الأربعاء، 22 سبتمبر 2021

في درب الشلال

 


منى عباس فضل

كنت في عزلة كينونتك والمشاعر مزدوجة بين الخوف وبين الاستسلام لدفء الشمس ووهجها، بين الأرض والجدران الرطبة المبللة وقدميك اللتين تدوس صخور ملساء وسط مياه تجري بتدفق سريع من حولك في تزامن له ظاهر وباطن لما يدور في وعيك ولاوعيك، في طياته رهبة وخوف وفي ظاهره انتعاش وإصرار على خوض مغامرة نهايتها مجهولة حيث التوقف عن خوضها يعني استسلاماً للكسل وقبولاً بالخمول وبدايةً للنهاية الحتمية.


الحياة في رأسك لم تتوقف بعد، وهي تحملك إلى حيث الصخب المنتشر حولك، تتعالى أصوات المغامرين من السياح في كل أنحاء جسدك، وبرغم قوة جريان المياه الجارف والتضاريس الشائكة التي تطأها قدماك بين صخور كبيرة وصغيرة تعلو وتهبط  في غير انتظام وحذر من أن تتعثر بينها فتسقط، كان الصمت والسكون يخيم عليك بقوة ووقع خطواتك محسوب، أي انزلاق يعني ضرراً قد يترك أثره عليك وعلى من يتتبعك ويهتم لأمرك، يتاخم المشهد من حولك، يكاد يبتلعك ويحملك ثم يقذف بك إلى المجهول.


تحاول تجاوز الخوف فتشيح بوجهك عنه وتتفوق عليه للوصول إلى مبتغاك، هل ستنج المحاولة؟ لا تعلم ولا يمكنك التنبؤ بشئ ما، فأنت تعيش اللحظة الثمينة التي تقبض على ضوئها وصخبها كما هي وتمضي غير عابئ بالنتائج، كمن يسلك درب خلاص برصانة وإصرار.


هناك سرٌ ما، أنت وغيرك تبحثون عنه والجمع يمر معية المرشد السياحي، شئ يغلفه السحر، ثمة ما يوقظ كل الحواس ويحرك الباهت في النفوس، يخلق صلة قربى تصلك بالطبيعة وخباياها، شيء قوي تنصت إلى رنينه بداخلك، يحدثك ويحدث انقلاباً هائلاً في حواسك، عليك أن تستوعبه، وألا تتوارئ خلف الخوف أو التردد، احمل كلماتك كيف تشاء، فالسكينة من حولك تبث التفاؤل والأمل، حيث القمة التي ستصلها عند مسقط الشلال الشامخ بقوته وبرودته المنعشة، فتتفجر طفولتك مع تعالي صراخ الفرح والنشوة والبهجة من حولك، هنا الطفولة حاضرة متيقضة بين الجمع، وهنا يتعطل حزنك وتغادرك الكآبة فتمتلئ برحيق الحياة من جديد.


تعاين عن كثب ما يدور حولك، لوحة متحركة رائعة ترسمها الطبيعة، بصرك يتنقل يميناً وشمالاً لا يرتوي ولا يشبع وأنت تمعن النظر صامتاً مبتهجاً متقافزاً كالعصافير الصغيرة بين رذاذ الشلال المتدفق بقوتة على رأسك، تدرك وقتها أن عليك درباً آخر للعودة في الممرات الصخرية التي يخترقها الشلال.


في درب العودة يتملكك شعور بالنشوة والبهجة تارة، وبالسكينة تارة أخرى، نظرك لا يفارق الصخور ولا المياه المتدفقة بسرعة من تحت قدميك، أي عبور وأنت في حال انتشاء وسكون وتأمل.، تتعلم فيه الخطوات كما طفل صغير، كيف تركز على نقاط العبور، وأين تضع قدميك وأي جهة تسلك، وعلى أي صخرة  تتكئ ذراعيك وفي أي مجرى ماء تركز نظرك وحواسك، إنك في صمت استثنائي، سكون يزيل الاثقال التي تهد كاهلك.


قادك الدرب إلى حالة من التأمل، والحديث بصوت داخلي تردد فيه عبارات؛ عليك التركيز هنا، لا تضع قدميك في مكان مجهول، اعتل الصخور الصغيرة والمساحات المنبسطة كي تصل بأمان، وعند الثغرات المجهولة؛ استحضر كل حواسك، واعتمد على ذراعيك وقدميك معاً، بل وشدً كل أعضاء جسدك وأنت تتحول وتنحدر من مرتفع إلى آخر، هكذا تتعلم السير في الدروب العثرة وتتأمل بحكمة وفطنة.


في هذا المكان الساحر تعيد اكتشاف ذاتك، علاقتك الوطيدة مع الماء وضياء الشمس والصخور ونسمات الهواء الباردة وزرقة السماء التي تتلألأ بأشعة الشمس مع تمايل الأعشاب والطحالب التي تدوسها بقدميك وتحرص على أن لا تؤذيها فتنزلق وتفقد توازنك واتزانك، لقد سبقك الكثيرون إلى قعر هذا الوادي الخلاب بجماله، مكللين بروح المغامرة ورغبة الاكتشاف، تجربة جديدة فريدة تضاف إلى تجارب الحياة، هكذا يبدو أنك رفعت الحظر عن نفسك في خوضها وأن لا تفوتك المغامرة حتى وأنت تمضي إلى مشارف السبعين عاماً.


  رحلة سفاري في الجنوب التركي "فتحية" 1سبتمبر2021 

المنامة - 22 سبتمبر 2021

الخميس، 17 يونيو 2021

توحش الفساد وتمدده في المغسلة

 


منى عباس فضل

يعد فيلم المغسلة  The Laundromat المنتح عام 2019 والذي يعرض على منصة "نتفليكس" الإلكترونية للمخرج ستيفن سودربيرغ من الافلام التي نالت نقداً لاذعاً من نقاد السينما، بيد إن أهميته تكمن من كونه يستند إلى قصة حقيقية تتعلق بفضيحة ما عرف في 2016  بـ"تسريبات وثائق بنما" والتي سرب فيها "11 مليون وثيقة" من شركة استشارات قانونية تعتمد الخصوصية والسرية في أعمالها، وفضحت من خلالها شبكة عملاقة تتعامل في التهرب الضريبي، الشركة ساهمت في إخفاء ثروات تقدر بمليارات الدولارات لـ 12 زعيم من زعماء دول سابقين وحاليين إضافة إلى 60 شخص من بينهم مسؤولين كبار ومشاهير.  

 

القانون وغسيل الأموال

أحداث الفيلم تدور حول تفجر الفضيحة من قبل موظف بشركة المحاماة البنمية "موساك فونسيكا" وهي تحمل أسرار أكثر من 200 ألف حساب وشركة وهمية، مما تسبب في ضجة إعلامية كشفت عن تورط عدد كبير من رجال سياسة سقطوا من مناصبهم ورجال أعمال وأصحاب ثروات كبرى ساعدتهم الشركة في غسيل الأموال والاحتيال والتحايل على العقوبات والتهرب من دفع مبالغ ضخمة من الضرائب.




