الأربعاء، 1 يوليو 2020

نصدق الناجيات وإلى إلغاء المادة "353"

منى عباس فضل
ضجت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً بالتدوال والسجال حول تفاصيل جريمة من الجرائم المسكوت عنها في المجتمع المحلي، أقصد بالطبع؛ جريمة "الاغتصاب".

أماطت اللثام عن تفاصيلها الصادمة مواطنة شابة قررت في لحظة وعي ومسؤولية كسر صمتها بعد سبع سنوات لما تعرضت إليه من انتهاك؛ ذكرت عبر سلسلة تغريدات بأن "ثلاثة أشخاص داوموا على اغتصابها ودمروا حياتها تدميراً كاملاً وعاشوا حياتهم بمثالية عظيمة"، كشفت بأنهم "ثلاثة إخوة لها"، وطالبت بالتعاطف معها؛ قائلة:

-      "دمروا حياتي، محبوبون من الجميع وأنا منبوذة، مقدسون من الجميع وأنا مضطهدة، قريبون من الجميع وأنا بعيدة. تأثرت نفسياً وسلوكياً واجتماعياً، كنت انطوائية وخجولة ومتعلثمة وفاقدة الثقة بنفسي ولا عندي الشعور بالأمان من الدنيا كلها. كنت أروح للمدرسة سهرانة بعد فعلتهم وأحسّ كل النظرات فيها شكوك وكنت أحسّ أن الكل يدري عني، طفلة وعقلي مشتت وما عندي قدرة على التركيز، وحتى ما أقدر أكوّن صداقات، وكنت دائماً اختار الزوايا في كل مكان أدخله. كنت أعتقد بأني مذنبة واعتبرت نفسي المُجرمة وحمدت ربّي لأنهم ما تكلموا لأحد وستروا عليّ. ولكن بعد موجة الوعي تعرّفت على معنى الاغتصاب ومعنى القاصر ومعنى الضحية. وعرفت إنّي ضحية اغتصاب".
المفارقة إزاء الحدث عكستها ردود الأفعال والمواقف التي كانت متفاوتة حد التناقض، هناك من تعاطف معها بشدة وقناعة تنطلق بأن الصمت على قضايا التحرش والاغتصاب مرده ثقافة المجتمع الذي يحمل المرأة نتائج الاغتصاب مستنداً إلى مفاهيم العيب والشرف والذهنية الذكورية التي تعزز هيمنة الرجال على النساء والتمادي في فرض تسلطهم والوصاية عليهن، إلى جانب القناعة بعدم توفر مساحات آمنة للضحايا كي يسردوا تجاربهم ومعاناتهم، أما الأسوأ كما يجدون فهو عدم اعتراف المجتمع بوجود هذه الجرائم ومطالبته بعدم تداول تفاصيلها حفاظاً على صورته.

بالمقابل هناك من شكك بمصداقية روايتها في البداية، والتشكيك هنا يعني في حقيقته محاولة "طمس قضية الاغتصاب" بل ومساعدة الجناة على التفلت من العقاب. من جهة أخرى هناك من تعاطف بمراوغة عبر توجيه "الضحية" لكيفية التعاطي مع الانتهاك الذي وقع عليها في إطار محدد دون التطرق إلى التفاصيل، قيل؛ هناك فرقاً كبيراً بين "التستر والستر" على هذه الجريمة الوحشية، و"الستر" هنا برأيهم سيوفر ضماناً في حدود كافية من الحماية للضحايا وفي تدوير ملفاتهم عند ذوي الاختصاص لا عند كل من هب ودب، لذا يجب عدم التوجه للإعلام التقليدي أو منصات التواصل الاجتماعي لفضح الاعتداءات الجنسية أيا كان حجمها، إلا وفق ضوابط وأولويات، ذلك لأن الهدف الأسمي يتمثل في مساعدة الضحايا لا جرهم إلى المزيد من المعاناة عبر الاندفاع لكشفها أمام الملأ بل الدعم من خلال من يقدم لهم العون والمساعدة، وما يصح في بلد لا يصح في غيره، هكذا قالوا.

بيد إن "الستر" في جوهره يعني سعياً مبطناً لإسكات "الضحية" باعتبار إن للمجتمع الصغير خصوصيته ولابد من مراعاة البنية الأسرية وعلاقة أفرادها، وفي هذا نجد تعبيراً عن اختلالاً ما في المنظومة القيمية والأخلاقية، بل إن الموقف هنا يكتسى نفاقاً مجتمعياً وثقافة متسامحة مع العنف المسلط على الضحايا والنساء وما يتعرضن إليه من انتهاكات، أما الأسوأ فكان مع من كذبوا واتهموا "الضحية" بالانحراف وحاكموها بإنها تستحق ما أصابها، وجاء ردها فاقعاً قوياً وصادماً بمستوى المعاناة:
-      "بأن لديها الاستعداد للتحقيق في القضية".
أما أحدهن فكتبت متضامنة مع "الضحية" في تغريدة لها:
-   "نصدق الناجيات سراً وعلانية، نتضامن معهن بالقليل الذي اوتينا، نقف لخلق المساحات الآمنة وتشجيع المحاسبة القانونية، نستمع ونتألم ونحاول أن ندعم؛ عسى أن يُضائل ذلك وجعاً، أو يُمهد درباً..".
من جهة قانونية، قيل "بأن عقوبة الجناية تسقط بمرور عشر سنوات، وهناك فرق في العقوبة وأركان الجريمة بين فعل الاغتصاب وفعل هتك العرض ومواقعة أنثى بدون رضاها، كذلك عمر ورضا المجنى عليها له دور في تحديد التهمة المناسبة للفعل"، وهذا صحيح، إلا إن الصحيح أيضاُ إن هذه "الضحية" أصبحت ملهماً بشجاعتها للعديد من الضحايا اللواتي عبر بعضهن من خلال تغريداتهن بالتعاطف والمساندة، في حين يرى العديد من المدافعين عن حقوق المرأة بإن هذه القضية ستحرك قضايا العنف والاغتصاب التي يغلفها الخوف والصمت، وحتما سيكشف المستقبل حقائق ومآسي لما تتعرض إليه ضحايا العنف من انتهاكات، فالمجتمع ليس مثالي وملائكي خال من هذه الجرائم التي تكشفها الوقائع من وقت إلى آخر.  

في كل الأحول، كثيرة هي الأسئلة والتكهنات حول مصير "الضحية" وغيرها، هل سينصفها القانون؟ هل ستتوفر لها ولجميع الضحايا سبل الحماية الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية؟ خصوصا وقانون الحماية من العنف الأسري الصادر عام 2015 لا يجرم العنف وإنما يحيل إلى قانون العقوبات، والحماية من جريمة "الاغتصاب" في القانون الأخير تحكم بالمادة (353) التي لا تتناسب وخصوصية الجريمة وآثارها على الضحايا، لماذا؟

-    لأنها تنص على أنه "لا يحكم، بعقوبة على من ارتكب أية جرائم هتك العرض أو الاغتصاب إذا عقد زواج صحيح بينه وبين المجني عليها، فإذا صدر عليه حكم نهائي يوقف تنفيذه وتنتهي آثاره الجنائية بمجرد إنجاز العقد".

ما يعني إمكانية لجوء الجاني إلى الزواج من الضحية للإفلات من العقوبة وتطليقها فيما بعد، وقد يكرّر جريمته على أخريات. إن جريمة الاغتصاب تستلزم عقوباتٍ رادعةً، وأحكاماً خاصةً لوصفها وتحديد أركانها وأوصافها وحالاتها وطريقة التبليغ عنها وحماية الضحايا وملاحقة المرتكبين جزائياً، إضافة لذلك يعاني قانون الحماية من العنف الأسري نقصاً كونه لم يتطرق صراحة إلى "جرائم زنى المحارم"، وقد سبق وتم رفض مقترحاً من المجلسين لمشروع تعديل المادة (316) مكرراً في قانون العقوبات تتعلق بهذا الشأن، وبنص مفاده:  

-    "أنه يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن 5 سنوات كل ذكر أو أنثى واقع أحد محارمه المحرمين عليه حرمة مؤبدة وكان يعلم أو لديه ما يحمله على الاعتقاد بذلك".

الخلاصة، المعلومات المتوفرة والتقاريرعن هكذا قضايا تبقى شحيحة والتكتم عليها شديد، وهناك حالات من "ضحايا جرائم الإغتصاب" صامتة متكتمة بسبب الضغوطات والأعراف والتقاليد والخوف وتعاني ولم تصل بعد إلى جهات الشكوى والدعم والمساندة، وبالتالي هذا لا ينفي وجودها، كما لا يعني أخذ موقف المتفرج الصامت عليها وعلى ما يتوفر للمغتصبين والمتحرشين "الجناة" من مساحات آمنة لإرتكاب جرائمهم، سواءً بعدم التبليغ عنهم "والتستر" عليهم والتسامح والتساهل معهم بل والتشكيك في شهادات الضحايا، الأمر الذي يستلزم إجراء تعديل تشريعي لحماية الضحايا وإلغاء المادة "353" وإيقاع أقسى أنواع العقوبات الرادعة على الجناة بل والتشهير بهم.

