الجمعة، 19 فبراير 2021

وردة لروح فائقة المؤيد

 

منى عباس فضل 

غادرتنا اليوم رائدة من رائدات العمل النسائي ومؤسسة من مؤسسات جمعية نهضة فتاة البحرين العريقة. رحلت سيدة من سيدات الزمن الجميل الزاخر بالعمل الاجتماعي والتطوعي اللواتي عرفن بعمق إنتماءهن للوطن.

رحلت الفقيدة "فائقة خليل المؤيد" التى تميزت بعطائها الإنساني وتفانيها الذي دونته في كتاب سيرتها قبل الرحيل وجسدت بين ثناياه ذكرياتها وبصماتها، وهو يعد مرجعاً توثيقياً لمراحل التغيير والتطور الذي مرت به النساء في مجتمعنا المحلي الصغير، فقد مثلت وغيرها من الرائدات أنموذج وملهم لجيل من النساء اللواتي تمردن على زمناً لم يكن بصفهن في أغلب الأحيان ومع ذلك استطعن بقدراتهن اختراقه وبما توفر لهن من وعي  وفرص. 

 

نالت الفقيدة شهادتها الابتدائية من مدرسة عائشة أم المؤمنين في الوقت الذي كان الأهالي يعارضون إرسال بناتهم إلى المدارس، ثم أكملت تعليمها الجامعي بعد الزواج وتحمل مسؤولية أسرتها الصغيرة فنالت ليسانس الآداب من جامعة بيروت 1976، وأسست لاحقاً مشروعها الخاص وبدعم من زوجها "روضة البراعم الصغيرة"، بشأنه تذكر: "بدأت مشواري مع الروضة التي كانت تعمل على مدار السنة وأيام العطل لحل مشكلة الأم العاملة وتوفير المواصلات برسوم رمزية ولم يكن هدفي إنشاء مشروع تجاري مربح بقدر تقديم رسالة اجتماعية مهمة نحو وطني، ولم تخل مسيرة هذا المشروع من عقبات وعثرات".

عن نشاطها في النهضة تسجل شهادتها فتقول: "بعد إغلاق نادي السيدات عام 1953، بدأت السيدة عائشة يتيم إلى جانب عدد من سيدات المجتمع وأنا من بينهن بتأسيس تجمع نسائي بحريني أطلق عليه منذ البداية اسم جمعية نهضة فتاة البحرين، وكان ذلك في عام 1955 بهدف نشر الوعي الاجتماعي والصحي العام للأسرة والمرأة والطفل، إضافة إلى محو أمية النساء ومساعدة الأسر الفقيرة والمحتاجة، ومكافحة الأمراض المختلفة، وقد خرجت إلى النور لتصبح أول جمعية نسائية تؤسس في البحرين والجزيرة العربية، وبعد اعتذار السيدة عائشة يتيم عن رئاسة الجمعية لظروف صحية ألمت بها، تم ترشيحي لمنصب الرئاسة، ثم بعد سنوات تركت المهمة للجيل الصاعد، ولا أنسى هنا دور زوجي رحمه الله في تشجيعي على إنشاء هذه الجمعية، ومساندتي في عملي التطوعي...".

 


وتستدرك الحديث عن نشاط زوجها السياسي قائلة: "لقد كان رحمه الله من النشطاء السياسيين في تلك الفترة الحرجة من تاريخ البحرين والأمة العربية عموما، حتى أنه في عام 1956 تم اعتقاله مع مجموعة من الشباب ونفيه إلى المعتقل السياسي في جزيرة جدة، حيث قضى هناك ما يقارب السنة، وكنت في تلك الفترة حاملا، وأنجبت صبيا أسماه زوجي في معقله جمال، تيمنا بالزعيم جمال عبدالناصر، حيث كان من أشد المؤمنين بالقومية العربية".


في السياق تتحدث الفقيدة فائقة رحمها الله، عن أجمل ذكرياتها وهي تقضي وقتها مع عائلتها في مصيف سماهيج: "أتذكر أننا كنا نتعايش مع الطائفة الأخرى التي تقطن هذه المنطقة بكل محبة ومودة وتراحم، ولم يكن هناك أي ذكر للطائفية أو حتى شعور بها، وكان أهالي المنطقة يستقبلوننا بكل فرحة وسعادة وحب، فحين يرون سيارتنا من بعيد يهرولون إلينا لاستقبالنا بكل حفاوة، وكانت تجمعنا بهم جلسات وسوالف جميلة، وكنا ننتظر هذه الأيام بفارغ الصبر، ونفرش البساط ونجلس طوال الليل نسرد حكايات وقصصا أرويها الحين على أحفادي، وإلى اليوم تجمعني صداقات وعلاقات قوية بنساء كثيرات من هذه الطائفة".

 

أما عن كفاح المرأة البحرينية ونضالاتها للحصول على حقوقها السياسية في البدايات؛ فتسرد: "عندما صدر القانون الانتخابي لعام 1972 والذي أسقط حق المرأة البحرينية في المشاركة في الحياة السياسية، تصدت لهذا الأمر كل من جمعية نهضة فتاة البحرين وأوال النسائية، والرفاع الخيرية الثقافية، وقمنا بتحركات واسعة وأنشأنا تحالفا كبيراً من مؤسسات المجتمع المدني، وتوجهنا إلى مبنى دار الحكومة، حيث قمنا بتقديم عريضة عن حقوق المرأة السياسية..." وبالنسبة لمواجهة الأصوات المعارضة لخروج المراة من المنزل حينئذ؟ تضيف: "أذكر عند إنشاء نادي السيدات سارعت جماعة الدعوة إلى الإسلام وأصدرت بيانا وسط الفرح العارم بتأسيس النادي، وكان يطفح بالشتائم والألفاظ البذيئة، واختتم بنداء لمقاطعة هذا المنكر، ومحاربته وقتله في مهده، وهنا انطلقت معركة اجتماعية طاحنة بين مؤيد ومعارض للنادي، ولكنه وعلى عكس المتوقع صمد النادي ونشط بدرجة أكبر، وبرز دوره في العمل الاجتماعي والخيري والتطوعي"؛ هذا وكرمت الفقيدة عدة مرات أهمها حصولها على وسام الكفاءة من الدرجة الأولى من صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسي آل خليفة.