في الفيلم يقدم المخرج شخصيتين رئيستين تمثلان محور الفضحية؛ هما الممثل غاري أولدمان بدور المحامي الالماني "يورغن موساك" وأنتونيو بانديراس بدور المحامي البنمي "رامون فونسيكا"، اللذين يلعبان دور المتحدث الأشبه بدور مذيع برامج تلفزيونية في أغلب المشاهد ويرتديان بدلات فخمة للايحاء بما ينعمان به من رفاهية وبحبوهة. يتركز حديثهما لمساعدة المشاهد في فهم الفيلم وشرح المصطلحات المالية والمصرفية والتعقيدات المتعلقة بالشركات الوهمية. وهما من يدير شركة "موساك فونسيكا" التي تسربت منها الوثائق، ويحاولان الدفاع عن أنشطتهما المشبوهة وغير القانونية وتبريرموقفهما بتكرار انهما غير مسؤولان عن تصرفات العملاء وإن  دورهما يقتصر على توفير الخصوصية والسرية للعملاء التي جاءت دلالتها بعبارة في أحد مشاهد الفيلم "المساكين هم المتوّرطون".

 

أما ميريل ستريب "إلين مارتن" فتؤدي دور امرأة متقاعدة في السبعين من عمرها، يموت زوجها "جيمس كرومويل" مع 21 شخص في حادث غرق العبارة التي سرعان ما يكتشف مالكوها بأن بوليصة التأمين التي بحوزتهم ما هي إلا عملية احتيال وجزء من نظام الشركات الوهمية، وعند محاولة إلين الحصول على التعويض من شركة التأمين بعد حادث الغرق، يصعب عليها فهم ما يجري كون شركة التأمين بيعت إلى شركة أخرى مملوكة لشركة وهمية ضخمة لا وجود لها في الأصل إلا على الورق، وبسبب تعقد الإجراءات أمامها وتقلص التعويضات الممكن أن تحصل عليها، تبدأ إلين رحلة معقدة تماما كما هي القوانين التي يدار بها النظام المالي والمصرفي في العالم، فتتولى بنفسها تتبع نشاط الشركة وموقعها وتسافر إلى جزيرة نيفيس وتصل إلى المسؤول مالكوس بونكامبر الذي تردد اسمه بأنه يعمل في الشركة "المتحدة للتأمين" التي تدار من شركة "موساك فونسيكا"، وعندما تلتقيه ينكر اسمه أمامها ويهرب، لكنه يقع في يد الأمن بمطار فلوريدا بتهمة الاحتيال.


 

فضائح لعالم غامض

يتشكل الفيلم من أربع قصص متوازية كالقصتين السابقتين التي يعرض فيها وبإيجاز شديد ممارسات مرتكبي الجرائم القانونية والأخلاقية وتأثيرها على ضحاياهم، هنا يرى بعض النقاد إنه لا توجد أي شخصية مكتملة أو قصة تشكل وحدة مترابطة، وإن المخرج يوظف هذه الشخصيات والقصص لفضح تفاصيل عالم غامض عن الشركات الوهمية والممارسات السرية وعمليات التمويل المشبوهة التي لا تخضع لرقابة وتدقيق، فيما تدور القصة الثالثة حول ابنة رجل أسود ثري تكتشف أمر علاقته مع صديقتها الشابة، فتتواجه مع والدها ولكي يتجنب الفضيحة أمام زوجته، يعرض عليها -أى ابنته- تسوية يمنحها بموجبها شركة وهمية تقدر قيمتها بـ"20 مليون دولار"، وعند محاولتها تسلم حصتها من شركة "موساك فونسيكا" يتبين لها أن القيمة الفعلية لأسهم الشركة لا تساوي شيئاً هي مجرد مبلغ ضئيل ليس إلا.

 

أما القصة الرابعة فتتعلق ببريطاني متخصص في غسيل الأموال يزور موكلته الصينية المتزوجة من رجل سياسي كبير في الصين وهما شريكين له، يضغط عليها لتزيد حصته من عملية غسيل الأموال التي تتم من خلال شركة "موساك وفونسيكا"، فيكتشف بأن غسيل الأموال والاحتيال ليست الجريمة الوحيدة التي يمكن لموكلته الصينية ارتكابها بمعاونة جماعات ترتشيها من الأمن والشرطة؛ إنما هناك عملية سرقة للأعضاء البشرية والمتاجرة فيها. يتراوح تقديم المخرج للقصص تارة بمشاهد ساخرة وحيناً بتوعية تلقينية تعرض فيها إلى نقداً بسبب استخدامه لمصطلحات مختصرة ومكثفة يجدونها صعبة الفهم والاستيعاب على المشاهد وتخلق تشتتا والتباساً له.

 

سلط نقاد الفيلم الضوء على السيناريو مشيرين إلى إنه صعب ومعقد على الرغم من سهولة متابعة أحداث القصص الأربع، إلا إن المشاهد يجد صعوبة في جمع خيوطها لبلورة صورة شاملة، فهو يشرح التعقيد والالتباس الذي يعاني منه القانون الامريكي في مصطلحي "تجنب الضريبة" والتي تعد ممارسة قانونية و"التهرب الضريبي" الذي يعد جريمة، ويشبه العلاقة بينهما مثل الجدار الفاصل بين زنزانتين، وهنا يظهر الرئيس السابق أوباما متحدثا في مشهد "ليس في خرقهم للقانون، ولكن القانون ملئ بالثغرات"، والمخرج هنا يحاول توصيل رسالة للمشاهد بأن لا تحاولوا فهم أساليب الاحتيال والنصب المعقدة والمنتشرة بشكل يصعب تخيله. 

 

أضاف البعض بأن أسلوب المخرج ساهم بالتشتيت لأن المشاهد عرضت بوتيرة سريعة ومتعبة لا تمهل ولا تترك مجال للتأمل ومراجعة المعلومات والمواقف تتدفق على المشاهد بغزارة وبتفاصيل تفتقد أحيانا للمعنى والربط بين القصص، تماما كما حدث عند اكتشاف زواج بونكامبر في بنما من امرأة ثانية سراً في فلوريدا.


مبادئ الرشوة

قيل أيضاً إن الحكايات متقطعة عن بعضها البعض غير تصاعدية تنتقل بالمشاهد من بلد إلى آخر وبين عناوين مختلفة كالسر الأول: لا حق للمساكين، السر الثاني: ما هي إلا شركات وهمية، السر الثالث: أخبر صديقك، السر الرابع: مبادئ الرشوة، السر الخامس: التربح من القتل، بيد إن هذه العناوين عبرت عن القصة التي يدور محورها حول المال، فكرته، ضرورته الحياة السرية له، والحديث عن الأيتمان كاختراع للبشرية، حيث تعقدت الأمور أكثر وازداد المال المتداول بشكل غير مسبوق وإزدادت معه المصطلحات المعبرة عن المال بشكل غير مسبوق، سلع وقروض وأسهم وسندات واعتمادات مالية لرؤوس الأموال، اتجار آجل وأسهم ومشتقات وديون مسندة وبيع مكشوف وطلبات التغطية وكلها أدوات مادية ومصطلحات خفية مجردة لعالم وهمي.