منى عباس فضل

المنامة - 1 يوليو 2020




الثلاثاء، 2 يونيو 2020

الحضارات تغرق كما "التيتانيك"

منى عباس فضل
انطلقت فكرة كتاب "غرق الحضارات" لأمين معلوف من بطن كتابه السابق "اختلال العالم"، فعالم ما بعد انهيار جدار برلين لم يعاد بنائه كما يقول، لماذا؟ لأن الدولة الكبرى الوحيدة والمكلفة عالمياً بالبناء وهي الولايات المتحدة، فشلت في إعادة بناء العلاقات الدولية لتأمين استمراريتها، وهذا بحد ذاته أدى إلى أزمات كبرى تساهم في غرق الحضارات.

أما ما يؤرقه ويقض مضجعه؟ فهو"مشهد غرق سفينة التيتانيك المتلألئة الواثقة من نفسها، المشهورة بأنها لا تغرق، وتحمل على متنها أعداداً غفيرة من الركاب من جميع البلدان والطبقات الاجتماعية وتمضي وسط الصخب نحو هلاكها..تماما كما يحدث لسفينة البشر حالياً. يرى أمين بهلع جبال الجليد تلوح أمامه، ويتضرَّع إلى السماء بورع على طريقته، أن ننجح في تفادي الغرق، بيد إنه يشكك في ذلك معترفاً، بأن قمرة قيادة سفينة البشر قد غرقت عملياً، وأصبحت البشرية جمعاء غريقة، فالأخطار التي حذر منها وصلت إلى حدها الأقصى، إنها مرحلة دفع الفواتير، التي يفتقد فيها العالم لأي سلطة لها مصداقية معنوية، الولايات المتحدة فقدت مصداقيتها معنوياً وسياسياً وأوروبا التي راهن عليها بتأمين دوراً سياسياً ومعنوياً، تراجعت وبدأت تتفكك مع تصاعد التيارات اليمينية التي تشكك في المشروع الأوروبي وترفضه. إنها أحد أسباب الغرق يضاف إليها أسباب عديدة كصعود الهويات الضيقة؛ وما ساهم به عالمنا العربي في نشر الظلمات.  

مع هنتنغتون وضده
محاور الكتاب وتحليلاته مثيرة للجدل والاختلاف، بل وتشتت القارئ بين قضايا إشكالية معقدة ومتشعبة، يتداخل فيها الخاص بالعام، حيث لا يخفي معلوف بأن كتابه جاء رداً غير مباشراً على تنظيرات المفكر الأمريكي هنتنغتون "لصراع الحضارات"، صحيح اتفق مع الأخير في تنبؤه بتفشي ظاهرة الانعزال والردة إلى الهويات الأصلية "الضيقة" وإن الشعوب تستند على الدين في علاقتها مع المختلفين معها عقائدياً، بيد إنه يختلف معه حول "صراع الحضارات"، وعبر عن هذا التباين بقوله "لسنا في عالم تتصارع فيه الحضارات، إنما عالم تنهار فيه كلياً الحضارات، القوي منها والضعيف، الحضارات ذات الدور العالمي الواضح أو نقيضها، المنتصرين منهم والمهزومين، جميعهم في حال تراجع وإنهيار"، كما يرد عليه بإن العالم الإسلامي لا يجسد وحدة متماسكة موحدة كما يفترض، إنما هو ميدان للمعارك والحروب، فقد وقع الصدام من داخل الحضارة الإسلامية نفسها حيث تتصادم الحركات الأصولية المتشددة وتفرز حروباً أهلية وهويات قاتلة. 

من موطني انتشرت الظلمات
كشاهد تتشابك لدى معلوف القضايا والمآسي التي تمس الوجدان العربي، من قضية فلسطين إلى القومية والوحدة العربية وفشل المشروع النهضوي، فهو تارة يصف أحكامه "بالانطباعات" معتبراً "بأن ما حدث في الدول العربية ساهم بشكل ما في خلق شئ غير صحي في بقية العالم"، وأحياناً يقيسها بأحكام يقينية مطلقة مؤكداً بأن "الظلمات انتشرت في العالم عندما خَبَت أنوار المشرق؟.."من موطني الأصلي الذي ولدت فيه أقدم الحضارات، بدأت تنتشر الظلمات"، ومنه ينطلق  في تحليله الذي يتداخل فيه الخاص بالعام من خلال استعادة ذكرياته في نموذجين تناول تفاصيلهما عبر العيش في هواجس مصر والترحم على طبيعة الحياة التي سادت فيها في الخمسيينات وقبل الثورة، وفي حالة التعايش التي زخر بها لبنان في فترة ما من تاريخه وكتب: "كان البلد يملك مقومات حقيقية، وفي طليعة بلدان المنطقة بفضل مدارسه وجامعاته وصحفه ومصارفه وتقاليده التجارية، يتميز بحرية تعبير كبيرة، وانفتاح شديد على الشرق والغرب معاً، وبإمكانه الإرتقاء بالعلم المشرقي والعربي بأسره وإلى مزيد من الديمقراطية والحداثة، لكنه اقتيد إلى الحضيض، إلى مزيد من العنف والتعصب، والشقاء والتخلف، إلى فقدان كل ثقة بالنفس وكل رؤية للمستقبل".

في مقاربته لتأثير اكتشاف النفط على المشرق العربي يقول "استحدث موجة هجرة نحو البلدان النفطية التي كانت قريبة جغرافياً، حيث يستطيع المرء أن يكسب عيشاً كريماً، بل والأكثر شطارة، أن يغتني سريعاً، إنما لا أكثر من ذلك" في دلالة مضمرة إلى طبيعة البيئة الجدباء والقاحلة التي تفتقر وقتها للحياة الثقافية والحريات والصحافة والعمل السياسي وقبول الآخر، "..كان المرء يكدح فيها، ويحلم بصمت، ويسكر خفية، ثم يستسلم للاستهلاك الجامح"، وأضاف بأن عقوداً من  تصدير النفط أدت إلى عدم الاستقرار السياسي والثقافي في الشرق الأوسط، وإن أموال البترودولار منحت بعض المجتمعات التقليدية نفوذاً سلب من المجتمعات الأخرى، فالسعودية ازداد نفوذها على حساب مصر التي لا تمتلك نفطاً لكنها تلعب دوراً ثقافياً وسياسياً هاماً، وقد شهدت تراجعاً لدورها، فمنذ الخمسينيات في وادي النيل زادٌ من نوع آخر، يتمثل في ميادين الموسيقى والأدب وفنون كثيرة أخرى وقد شهدت ازدهاراً حقيقياً وكان جميع المهاجرين إليها من كل الأصول والطوائف يشعرون بأنفسهم مدعوين للانخراط  فيها شأنهم في ذلك شأن السكان المحليين، وسينتشر إشعاع هذه الحركة، انطلاقاً من المشرق واللغة العربية، إلى عوالم ثقافية أخرى، مصر بلد استثنائي، كان يعيش حقبة مميزة من تاريخه"، ويستطرد "بأن البترودولار جلب عدم الاستقرار للكثير من دول المنطقة كالعراق كما أثر على العالم بأسره، لاسيما أثناء أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي وساهم بظهور النهج الاقتصادي التاتشري". 

لكن ثمة حاجة للتذكير بأن مناقشته لقضية النفط في سياقاته الموضوعية تعاني من قصور التحليل والانتقائية، هناك متغيرات نوعية جرت على مجتمعات النفط، لم يكن متعمقاً في تناول عناصرها وربطها ببعضها البعض وبالواقع العربي إجمالاً بل وبنشأة التيارات المتشددة والدولة الرعوية وعلاقتها بالمواطنين فضلاً عن تحالفاتها الدولية التي شكلت صمام أمان لاستمرارها وبروز ظاهرة الهجرة لهذه المجتمعات وانعكاساتها، إنها دوائر تتشابك وتتفاعل مع بعضها البعض تؤثر وتتأثر ولا يجوز اسقاطها من اعتبار أي باحث ومنقب موضوعي.

ومنه قادت المعطيات السابقة معلوف إلى حصيلة واحدة؛ ربط  فيها الاخفاقات في مسار النهضة العربية ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، باختار العالم العربي "للطريق الخطأ"، فقد عجز عن الانحراط الفعلي في دعوات الإصلاح والاستجابة للتحديث، وبقيت المجتمعات أسيرة الماضي، رافضة المساهمة في الحضارة الجديدة. هنا يؤخذ عليه تجنب كشف دور الاستعمار في إبقاء الوضع هشاً ومضطرباً بفعل تدخلاته واستمراره في سرقة ثروات الشعوب العربية والتآمر عليها بالتحالف مع أنظمة الاستبداد والدكتاتوريات، بل تجاهله لدوره عند تقرير مصير الأراضي العربية التابعة للإمبراطورية العثمانية المهزومة في الحرب، وكيف لعبت بريطانيا وفرنسا لعبتهما القذرة برسم حدودها وتفكيكها إلى مناطق نفوذ لها، وزرع الكيان الصهيوني في فلسطين، فكانت الكارثة التي لا يزال يدفع العرب والفلسطينيين ثمناً باهضاً لها.  