اليوم واذا نستذكر سيرة الفقيدة الفاضلة فائقة المؤيد، فإننا نقف اجلالا وتقديراً لعطائها وعرفاناً لجهودها وانسانيتها، نترحم على روحها الطاهرة راجين لها الرحمة  والمغفرة من رب العالمين.

 

المنامة – 19 فبراير 2021


الأربعاء، 20 يناير 2021

هل حقاُ نفتقر إلى القيادات النسائية؟

 

منى عباس فضل

أن تكتب مقالاً علمياً تحليلياً موضوعياً حول أي قضية من قضايا المرأة في مجتمعاتنا العربية عامة والخليجية خاصة تحتاج إلى أدوات بحثية ليس أقلها بيانات إحصائية حديثة ودقيقة ورؤية معرفية شاملة تمكن من مقاربة هذه القضايا واستقرائها في سياق الواقع المحلي وتفاعلات البنية الاجتماعية وتشابكها المعقد في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية والتقنية السريعة، بمعنى، لا يمكن إغفال هذه العناصر أو إسقاطها من الاعتبارات البحثية كي نصل من خلالها إلى نتائج يمكن تعميمها والاستناد إليها كدلالات ومؤشرات. 

في مقال نشر باللغة الإنجليزية على صفحات موقع مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة، بتاريخ 20 ديسمبر 2020 بعنوان «لماذا يفتقر الخليج إلى القيادات النسائية؟» للباحث والكاتب بالمركز الدكتور عمر العبيدلي، (أنظر المقال في الموقع:)

 https://english.alarabiya.net/en/views/news/middle-east/2020/12/16/Why-does-the-Gulf-lack-female-leaders-Data-has-the-answers

أجد أنه من الأهمية الاطلاع عليه والتمعن فيه من قبل الناشطين والمهتمين بقضايا النساء وحقوقهن. تأتي الأهمية لما ورد فيه من نتائج وخلاصات، صحيح إن الباحث تناول بالتحليل حالة القيادات النسائية في الخليج عامة، لكن القيادات النسائية في البحرين هن جزء لا يتجزأ من هذه الفئة التي يحلل واقعها وبالتالي ينطبق عليهن ذات التحليل والنتائج، والنتيجة تبعا له إننا نفتقر في مجتمعنا المحلي إلى قيادات نسائية. هذا بحد ذاته سيثير لغطاً ونقاشاً سجالياً على المستويين الرسمي والأهلي في آن، ذلك لأن الخطاب الرسمي ما فتئ يتحدث عن الانجازات المتحققة في مجال تكافؤ الفرص وسد الفجوة الجندرية بتمكين المرأة ومساواتها بالرجل، فيما يرى الخطاب الأهلي أن هناك تقدماً ما حدث في واقع المرأة لا ينكر وإن مؤسسات المجتمع المدني قد ساهمت بل إنها معنية بما تحقق من تطور وبما يُسعى إلى تحقيقه من أهداف استراتيجية في هذا المجال لكن لا يزال هناك نواقص واختلالات، كما لا أظن إن هذا السجال سيتوقف عند مناقشة الأمر في بقية بلدان الخليج التي طالما تفاخرت بما حققته من إنجازات متطورة للنساء.



أيضاً صحيح إن الكاتب أشار إلى اختلال في واقع تمثيل القيادات النسائية في البرلمانات الخليجية والقطاع الخاص في المنطقة، وهنا لا نختلف معه، إلا إن القضية الرئيسية ذات العلاقة بهذا الاختلال وحسب رأينا تعني ما تعنيه من قصور يتعلق بمشاريع واستراتيجيات تمكين النساء ومناهضة التمييز ضدهن في كافة المواقع القيادية دون استثناء، لذا فالنواقص لا تقتصر على الجانب البحثي رغم أهميته، فهذه الاستيراتيجيات بمؤشراتها ومبادراتها في غالبها لا تتجاوز من كونها كتبت كوثائق تلبي متطلبات الالتزامات الدولية، فيما تكشف البيانات الرقمية المتحققة من أسف عن فجوات عميقة لا تزال قائمة بين الجنسين في كافة المواقع والمجالات وأبرزها كما أشار إليه المقال التمثيل السياسي في الحياة التشريعية وتبوء المناصب القيادية الإدارية في الاقتصاد وغيره من المجالات رغم ما حققته النساء من مستويات تعليمية متقدمة.

من ناحية متصلة، ثمة ما تتميز به قراءة كاتب المقال د.عمر العبيدلي أبرزها؛ تأكيده بأن تمثيل النساء الخليجيات -وطبعاً البحرينيات منهن-، في مواقع صنع القرار والقيادة تمثيل ناقص ويرسم صورة قاتمة، مشيراً إلى أن احتمالية التمييز ضد المرأة يكون في حالتين، الأولى في حال تمتعها بنفس سنوات خبرة الرجل؛ والثانية احتمالية تمتعها بسنوات خبرة أقل، ويجد أنه في الحالة الأولى يمكن أن يشكل التدخل الإيجابي بتكليف من الحكومة عنصراً فعالاً في عكس مسار التمييز، فيما قد يؤدي نفس هذا التدخل في الحالة الثانية إلى نتائج عكسية قد تؤدي إلى إجبار الشركات على تعيين نساء غير مؤهلات، وهذا يعزز من القوالب النمطية السائدة؛ ببساطة وهذا من عندي يعني إن التدخل هنا لن يساعد في تغير حال الافتقار إلى القيادات النسائية، ويصل في تحليله إلى أنه وفي ظل هكذا ظروف، ستبقى السياسة الأكثر فعالية هي تلك التي ستعالج وتبحث في سبب عدم احتمالية تمتع المرأة بالخبرة الإدارية المطلوبة، وما فهمته منه إن سبب غياب الخبرة عند النساء في مجتمعاتنا الخليجية بالأساس إنما هو لتعرضهن إلى التمييز ضدهن في المستويات الأدنى وفي المؤسسات التعليمية أو النظام القانوني، وإن تصحيح الوضع ربما يؤدي إلى ضمان تمثيل المرأة على قدم المساواة في المستوى التنفيذي الأعلى دون الحاجة إلى اجراءات إيجابية تدخلية من الحكومة طبعا.


