتوقعين" من تطوير الطب وأصبح الموت لديهم أمراً يمكن تجاوزه وتفاديه، كما يمكنهم معالجة أمراض الشيخوخة، وكأنه هنا يناقش فكرة الخلود والأبدية من منظور وجودي لاديني.

 يروي المؤلف حبكته بشكل تصاعدي مع حكايات فرعية عبرت عنها رموز وشخصيات حاضرة في الواقع، اختار أحدها في هيئة الرئيس الأمريكي كونه يمثل أقوى بلد في العالم ورمزاً للحضارة المهيمنة التي تصطدم في صراعاتها النووية والكارثية مع الأمم، في ظل انتشار الأمراض والحروب لكنها تبقى عاجزة عن إدارة السلام والتسامح مع الحضارات الأخرى المختلفة عن جنسها، كما يحذرنا من مغبة المتغيرات الكونية التي تتخفى وراء مباهجها جحيم، رمز إليه بسقوط رمز النظام العالمي واستسلامه إلى من تفوق عليه في الطب والحكمة.

 

اسقاطات ورموز

أما أهم الرسائل التي يبثها معلوف في الرواية، فهي مليئة بالاسقاطات والرمزية التي تدلل عن مأساة البشرية المعاصرة؛ يقدمها في شكل حوارات على لسان "إخوتنا الغرباء غير المتوقعين" الذين يسبقوننا في كل شيء وينطلقون من مهد المعجزة الإثينية، فيستنطق فيهم الطبيب بوزانياس: "حين يتبع بعض البشر طريقهم الخاص، من دون أن يكون ذهنهم مقيداً بالمحرمات والأحكام المسبقة، ومن دون أن يكون لديهم شاغل آخر غير دحر الجهل، ستتمكنون من المضي قدماً بشكل أسرع من الآخرين، ويجدون أنفسهم بعيداً جداً إلى الأمام"، وفي أخرى؛ "بأن العالم أصبح مجرد ساحة معارك للجشع والكراهية، التي صار كل شيء فيه مغشوشاً من فن وفكر وكتابة ومستقبل، الأمر الذي جعل الكوكب بحاجة إلى أن يبدأ من الصفر خصوصاً وهو يعيش مرحلة الانحلال النهائي لحضارتنا"، وعليه فهو من خلال محاولاته على ذات الوتيرة يحثنا على تقييم ما نحن عليه ومعرفة مالذي وضعنا على طريق الخطأ والكوارث والصراعات وكيف يمكننا إعادة توجيه مسيرنا قبل أن تفوت اللحظة.  

 خلاصة الأمر، صدق الكاتب أرنست خوري في تعبيره؛ "لطالما قيل إن أسوأ ما يمكن أن يحدث مع الموسيقى هو الكتابة عنها بدل الاستماع إليها، وربما يكون ألطف ما في "اشقائنا غير المتوقعين" هو قراءتها بدل الكتابة عنها".

 ومع ذلك نجد أنها رواية مثيرة تتوافر فيها عنصر التشويق وبذات المهارة التي تعودنا عليها في كتابات معلوف وإن بشكل مختلف، مليئة بالتأملات التي استحضرمادتها من بطون التاريخ والفلسفة، على الرغم من الرؤية الضبابية المزدوجة للنظر إلى المستقبل، وكونه تركنا أمام أسئلة جوهرية لا إجابات شافيه لها فيما يتعلق بمكان المخلوقات الغامضة "الأخوة غير المتوقعين، الغرباء" عن عالمنا منذ آلاف السنين، وكيف نجحوا في التخفي؟ وما يبرر له ذلك هو باب الأمل الذي يفتحه عند الإشارة إلى أن انفلات التطور التكنولوجي المعقد ليس خارج السيطرة ويمكن ضبطه وتعطيل انحرافه إذا ما وجدت جماعة تؤمن بإشاعة السلام في عالمنا، إنها دعوة إصلاحية لنبذ الصراعات والكراهية وتوظيف منجزات العلم لصالح البشرية ومحاربة عدوها الأساسي الموت، بيد إن البعض وجد أن سياقات الرواية تحولت إلى مواعظة؛ انتهت بدرس أخلاقي على لسان "إلكترا" مندوبة الأخوة الغرباء:

 إن المسألة محسومة بالنسبة إلينا، نحن أصدقاء إمبدوقليس. وماذا عنكم، أيها الإخوة الذين لقيناكم؟ هل أنتم على استعداد لاعتبار الموت عدوّكم الوحيد؟ أجل، الموت، الموت وحده. لا القوى العظمى الغريمة، لا الشعوب الأخرى، لا الأعراق الأخرى، لا نحن. الموت فحسب. إنه العدو الوحيد الذي يستحق أن يُقاتل ويدُحر ويُهزم. هل أنتم على استعداد لإعادة النظر في أولوياتكم، وفتح صفحة جديدة معنا، وفيما بينكم؟" وهنا تتساءل صديقة ألكس عما يجب على البشر فعله بناء على طلب إلكترا، فتجيبها إيف:

 -         أن نصبح راشدين وأخيراً...ذلك هو شرطهم للعودة ص 321".