التجربة الناصرية
قد يختلف الكثيرين معه بشأن تحليله للتجربة الناصرية؛ بما لها وما عليها، حيث يتراءى له أن "جمال عبدالناصر" شخصية عظيمة لا تقل عظمة عن "تشرشل" وما قام به؛ "له مواقف تجعله جذاباً، ووفاته المبكرة، تسثير عندي، وعند الكثيرين من العرب شيئاً من الحنين، مع أنه بلا جدال أحد حفاري قبر المشرق الذي كنت أحب...كان حكمي على الرجل العظيم متبايناً جداً، ولا يزال حتى اليوم، ففي بعض الجوانب، كان آخر عمالقة العالم العربي، وربما آخر فرصة سانحة لنهوضه من كبوته، ولكنه ارتكب أخطاء جسيمة للغاية، بشأن مسائل جوهرية كثيرة، فلم يخلف من حوله سوى المرارة والندم والخيبة".

يعلل موقفه من ناصر؛ كونه ألغى تعددية الأحزاب لإنشاء الحزب الواحد؛ وكمَّم الصحافة التي كانت تتمتع بقدر لابأس به من الحرية في ظلَّ النظام السابق؛ واعتمد على المخابرات لإسكات خصومة؛ وكانت إدارته للاقتصاد المصري بيروقراطية تفتقر إلى الكفاءة ومكلفة؛ وصادر الأموال والاملاك الوطنية وغير الوطنية، ونزع ملكية الباشوات والتأميم وسلب الأقليات الأجنبية المتنوعة وتهجير عدد كبير من عائلات الطبقة الوسطى، وهذا ما لم يفعله "مانديلا" حين استلم مقاليد الحكم. ويضيف؛ دفعت به الديموغوجية القومية نحو الهاوية، ومعه كل العالم العربي، بيد إنه يستدرك أمره في موقفين "..فمهما كان الرئيس دكتاتوراً عسكرياً، وقومياً يكره الأجانب بهذا القدر أو ذاك، وبالنسبة إلى أهلي مغتصباً، إلا أن الأمة العربية كانت في عهده تحظى بالاحترام. كان لديها مشروع، ولم تكن قد غرقت في الشقاء أو في الحقد على الذات"، ويصف حالته النفسية يوم استقالة عبدالناصر بعد هزيمة 1967: "وحتى أنا، لدي أسباب عديدة لكي لا أحب الرجل العظيم تأثرت باستقالته مثلما لم أتأثر في حياتي. لم يكن قط بالنسبة لي شخصية أبوية، ولكني شعرت بنفسي حينذاك يتيماً. تراءى لي بأنني وسط سيل عرم، وأنه الغصن الوحيد الذي أستطيع التعلق به.أعتقد أن الشعوب تعيش ساعات الضياع واليأس على هذا النحو".

هزيمة 1967
بالنسبة لمعلوف، هزيمة 1967 تمثل مرحلة حاسمة ولحظة تاريخية أحدثت انقلاباً في المفاهيم والمقاييس، فيها فقدت القومية العربية كايديولوجيا طاغية في المنطقة كل مصداقيتها، وعلى المدى البعيد سيكون الإسلام السياسي المستفيد الحقيقي من الهزيمة، وسيحلُّ محل القومية باعتباره الإيديولوجيا الطاغية. يقول: "الهزيمة أحياناً فرصة، والعرب لم يحسنوا اغتنامها، هي لحظة فارقعة ولدت اليأس العربي والعرب لم ينهضوا بعدها ولا يزالون يعانون من عقدتها، والانتصار أحياناً فخاً، والاسرائيليون لم يحسنوا تفاديه. إسرئيل اعتبرت نفسها غير ملزمة بتقديم أي تنازلات والتيارات المزايدة منهم تتحفظ على الآراضي المحتلة، وعليه فالعرب ضحية الهزيمة، وإسرائيل ضحية الانتصار، لم تعد ترى أي مستقبل لها في التسوية، ما يعني برأينا الفشل الذريع لمشروع التطبيع ومعلوف لا يجد أفق لأي تسوية في المستقبل المنظور، وإن حدثت فلربما من الخارج في سياق تفادي صراعات بين الدول الكبرى.

ثورات لكنها محافظة
يكتب عن الثورات المحافظة في سنة الانقلاب الكبير عام 1979. ثمة ما يستوجب الملاحظة في استحداث معلوف لمفهوم جديد وهو "الثورات المحافظة" التي أدت إلى تغيرات جوهرية قلبت موازيين العالم ونقلته من حال إلى حال أسوأ، وبالتالي ساهمت في غرق الحضارات. ركز على "الثورة الاقتصادية المحافظة" التي أرستها رئيسة وزارء المملكة المتحدة "مارغريت تاتشر" والتي امتدت إلى الولايات المتحدة في عهد "ريغان"، وما خلفه نهجها على مفهوم الدولة التي أصبحت اليوم تمثل نموذج لأساليب بعض أنظمة الحكم حتى من يميل منها إلى اليسار، ومن أبرز أساليبها؛ الحد من تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وتقليص النفقات والمساعدات الاجتماعية واطلاق يد أصحاب المشاريع والتخفيف من دور النقابات العمالية وتأثيرها وغيرها، فهي حسب معلوف أحدثت بلبلة كبيرة في دول العالم.

إلى جانب ذلك انتصار "الثورة الخمينية في إيران" التي اندلعت باسم البؤساء والمستضعفين في الأرض وأدت إلى تغير جوهري في أجواء العالم الإسلامي، وخلقت تحركات في مجمل بلدانه، وعلى رأسها السعودية وافغانستان كما غيرت من أجواء المنطقة عامة، وما رافقها في نفس الفترة من حادثة احتلال "الحرم المكي الشريف" التي قامت به مجموعة أصولية بقيادة "جهيمان العتيبي"، وما أدت إليه نتائج أحداث 11 سبتمبر، إضافة إلى ثورة "دينغ شياو بينع" في الصين عام 1978، فهي ثورة محافظة لكنها انطلقت من روح العصر. ومنه يصل إلى إنه ومنذ سبعينيات القرن الماضي تراجع الدور الأوروبي كصانع للحضارة الحديثة، وتدهور وضع الأحزاب والحركات اليسارية والثورية أمام الأحزاب المحافظة واليمينية المتطرّفة الأمر الذي أدى إلى المزيد من الكراهية والتعصّب واضطرابات خطيرة وفوضى قاتلة قد تغرق العالم.

تسوية طوباوية
الكتاب يتناول بشئ من المثالية والطوباوية المحاولات التي جرت للتآليف والتقارب بين الايديولوجيات المتناقضة ويسوق مثالاً لها بما حدث في ايطاليا لخلق تسوية تاريخية بين الرأسمالية والشيوعية، التي راح ضحيتها اغتيالاً الزعيم الديمقراطي المسيحي الإيطالي "ألدو مورو" في 1978، ووجد بأنها فكرة طوباوية واعدة رُميت في مزبلة التاريخ، بسبب غرور الاتحاد السوفياتي الذي كان صاعداً وقتها ولم يعلم بأنه سينهار ويتفكك بعد عشر سنوات، كما ناقش الدور المهم للأقليات في المجتمعات العربية وقدرة الماركسية على استيعابهم.

الخلاصة، لم يبتعد معلوف في "غرق الحضارات" عن مواقف الغرب في تحميل العرب مسؤولية ما آلت إليه أوضاعهم، وكأن النظام العالمي وتحالفاته ومصالحه مع أنظمة الاستبداد والدكتاتورية بعيدة عن ساحة الصراع والتآمر والمسؤولية في تشكل التيارات السلفية المتطرفة وبما لعبته ولا تزال من أدوار في استبقاء حالة الفوضى والاحتراب ونهب الثروات وتجزئية المجزء استناداً إلى الهويات والانتماءات الضيقة، إلى جانب استجابتها للضغوط لسير في مضمار التطبيع مع كيان العدو الصهيوني. ولعل الإجابة على التساؤلات التي طرحها عن ماهية المنعطفات التي كان يجب عدم سلوكها؟ وما إذا كان في المستطاع تجنبها؟ وهل يمكن اليوم التحكم بالدفة؟ تمثل تحدياً كبيراً قد يدفعه إلى توسيع دائرة القلق تجاه أحوالنا خصوصاً وهو على قناعة راسخة بأنه لا أمل من أي تسويات مع إسرائيل على المدى المنظور، الأمر الذي يؤكد موقف الشعب العربي الرافض للتطبيع، أما بالنسبة لقناعته بأن الصحوة مازالت ممكنة حين تعود أوروبا لتولي مسؤولياتها القيادية وهي التي طالما شكلت مركزاً حضارياً ومعرفياً للمجتمعات الإنسانية، فهى مراهنة كبيرة لا نعلم مدى واقعيتها في خضم تفككك أوروبا وتصاعد اليمين المتطرّف فيها. 