هنا يجوز طرح السؤال: ما الذي يجزم بأن خبرات المرأة الإدارية المطلوبة كي توصلها للمواقع القيادية هي دائما أقل من الرجل، لماذا لا يفترض النقيض؟ ثم ما هي الفرص التي حصل عليها الرجل تعليمياً ولم تحصل عليها المرأة؟ ولماذا لم يتناول تأثير التربية والتنشئة الاجتماعية ومنظومة الأعراف والعادات والتقاليد والثقافة السائدة وما إلى ذلك؟ أتفق معه حول التمييز قانونياً، ولهذا طالما طالبنا بتعديل التشريعات والإجراءات وبما يمنح فرصًا أكبر تحقق المساواة وتفرز صفًا من القيادات النسائية على جميع المستويات.

في مقاربة لواقع المرأة في الغرب، يشير العبيدلي إلى نتائج أبحاث الاقتصاديين بشأن التمييز ضد النساء والتي خلصت إلى أن النساء الغربيات أكثر ميلًا من الرجال في تجنب المخاطر كما يترددن في بدء المفاوضات ويتجنبن البيئات التنافسية ويبحثن عن وظائف ذات ساعات عمل مرنة وبمهام ترقية منخفضة، كذلك نوه إلى ما توصل إليه خبيران من جامعة تكساس في دراسة لهما للتفاعلات "بأن احتمال سعي النساء الغربيات للمناصب الإدارية أقل من الرجال وأن المديرات منهن كن أكثر عرضة من نظرائهم الرجال لتلقي رسائل غاضبة من المرؤوسين، وأن هؤلاء المرؤوسين كانوا أكثر عرضة للتشكيك في قرارات المديرات مقارنة بقرارات المديرين، بمعنى أن هناك انعدام ثقة في قدرات النساء الإدارية ومهاراتهن"، ومع ذلك وفي حدود تجربة الخبيرين، لم يكتشفا أي فروق بين الجنسين في الأداء الإداري، وهذه برأيي خلاصة مهمة يمكن التأسيس عليها، رغم أنه لا يمكن مطابقة تلك النتائج حرفيًا مع واقع النساء في مجتمعاتنا المحلية خصوصاً مع غياب الدراسات البحثية في هذا الشأن.

ينتهي الكاتب إلى أن حجم الأبحاث حول قضايا الفروق بين الجنسين في بلدان الخليج محدود للغاية، على الرغم من الحاجة الملحة لإجرائها، منوهاً إلى إن الإنفاق على الأبحاث وتمويلها حول قضايا المرأة من منظمات المجتمع المدني متواضع بسبب محدودية حجمها وأن القطاع الخاص في الولايات المتحدة يمول هذا النوع من الأبحاث، ما يعني أن هناك قصوراً من القطاع الخاص في بلداننا لهذا الغرض. في السياق نتساءل ماذا عن الجانب الرسمي المفترض أن لديه الإمكانيات والقدرة على التمويل؟

إلحاقاً بما سبق، يرى أن صانعي السياسات في الخليج يمكنهم الاستفادة من الأبحاث الغربية؛ على الرغم من الاختلافات القانونية والثقافية، وأن المؤسسات في بلداننا تقوم على التراتبية التي  تقلل من فرص المرؤوسين في التعبير عن عدم رضاهم عن قرار المدير، مما قد يؤثر على جاذبية المناصب الإدارية للنساء، بمعنى أن التراتيبة تشكل عاملاً طارداً للنساء نحو المناصب الإدارية. في تصوري إن الأمر لا علاقة له بالجاذبية الإدارية والتراتبيبة فقط وإنما بمحدودية الخيارات والفرص المتاحة لاسيما عند النظر في السياسات والإجراءات المعتمدة في تعيين النساء للمناصب القيادية "التدخل الإيجابي الحكومي" والتي تتجه نحو فئات منتقاة وشرائح ضئيلة من المجتمع ضمن معايير العلاقات القرائبية والقبلية والولاءات حتى وإن اقترنت أحياناً بعامل الكفاءة.



خلاصة الأمر، نتفق مع الكاتب حول أهمية إجراء أبحاث ودراسات تساهم في الإجابة على السؤال بشأن افتقار الخليج للقيادات النسائية، لكن المهم الأخذ بالاعتبار أن مسألة التمييز والتمكين التي سبق وتناولناها في العديد من المقالات والبحوث ولها صلة شديدة بما تتعرض له النساء من تمييز قوي ومباشر في التشريعات التي يستوجب تعديلها وحظر التمييز في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسن قوانين وإجراءات خاصة ملزمة تضمن التوازن الجندري، كما ننوه إلى أنه ولكي تقوم مؤسسات المجتمع المدني بالمساهمة بالأبحاث العلمية في هذا المجال فإنها تحتاج إلى رفع القيود عنها وإفساح المجال أمامها للحصول على التمويل لهذا الغرض.

إن الحديث يطول ويتشعب لتناول هذه القضية الإشكالية التي غالبا ما يتجاذبها الخطاب الرسمي في صف الإنجازات وما تحقق للمرأة في مواقع صنع القرار، باعتبار أن بلداننا قطعت أشواطاً متقدمة في عملية التمكين وتحقيق المساواة، فيما ترى وجهات نظر أخرى أن التقدم المتحقق لا يزال بطيئاً وأشواط العمل لا تزال بعيدة أمام نساء الخليج للوصول إلى المواقع القيادية، وهذا يتطلب الجدّية ومضاعفة الجهود والشراكة التي تحقق هدف المساواة.

المنامة – 20 يناير 2021

منى عباس فضل

-   ينشر بالتزامن في نشرة الاتحاد النسائي البحريني

 


السبت، 16 يناير 2021

من الذاكرة

 


منى عباس فضل

 في عام 2000 تعرفت صدفة على هشام شرابي من خلال كتابه "مقدمات لدراسة المجتمع العربي" الصادر عن دار الطليعة ببيروت 1975، وكما حدث معي في بدايات قراءتي لمؤلفات نوال السعداوي، حدث ذات الأمر وأنا أقر لشرابي، اهتز شيء ما بداخلي لما تناوله من تحليل نقدي لبنية مجتمعاتنا، كتب في مقدمة كتابه:

- إن التجربة كشفت لي عن مقدرة الثقافة المسيطرة في اخضاع عقلية الفرد لقيمها وتضليله على أعمق المستويات. شعرت انني ابتدأت بكسر القيود الفكرية التي كبلتني، وأصبحت أسير في اتجاه فكرى مستقل استمده من قوة داخلية وليس من قوة تسيطر علي من الخارج. أدركت أن الخطوة الأولى في التحرر تكمن في التحرر الذاتي، وان بداية التحرير تكمن في التخلص من عبودية الفكر المسيطر.  