 المنامة – 2 أكتوبر 2021

 


الأربعاء، 22 سبتمبر 2021

في درب الشلال

 


منى عباس فضل

كنت في عزلة كينونتك والمشاعر مزدوجة بين الخوف وبين الاستسلام لدفء الشمس ووهجها، بين الأرض والجدران الرطبة المبللة وقدميك اللتين تدوس صخور ملساء وسط مياه تجري بتدفق سريع من حولك في تزامن له ظاهر وباطن لما يدور في وعيك ولاوعيك، في طياته رهبة وخوف وفي ظاهره انتعاش وإصرار على خوض مغامرة نهايتها مجهولة حيث التوقف عن خوضها يعني استسلاماً للكسل وقبولاً بالخمول وبدايةً للنهاية الحتمية.


الحياة في رأسك لم تتوقف بعد، وهي تحملك إلى حيث الصخب المنتشر حولك، تتعالى أصوات المغامرين من السياح في كل أنحاء جسدك، وبرغم قوة جريان المياه الجارف والتضاريس الشائكة التي تطأها قدماك بين صخور كبيرة وصغيرة تعلو وتهبط  في غير انتظام وحذر من أن تتعثر بينها فتسقط، كان الصمت والسكون يخيم عليك بقوة ووقع خطواتك محسوب، أي انزلاق يعني ضرراً قد يترك أثره عليك وعلى من يتتبعك ويهتم لأمرك، يتاخم المشهد من حولك، يكاد يبتلعك ويحملك ثم يقذف بك إلى المجهول.


تحاول تجاوز الخوف فتشيح بوجهك عنه وتتفوق عليه للوصول إلى مبتغاك، هل ستنج المحاولة؟ لا تعلم ولا يمكنك التنبؤ بشئ ما، فأنت تعيش اللحظة الثمينة التي تقبض على ضوئها وصخبها كما هي وتمضي غير عابئ بالنتائج، كمن يسلك درب خلاص برصانة وإصرار.


هناك سرٌ ما، أنت وغيرك تبحثون عنه والجمع يمر معية المرشد السياحي، شئ يغلفه السحر، ثمة ما يوقظ كل الحواس ويحرك الباهت في النفوس، يخلق صلة قربى تصلك بالطبيعة وخباياها، شيء قوي تنصت إلى رنينه بداخلك، يحدثك ويحدث انقلاباً هائلاً في حواسك، عليك أن تستوعبه، وألا تتوارئ خلف الخوف أو التردد، احمل كلماتك كيف تشاء، فالسكينة من حولك تبث التفاؤل والأمل، حيث القمة التي ستصلها عند مسقط الشلال الشامخ بقوته وبرودته المنعشة، فتتفجر طفولتك مع تعالي صراخ الفرح والنشوة والبهجة من حولك، هنا الطفولة حاضرة متيقضة بين الجمع، وهنا يتعطل حزنك وتغادرك الكآبة فتمتلئ برحيق الحياة من جديد.


تعاين عن كثب ما يدور حولك، لوحة متحركة رائعة ترسمها الطبيعة، بصرك يتنقل يميناً وشمالاً لا يرتوي ولا يشبع وأنت تمعن النظر صامتاً مبتهجاً متقافزاً كالعصافير الصغيرة بين رذاذ الشلال المتدفق بقوتة على رأسك، تدرك وقتها أن عليك درباً آخر للعودة في الممرات الصخرية التي يخترقها الشلال.


في درب العودة يتملكك شعور بالنشوة والبهجة تارة، وبالسكينة تارة أخرى، نظرك لا يفارق الصخور ولا المياه المتدفقة بسرعة من تحت قدميك، أي عبور وأنت في حال انتشاء وسكون وتأمل.، تتعلم فيه الخطوات كما طفل صغير، كيف تركز على نقاط العبور، وأين تضع قدميك وأي جهة تسلك، وعلى أي صخرة  تتكئ ذراعيك وفي أي مجرى ماء تركز نظرك وحواسك، إنك في صمت استثنائي، سكون يزيل الاثقال التي تهد كاهلك.


قادك الدرب إلى حالة من التأمل، والحديث بصوت داخلي تردد فيه عبارات؛ عليك التركيز هنا، لا تضع قدميك في مكان مجهول، اعتل الصخور الصغيرة والمساحات المنبسطة كي تصل بأمان، وعند الثغرات المجهولة؛ استحضر كل حواسك، واعتمد على ذراعيك وقدميك معاً، بل وشدً كل أعضاء جسدك وأنت تتحول وتنحدر من مرتفع إلى آخر، هكذا تتعلم السير في الدروب العثرة وتتأمل بحكمة وفطنة.


في هذا المكان الساحر تعيد اكتشاف ذاتك، علاقتك الوطيدة مع الماء وضياء الشمس والصخور ونسمات الهواء الباردة وزرقة السماء التي تتلألأ بأشعة الشمس مع تمايل الأعشاب والطحالب التي تدوسها بقدميك وتحرص على أن لا تؤذيها فتنزلق وتفقد توازنك واتزانك، لقد سبقك الكثيرون إلى قعر هذا الوادي الخلاب بجماله، مكللين بروح المغامرة ورغبة الاكتشاف، تجربة جديدة فريدة تضاف إلى تجارب الحياة، هكذا يبدو أنك رفعت الحظر عن نفسك في خوضها وأن لا تفوتك المغامرة حتى وأنت تمضي إلى مشارف السبعين عاماً.


  رحلة سفاري في الجنوب التركي "فتحية" 1سبتمبر2021 

المنامة - 22 سبتمبر 2021

الخميس، 17 يونيو 2021

توحش الفساد وتمدده في المغسلة

 


منى عباس فضل

يعد فيلم المغسلة  The Laundromat المنتح عام 2019 والذي يعرض على منصة "نتفليكس" الإلكترونية للمخرج ستيفن سودربيرغ من الافلام التي نالت نقداً لاذعاً من نقاد السينما، بيد إن أهميته تكمن من كونه يستند إلى قصة حقيقية تتعلق بفضيحة ما عرف في 2016  بـ"تسريبات وثائق بنما" والتي سرب فيها "11 مليون وثيقة" من شركة استشارات قانونية تعتمد الخصوصية والسرية في أعمالها، وفضحت من خلالها شبكة عملاقة تتعامل في التهرب الضريبي، الشركة ساهمت في إخفاء ثروات تقدر بمليارات الدولارات لـ 12 زعيم من زعماء دول سابقين وحاليين إضافة إلى 60 شخص من بينهم مسؤولين كبار ومشاهير.  

 

القانون وغسيل الأموال

أحداث الفيلم تدور حول تفجر الفضيحة من قبل موظف بشركة المحاماة البنمية "موساك فونسيكا" وهي تحمل أسرار أكثر من 200 ألف حساب وشركة وهمية، مما تسبب في ضجة إعلامية كشفت عن تورط عدد كبير من رجال سياسة سقطوا من مناصبهم ورجال أعمال وأصحاب ثروات كبرى ساعدتهم الشركة في غسيل الأموال والاحتيال والتحايل على العقوبات والتهرب من دفع مبالغ ضخمة من الضرائب.




في الفيلم يقدم المخرج شخصيتين رئيستين تمثلان محور الفضحية؛ هما الممثل غاري أولدمان بدور المحامي الالماني "يورغن موساك" وأنتونيو بانديراس بدور المحامي البنمي "رامون فونسيكا"، اللذين يلعبان دور المتحدث الأشبه بدور مذيع برامج تلفزيونية في أغلب المشاهد ويرتديان بدلات فخمة للايحاء بما ينعمان به من رفاهية وبحبوهة. يتركز حديثهما لمساعدة المشاهد في فهم الفيلم وشرح المصطلحات المالية والمصرفية والتعقيدات المتعلقة بالشركات الوهمية. وهما من يدير شركة "موساك فونسيكا" التي تسربت منها الوثائق، ويحاولان الدفاع عن أنشطتهما المشبوهة وغير القانونية وتبريرموقفهما بتكرار انهما غير مسؤولان عن تصرفات العملاء وإن  دورهما يقتصر على توفير الخصوصية والسرية للعملاء التي جاءت دلالتها بعبارة في أحد مشاهد الفيلم "المساكين هم المتوّرطون".

 

أما ميريل ستريب "إلين مارتن" فتؤدي دور امرأة متقاعدة في السبعين من عمرها، يموت زوجها "جيمس كرومويل" مع 21 شخص في حادث غرق العبارة التي سرعان ما يكتشف مالكوها بأن بوليصة التأمين التي بحوزتهم ما هي إلا عملية احتيال وجزء من نظام الشركات الوهمية، وعند محاولة إلين الحصول على التعويض من شركة التأمين بعد حادث الغرق، يصعب عليها فهم ما يجري كون شركة التأمين بيعت إلى شركة أخرى مملوكة لشركة وهمية ضخمة لا وجود لها في الأصل إلا على الورق، وبسبب تعقد الإجراءات أمامها وتقلص التعويضات الممكن أن تحصل عليها، تبدأ إلين رحلة معقدة تماما كما هي القوانين التي يدار بها النظام المالي والمصرفي في العالم، فتتولى بنفسها تتبع نشاط الشركة وموقعها وتسافر إلى جزيرة نيفيس وتصل إلى المسؤول مالكوس بونكامبر الذي تردد اسمه بأنه يعمل في الشركة "المتحدة للتأمين" التي تدار من شركة "موساك فونسيكا"، وعندما تلتقيه ينكر اسمه أمامها ويهرب، لكنه يقع في يد الأمن بمطار فلوريدا بتهمة الاحتيال.


 

فضائح لعالم غامض

يتشكل الفيلم من أربع قصص متوازية كالقصتين السابقتين التي يعرض فيها وبإيجاز شديد ممارسات مرتكبي الجرائم القانونية والأخلاقية وتأثيرها على ضحاياهم، هنا يرى بعض النقاد إنه لا توجد أي شخصية مكتملة أو قصة تشكل وحدة مترابطة، وإن المخرج يوظف هذه الشخصيات والقصص لفضح تفاصيل عالم غامض عن الشركات الوهمية والممارسات السرية وعمليات التمويل المشبوهة التي لا تخضع لرقابة وتدقيق، فيما تدور القصة الثالثة حول ابنة رجل أسود ثري تكتشف أمر علاقته مع صديقتها الشابة، فتتواجه مع والدها ولكي يتجنب الفضيحة أمام زوجته، يعرض عليها -أى ابنته- تسوية يمنحها بموجبها شركة وهمية تقدر قيمتها بـ"20 مليون دولار"، وعند محاولتها تسلم حصتها من شركة "موساك فونسيكا" يتبين لها أن القيمة الفعلية لأسهم الشركة لا تساوي شيئاً هي مجرد مبلغ ضئيل ليس إلا.

 

أما القصة الرابعة فتتعلق ببريطاني متخصص في غسيل الأموال يزور موكلته الصينية المتزوجة من رجل سياسي كبير في الصين وهما شريكين له، يضغط عليها لتزيد حصته من عملية غسيل الأموال التي تتم من خلال شركة "موساك وفونسيكا"، فيكتشف بأن غسيل الأموال والاحتيال ليست الجريمة الوحيدة التي يمكن لموكلته الصينية ارتكابها بمعاونة جماعات ترتشيها من الأمن والشرطة؛ إنما هناك عملية سرقة للأعضاء البشرية والمتاجرة فيها. يتراوح تقديم المخرج للقصص تارة بمشاهد ساخرة وحيناً بتوعية تلقينية تعرض فيها إلى نقداً بسبب استخدامه لمصطلحات مختصرة ومكثفة يجدونها صعبة الفهم والاستيعاب على المشاهد وتخلق تشتتا والتباساً له.

 

سلط نقاد الفيلم الضوء على السيناريو مشيرين إلى إنه صعب ومعقد على الرغم من سهولة متابعة أحداث القصص الأربع، إلا إن المشاهد يجد صعوبة في جمع خيوطها لبلورة صورة شاملة، فهو يشرح التعقيد والالتباس الذي يعاني منه القانون الامريكي في مصطلحي "تجنب الضريبة" والتي تعد ممارسة قانونية و"التهرب الضريبي" الذي يعد جريمة، ويشبه العلاقة بينهما مثل الجدار الفاصل بين زنزانتين، وهنا يظهر الرئيس السابق أوباما متحدثا في مشهد "ليس في خرقهم للقانون، ولكن القانون ملئ بالثغرات"، والمخرج هنا يحاول توصيل رسالة للمشاهد بأن لا تحاولوا فهم أساليب الاحتيال والنصب المعقدة والمنتشرة بشكل يصعب تخيله. 

 

أضاف البعض بأن أسلوب المخرج ساهم بالتشتيت لأن المشاهد عرضت بوتيرة سريعة ومتعبة لا تمهل ولا تترك مجال للتأمل ومراجعة المعلومات والمواقف تتدفق على المشاهد بغزارة وبتفاصيل تفتقد أحيانا للمعنى والربط بين القصص، تماما كما حدث عند اكتشاف زواج بونكامبر في بنما من امرأة ثانية سراً في فلوريدا.


مبادئ الرشوة

قيل أيضاً إن الحكايات متقطعة عن بعضها البعض غير تصاعدية تنتقل بالمشاهد من بلد إلى آخر وبين عناوين مختلفة كالسر الأول: لا حق للمساكين، السر الثاني: ما هي إلا شركات وهمية، السر الثالث: أخبر صديقك، السر الرابع: مبادئ الرشوة، السر الخامس: التربح من القتل، بيد إن هذه العناوين عبرت عن القصة التي يدور محورها حول المال، فكرته، ضرورته الحياة السرية له، والحديث عن الأيتمان كاختراع للبشرية، حيث تعقدت الأمور أكثر وازداد المال المتداول بشكل غير مسبوق وإزدادت معه المصطلحات المعبرة عن المال بشكل غير مسبوق، سلع وقروض وأسهم وسندات واعتمادات مالية لرؤوس الأموال، اتجار آجل وأسهم ومشتقات وديون مسندة وبيع مكشوف وطلبات التغطية وكلها أدوات مادية ومصطلحات خفية مجردة لعالم وهمي.

 

القانون يلامس الفساد

في ختام الفيلم تستعرض ميريل ستريب طبيعة النظام الامريكي السياسي والمالي المعطل كاشفة عن الرشاوى والفساد وغسيل الأموال بمليارات الدولارات التي تختفي عبر شركات وهمية، وتطالب بإصلاحات فورية ومساءلة.

 ومع إن الفيلم نال ما نال من انتقادات فنية ودرامية قيل فيها بأن مستويات متعة المشاهد متفاوتة وتتسم بالتشويس، فضلاً عن التساءل عمن يتصدر بطولة الفيلم لاسيما وزمن ميريل ستريب على الشاشة كان قصيراً وتكاد تكون مختفية رغم قوة أداءها وأداء غاري أولدمان وأنتونيو بانديراس الذين انحصر دورهما في تقديم شروحات مسرحية لفك الغموض عن بعض مفاهيم النظام المالي والمصرفي وبأسلوب تراوح بين السخرية والهزل، إضافة إلى القول إن الفيلم استهدف خدمة أجندة سياسية للتوعية من خلال أفكار مقتبسة، إلا إنه ومن وجهة نظرنا يبدو متماسك وجرئ في نقده لعالم الجشع والتوحش الذي يعاني منه النظام الرأسمالي بما يتحوطه من فساد يساهم في تعزيزه القانون وانهيار المنظومة الاخلاقية والقيم الإنسانية.   

المنامة – 17 يوينو 2021




الأحد، 11 أبريل 2021

جمعية نهضة فتاة البحرين تستذكر فقيدتها الراحلة السيدة فائقة خليل المؤيد

 

تحرير: د.منى عباس فضل/كاتبة وباحثة 

وعضوة جمعية نهضة فتاة البحرين

 بمناسبة تأبين رائدة العمل النسائي وإحدى مؤسسات الجمعية وعضوتها الفخرية الفقيدة الراحلة "فائقة خليل المؤيد" تقف عضوات جمعية نهضة فتاة البحرين لحظة صمت تقديراً وإجلالاً لذكرى رحيلها ويستذكرن تفانيها وتضحياتها وعطاءها الذي سخرته لخدمة العمل النسائي والاجتماعي والأهم للمرأة البحرينية.

 من يحفر في سيرة الفقيدة، سيجد أن ما تركته من إرث وبصمات لم يقتصر على الفترات التي عاصرت فيها نشأة الجمعية وتطور نشاطها المجتمعي، وإنما سيجدها في الخاتمة التي توّجت بها نشاطها في السنوات الأخيرة من حياتها، وأعني هنا تدوين تفاصيل تجربتها في العمل النسائي البحريني بأسلوبها وعلى طريقتها وبكل ما في التجربة وما عليها.

 لاشك أن تفاصيل سيرتها تعدّ اليوم مرجعاً توثيقياً خصباً يسجل مراحل التغيير والتطور الذي مرت به النساء في مجتمعنا المحلي، سنلامس كل ذلك من خلال شهاداتها وما دونته من تعليقات وآراء وما سجلته من أحداث بالتواريخ والأسماء وبما أسعفتها به الذاكراة بأمانة ورصانة ووعي وحس رفيع بالمسؤولية تجاه عملية التوثيق وتجاه كل رائدات العمل النسائي اللواتي شاركن معها التجربة.

 لقد ساهمت في تسجيل تفاصيل ما مرت به وهي التي ترعرعت وسط عائلتها الممتدة والصغيرة ومن خلال  صداقاتها وعلاقاتها بمدرّساتها في المدرسة وتأثيرهن عليها، فالتعليم كما ذكرت كان بوابتها إلى العمل التطوعي: "بعد حصولي على الشهادة الإبتدائية من مدرسة عائشة أم المؤمنين سنة 1946، آمنت بأهمية التعليم في تغيير حياة المرأة"، وطموحها اتسع ولم يتوقف عند مستوى الشهادة الابتدائية المعتمدة آنذاك فأكملت المرحلة الإعدادية عام 1965 ثم الثانوية عام 1971 حتى نالت ليسانس الآداب من جامعة بيروت العربية بالانتساب عام 1976، وأسّست لاحقاً مشروعها الخاص "روضة البراعم الصغيرة".

 في مذكراتها تقول: "من هذه النقطة تحديداً كانت بداية تعلّقي بالعمل التطوعي ومن خلال السيدة وفيقة صواف التي عملت كمديرة ومفتشة لمدارس البنات بوازرة التربية والتعليم حيث كان لها الفضل في إعداد نخبة من الطالبات المميزات والتي شاركت إلى جانب غيرها من السيدات في تأسيس "نادي السيدات" الذي أغلق عام 1953"، وهي ترى بأن لتلك المرحلة انعكاس عظيم في بناء شخصيتها حيث ترسخ في داخلها وبشكل إيجابي حب العمل التطوعي ومساعدة الأسر المحتاجة والرغبة في التعلّم والتعليم وغرسه في نفوس الأجيال بشكل عملي، كما اكتسبت حسب شهادتها، صفات أساسية كانت عدّتها في العمل التطوعي كالتواضع والرحمة والخلق الكريم في التعامل مع الآخرين، أما في الجانب الثقافي فقد ترسخ لديها حب القراءة الذي دفعها للمساهمة في مشروع محو الأمية الذي تصدرت له الجمعية إلى جانب نشاطها الاجتماعي ومتابعتها للأحداث الوطنية والاجتماعية والسياسية التي كان لها دورٌ بالتأثر والتأثير في سير الأحداث الأساسية على الأفراد والجماعات في المجتمع البحريني.

 في تفاصيل مسيرة نشاطها التطوعي الاجتماعي ومنذ بدايات تأسيس جمعية نهضة فتاة البحرين وحتى رحيلها، نجد أن الأحداث والمواقف التي تناولتها قد شكلت مكوّناً من مكوّنات دورة حياتها اليومية التي ساهمت فيها بتصوير محطات مهمة من تاريخ الحركة النسائية واهتماماتها واتجاهات شخوصها الاجتماعية والثقافية، ولاشك أن في هذا حماية كبيرة لهويّة مجتمعنا البحريني الأصيل وتاريخه؛ فما ترويه لم يخلُ من التعبير عن مواقف اجتماعية وثقافية وحتى سياسية برزت من بين ثنايا الشواهد والوثائق الأصلية التي حفظتها ونظّمتها بجهد فردي وحرصت بأمانة على عرضها وإبرازها من خلال واقع المرأة البحرينية قبل النفط وبدايات تعليمها وبما مثّله كمحطة تاريخية هامة في تحديث المجتمع ونهوض المرأة وما أحدثه من تغير جذري في حياته، كما لم تغفل الفقيدة "أم جمال" عن الإشارة إلى رائدات التعليم حتى العربيات منهن ودورهن في إرساء مرتكزات العملية التعليمية والتربوية والمشاركة في الشأن العام وقضايا المرأة والمجتمع، ووجدت أنهن شكّلن نقطة تحوّل نوعي؛ تذكر: "بدأت السيدة عائشة يتيم إلى جانب عدد من سيدات المجتمع البحريني ومنهن بلقيس الساعي كريمة المؤيد ولولوه محمد الزياني وصفية عبدالله بشمي وحصة هجرس وهيا هجرس وفاطمة العوضي وجواهر آل شريف ونفيسة أكبري وزينب الساعي وفاطمة الفائز وأنا، بتأسيس جمعية نهضة فتاة البحرين كأول تجمع نسائي بحريني خليجي في مارس عام 1955.."

كانت مسكونة بدينامية السرد والوصف؛ وبهاجس نقل خبراتها الشخصية والخبرات المختلفة لجيلها إلى أهل الحاضر من الفتيات والنساء وإلى الأجيال القادمة، ولهذا حاولت في إطار نشاطها التطوعي بالجمعية نقل المعرفة والخبرة القديمة   التي تمثلت في مسؤولية دور الشاهدة التي تدلي بشهاداتها حتى لا يضيع مصير ومخزون تجربة جمعية النهضة العريقة التي تأسست من جهود جماعية وتطورت مع المتغيرات التي مر بها المجتمع، وفي تسجيلها لهذه التجربة كشفت عن الخيارات والفرص التي كانت متاحة أمام المرأة البحرينية في مجتمعنا لاسيما في مجال التعليم والنشاط العام والعمل التطوعي وعبرت عن رأيها وبطريقتها فيما حدث تجاه نوازع احتجاج التيار الديني على تأسيس "نادي السيدات"، كذلك عن الموقف تجاه المشاركة السياسية للمرأة في أول تجربة انتخابية، وهذه الروايات المختلفة والمتقاطعة التي تتكامل مع بعضها البعض ومع معطيات الحاضر وبما شهده من أحداث ومواقف؛ تعدّ جزءًا حيوياً ذا قيمة مضافة لتاريخ الحركة النسائية البحرينية، ولهذا يستوجب علينا اليوم ألا نقرأ تجربة الراحلة "فائقة المؤيد" باختزال وبمعزل عن تاريخ المجتمع، إنما بشكل متكامل وشامل ودقيق متمعّناً في الهدف وعمق التفكير الذي تميّز به جيل من الرائدات الأوائل في الحركة النسائية البحرينية، وبما له علاقة بقضايا المرأة البحرينية وبالمكتسبات التي حققتها.

 في السياق وانطلاقاُ من شعورها العميق بالمسؤولية تجاه جمعية نهضة فتاة البحرين، استعرضت في سيرتها نشأة الجمعية وما تزامن معها من سجال حول وجودها من بعض المعارضين الدينيين وكيف شكّلت الصحافة المتنوّرة وقتها داعماً للحركة النسائية في نشأتها وكيف صمدت في وجه التيار الديني التقليدي، سجّلت كل تفاصيل أنشطة الجمعية الاجتماعية والثقافية في البدايات، كمساهمة الجمعية في لجنة مكافحة السل؛ تذكر الراحلة: "شاركنا في الحملة الوطنية عام 1955 لمكافحة السل، بالدعوة إلى التطوع بالتعريف بالمرض وأعراضه وكيفية الوقاية منه وعلاجه، وعبر الأنشطة الخيرية التي تبرعنا بريعها إلى هذه اللجنة"، وتستطرد في سردها عن الحفلات الخيرية الأخرى لمرضى العيون عام 1959 ولمكافحة الأمّية وغيرها الكثير كالمساعدات التي قدمتها الجمعية لرابطات الطلبة في الخارج عام 1968، ويانصيب تعليم الكبار وصندوق الطلبة الجامعيين عام 1972 والحفل الذي أقيم لصالح تعليم الطلبة الجامعيين في الخارج عام 1973، وغيرها الكثير.

 أما على المستوى العربي والقومي فتسجّل الراحلة مواقف جمعية نهضة فتاة البحرين المبدئية التي لا تزال ملتزمة بها وعلى ذات النهج، فتشير إلى مساهمة الجمعية في إقامة أسبوع للتضامن مع الثورة الجزائرية التي اشتعلت عام 1958، وعن القضية الفلسطينية تشير إلى الحفلتين الخيريتين الساهرتين اللتين أقامتهما عام 1965 وعام 1969 وخصصت تبرعاتهما لصالح جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، كما ذكرت تنظيم حملتين لجمع الثياب والأدوية لأبناء النازحين الفلسطينيين بعد حرب حزيران ونكسة 1967 وتوثق كل ذلك بالأدلة والشواهد، منوّهة إلى تشكيل وفد من الجمعية توجّه إلى الأغوار دعما للثوار الفلسطينيين عام 1969 حيث سلّم إلى قادة "منظمة فتح" المبالغ التي جمعت خلال السوق الخيري ودعماً للعمل الفدائي وهو مبلغ "8506 دولارات"، وإلى تأليف هذا الوفد من رائدات العمل النسائي "السيدة عائشة يتيم رئيسة الجمعية وقتها، والسيدة كريمة المؤيد وشيخة الزياني، وتضيف "..في طريقنا مررنا ببيروت وزرنا مكاتب "اللواء" وقد تم إجراء مقابلة معنا أوضحنا فيها دور الجمعية والهدف من الزيارة" كما تشير إلى الحفل الذي أقيم لصالح الصندوق القومي الفلسطيني عام 1971، وفي المحصلة النهائية يبقى أن قيمة هذه الشهادات مهمة في حاضرنا وذات أهمية عالية وهي لا تزال تؤكد على أن مؤسسات المجتمع المدني ومنها الجمعيات النسائية ما برحت تتبنّى قضية الشعب الفلسطيني بشدّة ولا تتنازل عن موقفها المبدئي تجاه الأرض المحتلة. 

 تمتّعت الفقيدة "المؤيد" ببعد نظر في تركيزها على العمل النسائي الخليجي من خلال علاقة الجمعية بالجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية بدولة الكويت حين شاركت الجمعية في أول تجمّع خليجي للمرأة عام 1968 بالكويت وبالحراك النسائي في دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر والسعودية إضافة إلى المنظمات والاتحادات النسائية العربية، وقد دعمت ذلك بالوثائق والصور التي توفرت بين يديها.

 أما عن قناعتها الراسخة بمشاركة المرأة كمواطنة كاملة الأهلية في العملية السياسية وبأهمية دور الجمعيات النسائية ومنهم النهضة في هذا النشاط الذي انعكس من خلال تسجيلها لوقائع تصدى جمعية نهضة فتاة البحرين وجمعية أوال النسائية وجمعية الرفاع الخيرية الثقافية لإسقاط حق المرأة في المشاركة السياسية عام 1972 ودورهم في القيام بالتحركات الواسعة التحالفية مع مؤسسات المجتمع المدني الداعمة لحقوق المرأة مشيرة إلى الخطاب الاحتجاجي الذي رفعته الجمعيات إلى المجلس التأسيسي عام 1973 للتعبير عن الاستياء لعدم تحديد معنى المواد الدستورية التي تضمن للمرأة حقها الشرعي، وعلى اقتصار كلمة المواطنين على الذكور فقط إلا أن الرسالة كما تشير؛ أسقطت ولم تقرأ ضمن الرسائل الواردة للمجلس التأسيسي في اجتماعاته.  

 كرمت الفقيدة "فائقة المؤيد" مرات عديدة من جمعية نهضة فتاة البحرين وحصلت على عضويتها الفخرية في 14 فبراير 2001،  نظير الخدمات التي قدمتها للجمعية، وعلى ما يبدو أن لذلك انعكاساً كبيراً  ومؤثراً على نفسها لم تغفل عن الإشارة إليه بحكمة في سيرتها: "لقد مر بي شريط من الذكريات الجميلة والحلوة وأنا أتابع ذلك المشهد الرائع في عام 2000 حين تسلمت العضوات القديمات بجمعية نهضة فتاة البحرين شهادات التكريم والتقدير من العضوات الحاليات بمناسبة مرور خمسة وأربعين عاماً على تأسيسها...إن التاريخ يشهد بذلك..هي خمسة وأربعون عاماً تعكس الفعاليات والنضالات والأعمال الجادة التي على ضوئها تأسست جمعية نهضة فتاة البحرين..إن بدايات العمل النسائي في البحرين وتأسيس الحركة النسائية المنظمة والمدركة لدورها في المجتمع أبرزت الحقائق التاريخية المدعمة بالوثائق والصور والشهادات. ليس محزناً أن يجري الزمن ويلفنا بين طياته ولكن المحزن أن يلفنا ثم يلفظنا دون أن نترك ولو بصمة بسيطة ناصعة على صفحاته...وعندما التقت الأيدي المتصافحة خلال حفل التكريم، الأيدي المعطاءة القديمة بالأيدى المعطاءة الحديثة، أدركت بأن 45 عاماً أخرى قادمة إن شاء الله ستسجّل صفحات مشرقة لتاريخ المرأة البحرينية مليئة بالعطاء وكسب المنجزات".

 رحم الله الفقيدة "أم جمال" التي فارقت الدنيا بعد رحلة طويلة مليئة بالعطاء والوفاء، تركت إرثاً غنياً من التجارب تأسس على الجهد والتفاني الذي تمتعت به، ومهما كتبنا فيها من كلمات رثاء لن نوفيها حقها لما قدمته من وقت وجهد للحراك النسائي والعمل التطوعي، وهذا ما يزيدها احتراماً وتقديراً ومحبة في قلوبنا. 

ليتغمدها الله بواسع رحمته، ويسكنها فسيح جناته، لها الذكرى العطرة والسلام لروحها. 

تحرير: د.منى عباس فضل / كاتبة وباحثة

وعضوة جمعية نهضة فتاة البحرين

المنامة -28 مارس 2021