منى عباس فضل
المنامة - 2 يونيو 2020



الثلاثاء، 7 أبريل 2020

الاقتصاد بين كماشة النفط والكورونا

منى عباس فضل
في غمرة الإنشغال بتداعيات انتشار "فايروس كورونا" المستجد القاتل، ضجّت الأوساط الاقتصادية والبحثية بالحديث عن اشتعال "حرب كسر عظم نفطية" وتداعياتها الصادمة على اقتصاديات المنطقة التي باتت تنذر بمخاطر وانهيارات متزامنة مع تأثيرات أزمة "الكورونا" ودخول الأقتصاد مرحلة الركود. تُرى ما حقيقة الوضع؟ هل هو كارثي حقاً؟ ما التوقعات والسيناريوهات؟


حرب الأسعار
أصل الحكاية حدثت في اجتماع فينّا الشهر الماضي بين السعودية وروسيا حين رفضت الأخيرة الموافقة على قرار منظمة "أوبك" بتخفيض الإنتاج بحوالي "1.5 مليون برميل يومياً" للمساعدة في رفع أسعاره التي تراجعت جراء تراجع الطلب من الصين والدول المستهلكة الأخرى، ما يعني خفض حصتها من الانتاج. إثر الموقف الروسي، اتخذت السعودية قراراً منذ أسابيع برفع مستوى إنتاجها اليومي إلى "13 مليون برميل" وعليه تهاوت الأسعار لتصل إلى "35 دولاراً للبرميل" الذي انعكس مباشرة على أسواق المال. يشير الخبراء الاقتصادين بأن تأثيراته هي الأسوأ مقارنة بالأزمة الاقتصادية منذ 2008، وبأن الخسائر كبيرة إثر التراجع الانحداري لأسعار النفط الذي جاء مصاحباً مع المخاوف من انتشار "كورونا" الأمر الذي جعل من يوم الاثنين قبل أسابيع أشبه "بالاثنين الأسود"، حيث بلغت الخسائر تبعاً لتقديرات "رويترز" أكثر من نصف مليار دولار كما أفقدت النفط أكثر من ثلث قيمته.

مع استمرار احتراب الأسعار، تعددت التوقعات بانخفاض سعر البرميل إلى "25 دولاراً" وربما إلى أقل من ذلك، بعد أن كان "70 دولاراً للبرميل" حتى تراجعه في مارس الماضي إلى "50 دولاراً للبرميل"، علماً بأن سعره سبق وتعرض للانهيار عام 2014 من "120 دولاراً للبرميل إلى 30 دولاراً"، ولذات الأسباب تقريباً وقتها قيل بأن بلدان الخليج خسرت مئات المليارات من الدولارات وتراجعت عوائدها النفطية. 

في السياق ثمة من لا يتوقع من الخبراء والمحللين أن يكون هناك "هدنة ما" لتسوية المعضلة القائمة، بل يرون بأن روسيا مصممة على رفض أي تخفيض للإنتاج والتراجع عن حصتها السوقية ولكونها تخوض حرباً، هنا يشير مفكر وخبير اقتصادي فرنسي يدعى "جاك سابير" بأن لروسيا هدفين؛ أولهما مفاقمة مصاعب شركات النفط الصخري الأمريكية وإنها -أي روسيا- على قناعة بأن انخفاض الأسعار سيؤدي إلى أضرار تحدق بهذه الشركات بل وإلى إفلاسها بسبب ارتفاع تكاليف استخراجه، وثانيهما؛ الرد على الاستهداف الأمريكي لروسيا في مشروع "السيل الشمالي 2"، والنشاط الاقتصادي لشركة "روسنفت النفطية الروسية العاملة في فنزويلا، إلا أنه وتبعاً لآراء أخرى فإن قطاع النفط الصخري اعتاد على تقلبات الأسعار وعلى الإغلاق ومن ثم إعادة العمل. 


الكورونا تحدد الطلب
من جانبة توقع الأكاديمي الاقتصادي عمر الشهابي بأن الإفراط في إنتاج النفط والفوضى الحالية ستؤثر على انهيار الأسعار مصحوباً بتقلبات كبيرة في السوق، خصوصاً وأن النفط سلعة عالية الاضطراب، مضيفاً احتمالاً آخر بأن يتوصل المنتجون فيما بينهم إلى اتفاقيات جديدة للتحكم في عملية الإنتاج، ذلك على الرغم من ارتفاع نسبة تذبذب الإنتاج مقارنة بتذبذب مستوى الطلب عليه كسلعة يتحدد بعوامل متعددة يعود أهمها؛ إلى انخفاض الطلب عليه كسلعة في قطاع النقليات، إذ من المتوقع الاعتماد أكثر فأكثر على السيارات الكهربائية إضافة إلى تأثير تداعيات "فايروس كورونا"، وقد سبق أن تنبأ "صندوق النقد الدولي" في تقرير له قبل أشهر بأن الدول الخليجية أو معظمها، قد تواجه الإفلاس في عام 2034 بسبب تراجع استهلاك النفط إلى حدوده الدنيا لجهة توقف إنتاج السيارات المعتمدة على النفط كلياً، واللجوء إلى مصادر بديلة للطاقة كالرياح والطاقة الشمسية والذرية والسيارات الكهربائية، ولكن ماذا عن روسيا والسعودية بل وبلدان الخليج؟

بالنسبة لروسيا تشير تقارير متعددة إلى قدرتها وإمكانياتها الاقتصادية على امتصاص أزمة الأسعار وذلك لامتلاكها احتياطات مالية قادرة على مواصلة النمو وهي تمثل أكثر من "80 مليار دولاراً" مقارنة بالاحتياطات السعودية، كما إنها راكمت "170 ملياراً من الدولارات في صندوق مخصّص لمواجهة مثل وضع كهذا، وإن عملتها "الروبل" قد تم تعويمها بالكامل وهي تتمتع بتنوع اقتصادها ولا تعتمد النفط وعوائده إلا بنسب محدودة مقارنة ببلدان الخليج التي تمثل عوائد النفط فيها ما لايقل عن "90%" من دخلها القومي، كما إنها تتوافر على اتفاقات طويلة الأجل أبرمتها شركات النفط الروسية مع السوق الصيني وبأسعار شبه ثابتة في المتوسط، إضافة إلى استفادتها من عقود الغاز الضخمة مع أوروبا، الأمر الذي يعزز من قدراتها على الصمود أكثر من الأطراف المقابلة، ومع ذلك فإن لمدير وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني "دميتري مارينتشينكو" رأي مختلف بأن موسكو لم تكن تتوقع انهيار أسعار النفط إلى "30 دولاراً للبرميل"، بل إن هذا شكل مفاجأة غير سارة لمن اتخذوا قرار الإنسحاب من صفقة "أوبك+" في الإدارة الروسية، بالمقابل يتحدث الخبراء عما تملكه السعودية لأكثر من "500 مليار دولار" احتياطي نقدي قد تلجأ إليه لسد المتوقع من العجوزات، بيد إن المسألة أعقد من ذلك كما سنرى لاحقاً.

وعلى الرغم من تحوط اقتصاديين من التسرع في إطلاق التحليلات واستعجال التوقعات، إلا إن التوقعات على  المستوى العالمي قد تشعبت بشأن تأثيرات "فايروس كورونا" المقرونة بإنهيار أسعار النفط، حيث يتوقع الخبراء توقف السلاسل التكنولوجية العالمية إذا ما استمر الحال، وربما يحدث عطلٌ فيها ما يعني توقف مئات المصانع في العالم، وفي هذا تهديد رئيسي للاقتصاد العالمي سينتج عنه انخفاض حاد في الانتاج، وخلل في توريد السلع وارتفاع في أسعارالسلع الاستهلاكية ما يتبعه من ارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ الاقتصاد العالمي والكساد ما يؤدي إلى "كارثة اقتصادية" ستتمثل في عجز سداد الديون العالمية، وهذا يمثل أسوأ السيناريوهات التشاؤمية. إلى هنا، نسأل بقلق؛ أين بلدان الخليج من هذا؟  


التأثيرات والتوقعات
في حقيقة الأمر من الصعوبة معرفة حدة التأثيرات واتساعها على المستوى الخليجي وبل انعكاساتها على المدى المتوسط والطويل، إلا إنه حتماً سيكون موجعاً إذا ما تمعنا في توصيف أحدهم إلى أن ما حدث بمثابة "مذبحة" للأسعار، وأضرار فوضى أسواق الطاقة وانخفاض أسعار النفط لهذه المستويات، سواءٌ لجهة البورصات التي تأثرت كثيراً مع تراجع الإنتاج بمعدلات كبيرة بسبب "فايروس كورونا" والأضرار ستشمل الجميع، وربما يعجل بموعد الإفلاس تبعاً لسيناريو المتشائمين، وقد تنزلق فيه دول المنطقة نحو أزمات مالية، صحيح أن بعضها يمتلك مصدات لمواجهة الوضع تتمثل في صناديق الثروات السيادية، كالكويت وقطر والامارات وهي تتوافر على احتياطات كبيرة، إلا إن الصحيح أيضاً إن بعضها سيكون في مهب الريح ومعرض لعجوزات أوسع في موازناتها ولأسباب معروفة كالبحرين وعمان.