 

من هذه العتبة انطلقت استكمل قراءة كتاب هشام شرابي بنهم، تعرفت على آراءه لبنية العائلة بالمجتمع العربي من حيث سماتها؛ الاتكالية، العجز، التهرب، إلى رؤيته للوعي والتغير، إلى تنظيره بشأن الإنسان العربي والتحدي الحضاري والمثقف العربي والمستقبل حيث ركز على التثقيف الاجتماعي والتلفزيون والأهم هيمنة البنية الأبوية البطريريكية في المجتمع العربي المعاصر تلك التي تتجسد في علاقات المجتمع لاسيما العلاقة مع المرأة وما تتعرض إليه من تنشئة اجتماعية يسودها التسلط والأبوية. 

 

حين أنهيت الكتاب شعرت بظمأ شديد للتعرف أكثر على أفكاره وأعمق، من أسف وقتها مكتباتنا كانت فقيرة لا تحتوي رفوفها على الممنوع والمغاير من الكتب، شاءت الأقدار أن أحصل على عنوان بريده الإلكتروني تواصلت معه حيث كان يقيم في واشنطن، كتبت له بحماس طفولي ماذا فعلت بي أفكاره وتحليلاته شاكية حال مكتباتنا، طلب مني عنواني الدائم فأرسلته، وإذا بي أستلم منه بعد أسابيع كتابين عليهما إهداء خاص بتوقيعه، "النقد الحضاري لواقع المجتمع العربي المعاصر" و"صور الماضي: سيرة ذاتية"، انكببت عليهما كطالبة مجتهدة قرأتهما، بل قل قمت بدراستهما وتلخيص أفكارهما واستلهام القضايا الإشكالية التي تطرق إليها في المشروع النهضوي العربي، وما تناوله بشأن العلاقة الوطيدة بين الممارسة والفكر كي يحدث التغيير الاجتماعي والسياسي هذا التغيير الذي كما اعتقد لن يحدث دون نضوج الرؤية والهدف من داخل المجتمع ذاته، هكذا أصر على أن مسالة النقد الحضاري تشكل شرط أساسي لعملية التغيير نحو الحداثة بل هي الخطوة الأولى لأي حركة اجتماعية ترمي إلى استئصال الأبوية في مجتمعنا.  

 

بعد سنوات كتبت مقالا بعنوان "أزمنة فلسطين هي أزمنة هشام شرابي" حول كتابه "الجمر والرماد"، جاء في افتتاحيته: أقرأ هذا الكتاب في الأيام التي نعيش فيها زمن الانتفاضة الفلسطينية المتأججة؟ أهي مصادفة أن أعيد قراءة جزء من تاريخنا الذي مررنا عليه مرور الكرام لسبب ربما يكون خارج إرادتنا أو بإرادتنا وتجاهُلنا لما حدث ويحدث؟ أهي مصادفة أن تتم القراءة دوماً من نافذة الماضي الذي طالما يفلت منا لنرتفع بعده بحدود الحقيقة، بعيداً عن الوهم؟‍‍

 

مضيفة، الجمر عند شرابي هو الوعي المتأصل في قدرته على استعياب أبعاد قضيته الشخصية والوطنية كمتلازمتين، وقدرته الفائقة على تمثل الوعي المتحضر لمعنى "الوطنية" والوطن الضائع، في سرديته إلى أبعد وأقدم رؤيا للوطن من خلال نافذة الطائرة، يشهد أول مراحل الاغتصاب على أيدي الصهاينة على مرئى من العالم، كما يحدث دوماً حتى اللحظة، وفي الشارع الواقع خلف جامع حسن بك، انتشرت الجثث على الأرض وفوق المئذنة إلي جانب علم الاستسلام الأبيض الذي رفعه العرب، يرفرف على الدولة اليهودية، قال: "أتذكر بحر يافا جيداً، انه بحر طفولتي، أشم رائحته في هذه اللحظة، وأتذوق طعمه المالح، أحس بهوائه على وجهي، كان لونه بالفعل مائلاً إلى الاخضرار عندما يكون هادئاً" واستطرد؛ كلما صعدت إلى أنفي رائحة روث الخيل الحلوة تعود ألي ذكرى المنشية وصورها، أما الآن فقد اقتلعت جذورنا، وفقدنا الأرض التي تنغرز في حياتنا.  

  

تتعاظم مأساة اغتصاب الوطن وتمتدُ عند شرابي حتى لحظات العمر المتأخرة فيتذكر:"أما بيت جدي فما يزال قائماً وتسكنه عائلة يهودية، اختفت الأشجار من حوله وأغلقت نوافذه بالحجارة من جهة الشارع، وظهر لي كما تظهر الأشياء في الأحلام، معهودة، لكنها غريبة آتية من عالم آخر. ولا يزال الجامع المجاور، الذي أخذتُ فيه أول دروسي القرآنية، قائماً كما هو إلا الشيخ قد غادره وأمسى مهجوراً. لقد حرم على من تبقي من السكان العرب السكن في المدينة الجديدة (خارج السور) وأجبروا على الإقامة في المدينة القديمة (داخل السور) التي أصبحت بالنسبة لليهود قصبة يزورها السواح الأجانب ليشتروا منها الحاجيات المصنوعة محلياً ويتفرجوا على سكان إسرائيل العرب.

 

النبش في الآلام الكامنة، يعيدنا إلى فلسطين الحبيبة، قضية العصر الأولى، القضية التي ضاعت في زمن التفسخ والخيانات بالتطبيع مع كيان العدو الصهيوني؛ ختمت مقالتي التي حررت في 2000: هناك ثمة شباب بلا عدد يحملون كل يوم أرواحهم على أكفهم، ثمة من يودعون الأمهات ويمضون لساحات المواجهة في كل درب، بعيد كان أم قريب، لصوت الحق الفلسطيني لأجل فلسطين قضيتنا الكبرى.