 

القانون يلامس الفساد

في ختام الفيلم تستعرض ميريل ستريب طبيعة النظام الامريكي السياسي والمالي المعطل كاشفة عن الرشاوى والفساد وغسيل الأموال بمليارات الدولارات التي تختفي عبر شركات وهمية، وتطالب بإصلاحات فورية ومساءلة.

 ومع إن الفيلم نال ما نال من انتقادات فنية ودرامية قيل فيها بأن مستويات متعة المشاهد متفاوتة وتتسم بالتشويس، فضلاً عن التساءل عمن يتصدر بطولة الفيلم لاسيما وزمن ميريل ستريب على الشاشة كان قصيراً وتكاد تكون مختفية رغم قوة أداءها وأداء غاري أولدمان وأنتونيو بانديراس الذين انحصر دورهما في تقديم شروحات مسرحية لفك الغموض عن بعض مفاهيم النظام المالي والمصرفي وبأسلوب تراوح بين السخرية والهزل، إضافة إلى القول إن الفيلم استهدف خدمة أجندة سياسية للتوعية من خلال أفكار مقتبسة، إلا إنه ومن وجهة نظرنا يبدو متماسك وجرئ في نقده لعالم الجشع والتوحش الذي يعاني منه النظام الرأسمالي بما يتحوطه من فساد يساهم في تعزيزه القانون وانهيار المنظومة الاخلاقية والقيم الإنسانية.   

المنامة – 17 يوينو 2021




الأحد، 11 أبريل 2021

جمعية نهضة فتاة البحرين تستذكر فقيدتها الراحلة السيدة فائقة خليل المؤيد

 

تحرير: د.منى عباس فضل/كاتبة وباحثة 

وعضوة جمعية نهضة فتاة البحرين

 بمناسبة تأبين رائدة العمل النسائي وإحدى مؤسسات الجمعية وعضوتها الفخرية الفقيدة الراحلة "فائقة خليل المؤيد" تقف عضوات جمعية نهضة فتاة البحرين لحظة صمت تقديراً وإجلالاً لذكرى رحيلها ويستذكرن تفانيها وتضحياتها وعطاءها الذي سخرته لخدمة العمل النسائي والاجتماعي والأهم للمرأة البحرينية.

 من يحفر في سيرة الفقيدة، سيجد أن ما تركته من إرث وبصمات لم يقتصر على الفترات التي عاصرت فيها نشأة الجمعية وتطور نشاطها المجتمعي، وإنما سيجدها في الخاتمة التي توّجت بها نشاطها في السنوات الأخيرة من حياتها، وأعني هنا تدوين تفاصيل تجربتها في العمل النسائي البحريني بأسلوبها وعلى طريقتها وبكل ما في التجربة وما عليها.

 لاشك أن تفاصيل سيرتها تعدّ اليوم مرجعاً توثيقياً خصباً يسجل مراحل التغيير والتطور الذي مرت به النساء في مجتمعنا المحلي، سنلامس كل ذلك من خلال شهاداتها وما دونته من تعليقات وآراء وما سجلته من أحداث بالتواريخ والأسماء وبما أسعفتها به الذاكراة بأمانة ورصانة ووعي وحس رفيع بالمسؤولية تجاه عملية التوثيق وتجاه كل رائدات العمل النسائي اللواتي شاركن معها التجربة.

 لقد ساهمت في تسجيل تفاصيل ما مرت به وهي التي ترعرعت وسط عائلتها الممتدة والصغيرة ومن خلال  صداقاتها وعلاقاتها بمدرّساتها في المدرسة وتأثيرهن عليها، فالتعليم كما ذكرت كان بوابتها إلى العمل التطوعي: "بعد حصولي على الشهادة الإبتدائية من مدرسة عائشة أم المؤمنين سنة 1946، آمنت بأهمية التعليم في تغيير حياة المرأة"، وطموحها اتسع ولم يتوقف عند مستوى الشهادة الابتدائية المعتمدة آنذاك فأكملت المرحلة الإعدادية عام 1965 ثم الثانوية عام 1971 حتى نالت ليسانس الآداب من جامعة بيروت العربية بالانتساب عام 1976، وأسّست لاحقاً مشروعها الخاص "روضة البراعم الصغيرة".

 في مذكراتها تقول: "من هذه النقطة تحديداً كانت بداية تعلّقي بالعمل التطوعي ومن خلال السيدة وفيقة صواف التي عملت كمديرة ومفتشة لمدارس البنات بوازرة التربية والتعليم حيث كان لها الفضل في إعداد نخبة من الطالبات المميزات والتي شاركت إلى جانب غيرها من السيدات في تأسيس "نادي السيدات" الذي أغلق عام 1953"، وهي ترى بأن لتلك المرحلة انعكاس عظيم في بناء شخصيتها حيث ترسخ في داخلها وبشكل إيجابي حب العمل التطوعي ومساعدة الأسر المحتاجة والرغبة في التعلّم والتعليم وغرسه في نفوس الأجيال بشكل عملي، كما اكتسبت حسب شهادتها، صفات أساسية كانت عدّتها في العمل التطوعي كالتواضع والرحمة والخلق الكريم في التعامل مع الآخرين، أما في الجانب الثقافي فقد ترسخ لديها حب القراءة الذي دفعها للمساهمة في مشروع محو الأمية الذي تصدرت له الجمعية إلى جانب نشاطها الاجتماعي ومتابعتها للأحداث الوطنية والاجتماعية والسياسية التي كان لها دورٌ بالتأثر والتأثير في سير الأحداث الأساسية على الأفراد والجماعات في المجتمع البحريني.

 في تفاصيل مسيرة نشاطها التطوعي الاجتماعي ومنذ بدايات تأسيس جمعية نهضة فتاة البحرين وحتى رحيلها، نجد أن الأحداث والمواقف التي تناولتها قد شكلت مكوّناً من مكوّنات دورة حياتها اليومية التي ساهمت فيها بتصوير محطات مهمة من تاريخ الحركة النسائية واهتماماتها واتجاهات شخوصها الاجتماعية والثقافية، ولاشك أن في هذا حماية كبيرة لهويّة مجتمعنا البحريني الأصيل وتاريخه؛ فما ترويه لم يخلُ من التعبير عن مواقف اجتماعية وثقافية وحتى سياسية برزت من بين ثنايا الشواهد والوثائق الأصلية التي حفظتها ونظّمتها بجهد فردي وحرصت بأمانة على عرضها وإبرازها من خلال واقع المرأة البحرينية قبل النفط وبدايات تعليمها وبما مثّله كمحطة تاريخية هامة في تحديث المجتمع ونهوض المرأة وما أحدثه من تغير جذري في حياته، كما لم تغفل الفقيدة "أم جمال" عن الإشارة إلى رائدات التعليم حتى العربيات منهن ودورهن في إرساء مرتكزات العملية التعليمية والتربوية والمشاركة في الشأن العام وقضايا المرأة والمجتمع، ووجدت أنهن شكّلن نقطة تحوّل نوعي؛ تذكر: "بدأت السيدة عائشة يتيم إلى جانب عدد من سيدات المجتمع البحريني ومنهن بلقيس الساعي كريمة المؤيد ولولوه محمد الزياني وصفية عبدالله بشمي وحصة هجرس وهيا هجرس وفاطمة العوضي وجواهر آل شريف ونفيسة أكبري وزينب الساعي وفاطمة الفائز وأنا، بتأسيس جمعية نهضة فتاة البحرين كأول تجمع نسائي بحريني خليجي في مارس عام 1955.."

كانت مسكونة بدينامية السرد والوصف؛ وبهاجس نقل خبراتها الشخصية والخبرات المختلفة لجيلها إلى أهل الحاضر من الفتيات والنساء وإلى الأجيال القادمة، ولهذا حاولت في إطار نشاطها التطوعي بالجمعية نقل المعرفة والخبرة القديمة   التي تمثلت في مسؤولية دور الشاهدة التي تدلي بشهاداتها حتى لا يضيع مصير ومخزون تجربة جمعية النهضة العريقة التي تأسست من جهود جماعية وتطورت مع المتغيرات التي مر بها المجتمع، وفي تسجيلها لهذه التجربة كشفت عن الخيارات والفرص التي كانت متاحة أمام المرأة البحرينية في مجتمعنا لاسيما في مجال التعليم والنشاط العام والعمل التطوعي وعبرت عن رأيها وبطريقتها فيما حدث تجاه نوازع احتجاج التيار الديني على تأسيس "نادي السيدات"، كذلك عن الموقف تجاه المشاركة السياسية للمرأة في أول تجربة انتخابية، وهذه الروايات المختلفة والمتقاطعة التي تتكامل مع بعضها البعض ومع معطيات الحاضر وبما شهده من أحداث ومواقف؛ تعدّ جزءًا حيوياً ذا قيمة مضافة لتاريخ الحركة النسائية البحرينية، ولهذا يستوجب علينا اليوم ألا نقرأ تجربة الراحلة "فائقة المؤيد" باختزال وبمعزل عن تاريخ المجتمع، إنما بشكل متكامل وشامل ودقيق متمعّناً في الهدف وعمق التفكير الذي تميّز به جيل من الرائدات الأوائل في الحركة النسائية البحرينية، وبما له علاقة بقضايا المرأة البحرينية وبالمكتسبات التي حققتها.

 في السياق وانطلاقاُ من شعورها العميق بالمسؤولية تجاه جمعية نهضة فتاة البحرين، استعرضت في سيرتها نشأة الجمعية وما تزامن معها من سجال حول وجودها من بعض المعارضين الدينيين وكيف شكّلت الصحافة المتنوّرة وقتها داعماً للحركة النسائية في نشأتها وكيف صمدت في وجه التيار الديني التقليدي، سجّلت كل تفاصيل أنشطة الجمعية الاجتماعية والثقافية في البدايات، كمساهمة الجمعية في لجنة مكافحة السل؛ تذكر الراحلة: "شاركنا في الحملة الوطنية عام 1955 لمكافحة السل، بالدعوة إلى التطوع بالتعريف بالمرض وأعراضه وكيفية الوقاية منه وعلاجه، وعبر الأنشطة الخيرية التي تبرعنا بريعها إلى هذه اللجنة"، وتستطرد في سردها عن الحفلات الخيرية الأخرى لمرضى العيون عام 1959 ولمكافحة الأمّية وغيرها الكثير كالمساعدات التي قدمتها الجمعية لرابطات الطلبة في الخارج عام 1968، ويانصيب تعليم الكبار وصندوق الطلبة الجامعيين عام 1972 والحفل الذي أقيم لصالح تعليم الطلبة الجامعيين في الخارج عام 1973، وغيرها الكثير.

 أما على المستوى العربي والقومي فتسجّل الراحلة مواقف جمعية نهضة فتاة البحرين المبدئية التي لا تزال ملتزمة بها وعلى ذات النهج، فتشير إلى مساهمة الجمعية في إقامة أسبوع للتضامن مع الثورة الجزائرية التي اشتعلت عام 1958، وعن القضية الفلسطينية تشير إلى الحفلتين الخيريتين الساهرتين اللتين أقامتهما عام 1965 وعام 1969 وخصصت تبرعاتهما لصالح جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، كما ذكرت تنظيم حملتين لجمع الثياب والأدوية لأبناء النازحين الفلسطينيين بعد حرب حزيران ونكسة 1967 وتوثق كل ذلك بالأدلة والشواهد، منوّهة إلى تشكيل وفد من الجمعية توجّه إلى الأغوار دعما للثوار الفلسطينيين عام 1969 حيث سلّم إلى قادة "منظمة فتح" المبالغ التي جمعت خلال السوق الخيري ودعماً للعمل الفدائي وهو مبلغ "8506 دولارات"، وإلى تأليف هذا الوفد من رائدات العمل النسائي "السيدة عائشة يتيم رئيسة الجمعية وقتها، والسيدة كريمة المؤيد وشيخة الزياني، وتضيف "..في طريقنا مررنا ببيروت وزرنا مكاتب "اللواء" وقد تم إجراء مقابلة معنا أوضحنا فيها دور الجمعية والهدف من الزيارة" كما تشير إلى الحفل الذي أقيم لصالح الصندوق القومي الفلسطيني عام 1971، وفي المحصلة النهائية يبقى أن قيمة هذه الشهادات مهمة في حاضرنا وذات أهمية عالية وهي لا تزال تؤكد على أن مؤسسات المجتمع المدني ومنها الجمعيات النسائية ما برحت تتبنّى قضية الشعب الفلسطيني بشدّة ولا تتنازل عن موقفها المبدئي تجاه الأرض المحتلة. 

 تمتّعت الفقيدة "المؤيد" ببعد نظر في تركيزها على العمل النسائي الخليجي من خلال علاقة الجمعية بالجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية بدولة الكويت حين شاركت الجمعية في أول تجمّع خليجي للمرأة عام 1968 بالكويت وبالحراك النسائي في دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر والسعودية إضافة إلى المنظمات والاتحادات النسائية العربية، وقد دعمت ذلك بالوثائق والصور التي توفرت بين يديها.

 أما عن قناعتها الراسخة بمشاركة المرأة كمواطنة كاملة الأهلية في العملية السياسية وبأهمية دور الجمعيات النسائية ومنهم النهضة في هذا النشاط الذي انعكس من خلال تسجيلها لوقائع تصدى جمعية نهضة فتاة البحرين وجمعية أوال النسائية وجمعية الرفاع الخيرية الثقافية لإسقاط حق المرأة في المشاركة السياسية عام 1972 ودورهم في القيام بالتحركات الواسعة التحالفية مع مؤسسات المجتمع المدني الداعمة لحقوق المرأة مشيرة إلى الخطاب الاحتجاجي الذي رفعته الجمعيات إلى المجلس التأسيسي عام 1973 للتعبير عن الاستياء لعدم تحديد معنى المواد الدستورية التي تضمن للمرأة حقها الشرعي، وعلى اقتصار كلمة المواطنين على الذكور فقط إلا أن الرسالة كما تشير؛ أسقطت ولم تقرأ ضمن الرسائل الواردة للمجلس التأسيسي في اجتماعاته.  

 كرمت الفقيدة "فائقة المؤيد" مرات عديدة من جمعية نهضة فتاة البحرين وحصلت على عضويتها الفخرية في 14 فبراير 2001،  نظير الخدمات التي قدمتها للجمعية، وعلى ما يبدو أن لذلك انعكاساً كبيراً  ومؤثراً على نفسها لم تغفل عن الإشارة إليه بحكمة في سيرتها: "لقد مر بي شريط من الذكريات الجميلة والحلوة وأنا أتابع ذلك المشهد الرائع في عام 2000 حين تسلمت العضوات القديمات بجمعية نهضة فتاة البحرين شهادات التكريم والتقدير من العضوات الحاليات بمناسبة مرور خمسة وأربعين عاماً على تأسيسها...إن التاريخ يشهد بذلك..هي خمسة وأربعون عاماً تعكس الفعاليات والنضالات والأعمال الجادة التي على ضوئها تأسست جمعية نهضة فتاة البحرين..إن بدايات العمل النسائي في البحرين وتأسيس الحركة النسائية المنظمة والمدركة لدورها في المجتمع أبرزت الحقائق التاريخية المدعمة بالوثائق والصور والشهادات. ليس محزناً أن يجري الزمن ويلفنا بين طياته ولكن المحزن أن يلفنا ثم يلفظنا دون أن نترك ولو بصمة بسيطة ناصعة على صفحاته...وعندما التقت الأيدي المتصافحة خلال حفل التكريم، الأيدي المعطاءة القديمة بالأيدى المعطاءة الحديثة، أدركت بأن 45 عاماً أخرى قادمة إن شاء الله ستسجّل صفحات مشرقة لتاريخ المرأة البحرينية مليئة بالعطاء وكسب المنجزات".

 رحم الله الفقيدة "أم جمال" التي فارقت الدنيا بعد رحلة طويلة مليئة بالعطاء والوفاء، تركت إرثاً غنياً من التجارب تأسس على الجهد والتفاني الذي تمتعت به، ومهما كتبنا فيها من كلمات رثاء لن نوفيها حقها لما قدمته من وقت وجهد للحراك النسائي والعمل التطوعي، وهذا ما يزيدها احتراماً وتقديراً ومحبة في قلوبنا. 

ليتغمدها الله بواسع رحمته، ويسكنها فسيح جناته، لها الذكرى العطرة والسلام لروحها. 

تحرير: د.منى عباس فضل / كاتبة وباحثة

وعضوة جمعية نهضة فتاة البحرين

المنامة -28 مارس 2021

 


الأربعاء، 24 مارس 2021

المرأة البحرينية في قمرة القيادة

 

د.منى عباس فضل

إن الحديث عن تحقيق تقدم للنساء في القيادة في إطار احتفالات هذا العام بيوم المرأة العالمي وتحت شعار: "المرأة في القيادة: تحقيق مستقبل متساو في عالم COVID-19"، يشكل تحدياً كبيراً في التعاطي مع قضية تمكين النساء ومشاركتهن في اتخاذ القرارات في الحياة العامة بصورة كاملة وفعالة من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين، لم لا والفجوة الجندرية في كافة المجالات ولاسيما في سوق العمل عالمياً تعد كبيرة ونوعية وهي تبعاً لمنظمة العمل الدولية تمثل قرابة "26.7%" مقارنة بمشاركة الرجال بنسبة "76.1%"، على الرغم من أن المرأة تشكل أكثر من نصف سكان العالم، ومساهمتها في النشاط الاقتصادي والنمو والرفاهية لا تزال أقل بكثير من المستوى المأمول، ورغم زيادة مشاركتها في الحياة العامة، فلا يزال تمثيلها ناقصاً في جميع جوانب صنع القرار، وهذا تحد يمس عمق أهداف التنمية المستدامة ولا يمكن التهوين به.

على نحو مواز ثمة مسألة تبرز بوضوح؛ تتمثل في الجهود الرائدة والهائلة التي بذلتها النساء والفتيات في كافة أنحاء العالم سعياً وراء تحقيق التمكين والمساواة من خلال المشاركة الفعالة والكاملة للمرأة في صناعة القرار وفي الحياة العامة والقضاء على العنف والحصول على الفرص المتساوية في العمل اللائق والأجر والرعاية غير المدفوعة والعمل المنزلي، فضلاً عن الخدمات الصحية التي تستجيب لاحتياجاتهن.

اليوم تقف النساء في الخطوط الأمامية لمواجهة الجائحة في مجال المساندة والرعاية الصحية فهن المبتكرات والمخترعات ومن يديرن المشافي والمنظمات المجتمعية، والأضواء مسلطة على مساهماتهن وتضحياتهن وعلى الأعباء والمخاطر التي يتحملنها، وهذا يبرز جلياً من خلال المهارات والمعارف التي تتمتع بها القيادات النسائية ومنظماتهن وشبكاتهن الفعالة والمستجيبة لظروف الجائحة ومتطلباتها. اللافت؛ أن هناك قبولا مجتمعياً أكثر مما مضى لخبرات النساء ووجهات نظرهن ومهاراتهن ومساهماتهن التي لا غنى عنها في صياغة السياسات والقوانين والإجراءات وإن لم يترجم ذلك فعلياً ليحقق  مبدأ المساواة.

محلياً وعلى ذات النسق، سنواجه تحدياً آخر حين مقاربة المتحقق للمرأة البحرينية في القيادة عامة لاسيما عند النظر للخطاب الرسمي والأهلي على السواء، فالخطاب الرسمي ما برح يركز الأضواء على الأرقام والنسب التي ينشرها للدلالة على تعظيم الإنجازات المتحققة في تمكين المرأة والوصول بها إلى مواقع صنع القرار، بل ويسوغ لها من خلال صف عدد المبادرات والمؤشرات المنجزة لمقاربة المتحقق، فضلاً عن التشريعات التي بذل جهداً في سنها وإقرارها إلى جانب كم من التدابير والإجراءات الإدراية سواء أكان ذلك قبل الجائحة أم أثناءها، والتي يأتي على قمتها إقرار الاستراتيجية الوطنية لنهوض المرأة البحرينية وما تمخض عنها من مبادرات كـ"لجنة تكافؤ الفرص" ورصد الموزانات المراعية للنوع الاجتماعي وتعيين بعض الوجوه النسائية في بعض المواقع وغيرها من سياسيات ومبادرات.

أما خطاب المؤسسات الأهلية وخصوصاً النسائية منها التي تقف في طليعة المؤسسات المستجيبة لشعار "المساواة بين الجنسين"، ما برحت هي الأخرى تصف وتسهب في العرض والشرح بشأن دورها ومساهمتها وتبعاً لإمكانياتها المحدودة في الإرتقاء بواقع المرأة وتمكينها والوصول بها إلى الوضع الريادي في المجتمع؛ فضلاً عن المعيقات التي تتعرض إليها من تهميش واستبعاد يحد من قدرتها في الوصول إلى مصادر التمويل واستشارتها بشكل فعلي وفعال فيما يتعلق بالسياسات والتشريعات وتنفيذ الالتزامات الدولية والوطنية المتعلقة بالمرأة والمساواة، يضاف إليها الشكاوى المتعلقة بالقيود التشريعية والإجرائية القسرية التي تحد من ترشح عضواتها الفاعلات في المناصب الإدراية والقيادية في مجالس إدارات مؤسسات المجتمع المدني كافة، بسبب انتمائاتهن السياسية وتاريخ نشاطهن في الشأن العام، كل هذا وذاك يقودنا إلى السؤال:

 - عن مدى كفاية المتحقق وانعكاسه على وجود فعلي وفعال للمرأة البحرينية في قمرة القيادة؟ وعن مدى مشاركتها الفعلية في صنع القرار وبتساو مع الرجل في كافة المجالات وبمقاربة تكاملية اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية وبيئية حسب الالتزامات والمعايير الدولية المعتمدة للمساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص في العمل والدخل والملكية والجنسية والتعبير والمشاركة السياسية؟ 

 للإجابة على التساؤل لابد من مقاربة الواقع القيادي للبحرينيات من خلال قراءة نتائج الدراسات والبيانات الاحصائية المتوفرة بموضوعية وبرؤية نقدية، فضلا عن التحليل النقدي للعوائق والعقبات والبحث في ماهية الصعوبات الشكلية منها والنوعية التي يصعب تجاوزها وتمنع من توسعة فرص المرأة للوصول إلى المناصب القيادية العليا والمستويات الإدارية المتقدمة في كافة المجالات والقطاعات.

وهذا ما حاولت الورقة البحثية المرفقة أن تتناوله برؤية نقدية استناداً إلى نتائج دراسات ومسوحات بحثية وبيانات احصائية متوفرة من خلال أربعة محاور رئيسية أولها: تمكين النساء بين السقف الزجاجي والإرضية اللزجة، والثاني: البحرينيات والسقوف الزجاجية، والثالث: نظرة فاحصة للنسب المتحققة للبحرينيات في القطاع العام والمواقع القيادية والقطاع الخاص ونوعية الوظائف وفجوة الأجور بين الجنسين وريادة سيدات الأعمال فيما تضمن المحور الرابع على العوائق التي تقف بين النساء وبين منصات القيادة وهي تشتمل على خمسة عناصر أساسية هيكلية قانونية متحيزة ضد المرأة، وعوامل تتعلق بمسؤوليات العمل والرعاية الأسرية وعوامل اجتماعية وثقافية تنميطية وذاتية تتعلق بتصورات المرأة لذاتها إضافة إلى صعوبة التمول ومحدودية التشبيك وعوامل تنظيمية مؤسسية، وتتنهي الورقة بخلاصة تتضمن بعض المقترحات التي تمثل أولوية للتسريع في تحقيق هدف المساواة بين الجنسين في أجندة التنمية المستدامة 2030، وعليه يمكنكم الاطلاع على تفاصيل الورقة البحثية؛ 

         من خلال الضغط هنا 


د. منى عباس فضل 

المنامة - 24 مارس 2021 

الجمعة، 19 فبراير 2021

وردة لروح فائقة المؤيد

 

منى عباس فضل 

غادرتنا اليوم رائدة من رائدات العمل النسائي ومؤسسة من مؤسسات جمعية نهضة فتاة البحرين العريقة. رحلت سيدة من سيدات الزمن الجميل الزاخر بالعمل الاجتماعي والتطوعي اللواتي عرفن بعمق إنتماءهن للوطن.

رحلت الفقيدة "فائقة خليل المؤيد" التى تميزت بعطائها الإنساني وتفانيها الذي دونته في كتاب سيرتها قبل الرحيل وجسدت بين ثناياه ذكرياتها وبصماتها، وهو يعد مرجعاً توثيقياً لمراحل التغيير والتطور الذي مرت به النساء في مجتمعنا المحلي الصغير، فقد مثلت وغيرها من الرائدات أنموذج وملهم لجيل من النساء اللواتي تمردن على زمناً لم يكن بصفهن في أغلب الأحيان ومع ذلك استطعن بقدراتهن اختراقه وبما توفر لهن من وعي  وفرص. 

 

نالت الفقيدة شهادتها الابتدائية من مدرسة عائشة أم المؤمنين في الوقت الذي كان الأهالي يعارضون إرسال بناتهم إلى المدارس، ثم أكملت تعليمها الجامعي بعد الزواج وتحمل مسؤولية أسرتها الصغيرة فنالت ليسانس الآداب من جامعة بيروت 1976، وأسست لاحقاً مشروعها الخاص وبدعم من زوجها "روضة البراعم الصغيرة"، بشأنه تذكر: "بدأت مشواري مع الروضة التي كانت تعمل على مدار السنة وأيام العطل لحل مشكلة الأم العاملة وتوفير المواصلات برسوم رمزية ولم يكن هدفي إنشاء مشروع تجاري مربح بقدر تقديم رسالة اجتماعية مهمة نحو وطني، ولم تخل مسيرة هذا المشروع من عقبات وعثرات".

عن نشاطها في النهضة تسجل شهادتها فتقول: "بعد إغلاق نادي السيدات عام 1953، بدأت السيدة عائشة يتيم إلى جانب عدد من سيدات المجتمع وأنا من بينهن بتأسيس تجمع نسائي بحريني أطلق عليه منذ البداية اسم جمعية نهضة فتاة البحرين، وكان ذلك في عام 1955 بهدف نشر الوعي الاجتماعي والصحي العام للأسرة والمرأة والطفل، إضافة إلى محو أمية النساء ومساعدة الأسر الفقيرة والمحتاجة، ومكافحة الأمراض المختلفة، وقد خرجت إلى النور لتصبح أول جمعية نسائية تؤسس في البحرين والجزيرة العربية، وبعد اعتذار السيدة عائشة يتيم عن رئاسة الجمعية لظروف صحية ألمت بها، تم ترشيحي لمنصب الرئاسة، ثم بعد سنوات تركت المهمة للجيل الصاعد، ولا أنسى هنا دور زوجي رحمه الله في تشجيعي على إنشاء هذه الجمعية، ومساندتي في عملي التطوعي...".

 


وتستدرك الحديث عن نشاط زوجها السياسي قائلة: "لقد كان رحمه الله من النشطاء السياسيين في تلك الفترة الحرجة من تاريخ البحرين والأمة العربية عموما، حتى أنه في عام 1956 تم اعتقاله مع مجموعة من الشباب ونفيه إلى المعتقل السياسي في جزيرة جدة، حيث قضى هناك ما يقارب السنة، وكنت في تلك الفترة حاملا، وأنجبت صبيا أسماه زوجي في معقله جمال، تيمنا بالزعيم جمال عبدالناصر، حيث كان من أشد المؤمنين بالقومية العربية".


في السياق تتحدث الفقيدة فائقة رحمها الله، عن أجمل ذكرياتها وهي تقضي وقتها مع عائلتها في مصيف سماهيج: "أتذكر أننا كنا نتعايش مع الطائفة الأخرى التي تقطن هذه المنطقة بكل محبة ومودة وتراحم، ولم يكن هناك أي ذكر للطائفية أو حتى شعور بها، وكان أهالي المنطقة يستقبلوننا بكل فرحة وسعادة وحب، فحين يرون سيارتنا من بعيد يهرولون إلينا لاستقبالنا بكل حفاوة، وكانت تجمعنا بهم جلسات وسوالف جميلة، وكنا ننتظر هذه الأيام بفارغ الصبر، ونفرش البساط ونجلس طوال الليل نسرد حكايات وقصصا أرويها الحين على أحفادي، وإلى اليوم تجمعني صداقات وعلاقات قوية بنساء كثيرات من هذه الطائفة".

 

أما عن كفاح المرأة البحرينية ونضالاتها للحصول على حقوقها السياسية في البدايات؛ فتسرد: "عندما صدر القانون الانتخابي لعام 1972 والذي أسقط حق المرأة البحرينية في المشاركة في الحياة السياسية، تصدت لهذا الأمر كل من جمعية نهضة فتاة البحرين وأوال النسائية، والرفاع الخيرية الثقافية، وقمنا بتحركات واسعة وأنشأنا تحالفا كبيراً من مؤسسات المجتمع المدني، وتوجهنا إلى مبنى دار الحكومة، حيث قمنا بتقديم عريضة عن حقوق المرأة السياسية..." وبالنسبة لمواجهة الأصوات المعارضة لخروج المراة من المنزل حينئذ؟ تضيف: "أذكر عند إنشاء نادي السيدات سارعت جماعة الدعوة إلى الإسلام وأصدرت بيانا وسط الفرح العارم بتأسيس النادي، وكان يطفح بالشتائم والألفاظ البذيئة، واختتم بنداء لمقاطعة هذا المنكر، ومحاربته وقتله في مهده، وهنا انطلقت معركة اجتماعية طاحنة بين مؤيد ومعارض للنادي، ولكنه وعلى عكس المتوقع صمد النادي ونشط بدرجة أكبر، وبرز دوره في العمل الاجتماعي والخيري والتطوعي"؛ هذا وكرمت الفقيدة عدة مرات أهمها حصولها على وسام الكفاءة من الدرجة الأولى من صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسي آل خليفة.

اليوم واذا نستذكر سيرة الفقيدة الفاضلة فائقة المؤيد، فإننا نقف اجلالا وتقديراً لعطائها وعرفاناً لجهودها وانسانيتها، نترحم على روحها الطاهرة راجين لها الرحمة  والمغفرة من رب العالمين.

 

المنامة – 19 فبراير 2021


الأربعاء، 20 يناير 2021

هل حقاُ نفتقر إلى القيادات النسائية؟

 

منى عباس فضل

أن تكتب مقالاً علمياً تحليلياً موضوعياً حول أي قضية من قضايا المرأة في مجتمعاتنا العربية عامة والخليجية خاصة تحتاج إلى أدوات بحثية ليس أقلها بيانات إحصائية حديثة ودقيقة ورؤية معرفية شاملة تمكن من مقاربة هذه القضايا واستقرائها في سياق الواقع المحلي وتفاعلات البنية الاجتماعية وتشابكها المعقد في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية والتقنية السريعة، بمعنى، لا يمكن إغفال هذه العناصر أو إسقاطها من الاعتبارات البحثية كي نصل من خلالها إلى نتائج يمكن تعميمها والاستناد إليها كدلالات ومؤشرات. 

في مقال نشر باللغة الإنجليزية على صفحات موقع مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة، بتاريخ 20 ديسمبر 2020 بعنوان «لماذا يفتقر الخليج إلى القيادات النسائية؟» للباحث والكاتب بالمركز الدكتور عمر العبيدلي، (أنظر المقال في الموقع:)

 https://english.alarabiya.net/en/views/news/middle-east/2020/12/16/Why-does-the-Gulf-lack-female-leaders-Data-has-the-answers

أجد أنه من الأهمية الاطلاع عليه والتمعن فيه من قبل الناشطين والمهتمين بقضايا النساء وحقوقهن. تأتي الأهمية لما ورد فيه من نتائج وخلاصات، صحيح إن الباحث تناول بالتحليل حالة القيادات النسائية في الخليج عامة، لكن القيادات النسائية في البحرين هن جزء لا يتجزأ من هذه الفئة التي يحلل واقعها وبالتالي ينطبق عليهن ذات التحليل والنتائج، والنتيجة تبعا له إننا نفتقر في مجتمعنا المحلي إلى قيادات نسائية. هذا بحد ذاته سيثير لغطاً ونقاشاً سجالياً على المستويين الرسمي والأهلي في آن، ذلك لأن الخطاب الرسمي ما فتئ يتحدث عن الانجازات المتحققة في مجال تكافؤ الفرص وسد الفجوة الجندرية بتمكين المرأة ومساواتها بالرجل، فيما يرى الخطاب الأهلي أن هناك تقدماً ما حدث في واقع المرأة لا ينكر وإن مؤسسات المجتمع المدني قد ساهمت بل إنها معنية بما تحقق من تطور وبما يُسعى إلى تحقيقه من أهداف استراتيجية في هذا المجال لكن لا يزال هناك نواقص واختلالات، كما لا أظن إن هذا السجال سيتوقف عند مناقشة الأمر في بقية بلدان الخليج التي طالما تفاخرت بما حققته من إنجازات متطورة للنساء.



أيضاً صحيح إن الكاتب أشار إلى اختلال في واقع تمثيل القيادات النسائية في البرلمانات الخليجية والقطاع الخاص في المنطقة، وهنا لا نختلف معه، إلا إن القضية الرئيسية ذات العلاقة بهذا الاختلال وحسب رأينا تعني ما تعنيه من قصور يتعلق بمشاريع واستراتيجيات تمكين النساء ومناهضة التمييز ضدهن في كافة المواقع القيادية دون استثناء، لذا فالنواقص لا تقتصر على الجانب البحثي رغم أهميته، فهذه الاستيراتيجيات بمؤشراتها ومبادراتها في غالبها لا تتجاوز من كونها كتبت كوثائق تلبي متطلبات الالتزامات الدولية، فيما تكشف البيانات الرقمية المتحققة من أسف عن فجوات عميقة لا تزال قائمة بين الجنسين في كافة المواقع والمجالات وأبرزها كما أشار إليه المقال التمثيل السياسي في الحياة التشريعية وتبوء المناصب القيادية الإدارية في الاقتصاد وغيره من المجالات رغم ما حققته النساء من مستويات تعليمية متقدمة.

من ناحية متصلة، ثمة ما تتميز به قراءة كاتب المقال د.عمر العبيدلي أبرزها؛ تأكيده بأن تمثيل النساء الخليجيات -وطبعاً البحرينيات منهن-، في مواقع صنع القرار والقيادة تمثيل ناقص ويرسم صورة قاتمة، مشيراً إلى أن احتمالية التمييز ضد المرأة يكون في حالتين، الأولى في حال تمتعها بنفس سنوات خبرة الرجل؛ والثانية احتمالية تمتعها بسنوات خبرة أقل، ويجد أنه في الحالة الأولى يمكن أن يشكل التدخل الإيجابي بتكليف من الحكومة عنصراً فعالاً في عكس مسار التمييز، فيما قد يؤدي نفس هذا التدخل في الحالة الثانية إلى نتائج عكسية قد تؤدي إلى إجبار الشركات على تعيين نساء غير مؤهلات، وهذا يعزز من القوالب النمطية السائدة؛ ببساطة وهذا من عندي يعني إن التدخل هنا لن يساعد في تغير حال الافتقار إلى القيادات النسائية، ويصل في تحليله إلى أنه وفي ظل هكذا ظروف، ستبقى السياسة الأكثر فعالية هي تلك التي ستعالج وتبحث في سبب عدم احتمالية تمتع المرأة بالخبرة الإدارية المطلوبة، وما فهمته منه إن سبب غياب الخبرة عند النساء في مجتمعاتنا الخليجية بالأساس إنما هو لتعرضهن إلى التمييز ضدهن في المستويات الأدنى وفي المؤسسات التعليمية أو النظام القانوني، وإن تصحيح الوضع ربما يؤدي إلى ضمان تمثيل المرأة على قدم المساواة في المستوى التنفيذي الأعلى دون الحاجة إلى اجراءات إيجابية تدخلية من الحكومة طبعا.


هنا يجوز طرح السؤال: ما الذي يجزم بأن خبرات المرأة الإدارية المطلوبة كي توصلها للمواقع القيادية هي دائما أقل من الرجل، لماذا لا يفترض النقيض؟ ثم ما هي الفرص التي حصل عليها الرجل تعليمياً ولم تحصل عليها المرأة؟ ولماذا لم يتناول تأثير التربية والتنشئة الاجتماعية ومنظومة الأعراف والعادات والتقاليد والثقافة السائدة وما إلى ذلك؟ أتفق معه حول التمييز قانونياً، ولهذا طالما طالبنا بتعديل التشريعات والإجراءات وبما يمنح فرصًا أكبر تحقق المساواة وتفرز صفًا من القيادات النسائية على جميع المستويات.

في مقاربة لواقع المرأة في الغرب، يشير العبيدلي إلى نتائج أبحاث الاقتصاديين بشأن التمييز ضد النساء والتي خلصت إلى أن النساء الغربيات أكثر ميلًا من الرجال في تجنب المخاطر كما يترددن في بدء المفاوضات ويتجنبن البيئات التنافسية ويبحثن عن وظائف ذات ساعات عمل مرنة وبمهام ترقية منخفضة، كذلك نوه إلى ما توصل إليه خبيران من جامعة تكساس في دراسة لهما للتفاعلات "بأن احتمال سعي النساء الغربيات للمناصب الإدارية أقل من الرجال وأن المديرات منهن كن أكثر عرضة من نظرائهم الرجال لتلقي رسائل غاضبة من المرؤوسين، وأن هؤلاء المرؤوسين كانوا أكثر عرضة للتشكيك في قرارات المديرات مقارنة بقرارات المديرين، بمعنى أن هناك انعدام ثقة في قدرات النساء الإدارية ومهاراتهن"، ومع ذلك وفي حدود تجربة الخبيرين، لم يكتشفا أي فروق بين الجنسين في الأداء الإداري، وهذه برأيي خلاصة مهمة يمكن التأسيس عليها، رغم أنه لا يمكن مطابقة تلك النتائج حرفيًا مع واقع النساء في مجتمعاتنا المحلية خصوصاً مع غياب الدراسات البحثية في هذا الشأن.

ينتهي الكاتب إلى أن حجم الأبحاث حول قضايا الفروق بين الجنسين في بلدان الخليج محدود للغاية، على الرغم من الحاجة الملحة لإجرائها، منوهاً إلى إن الإنفاق على الأبحاث وتمويلها حول قضايا المرأة من منظمات المجتمع المدني متواضع بسبب محدودية حجمها وأن القطاع الخاص في الولايات المتحدة يمول هذا النوع من الأبحاث، ما يعني أن هناك قصوراً من القطاع الخاص في بلداننا لهذا الغرض. في السياق نتساءل ماذا عن الجانب الرسمي المفترض أن لديه الإمكانيات والقدرة على التمويل؟

إلحاقاً بما سبق، يرى أن صانعي السياسات في الخليج يمكنهم الاستفادة من الأبحاث الغربية؛ على الرغم من الاختلافات القانونية والثقافية، وأن المؤسسات في بلداننا تقوم على التراتبية التي  تقلل من فرص المرؤوسين في التعبير عن عدم رضاهم عن قرار المدير، مما قد يؤثر على جاذبية المناصب الإدارية للنساء، بمعنى أن التراتيبة تشكل عاملاً طارداً للنساء نحو المناصب الإدارية. في تصوري إن الأمر لا علاقة له بالجاذبية الإدارية والتراتبيبة فقط وإنما بمحدودية الخيارات والفرص المتاحة لاسيما عند النظر في السياسات والإجراءات المعتمدة في تعيين النساء للمناصب القيادية "التدخل الإيجابي الحكومي" والتي تتجه نحو فئات منتقاة وشرائح ضئيلة من المجتمع ضمن معايير العلاقات القرائبية والقبلية والولاءات حتى وإن اقترنت أحياناً بعامل الكفاءة.



خلاصة الأمر، نتفق مع الكاتب حول أهمية إجراء أبحاث ودراسات تساهم في الإجابة على السؤال بشأن افتقار الخليج للقيادات النسائية، لكن المهم الأخذ بالاعتبار أن مسألة التمييز والتمكين التي سبق وتناولناها في العديد من المقالات والبحوث ولها صلة شديدة بما تتعرض له النساء من تمييز قوي ومباشر في التشريعات التي يستوجب تعديلها وحظر التمييز في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسن قوانين وإجراءات خاصة ملزمة تضمن التوازن الجندري، كما ننوه إلى أنه ولكي تقوم مؤسسات المجتمع المدني بالمساهمة بالأبحاث العلمية في هذا المجال فإنها تحتاج إلى رفع القيود عنها وإفساح المجال أمامها للحصول على التمويل لهذا الغرض.

إن الحديث يطول ويتشعب لتناول هذه القضية الإشكالية التي غالبا ما يتجاذبها الخطاب الرسمي في صف الإنجازات وما تحقق للمرأة في مواقع صنع القرار، باعتبار أن بلداننا قطعت أشواطاً متقدمة في عملية التمكين وتحقيق المساواة، فيما ترى وجهات نظر أخرى أن التقدم المتحقق لا يزال بطيئاً وأشواط العمل لا تزال بعيدة أمام نساء الخليج للوصول إلى المواقع القيادية، وهذا يتطلب الجدّية ومضاعفة الجهود والشراكة التي تحقق هدف المساواة.

المنامة – 20 يناير 2021

منى عباس فضل

-   ينشر بالتزامن في نشرة الاتحاد النسائي البحريني