 لم لا وأغلب بلدان الخليج تعتمد على النفط في نفقاتها، وهي أصلاً تعاني من ارتفاع الدين العام وعجوزات تنذر بزيادة الفجوة بين الإيرادات والنفقات، وفي المعطيات قفزت مستويات الدين الخليجي إلى نحو "501 مليار دولار مع نهاية الربع الثاني من عام 2019، مقابل "100 مليار دولار في عام 2014"، وتمثل البحرين الثالثة عربياً والأولى خليجياً في حجم الدين العام مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي للعام 2020 إذ بلغت الزيادة "100.19%" وتجاوز الدين حائط "13 مليار دينار"، يليها عمان (61%) وقطر (52%) والسعودية (23.7%) والإمارات (19%) والكويت بنسبة (17.78%)، فيما تتوقع الأوساط الاقتصادية تناقص الاستهلاك العالمي للنفط بحدود "750 ألف برميل يوميا"، وكل هذا وذاك سيضغط لاريب على الاقتصاد ويضاعف العجوزات في ميزانياتها وتتراجع معه معدلات التنمية، وقد يضطر أغلبها إلى اللجوء إلى الاحتياطيات المالية أو صناديق الأجيال القادمة واستنزافها، وفرض ضرائب لم يعتد عليها كأرباح الشركات ومداخيل المواطنين، وربما رفع أسعار الخدمات العامة أو إلغاء مجانيتها، وخفض كبير ونوعي في موازنات الإنفاق العام فضلاً عن تعزيز السياسات التقشفية الصارمة، أو اللجوء إلى الديون والاقتراض من صندوق النقد الدولي في ظل غياب مصادر بديلة للدخل، آخذين بعين الاعتبار تأثر أغلب القطاعات الاقتصادية من "فايروس كورونا" كالقطاعات السياحية والتجارية والخدمية ما سيؤدي إلى المزيد من هشاشة قوى العمل وانخفاض إنتاجيتها وتوقف بعض الأعمال، وهذا بدوره سيساهم في انكماش كبير في الاقتصاد ينتج عنه تسريح قطاعات عمالية في القطاع الخاص المتضخم بالعمالة الأجنبية وقد تتأثر الرواتب وترتفع مستويات البطالة، الأمر الذي يبشر بإنتهاء الدولة الريعية، ومظاهر الترف.

ففي السعودية وحدها يمثل قطاع الطاقة نحو "80%" من صادراتها وثلثي إيراداتها المالية، وهي تحتسب سعر برميل النفط في الموازنة العامة عند مستوى "65 إلى 75 دولاراً"، كما أعلنت موازنتها لعام 2020 بنحو "272 مليار دولار مقابل إيرادات متوقعة بقيمة "222 مليار دولار" أما البحرين فهي بحاجة إلى ما مقداره "91.8 دولاراً للبرميل" والكويت إلى سعر برميل عند "54.7 دولاراً" والإمارات إلى "70 دولاراً" وعمان "87.6 دولاراً"، وبالتالي إذا بقى سعر البرميل عند مستوى "35 دولاراً أو أقل منه حسب توقع الخبراء" ودون إحداث أي تعديلات على سياسة الإنفاق العام، فمن المتوقع أن تواجه اقتصاديات المنطقة المزيد من العجوزات كما سيتأثر صافي احتياطاتها الأجنبية على المدى المتوسط ما لم يكن هناك تنويع في مصادر التمويل، وقد سبق الإشارة إلى تحذيرات "صندوق النقد الدولي" لبلدان الخليج في اعتمادها على الإيرادات النفطية، ودعوته لها للقيام بإصلاحات جوهرية مع تراجع الطلب العالمي على النفط وانخفاض أسعاره، وأن لا خيار أمامها سوى تسريع الإصلاحات الاقتصادية.


في العموم، حتى وإن تريثنا في مناقشة التوقعات، فإن فوضى إنتاج النفط وخفض أسعاره في ظل تأثيرات الوباء الذي يجتاح العالم يعد بحد ذاته مغامرة لما يسببه من خسائر اقتصادية فادحة لا تتحملها اقتصاديات المنطقة الهشة، هناك شلل اقتصادي تعاني منه بعض دول العالم متأثرة بتقييد حركة النقل العالمية التي تمثل مصدراً رئيسياً للاستهلاك النفطي وتوقف شبه كامل لقطاع الطيران الذي خسر حوالي "120 مليار دولار" وربما أكثر منذ بداية الأزمة وإفلاس العديد من الشركات التي تعرضت لخسائر ضخمة بسبب ضعف أو توقف حركة السفر. الاقتصاد العالمي مأزوم ويواجه مخاطر الركود والكساد العالمي، واقتصاديات المنطقة جزء لا يتجزأ من هذا النظام الاقتصادي، وبالتالي لابد من مناقشة الأولويات وماهية السياسات التي تخفف من حدة تداعيات ما يجرى على الساحة العالمية وتأثيراتها.

منى عباس فضل
المنامة - 7 أبريل 2020


الثلاثاء، 10 مارس 2020

كيف قرأ تاريخ مدرسة الهداية؟

منى عباس فضل
بخبرته المتمرسة في التأليف التربوي والتنظير في كتابة التاريخ، يدرك المفكر التربوي "نخلة وهبة" تمام الإدارك السجال الذي ستمر به قراءته التحليلية التي بسطها في كتابه الجديد "الاهتداء إلى هواجس أهل "الهداية"، وهي كما يعرض غلاف الكتاب قراءة مختلفة لتاريخ السنوات العشر الأولى من عمر مدرسة "الهداية الخليفية".

ترى ما الاختلاف الذي يتصدر هذه القراءة عما سبقها من قراءات ومؤلفات تناولت بدايات التعليم النظامي في البحرين؟ وهل الاختلاف الذي يعنيه أو "الفرضية" التي ساقها في قراءة مناحي حدث نشأة مدرسة الهداية من الواقعية والموضوعية التي ترتكز بقوة على وقائع مادية؟ أم إنها إعادة سرد مكثف بمنهجية مختلفة عن الحالة السردية التقليدية لذات الوقائع التي تناولتها المؤلفات السابقة؟ وهي الآن -أي قراءة المؤلف- تحتكم إلى فرضيات تأويلية غاصت في العمق وحلقت بعيداً في تفسير ماهية الحدث وحمّلته في بعض المفاصل والجوانب بأكثر مما يحتمل وربما نقول ربما، بما يلبي ويطوع مسار بعض وقائع تاريخ "التعليم النظامي" وتحليلها بمنحى أحادي اعتدنا عليه في تضخيم جوانب محددة وإلغاء عناصر مهمة ساهمت بشكل عميق في صناعة هذا الحدث أو ذاك؟

إعرف نفسك
حين نقرأ الكتاب نستحضر ما تعلمناه في كتاب "أحفاد بلا جدود" للمؤلف نخلة، بأن لا يغيب عن البال تعرض حقائق التاريخ إلى عمليات التحريف والاجتزاء والانتقاء والطمس والإبعاد والإبراز، وإن على الباحث في التاريخ في أول خطوات معرفة الذات التي بشر بها فلاسفة اليونان الأقدمون ونقشوها على عتبة الأكروبول في أثينا "إعرف نفسك"، هي قبول التاريخ كما هو وليس تركيب التاريخ على مقاس مزاج كل واحد أو كل مجموعة؟  

بداية لابد من الإشارة إلى إن مؤلف الكتاب اعتمد بشكل كبير على ثلاثة مصادر أساسية في تناول الحدث وهي كتاب "الهداية الخليفية: رجال وآفاق" لعبد الحميد المحادين و"رجال في جزيرة اللؤلؤ" لخالد البسام و"لمحات من ماضي البحرين" لخليل المريخي مضاف إليهم كتابي مهدي التاجر ومحمد الرميحي وبعض الوثائق البريطانية التي قام بترجمة بعضها وتفسير دلالالتها.

من المهم التنويه إلى تحذيراته التي ساقها في المقدمة وهي المتعلقة بصعوبة الحصول على وصف كامل وناجز للحدث الماضي كما ذكر: "نادراً ما تسمح البئيات والوثائق بالكشف عن جميع أسرار الحدث الذي غار في أعماق الزمن، ولعل في التكتم الذي مارسه ومازال يمارسه الماضي على مكنوناته، في محاولة لمنع تسربها إلى أهل الحاضر"، هنا يجوز السؤال عما إذا كان في ذلك إيحاء ما بوجود ما هو "سري ومخفي وله علاقة بنشأة هذه المدرسة" في تلك المرحلة بالذات وهي التي تميزت باضطربات سياسية بطابع طائفي في ظل سلطة احتلال استعماري وبلد فاقد للسيادة الوطنية، حيث اختلفت التحليلات والمنطلقات والمصالح حول تلك الحقبة وتدوين أحداثها التاريخية، بيد إننا لم نجد غير فرضية المؤلف وحسب فهمنا المتواضع التي التقت بأغلب ما ذهبت إليه مؤلفات سابقة، من إن وراء فكرة نشأة "مدرسة الهداية الخليفية" "..ظروف موضوعية أحاطت بها كما سائر المؤسسات الأهلية التي قامت في الربع الأول من القرن العشرين، وإنها جاءت استجابة لحاجات أهلية واعية وإرهاصات قومية شعبية، وبعضاً من هاجس الولاء للأمة والانتماء للعروبة والإسلام والشعور بثقل حركة التبشير المسيحي التي كانت توفر الخدمات العامة ومنها التعليم".