 

رحم الله الفلسطيني العروبي هشام شرابي الذي توفي ببيروت في 13 يناير 2005 وترك لنا إرثا من الفكر والنقد الحضاري لمجتمعاتنا العربية، ترك لنا كما غيره جمرة لا تخمد في قلوبنا جمرة اسمها فلسطين.  

 

المنامة – 16 يناير 2021


السبت، 12 ديسمبر 2020

تصفير مجلس الأمة من الكويتيات

منى عباس فضل

في إطار الاستراتيجيات التنموية الوطنية وأهداف التنمية المستدامة الخاصة بتمكين النساء والمساواة بين الجنسين، شهدت الكويت في السنوات الأخيرة حضوراً نسائياً في المشهد السياسي المحلي وتمثيلاً نسبياً في الهيئات التشريعية والإدارية، لم لا والمرأة الكويتية أثبتت وجودها في الفضاء العام بما تعكسه من مستويات متقدمة في مجالات التعليم والاقتصاد والتي بدورها فرضت سن التشريعات والقوانين التي أنصفتها ومنحتها الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بيد أن تجربتها البرلمانية وما رافقها من تجاذبات، إضافة إلى نتائج مشاركتها الأخيرة في الانتخابات كشفت عن فجوة نوعية صادمة في عدم حصولها على أي مقعد في مجلس 2020، ذلك رغم الخبرات السياسية التي اكتسبتها وراكمتها في العمل التشريعي ترى ما الأسباب الكامنة وراء تصفير مجلس الأمة من تمثيل الكويتيات؟ وهل هن حقاً مسؤولات عن تلك النتيجة؟  

 لا يمكن تحليل واقع المشاركة السياسية للكويتيات بمعزل عن واقع الكويت السياسي والاقتصادي بل وطبيعة بنية المجتمع التي لاتزال تخضع في تشابكها وتفاعلها للعلاقات القبلية والعشائرية والطائفية، كذلك على التضاد أو التقارب بين هذه المكونات والنظام السياسي أو بين بعضها البعض، فكل هذا وذاك حتماً له تأثير عميق لما خلصت إليه نتائج الانتخابات الأخيرة.


نظام انتخابي مترهل

صحيح أن الكويت تعد أول دولة خليجية تعتمد النظام البرلماني منذ عام 1962، لكن الصحيح أيضاً أنها تفتقر إلى قانون ينظم الحياة السياسية فيها، فلا أحزاب ولا أي شكل من أشكال التنظيمات السياسية؛ هي فقط الديوانيات والتجمعات الدينية الرجالية التي تشكل محور النشاط السياسي المتحرك وحاضنته في العملية السياسية التي تتشابك امتداداً مع القاعدة الشعبية التي يبرز حراكها من خلالها التضادات والتفاعلات والتواصل المباشر بين المرشحين والناخبين الذين يتفاعلون في بيئة التنافس السياسي المعتمد وأدواته المتعارف عليها المشروعة منها وغير المشروعة؛ في بيئة الديوانيات والتجمعات يعتمد الرجال على تسويق أنفسهم وإقناع الناخبين بتبني قضاياهم وحل مشكلاتهم، وهي كما ذكرنا ذات طابع قبلي وعشائري وطائفي يتداخل فيها حراك جماعات الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، وجميع هذه المكونات في حقيقتها لا تعترف بوجود المرأة في العملية السياسية، وغالباً ما تسعى إلى إقصاءها من منطلقات دينية وثقافية وايديولوجية تتعلق بولاية المرأة العامة والخاصة، وبهيمنة وسطوة الأعراف والتقاليد التي لا تؤمن بخبرات المرأة في المجال السياسي بل عدم كفاءتها وبأن العمل السياسي والبرلماني مصمم للرجال، وبالتالي لا مجال للحديث عن وجودها ونشاطها في فضاء هذه التجمعات الذكورية التي يمكن من خلالها كسب أصوات الناخبين وإقناعهم ببرامجها وأدئها.

 في السياق يعاني النظام الانتخابي وأدواته من ترهل ونواقص، يأتي على قمتها تقسيم الدوائر الانتخابية بشكل يعزز الانحيازات الفئوية والقبيلة والطائفية، أما آلية نظام الصوت الواحد المعتمدة منذ 2013 فهي تسمح للناخب باختيار مرشح واحد فقط من بين قائمة المرشحين في دائرته؛ ولطالما سعى الإصلاحيون إلى تعديل هذا النظام الذي عملت الحكومة على تغييره لصالحها باستمرار؛ حيث تغير في 1981 من عشر دوائر إلى 25 دائرة انتخابية ومنه إلى خمس دوائر. في هذا الصدد تتفق العديد من الآراء بأن هذه الآلية لا تعمل لصالح النساء للظفر بمقاعد في البرلمان، يضاف إلى تلك الاختلالات غياب هيئة مستقلة تشرف على الانتخابات وتضبط قيودها وعملية الاقتراع وأمنها وسلامتها وتمويل الحملات والمال السياسي وإعلان النتائج وتلقي الطعون والبت فيها، كما إنه وبسبب غياب الحياة الحزبية لا يمكن الحديث عن فرض إدراج المرأة بالقانون على قوائم المترشحين للانتخابات كما يحدث في الدول التي تتمتع بالنظام الحزبي، فضلاً عن عدم اعتماد النظام الانتخابي الحالي "لكوتا" تخصص مقاعد للمرأة والتي غالباً ما ينظر إليها بازدراء وتواجه بالرفض والنفور باعتبار أن هذه الآلية وحسب المعارضين لها تعد تمييزاً يتناقض ومفهوم المساواة بين الجنسين، وكل هذا وذاك يتطلب إصلاحاً سياسياً وهيكلياً وإجرائياً وقانونياً للنظام الانتخابي وبما يهيء بيئة ملائمة وصديقة للنساء تتيح لهن فرصاً واسعة للمشاركة في المنظومة السياسية القائمة والتمثيل فيها على نطاق واسع وفعال في مواقع صنع القرار. 



تشاوريات أم انتخابات فرعية؟

لاشك أن الانتخابات الفرعية "التشاورية" ونتائجها شكلت عنصراً سلبياً تجاه وصول المرأة إلى مجلس الأمة. ففي هذه التشاوريات غالباً ما يلتزم الناخبون بالمرشح الذي تمت تزكيته في الاجتماع الذي عقد من قبل قبائل وعوائل أو حتى تيارات دينية بشقيها أو فئوية، وبالتالي فهي تعد وسيلة لضمان عدد كاف من الأصوات للمترشح يوم الانتخاب، وقد تجرى في أكثر من دائرة انتخابية، وهنا بالطبع الفرص متاحة للرجال وتفتقرها النساء، على الرغم من تجريم هذه التجمعات قانوناً. عند مقاربة نتائج العملية الانتخابية الأخيرة للفائزين مع نتائج "التشاوريات" التي عقدت لذات المرشحين الفائزين، سنجد أن أغلب من فاز فيها قد حقق فوزاً مسبقاً بأصوات قريبة أو أكثر من التي حققها في "التشاوريات" وكما لممثلي قبائل العجمان في الدائرة الرابعة والخامسة والعوازم في الدائرة الأولى والثانية والخامسة والمطير في الدائرة الرابعة والخامسة، وعتيبة وقحطان وبنى هاجر في الدائرة الخامسة وشمر وبني غانم والظفير في الدائرة الرابعة، وهذا السلوك الانتخابي يكفي لإخراج النساء من دائرة التنافسية للوصول إلى مجلس الأمة.


الأصوات الخاسرة ودلالتها 

بينت أرقام الاقتراع العام الذي جرى في 5 ديسمبر مشاركة (567,594) ناخباً من بينهم (293,754) من الإناث، و(273,940) من الذكور، ترشح منهم (326) بواقع (296) رجلاً  و(25) امرأة توزعت على أربع دوائر انتخابية (8) منهن في الدائرة الأولى و(4) في الثانية و(9) في الثالثة و(4) في الخامسة فيما خلت الدائرة الرابعة من أي مرشحة. أسفرت النتائج عن فوز (50) مرشحاً ولا صوت للنساء على الرغم من تفوقهن العددي (52 في المئة) من إجمالي الكتلة الانتخابية، وكما تردد كن طريقاً سالكاً لعبور الرجال إلى المقاعد النيابية، ثمة من يعتقد أن ما حققته بعض المرشحات من أصوات كان جيداً؛ لكننا نرى خلاف ذلك فهي أعداد متواضعة مقارنة بما حققه الرجال.

 

الجدير بالملاحظة أن جميع أصوات المرشحات التي حصلن عليها في كل دائرة لم ترق إلى دخولهن مضمار المنافسة وتحقيق الفوز، فمثلاً حصدت عالية الخالد أعلى الأصوات من بين الأربع مرشحات في الدائرة الثانية وهي (1307) أصوات، لكنها كانت بعيدة عن المنافسة والفوز مقارنة حتى بأقل أصوات الفائزئن في الدائرة، ويكفي النظر عند جمع أصواتها مع الأصوات النسائية المتحققة في دائرتها وعددها (1891) سنجد أن الفارق يساوي (304) أصوات مع أقل الأصوات الفائزة وهي (2195) صوتاً، الأمر نفسه يتكرر في الدائرة الأولى التي حققت فيها غدير أسيري (1119) صوتاً بفارق (1048) صوتاً مع أقل الأصوات الفائزة في الدائرة وبفارق (456) لأصوات جميع المرشحات الثماني المتحققة في نفس الدائرة مقارنة بأقل أصوات الفائزئن وعددهم (2167) صوتاً، فيما كان وضع الدائرة الثالثة ذات التسع مرشحات الأسوأ إذ جاء عدد أصواتهن مجتمعة (1226) صوتاً وبفارق (1678) صوتاً مقابل أقل أصوات الفائزين وهي (2904) أصوات، أما الدائرة الخامسة فهي الأصعب بسبب مكونات بنيتها الاجتماعية القبلية والعشائرية والتي جرت فيها "التشاوريات"، حيث جاء إجمالي أصوات المرشحات الأربع (580) صوتاً فقط وبفارق (4216) مقارنة بأقل أصوات الفائزين في الدائرة وهي (4651) صوتاً. ماذا يعني ذلك؟

 



يعني باختصار أنه لو جمعت كل أصوات المرشحات المتحققة وهي تمثل (5408) أصوات فقط لم تكن لتوفر تنافساً حقيقياً قوياً يتناسب وطبيعة حراك الساحة السياسية كي يحقق فوزاً بمقاعد المجلس، وإن حالفهن الحظ، فلن يحصلن على أكثر من مقعد واحد أو مقعدين في أحسن الأحوال، وهذا يبطل الفرضية القائلة إن عدم الفوز كان بسبب كثرة عددهن وتشتت الأصوات التي كانت ترغب بإيصال العنصر النسائي للبرلمان، وقد نكون الأقرب قناعة بأن دور المرأة السياسي، وهذا ليس في الكويت وحدها بالطبع وإنما في كافة بلدان الخليج، قد اتسم بالوهن والمحدودية والترويج لبرامج التمكين السياسي ورغم تبني مبادئ الديمقراطية والمساواة، إلا إن ذلك جاء نظرياً لا يتجاوز الشعارات، كيف؟

 


قضايا عميقة وتمثيل ضعيف

رغم حداثة منح المرأة الكويتية حق التصويت والترشح للانتخابات في عام 2005، إلا إن الإصرار من قبل الدولة وفئات متعددة من المجتمع كان قوياً لجهة فرض الحقوق السياسية للمرأة، رغم المعارضة الشديدة التي تصدت لنزول النساء الميدان السياسي من قبل تيارات الإسلام المحافظ، ومع ذلك يسجل للكويتيات كسر الحواجز وتحقيق تمثيل نسبي في بداية تجربتهن الانتخابية والفوز بأربعة مقاعد دفعة واحدة في برلمان 2009 وإن كان يعزى الأمر إلى حداثة التجربة والتدخل الإيجابي الرسمي المباشر وغير المباشر بسياساته الداعمة التي اعتمدها لإيصال المرأة إلى مواقع صنع القرار.

 من جانب متصل، معلوم أن انتخابات 2020 عقدت في ظل وضع سياسي هش وأداء محبط للحكومة وتقاعس من مجلس الأمة لمعالجة ما تعاني منه البلاد من أزمات سياسية متراكمة وقضايا عميقة تصدرت شعارات الحملات الانتخابية؛ وأبرزها يمس الاقتصاد الذي يعاني بسبب جائحة كورونا والأزمة المالية والدين العام وعلاقته بحماية الرواتب وشطب القروض والأهم الفساد وحرية التعبير وتوفير وظائف للشباب وقضية "البدون" وسحب الجناسي ووجود لاجئين سياسيين والتعليم والصحة والإسكان وآلية العمل الانتخابي برمته..إلخ، وعليه يحق للمتابع التساؤل عما إذا شكلت القضايا الآنفة والملفات الشائكة محور الأولويات في برامج المرشحات وخطاباتهن؟ وماذا إذا كن يتمتعن بقدرة على إقناع الناخب الكويتي في معالجتها عبر البرامج التي روجن لها، آخذين بعين الاعتبار والموضوعية أحقية إثارة ذات السؤال لأي مرشح رجالي، وكون النظرة الذكورية السائدة غالباً ما تحاسب المرأة بشكل مضاعف عند تقييم الأداء والمهارات.

 في هذا الصدد؛ قيل الكثير منها؛ أن شعبية النائب تعتمد على القضايا الرقابية المتمثلة في الاستجواب والمساءلة الحكومية وطرح الثقة في المسؤولين، فيما لم تتخذ البرلمانيات السابقات هذا الاتجاه، كما تجدر الإشارة إلى ما طرحته الآكاديمية ابتهال الخطيب في مقابلة لها في برنامج ساعة خليجية؛ "من أن الأداء النسائي في المجلس السابق لم يكن حسناً، وقدم نموذجاً غير محبب للشارع وقد انعكس ذلك على ضعف التصويت للنساء، وإن العناصر المترشحة لم تكن بذلك العمق والقوة التي تخاطب قضايا حساسة ومصيرية تمس الأوضاع المحلية السياسية والاقتصادية، كما كان هناك عزوف من قبلهن عن الطرح العميق للقضايا الإنسانية...".

 

الخلاصة، يبقى أن الكويت لاتزال تتقدم عن جيرانها في الحراك السياسي ومرونة اللعبة السياسة، وقد سجلت تمايزاً في إنجازها للعملية الانتخابية والتشريعية بكل ما لها وعليها، ورغم القيود وانكماش حرية التعبير، تظل ساحة الكويت هي الأقدر بخبراتها وطبيعة بنيتها الاجتماعية وتنوعها على تقديم نموذج يفسح فرصاً واسعة للتعددية ولعملية التغيير والتطوير التي يتطلع إليها المواطن الكويتي عامة والمرأة خاصة، بل ونراقبها نحن الخليجيون دائماً بشغف وتقدير. 

منى عباس فضل 

المنامة - 12 ديسمبر 2020 

 







السبت، 10 أكتوبر 2020

العقاب

 

منى عباس فضل

 "العقاب" رواية من روايات أدب السجون الزاخر بتجارب إنسانية مليئة بالعبر وبما تتقاطع به وتتشارك من معاناة وظلم وانتهاك للحقوق والكرامة حتى وإن اختلفت تفاصيلها في الزمان والمكان أو من مجتمع إلى آخر. أدب السجون يعرّى الوجه القبيح للأنظمة القمعية ووحشيتها، كما يساعد على ترميم النفس البشرية، لم لا والسرد فيه يعد فناً من فنون البوح والكشف والفضح وتعرية الواقع والمسكوت عنه. 

 

"العقاب" رواية للكاتب المغربي "الطاهر بنجلون" الذي يسرد فيها حكاية أربعة وتسعين طالباً كان هو من بينهم، سجنوا مدة تسعة عشر شهراً، أبان حكم الملك الحسن الثاني، عقاباً لهم على تنظيم مظاهرات سلمية في شوارع الدار البيضاء في مارس عام 1965، وذلك احتجاجاً على أوضاع التعليم في المغرب.

 

يقول بنجلون: "بعد التظاهرة تعرضت إلى عنف دموي، واعتقالي إلى جانب مجموعة من الطلبة، بحكم انتمائنا إلى الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وقد جرى الاعتقال بدعوى إنني العقل المدبر لتلك المظاهرات السلمية".

 

التجربة القاسية التي مر بها بنجلون والطلبة ارتبطت بظرف تاريخي، رافقها التعذيب والإذلال والمعاناة؛ فقد وجد الطلبة أنفسهم مسجونين في ثكنات عسكرية بحجة تأدية الخدمة العسكرية، ومما زاد من مأساتهم أنهم كانوا تحت إمرة ضباط تابعين "للجنرال محمد أوفقير" الذي كان وقتها اليد اليمنى للملك في قمع أي حراك معارض فقد كان نموذجاً للتفنن في القمع والتعذيب وبث الرعب، وهو مع الضباط أنفسهم الذين قاموا بالمحاولة الانقلابية الفاشلة على النظام المغربي المعروفة "بانقلاب الصخيرات العسكري" وتصفية الملك.

 

الاعتقال التأديبي

في الاعتقال التأديبي، قيل لهم بأنهم -أي الضباط- مكلَّفين بـ"إعادة تربيتهم" وذلك بإخضاعهم للخدمة العسكرية الإلزامية عمداً. والتأديب بهذا المنطق الغرائبي له دلالة معنوية يتسع مداها ومفعولها لتأديب الشعوب، فهو يعني فرض العقاب وروح الانضباط وقتل الجرأة والأفكار الثورية والتحررية.

 

في حقيقة الأمر كان اعتقالا سياسياً بغطاء الخدمة العسكرية، إنه نوع من أنواع التفنن في ابتكار وسائل القمع وانتهاك حقوق الإنسان. لقد اتبعت السلطة أسلوباً متعمداً يخلق حالة من الالتباس بشأن "احتجاز/اعتقال" الشباب المتظاهرين. ففي "ثكنة الحاجب" كانوا يسومونهم مختلف أشكال التعذيب والإهانة والمس بالكرامة وسوء المعاملة، بدءاً من شفرة حلاقة الرأس المثلومة التي تسيل دم كل رأس تطاله، إلى عبث أحد قادة المعسكر الذي طلب منهم ذات مرة بناء جدار ثم هدمه، إلى دفعهم لقيادة مناورات بالرصاص الحي الذي تسقط فيه ضحايا ويخلف جرحى، الأمر الذي شكل خطراً على حياتهم، ومع تلك الممارسات كانوا على عتبات الموت، كل ذلك حدث بذرائع عبثية، كان يمكن أن يتم تصفيتهم في أي حرب مع "الجزائر" أو زجهم من حيث لا يعلمون في المحاولة الإنقلابية الفاشلة التي تمت.

 لم تنتهي عذاباتهم إلا مع بداية التحضير لانقلاب الصخيرات حيث أُطلق سراحهم بإجبارهم على التوقيع على وثيقة يقرون فيها تلقى خدمة حسنة ويشكرون فيها القوات المسلحة. وبالطبع وكما تمارس الأنظمة القمعية، أطلق سراحهم من دون تقديم أيّ تفسير لما حدث. يذكر بنجلون في مقابلة له، كل ذلك حدث:

 -  "فقط لأننا كنا طلبة نطالب بتعميم التعليم على المغاربة، وننادي بالعيش الكريم. تصوروا معي لو نجح الانقلاب وحكم هؤلاء المغرب، يقينا كانوا سيقضون على البلاد بشكل نهائي، لأنهم كانوا عسكريين فاشستيين ومرتزقة".

  

البوح بعد 50 سنة

احتفظ الطاهر بنجلون بآلام تجربة الاعتقال وتفاصيلها ولم يفتح صندوقها للبوح والتدوين إلا بعد مرور نصف قرن، نفث من خلال السرد حزنه وألمه النفسي على الرغم من كتابته السابقة لرواية "تلك العتمة الباهرة" عن سجن تازمامارت والتي تتكامل مع "العقاب" وتعد هي الأخرى رائعة من روائع أدب السجون.

 

في رواية "العقاب" يروي الكاتب تفاصيل الاحتجاز عندما كان فى عمر العشرين، مما لاشك فيه أن هذه التجربة أغنت حالة الوعي عنده مع اختمار مواهبه وصقل قدراته حتى شكلت منه كاتباً مبدعاً. جاء السرد فيها بصيغة الحاضر وبأسلوب واقعي يجسد تفاصيل الأشياء والمواقف التي حدثت في وقتها، حين سئل ذات مرة عن سبب التأخير في كتابة هذه التجربة رد قائلا:

 -    "لم تكن هنالك خطة لكي أحكي هذه الفترة العصية والتجربة الحدية من حياتي؛ مرحلة تعرضت فيها لعنف وتعسف وتعذيب، لأن الدولة كانت خائفة يومها من كل المطالب وكل الحركات الاحتجاجية. نتحدث هنا  "يقول" عما يعرف بسنوات الرصاص في المغرب".

 

من هنا ثمة ما يحيلنا إلى طرح أسئلة متعددة تدور في مخيلتنا حول ما يستوجب أن يسرده المناضلون من تجاربهم أثناء الاعتقال، وكيف يسرد، هل هناك منهجية معيارية محددة يفترض اتباعها؟ هل هناك ضرورة للتركيز على البعد السياسي منها أم السياسي والإنساني معاً؟ لحظات القوة والصمود، الضعف والانهيار، الصور المتعددة للانتهاكات والألم، هل نكتب واقع التجربة كما حدثت تماما؟..إلخ.

 

واقع وذاكرة وخيال

في هذا الصدد نستحضر قول الشاعر والروائي الفرنسي جان جينيه "وراء كل كتابة جيدة ثمة مأساة كبرى"، فالمعاناة كما يرى بنجلون ضرورية ليكون ثمة شاعر أو كاتب مبدع ومهم؛ مضيفاً: "إن أي كاتب يحتاج إلى واقع وذاكرة وخيال، وإذا نحن حكينا الواقع من دون خيال فسيبدو كلاما بسيطاً ومباشراً، وعبارة عن تقرير بوليسي ليس إلا. لكن، عندما تأخذ واقعاً يومياً وتدمجه في لعبة الخيال يمكن أن تمس القارئ مباشرة وأن تثيره أكثر مما يثيره الواقع". إن عملية السرد من وجهة نظره: "لها قدرة على معرفة روح الشعوب، وإذا أنت أردت أن تتعرف إلى روح المجتمع المصري ما عليك إلا أن تقرأ نجيب محفوظ، وإن أردت أن تقوم بزيارة إلى كولومبيا، أمكن لك أن تجعل من روايات غابرييل غارسيا ماركيز أفضل دليل سياحي. صحيح أن الكاتب شاهد على الواقع، غير أن خياله هو الذي يمنح هذه الشهادة صدقها الإنساني وعمقها الفني. إن حياتنا محكومة بالنقص دائماً، والخيال هو من يملأ تلك الفراغات".

 

كما لم يفت بنجلون التأكيد على أن "ذاكرتنا لا تسعفنا في استعادة كل شيء، فلا بد من خيال لاسترجاع ما يضيع وينفلت منا بفعل الزمن. إن للخيال قدرة على تجاوز هذا الواقع الناقص، لنصير أحيانا أمام عالم فوق واقعي، أو سوريالي، وعليه؛ لا بد من خيال لاسترجاع ما يضيع وينفلت منا بفعل الزمن. إن للخيال قدرة على تجاوز هذا الواقع الناقص، لنصير أحياناً أمام عالم فوق واقعي"، ويوضح "إننا نحن المغاربة، مثلا، لنا خيال ثري ونمتلك قدرة خارقة وفائقة على تأويل الأشياء. فإذا ما وقع حدث معين تجد كل واحد منا يقدم روايته الخاصة، ويضفي عليها مسحة من الغرائبية، ويضيف إلى الحدث تفاصيل كثيرة لا منتهى لها".  

 

الخلاصة، تبقى تجارب الاعتقال بغيضة لأنها تجسد ذكرى المظالم والكراهية والقمع الفاحش، هي شاهد على انتهاك حقوق الإنسان وكرامته. ورواية "العقاب" التي لا تشعر معها بأي مبالغة في سرديات تفاصيلها، تمثل مادة توثيقية تضاف إلى وثائق تضمنت تجارب الاعتقال اللإنساني العبثي الذي تقوم به كل الأنظمة السلطوية والدكتاتورية، كما إنها تدين جميع الممارسات القمعية التي تقوم بها المؤسسات الأمنية ورموزها التابعة لهذه الأنظمة.  

منى عباس فضل

المنامة - 10 أغسطس 2020