في السياق يشير نخلة إلى أن "مجموعة من الأفراد المستنيرين لاحظوا ضموراً واضحاً من الهواجس القومية، وتقلصاً ملموساً في الالتزام الفكري عند شريحة الشباب الجديد؛ فتهيأ لها أن الوعي السياسي والفكر الملتزم معرضان للاندثار أو للابتلاع من قبل إيديولوجيا المدنية والتغرّب..كما إن العقد الذي سبق إنشاء مدرسة الهداية لم يتصف بالتسامح الفكري، ولم يوفر الفرص للتثقيف السياسي والتنشئة القومية على مستوى جماعي وممأسس..لقد قلق الآباء الوطنيون على انتماء أبنائهم وولائهم، بعد أن غزرت خدمات الأجانب وعظمت شدة إغراءات كل ما هو مستورد من الغرب، وأخذ ذلك القلق يتحول تدريجيا إلى تفكير جدي بإيجاد الحل المناسب للمعضلة المستجدة" كما يفترض المؤلف، أن الضغط السياسي المتمثل بممارسة رقابة متشددة على مختلف أنواع النشاطات السياسية والفعاليات الثقافية التي يمكن أن تنشر فكراً اجتماعياً متبصراً وناقداً، قد دفع المواطنين الملتزمين بالقضايا المحلية والإقليمية الساخنة إلى البحث عن أداة لتكوين نخبة وطنية من الشباب الصاعد لمتابعة المسيرة "السياسية" من دون المجازفة بخطر الاحتكاك المباشر والعلني بالسلطة المهيمنة آنذاك. لذلك وجد هؤلاء المواطنون "أن المدرسة" كمؤسسة تربوية يمكن أن تلعب هذا الدور الريادي، في هذا الصدد وحسب فرضيته فإن أعضاء اللجنة التربوية التي شكلت لتأسيس المدرسة كانت لبعضهم مواقف معلنة ومتكررة في مناوأة الحكم الأجنبي، وإن لبعضهم هوية وميول سياسية قومية "أنظر صفحة 27"، ولهذا قاموا باختيار مدراء ومعلمين معروفين بمواقفهم القومية المناوئة للاستعمار لإدارة المدرسة إضافة لفرضيته بأن قيام المدرسة كان "كمخرج ذكي لمتابعة العمل السياسي ضد الاستعمار..ص28"، وعليه يحق السؤال، هل يتحمل واقع نشأة هذه المدرسة بالذات كل ثقل هذا التحليل والتأويل؟.

افترض المؤلف أيضا أن لدى المؤسسين إطلاعاً على الفكر المقاوم في مصر وبلاد الشام عبر المجلات والكتب حيث شكل ذلك الحجة الأقوى لتفعيل الدور التعليمي التشريبي للمؤسسة الناشئة...إلخ، ذلك على الرغم من استداركه في نفس الصفحة قائلاً: "لابد من أن نحتاط ونتهيأ للمأزق شبه المحتوم الذي سوف يداهمنا فيما لو تابعنا قراءتنا لتاريخ التعليم انطلاقا من الفرضية التي تقول بأن أول مدرسة أُنشأت في البحرين كانت نمطاً آمناً للنشاط السياسي الذي أراد المؤسسون تنفيذه، تقودنا فيما لو صحت، إلى التنبيه إلى إمكانية الخلط بين الممارسة السياسية والممارسة التربوية عند مؤرخي التعليم البحريني".

مدير أم عميل؟
هنا حتماً ستتعرض هذه الفرضية للسجال والمداولة لأمرين هامين؛ يتعلق أولهما؛ بطبيعة الوقائع التاريخية السياسية في نفس الفترة التي تأسست فيها المدرسة ومارست نشاطها وما سجلته حيث لم يرتبط ذكر تأسيسها بأي نشاط سياسي واضح المعالم أو حتى ممارسة دعوية لأصحابها في الشأن السياسي المقاوم للاستعمار؛ اللهم إلا إشارة  خالد البسام في كتابه "رجال في جزائر اللؤلؤ ص36" حين تناول سيرة أول مدير للمدرسة "حافظ وهبة" قائلا: "..وجد نفسه يستطلع نشاط الحركة السياسية فيها والنشطة آنذاك بسبب التدخل البريطاني في شئون البلاد وازدياد الحركة الشعبية المعارضة لهذا التدخل بقيادة عبدالوهاب الزياني وغيره. كما رأى نفسه يتفاعل مع بداية الحركة الثقافية وتأسيس النادى الأدبي، علاوة على مشاركته الفعالة في الحركة التعليمية والتي يقود عمودها الفقري "المدرسة" بنفسه فراح يشارك البحرينيين تذمرهم ومعارضتهم للوجود البريطاني المتسلط على بلادهم، ويحضر مؤتمراتهم واجتماعاتهم، ويعقد صداقات مع زعمائهم..إلخ"، ورغم إشارة نخلة وهبة المبطنة بين السطور بشكوك عمالة هذا المدير للإنجليز وإنه لم يترك أثراً يذكر في مجال مهنة التربية والتعليم.

التعليم بمبادرات أهلية
أما الأمر الثاني فيتعلق بفرضية أن تأسيس المدرسة وضع اللبنات الأولى للعملية التعليمية التربوية النظامية في البحرين، بيد إن وقائع التاريخ ومصادره تفيد بإن التعليم بدأ في البحرين بمبادرات أهلية وتحديداً من الطبقة الميسورة التي خصصت منازلها وإمكانياتها المادية والتي أخذ أغلبها طابعاً دينيا في البداية ومتأثراً بالرحلات التجارية التي يقوم بها أصحابها إلى بلاد الهند وما حولها، ومنها، ومن تلك المدارس: "مدرسة الإصلاح المباركية" بفريق الفاضل بالمنامة وقد تأسست عام 1913، وكان وراء تأسيسها مجموعة من التجار الإيرانيين المقيمين في البحرين حيث وضع لها نظام خاص ومناهج تتمشى بما هو معمول به في إيران، وفي كتاب "لعبد الملك الحمر" تشير المصادر إلى إن تأسيسها كان في عام 1910 وقد أطلق عليها "مدرسة الاتحاد" ثم استقرت في مقرها الأخير بفريق الحمام بالمنامة وتغير أسمها إلى "اتحادية إيرانيان والإصلاح" في عام 1923 وتغير اسمها إلى مدرسة "الجمهورية الإسلامية في البحرين" حيث أغلقت عام 1996، للمزيد "أنظر كتاب التعليم النظامي في البحرين لمنصور محمد سرحان، وهناك المدرسة الجعفرية بالمنامة والمدرسة العلوية في البلاد القديم حيث كان لكل منهما مجلس إدارة خاص بهما أيضاً مكون من بعض التجار والأعيان وغيرها، أما عبدالحميد المحادين فذكر في مقدمة كتابه "الهداية الخليفية: رجال وآفاق" "..بأنه وقبل 1919، وعلى امتداد عشرات السنين بل ومئاتها، كان هناك تعليم في البحرين، وهو في حقيقته امتداد لأنماط وفعاليات التعليم في العالم العربي، مع اختلافات طفيفة ظهرت بفعل خصوصية الظروف والبيئة. ومن مدارسه الشائعة مدرسة عبدالوهاب الطبطبائي الكويتي بالمحرق والتي كانت سابقة على مدرسة الهداية وأخرى تحت إشراف علي السيد إبراهيم الرستاقي، كما يشير إلى أن التعليم لم يقتصر على مدارس الحكومة، فقد رافق التعليم النظامي الرسمي تعليم مواز، تقوم به مدارس أهلية، وصل عددها إلى أكثر من عشر مدارس، وكانت مناهجها توافق مناهج مدارس الحكومة وشهادات بعضها النهائية تعادل شهادة إتمام الدراسة الابتدائية آنذاك، وكانت مدارس الحكومة تقبل المحولين إليها من المدارس الأهلية بعد اجراء فحص مستوى لهم. ص29، ومنها المدرسة الأهلية التي أسسها إبراهيم العريض في المنامة، ومدرسة الإصلاح الأهلية التي أسسها عبدالرحمن المعاودة في المحرق 1938، ومدرسة الفلاح التي أسسها محمد علي زينل عام 1928، ومدرسة العجم ومدرسة الاتحاد التي سبق الإشارة إليهما، ومدرسة دار العلم التي أسسسها عبداللطيف سعد الشملان"، وبالتالي فإن بدايات التعليم في البحرين عكس واقع المبادرات الأهلية في تشكله حتى بدأ بروز معالم تكوّن مؤسسات الدولة وتشكلها وبالتالي لا يمكن حصره وتنسيبه إلى جهود فردية محددة فقط، خصوصاً وإن طابع التعليم في بداية نشأة مدرسة الهداية لم يكن يختلف في شكله التقليدي الديني التلقيني عن بقية المدارس الأهلية.     

وفي إطار مناقشة المؤلف حول طبيعة مرتادي المدرسة من الطلاب منذ بداية تأسيسها، تجدر الإشارة إلى ما أورده  فؤاد اسحاق الخوري في كتابه "القبيلة والدولة في البحرين: تطور نظام السلطة وممارستها صفحة 181" إلى أن التجار المدينيين من السنة والشيعة لم يرسلوا أولادهم إلى مدرسة الهداية الخليفية إلا في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي عندما بدأت شركات النفط، التي تتكلم الإنجليزية، وتتدفق على منطقة الخليج والجزيرة العربية. وإنه وبعد تأسيس مدرسة الهداية التي قصدها الطلاب وأكثريتهم من سنة سكان مدينة المحرق، أسس شيعة المنامة عام 1929 المدرسة الجعفرية.."، وهنا نتوقف لطرح سؤال آخر عن مدى تأثير الواقع السياسي الطائفي آنذاك على تأسيس مؤسسات تعليمية في جوهرها ومضمونها تستند على مظلة طائفية؟ ويستكمل الخوري: "..وفي السنوات اللاحقة دعمت الحكومة المدرستين معاً بالأموال العامة، وأشرفت على إدارة كل مدرسة لجنة من التجار الأغنياء الذين تطوعوا للقيام بهذا العمل. وأثار هذا التقسيم الطائفي في التعليم اعتراضات عديدة، مما جعل الحكومة تقرر في سنة 1932-1933 فتح مدرستين أمام الجميع بصرف النظر عن انتماءاتهم الطائفية، وسميت، بعد ذلك القرار، مدرسة الهداية "مدرسة المحرق الابتدائية" كما سميت المدرسة الجعفرية "مدرسة المنامة الابتدائية" كما تأسست بين عامي 1934-1936 ثلاث مدراس عامة جديدة في سوق الخميس والبديع والحد، وتأسست في ذلك الوقت أيضاً دائرة التربية (المعارف).

الخلاصة، يشير نخلة، إلى إن الانطباع الذي تولد لديه من كتابات من قام بتأريخ التربية العصرية في البحرين، لم تتعامل مع الرجال المؤسسين للمدرسة، من منطلق مواقفهم وسلوكهم السياسي، ذلك على الرغم مما ذكره في المقدمة بأنه سيتعامل مع الرجال المؤسسين من منطلقات تربوية بحته، بغض النظر عن الماضي أو الحاضر السياسي لكل منهم، إلا أن تحليله وفرضيته لفكرة تأسيس المدرسة استمر كما شعرنا من منطلق كون المدرسة وليدة وعى فكري وموقف سياسي وطني وقومي، حيث ميّزها عن المدراس الأهلية الأخرى من حيث بنية التعليم سواء في "طابعه الديني أو التبشري" ذلك برغم إشارته وبالوقائع من استمرار مدرسة الهداية وعلى مدى سنوات في تقديم تعليم أشبه بتعليم الكتاتيب، مضيفاُ وللتاريخ كما أكد الخوري أيضا بأنها أسست لتحويل التعليم من سلعة تُشترى إلى خدمة تقدم مجاناً من الدولة.

إلى هنا، الكتاب جهد نوعي يستحق الاطلاع عليه، وهو يشكل تحدياً للباحث الملتزم عن الحقيقة، كما يثبت لنا أنه لا يمكن تحليل وقائع التاريخ وتحجيم أحداثه بمعايير محددة وبمعزل عن حراك المجتمعات في إطار بنيتها الديمغرافية المتعددة التي شهدنا تأثيراتها على نشأة المؤسسات التعليمية عامة، وليس بمعزل عما يدور فيها من صراع في الأفكار والإيديولوجيات؛ لهذا لا يمكن فرض نص وحيد للحقائق، لاسيما في مجتمعات قائمة على التنوع والتعدد.

منى عباس فضل
المنامة - 11 مارس 2020


الجمعة، 6 مارس 2020

حركات صغيرة لها تأثير كبير على جيل المساواة


بمناسبة يوم المرأة العالمي (8 مارس) الذي جاء هذا العام بشعار "أنا جيل المساواة: إعمال حقوق النساء"، نشر موقع الأمم المتحدة تقريرٌ يتضمن عدة عناصر أطلق عليها "حركات صغيرة لها تأثير كبير على جيل المساواة". قمنا بترجمته وتلخيص بعض أبرز ما ورد فيه وبتصريف يتناسب والسياق العام لمشاركتنا في "حملة المساواة، وبمناسبة الاحتفال بيوم المرأة العالمي 8 مارس".

التقرير يشير إلى إن حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين تحتل مركز الصدارة في عام 2020، وهو عام العمل على سد الفجوات القائمة من خلال العمل على تحقيق إجراءات جريئة وحاسمة، منوهاً إلى إن حملة أجيال المساواة بين الناس من كل جنس وعمر وعرق ودين ودولة، جاءت للدفع باتجاه عالم المساواة بين الجنسين الذي نستحقه جميعاً، مؤكداً بأنه عام لإنهاء العنف القائم على النوع الاجتماعي، والدعوة إلى العدالة الاقتصادية والحقوق للجميع، والاستقلالية الجسدية والصحة الجنسية والإنجابية والحقوق، والعمل النسوي من أجل العدالة المناخية، والتكنولوجيا والابتكار لتحقيق القيادة النسوية والمساواة بين الجنسين، ودعا محفزاً "لنكن جزءاً من الحركة العالمية". #GenerationEquality

في السياق يشير التقرير إلى أن المساواة تعني العيش في عالماً يتمتع فيه الجميع بحقوق وفرص متساوية، وأن لا تخشى فيه النساء والفتيات من السير إلى منازلهن في وقت متأخر من الليل، ولا يتم فيه حبس الرجال والفتيان في ظلمات قمعية، وإن المساواة بين الجنسين هي القاعدة التي يتقاضى فيها الرجل والمرأة بنفس القدر من العمل المتساوي القيمة ويتقاسمان أعمال الرعاية في المنزل. عالم تسوده المساواة في القيادة السياسية في قاعات مجالس إدارة الشركات وأرضيات المصانع، ويكون فيه للنساء صوت متساو في القرارات التي تؤثر على حياتهن وأجسادهن وسياساتهن وبيئتهن من القرى إلى المدن، قد يكون هذا العالم، عالم متخيل؛ المهم أن نجعل منه حقيقة واقعة، بالانضمام إلى حملة الأمم المتحدة "أنا جيل المساواة: إعمال حقوق النسا" وذلك من أجل تسريع إجراءات المساواة بين الجنسين والاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين لإعلان ومنهاج عمل بيجين، فهو البرنامج الأكثر رؤية لحقوق المرأة وتمكينها في كل مكان.


بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لاعتماد منهاج عمل بيجين ستكون "المساواة بين الجنسين: حقوق المرأة" قيد الاستعراض، وهي المرة الأولى التي يراجع فيها التقدم المحرز في تنفيذ المنهاج في ضوء خطة التنمية المستدامة لعام 2030، كما سيتم الإبلاغ عن الفجوات والتحديات المتعلقة بالنهوض بالمساواة بين الجنسين وحقوق المرأة، وذلك من خلال ستة محاور هي: "التنمية الشاملة والازدهار المشترك والعمل اللائق"، "القضاء على الفقر والحماية الاجتماعية والخدمات الاجتماعية"، "التحرر من العنف والوصم والقوالب النمطية"، "المشاركة والمساءلة والمؤسسات المستجيبة للنوع الاجتماعي"، "مجتمعات سلمية وشاملة"، "الحفاظ على البيئة، والعمل المناخي، وبناء المرونة". كما يدعو التقرير إلى أربعة محفزات لإحداث عملية التغيير: "الأول: دعم الحركات النسائية والقيادية، الثاني: تسخير التكنولوجيا لتحقيق المساواة بين الجنسين، الثالث: التأكد من إشراك الجميع وعدم ترك أي شخص في الخلف، الرابع: تطابق الالتزامات مع الموارد". منوهاً إلى إن هذا يتطلب "حملة منسقة" لتوسيع وتعميق السياسات والبرامج التي تسرع في تنفيذ منهاج العمل لهذا الجيل وما يليه.


يذكرنا التقرير بإنها إجراءات صغير لكن تأثيرها كبير: لماذا؟ لأن التغيير يجب أن يحدث عبر النشاط الجماعي وهو لا يقتصر على لحظات رئيسية كبيرة فقط، إنما إلى الديمومة، فالانتصارات القانونية والاتفاقيات الدولية وهي الطريقة التي نتحدث بها ونفكر ونتصرف بها كل يوم هي التي يمكنها أن تخلق تأثير يستفيد منه الجميع، وعليه لنكن مع الحملة العالمية بصفتنا جيل المساواة، ويمكن أن تتحقق المساواة بين الجنسين خلال الإجراءات اليومية البسيطة في حياتنا التي نلخصها في التالي:  


 1.     شارك الرعاية
تلتزم النساء بثلاثة أضعاف الرعاية غير المدفوعة والعمل المنزلي أكثر من الرجال، لقد استهلكن هذا الوقت والطاقة لدفعهن إلى التقدم في مهنهن، وكسب المزيد من المال والاستمتاع بالأنشطة الترفيهية. لذا علينك أن تبين الاهتمام ولالتزام بالمشاركة في الأعمال المنزلية وبالتساوي وبتحمل مسؤوليات الأبوة والأمومة وغيرها من الأعمال غير المدفوعة الأجر. وهنا إليك بعض الاستراتيجيات لعمل ذلك: (ابدأ بمناقشة العائلة أو الأسرة، لتحديد احتياجات الرعاية والمسؤوليات المنزلية، انظر إلى نقاط القوة الخاصة بك عند تقاسم مسؤوليات تقديم الرعاية ومناقشتها، ضع الأنشطة المنزلية من خلال قائمة الأعمال المنزلية: مثل إعداد الطاولة إلى الطهي، وشجع الأطفال من الجنسين على المشاركة بشكل متساو في الأعمال المنزلية".


2.     مناهضة التحيز الجنسي والتحرش
تواجه النساء العديد من أنواع السلوكيات الجنسية التي تنم عن عدم الاحترام في الأماكن العامة والخاصة بشكل يومي، من أبرزها النكات الجنسية غير المناسبة، لا تكن متفرجاً، كن نشطاً وشارك في تعطيل هذه السلوكيات وتحدي أقرانك، من خلال نموذج السلوك اللائق فضلاً عن تحدى المفاهيم النمطية عن الجنس، مثل "على المرأة أن تعرف مكانها" و"توقف عن الانفعال"، بالحوار الهادي والمفتوح، للمزيد من النصائح حول إنهاء العنف ضد المرأة، تفضل بزيارة unpacktheeveryday.org

3.     المطالبة بثقافة العمل على قدم المساواة
تواجه النساء منظومة متكاملة من الممارسات التمييزية المتعلقة بمكان العمل، لابد من المطالبة ببيئة عمل يتوفر فيها التمثيل المتساوي للمرأة في القيادة وفي مجالس الإدارة، والمساواة في الأجر عن العمل والدورات التعليمية والتدريبية، غالباً ما تقدم النساء تضحيات مهنية كبيرة لأجل تكوين أسرة، الأمر الذي يترتب عليه آثار على رفاهتهن الاقتصادية والشخصية، ولتسوية هذا الملعب، هناك طريقة واحدة تتم من خلال الضغط لأجل سياسات موحدة للإجازة الوالدية، وتوفر هذه الإجازة المدفوعة الأجر لكلا الوالدين البيولوجي أو بالتبني، ومن المهم تشجيع الآباء على أخذ إجازة والدية للعب دورًا نشطًا في الرعاية، كما يمكن لبرامج إعادة الدمج في العمل مساعدة النساء على اللحاق بالتدريب الذي قد فاتهن أثناء الرعاية عندما يكون لديهن الاستعداد للانضمام مجدداً إلى القوى العاملة. إضافة إلى أن هناك طرق بسيطة لجعل الحياة المهنية أسهل للأمهات وذلك بتوفير غرف للرضاعة الطبيعية، وثلاجات لحليب الأم، وساعات عمل مرنة، وخدمات رعاية الأطفال ذات جودة وبأسعار معقولة في أماكن العمل أو بالقرب منها.


4.    ممارسة حقوقك السياسية
عالمياً لا يزال تمثيل المرأة ناقصاً في أعلى المناصب السياسية، لم تشغل النساء سوى (25 في المائة) من مقاعد البرلمانات الوطنية وهي تمثل أقل من (7 في المائة) من قادة العالم. والطريقة الأسهل والأكثر مباشرة لإحداث التغيير؟ بالمشاركة بالتصويت لصالح النساء، ومتابعة موسم الانتخابات، ونشر أخبار المرشحات الأقوياء، والمشاركة في العملية الانتخابية، فهذا أقل ما يمكن فعله، إلى جانب التبرع بوقتك أو نقودك، والانضمام إلى الحملات السياسية والقيام بتشجيع النساء اللواتي تعرفهن على الترشح للمناصب أو إطلاق حملتك الخاصة!
  
5.    تسوق بمسؤولية
يمكن أن يكون للتسوق تأثير حقيقي على البيئة، وبالتالي على حياة النساء والفتيات وهن يتأثرهن في جميع أنحاء العالم بشكل غير متناسب بآثار تغير المناخ وما يحدثه من كوارث إنسانية تؤدي إلى تفاقم التفاوتات القائمة بين الجنسين، مما يجعلهن عرضة لمعدلات أعلى من العنف وسوء التغذية وغير ذلك. لديك القدرة على تخفيف من هذه الآثار من خلال طرق بسيطة كـ"التقط منتجات صديقة للبيئة، قم بتسوق الملابس المستعملة، تجنب شراء المواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، قم بإعادة التدوير أو التبرع بملابسك والسلع الأخرى، شجع الآخرين على فعل الشيء نفسه".

6. مطالعة النتاجات الثقافية النسوية والأفلام وغير ذلك
تصفح الأدبيات المكتوبة والموجه من قبل النساء (وللنساء)، كذلك الأفلام والكتب والصحف والبودكاست والوسائط الشعبية الأخرى، فكل هذا تأثيرات دائمة على المفاهيم الثقافية للجنسين، وهي تقدم للنساء منصة قوية لتبادل قصصهن ووجهات نظرهن، ذلك على الرغم من إن صناعة الأفلام والنشر لا تزال ترزح تحت سيطرة الذكور وبشكل كبير، أما الروايات الشعبية فعادةً ما تصوِّر النساء على أنهن شخصيات أحادية البعد أو كائنات جنسية - أو يستبعدونها تمامًا.

7. علم الفتيات قيمتهن
تحمل الفتيات وقبل وصولهن إلى سن البلوغ في جميع أنحاء العالم معتقدات داخلية حول مكانتهن وقيمتهن ودورهن في المجتمع باعتبارهن معتمدات أو مستضعفات أو عاجزات، ويُطلب منهن التصرف وفقًا لذلك، مما يعزز القوالب النمطية الجنسانية عنهن ويمنعهن من تحقيق كامل إمكاناتهن. من الصعب التخلص من هذه المعتقدات، المهم معالجة تلك المعتقدات النمطية في وقت مبكر، وبالتالي عليك تذكّير الفتيات في حياتك بأنهن قويات وقادرات ويستحقن نفس الاحترام الذي يتمتع به الأولاد، تأكد من أنهن يعرفن بأنهن أكثر من مظهرهن: مدحهن لذكائهن وقوتهن وقيادتهن وألعابهن الرياضية وأكثر من ذلك بكثير. شجع الفتيات على التحدث والتأكيد على أنفسهن. قم بمواجهة الروايات واللغة التي لا تشجعهن على القيام بذلك: قل إنها "جريئة" وليست "متسلطة"، أظهر لهن أفكارهن المهمة عن طريق طرح آرائهن والاستماع إليهن عندما يتحدثن، وإذا كنت أحد الوالدين أو المعلم، فاستثمر في توفير الألعاب والكتب والأفلام المحايدة من حيث الجنس، أظهر للفتيات إمكانياتهن الكامنة واسمح لهن باللعب كما يحلو لهن، فليعلمن أنه لا توجد طريقة خاطئة أو صحيحة لتكون فتاة.

8. تحدي مفهوم الذكورة
"استرجل، الأولاد لا يبكون، الاولاد سيظلون اولاداً"، كلها عبارات تقليدية غالبًا ما تؤثر على ذكورة الأولاد والرجال في وقت لاحق، وعليه لابد من دعم تعبيرات الرجولة التي تنطوي على الحساسية والعناية وغيرها من الصفات غير التقليدية، قم بتهيئة بيئة يشعر فيها الأولاد والرجال بالأمان للتعبير عن مشاعرهم: دعهم يعرفون أن مشاعرهم صحيحة ومنحهم الفرصة للمشاركة، لا تسخر منهم أو ترفضهم، واستدعي الآخرين الذين يفعلون ذلك.

9. الالتزام بقضية
قم بالانضمام إلى حملة المساواة بين الجنسين التابعة للأمم المتحدة، من خلال المشاركة برسائلنا أو التبرع للمساهمة في كسر دائرة العنف، ومساعدة الناجين، والدفع إلى الاندماج الاقتصادي للنساء والفتيات وإلى حقوقهن المتساوية في كل مكان. وهذا عن طريق العمل الجماعي.

10. تحدي معايير الجمال السائدة
برغم اختلاف معايير الجمال من مكان إلى آخر، إلا أنها تعمل دائمًا على تعزيز رؤية ضيقة وغير واقعية للأنوثة. غالبًا ما يُتوقع من النساء تكريس وقت وطاقة ومال أكثر بكثير من نظرائهم من الرجال لأجل ذلك. هذا النوع من المعايير المزدوجة ينشر الشعور بأن أجساد النساء ليست حقا خاصاً بهن، وإنما هي أشياء مخصصة للاستهلاك العام، وهذا يتجلى في وضع غير واقعي وضرر عقلي وجسدي خطير، وفي السياق تقود صناعة الإعلان للمبيعات الترويجية هذه المثل العليا واستغلال عدم الأمان الذي ترعاه. يمكنك تحدي الوضع الإعلاني الحالي بدعم الشركات التي تعرض التنوع في إعلاناتها، وإعادة التفكير في معتقداتك حول "معنى أن تكوني جميلة". ابدأ في المرآة: لاحظ الطريقة التي تفكر بها وتتحدث عن مظهرك، وفي المرة القادمة التي تكتشف فيها نفسك حرجًا، حاول أن تقدم لنفسك مجاملة. تعامل مع جميع الهيئات على أنها بنفس القدر من الأهمية وتستحق الاحتفال - بغض النظر عن حجمها أو قدرتها أو لونها - واستدعي فضح الجسد عند رؤيته.

11. احترم اختيارات الآخرين
لكل إنسان الحق في اتخاذ القرارات المتعلق بجسده ورفاهيته والأسرة والمستقبل.عندما تجعلك خيارات شخص ما غير مريحة، اسأل نفسك عن السبب. افحص التحيزات التي تقود إلى رد فعلك والنظر في الظروف التي تجعل حياة الآخرين مختلفة عن حياتك، حاول  الاستماع إلى منطقهم، غالبًا ما يصعب تفهم خياراتهم لكن خذ على عاتقك أن تتعلم وتفكر في مواقف الآخرين، بمعنى ضع نفسك مكانهم. 

 لقراءة المزيد في التقرير أنظر الموقع الإلكتروني: