الثلاثاء، 7 أبريل 2020

الاقتصاد بين كماشة النفط والكورونا

منى عباس فضل
في غمرة الإنشغال بتداعيات انتشار "فايروس كورونا" المستجد القاتل، ضجّت الأوساط الاقتصادية والبحثية بالحديث عن اشتعال "حرب كسر عظم نفطية" وتداعياتها الصادمة على اقتصاديات المنطقة التي باتت تنذر بمخاطر وانهيارات متزامنة مع تأثيرات أزمة "الكورونا" ودخول الأقتصاد مرحلة الركود. تُرى ما حقيقة الوضع؟ هل هو كارثي حقاً؟ ما التوقعات والسيناريوهات؟


حرب الأسعار
أصل الحكاية حدثت في اجتماع فينّا الشهر الماضي بين السعودية وروسيا حين رفضت الأخيرة الموافقة على قرار منظمة "أوبك" بتخفيض الإنتاج بحوالي "1.5 مليون برميل يومياً" للمساعدة في رفع أسعاره التي تراجعت جراء تراجع الطلب من الصين والدول المستهلكة الأخرى، ما يعني خفض حصتها من الانتاج. إثر الموقف الروسي، اتخذت السعودية قراراً منذ أسابيع برفع مستوى إنتاجها اليومي إلى "13 مليون برميل" وعليه تهاوت الأسعار لتصل إلى "35 دولاراً للبرميل" الذي انعكس مباشرة على أسواق المال. يشير الخبراء الاقتصادين بأن تأثيراته هي الأسوأ مقارنة بالأزمة الاقتصادية منذ 2008، وبأن الخسائر كبيرة إثر التراجع الانحداري لأسعار النفط الذي جاء مصاحباً مع المخاوف من انتشار "كورونا" الأمر الذي جعل من يوم الاثنين قبل أسابيع أشبه "بالاثنين الأسود"، حيث بلغت الخسائر تبعاً لتقديرات "رويترز" أكثر من نصف مليار دولار كما أفقدت النفط أكثر من ثلث قيمته.

مع استمرار احتراب الأسعار، تعددت التوقعات بانخفاض سعر البرميل إلى "25 دولاراً" وربما إلى أقل من ذلك، بعد أن كان "70 دولاراً للبرميل" حتى تراجعه في مارس الماضي إلى "50 دولاراً للبرميل"، علماً بأن سعره سبق وتعرض للانهيار عام 2014 من "120 دولاراً للبرميل إلى 30 دولاراً"، ولذات الأسباب تقريباً وقتها قيل بأن بلدان الخليج خسرت مئات المليارات من الدولارات وتراجعت عوائدها النفطية. 

في السياق ثمة من لا يتوقع من الخبراء والمحللين أن يكون هناك "هدنة ما" لتسوية المعضلة القائمة، بل يرون بأن روسيا مصممة على رفض أي تخفيض للإنتاج والتراجع عن حصتها السوقية ولكونها تخوض حرباً، هنا يشير مفكر وخبير اقتصادي فرنسي يدعى "جاك سابير" بأن لروسيا هدفين؛ أولهما مفاقمة مصاعب شركات النفط الصخري الأمريكية وإنها -أي روسيا- على قناعة بأن انخفاض الأسعار سيؤدي إلى أضرار تحدق بهذه الشركات بل وإلى إفلاسها بسبب ارتفاع تكاليف استخراجه، وثانيهما؛ الرد على الاستهداف الأمريكي لروسيا في مشروع "السيل الشمالي 2"، والنشاط الاقتصادي لشركة "روسنفت النفطية الروسية العاملة في فنزويلا، إلا أنه وتبعاً لآراء أخرى فإن قطاع النفط الصخري اعتاد على تقلبات الأسعار وعلى الإغلاق ومن ثم إعادة العمل. 


الكورونا تحدد الطلب
من جانبة توقع الأكاديمي الاقتصادي عمر الشهابي بأن الإفراط في إنتاج النفط والفوضى الحالية ستؤثر على انهيار الأسعار مصحوباً بتقلبات كبيرة في السوق، خصوصاً وأن النفط سلعة عالية الاضطراب، مضيفاً احتمالاً آخر بأن يتوصل المنتجون فيما بينهم إلى اتفاقيات جديدة للتحكم في عملية الإنتاج، ذلك على الرغم من ارتفاع نسبة تذبذب الإنتاج مقارنة بتذبذب مستوى الطلب عليه كسلعة يتحدد بعوامل متعددة يعود أهمها؛ إلى انخفاض الطلب عليه كسلعة في قطاع النقليات، إذ من المتوقع الاعتماد أكثر فأكثر على السيارات الكهربائية إضافة إلى تأثير تداعيات "فايروس كورونا"، وقد سبق أن تنبأ "صندوق النقد الدولي" في تقرير له قبل أشهر بأن الدول الخليجية أو معظمها، قد تواجه الإفلاس في عام 2034 بسبب تراجع استهلاك النفط إلى حدوده الدنيا لجهة توقف إنتاج السيارات المعتمدة على النفط كلياً، واللجوء إلى مصادر بديلة للطاقة كالرياح والطاقة الشمسية والذرية والسيارات الكهربائية، ولكن ماذا عن روسيا والسعودية بل وبلدان الخليج؟

بالنسبة لروسيا تشير تقارير متعددة إلى قدرتها وإمكانياتها الاقتصادية على امتصاص أزمة الأسعار وذلك لامتلاكها احتياطات مالية قادرة على مواصلة النمو وهي تمثل أكثر من "80 مليار دولاراً" مقارنة بالاحتياطات السعودية، كما إنها راكمت "170 ملياراً من الدولارات في صندوق مخصّص لمواجهة مثل وضع كهذا، وإن عملتها "الروبل" قد تم تعويمها بالكامل وهي تتمتع بتنوع اقتصادها ولا تعتمد النفط وعوائده إلا بنسب محدودة مقارنة ببلدان الخليج التي تمثل عوائد النفط فيها ما لايقل عن "90%" من دخلها القومي، كما إنها تتوافر على اتفاقات طويلة الأجل أبرمتها شركات النفط الروسية مع السوق الصيني وبأسعار شبه ثابتة في المتوسط، إضافة إلى استفادتها من عقود الغاز الضخمة مع أوروبا، الأمر الذي يعزز من قدراتها على الصمود أكثر من الأطراف المقابلة، ومع ذلك فإن لمدير وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني "دميتري مارينتشينكو" رأي مختلف بأن موسكو لم تكن تتوقع انهيار أسعار النفط إلى "30 دولاراً للبرميل"، بل إن هذا شكل مفاجأة غير سارة لمن اتخذوا قرار الإنسحاب من صفقة "أوبك+" في الإدارة الروسية، بالمقابل يتحدث الخبراء عما تملكه السعودية لأكثر من "500 مليار دولار" احتياطي نقدي قد تلجأ إليه لسد المتوقع من العجوزات، بيد إن المسألة أعقد من ذلك كما سنرى لاحقاً.

وعلى الرغم من تحوط اقتصاديين من التسرع في إطلاق التحليلات واستعجال التوقعات، إلا إن التوقعات على  المستوى العالمي قد تشعبت بشأن تأثيرات "فايروس كورونا" المقرونة بإنهيار أسعار النفط، حيث يتوقع الخبراء توقف السلاسل التكنولوجية العالمية إذا ما استمر الحال، وربما يحدث عطلٌ فيها ما يعني توقف مئات المصانع في العالم، وفي هذا تهديد رئيسي للاقتصاد العالمي سينتج عنه انخفاض حاد في الانتاج، وخلل في توريد السلع وارتفاع في أسعارالسلع الاستهلاكية ما يتبعه من ارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ الاقتصاد العالمي والكساد ما يؤدي إلى "كارثة اقتصادية" ستتمثل في عجز سداد الديون العالمية، وهذا يمثل أسوأ السيناريوهات التشاؤمية. إلى هنا، نسأل بقلق؛ أين بلدان الخليج من هذا؟  


التأثيرات والتوقعات
في حقيقة الأمر من الصعوبة معرفة حدة التأثيرات واتساعها على المستوى الخليجي وبل انعكاساتها على المدى المتوسط والطويل، إلا إنه حتماً سيكون موجعاً إذا ما تمعنا في توصيف أحدهم إلى أن ما حدث بمثابة "مذبحة" للأسعار، وأضرار فوضى أسواق الطاقة وانخفاض أسعار النفط لهذه المستويات، سواءٌ لجهة البورصات التي تأثرت كثيراً مع تراجع الإنتاج بمعدلات كبيرة بسبب "فايروس كورونا" والأضرار ستشمل الجميع، وربما يعجل بموعد الإفلاس تبعاً لسيناريو المتشائمين، وقد تنزلق فيه دول المنطقة نحو أزمات مالية، صحيح أن بعضها يمتلك مصدات لمواجهة الوضع تتمثل في صناديق الثروات السيادية، كالكويت وقطر والامارات وهي تتوافر على احتياطات كبيرة، إلا إن الصحيح أيضاً إن بعضها سيكون في مهب الريح ومعرض لعجوزات أوسع في موازناتها ولأسباب معروفة كالبحرين وعمان.

 لم لا وأغلب بلدان الخليج تعتمد على النفط في نفقاتها، وهي أصلاً تعاني من ارتفاع الدين العام وعجوزات تنذر بزيادة الفجوة بين الإيرادات والنفقات، وفي المعطيات قفزت مستويات الدين الخليجي إلى نحو "501 مليار دولار مع نهاية الربع الثاني من عام 2019، مقابل "100 مليار دولار في عام 2014"، وتمثل البحرين الثالثة عربياً والأولى خليجياً في حجم الدين العام مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي للعام 2020 إذ بلغت الزيادة "100.19%" وتجاوز الدين حائط "13 مليار دينار"، يليها عمان (61%) وقطر (52%) والسعودية (23.7%) والإمارات (19%) والكويت بنسبة (17.78%)، فيما تتوقع الأوساط الاقتصادية تناقص الاستهلاك العالمي للنفط بحدود "750 ألف برميل يوميا"، وكل هذا وذاك سيضغط لاريب على الاقتصاد ويضاعف العجوزات في ميزانياتها وتتراجع معه معدلات التنمية، وقد يضطر أغلبها إلى اللجوء إلى الاحتياطيات المالية أو صناديق الأجيال القادمة واستنزافها، وفرض ضرائب لم يعتد عليها كأرباح الشركات ومداخيل المواطنين، وربما رفع أسعار الخدمات العامة أو إلغاء مجانيتها، وخفض كبير ونوعي في موازنات الإنفاق العام فضلاً عن تعزيز السياسات التقشفية الصارمة، أو اللجوء إلى الديون والاقتراض من صندوق النقد الدولي في ظل غياب مصادر بديلة للدخل، آخذين بعين الاعتبار تأثر أغلب القطاعات الاقتصادية من "فايروس كورونا" كالقطاعات السياحية والتجارية والخدمية ما سيؤدي إلى المزيد من هشاشة قوى العمل وانخفاض إنتاجيتها وتوقف بعض الأعمال، وهذا بدوره سيساهم في انكماش كبير في الاقتصاد ينتج عنه تسريح قطاعات عمالية في القطاع الخاص المتضخم بالعمالة الأجنبية وقد تتأثر الرواتب وترتفع مستويات البطالة، الأمر الذي يبشر بإنتهاء الدولة الريعية، ومظاهر الترف.

ففي السعودية وحدها يمثل قطاع الطاقة نحو "80%" من صادراتها وثلثي إيراداتها المالية، وهي تحتسب سعر برميل النفط في الموازنة العامة عند مستوى "65 إلى 75 دولاراً"، كما أعلنت موازنتها لعام 2020 بنحو "272 مليار دولار مقابل إيرادات متوقعة بقيمة "222 مليار دولار" أما البحرين فهي بحاجة إلى ما مقداره "91.8 دولاراً للبرميل" والكويت إلى سعر برميل عند "54.7 دولاراً" والإمارات إلى "70 دولاراً" وعمان "87.6 دولاراً"، وبالتالي إذا بقى سعر البرميل عند مستوى "35 دولاراً أو أقل منه حسب توقع الخبراء" ودون إحداث أي تعديلات على سياسة الإنفاق العام، فمن المتوقع أن تواجه اقتصاديات المنطقة المزيد من العجوزات كما سيتأثر صافي احتياطاتها الأجنبية على المدى المتوسط ما لم يكن هناك تنويع في مصادر التمويل، وقد سبق الإشارة إلى تحذيرات "صندوق النقد الدولي" لبلدان الخليج في اعتمادها على الإيرادات النفطية، ودعوته لها للقيام بإصلاحات جوهرية مع تراجع الطلب العالمي على النفط وانخفاض أسعاره، وأن لا خيار أمامها سوى تسريع الإصلاحات الاقتصادية.


في العموم، حتى وإن تريثنا في مناقشة التوقعات، فإن فوضى إنتاج النفط وخفض أسعاره في ظل تأثيرات الوباء الذي يجتاح العالم يعد بحد ذاته مغامرة لما يسببه من خسائر اقتصادية فادحة لا تتحملها اقتصاديات المنطقة الهشة، هناك شلل اقتصادي تعاني منه بعض دول العالم متأثرة بتقييد حركة النقل العالمية التي تمثل مصدراً رئيسياً للاستهلاك النفطي وتوقف شبه كامل لقطاع الطيران الذي خسر حوالي "120 مليار دولار" وربما أكثر منذ بداية الأزمة وإفلاس العديد من الشركات التي تعرضت لخسائر ضخمة بسبب ضعف أو توقف حركة السفر. الاقتصاد العالمي مأزوم ويواجه مخاطر الركود والكساد العالمي، واقتصاديات المنطقة جزء لا يتجزأ من هذا النظام الاقتصادي، وبالتالي لابد من مناقشة الأولويات وماهية السياسات التي تخفف من حدة تداعيات ما يجرى على الساحة العالمية وتأثيراتها.

منى عباس فضل
المنامة - 7 أبريل 2020


الثلاثاء، 10 مارس 2020

كيف قرأ تاريخ مدرسة الهداية؟

منى عباس فضل
بخبرته المتمرسة في التأليف التربوي والتنظير في كتابة التاريخ، يدرك المفكر التربوي "نخلة وهبة" تمام الإدارك السجال الذي ستمر به قراءته التحليلية التي بسطها في كتابه الجديد "الاهتداء إلى هواجس أهل "الهداية"، وهي كما يعرض غلاف الكتاب قراءة مختلفة لتاريخ السنوات العشر الأولى من عمر مدرسة "الهداية الخليفية".

ترى ما الاختلاف الذي يتصدر هذه القراءة عما سبقها من قراءات ومؤلفات تناولت بدايات التعليم النظامي في البحرين؟ وهل الاختلاف الذي يعنيه أو "الفرضية" التي ساقها في قراءة مناحي حدث نشأة مدرسة الهداية من الواقعية والموضوعية التي ترتكز بقوة على وقائع مادية؟ أم إنها إعادة سرد مكثف بمنهجية مختلفة عن الحالة السردية التقليدية لذات الوقائع التي تناولتها المؤلفات السابقة؟ وهي الآن -أي قراءة المؤلف- تحتكم إلى فرضيات تأويلية غاصت في العمق وحلقت بعيداً في تفسير ماهية الحدث وحمّلته في بعض المفاصل والجوانب بأكثر مما يحتمل وربما نقول ربما، بما يلبي ويطوع مسار بعض وقائع تاريخ "التعليم النظامي" وتحليلها بمنحى أحادي اعتدنا عليه في تضخيم جوانب محددة وإلغاء عناصر مهمة ساهمت بشكل عميق في صناعة هذا الحدث أو ذاك؟

إعرف نفسك
حين نقرأ الكتاب نستحضر ما تعلمناه في كتاب "أحفاد بلا جدود" للمؤلف نخلة، بأن لا يغيب عن البال تعرض حقائق التاريخ إلى عمليات التحريف والاجتزاء والانتقاء والطمس والإبعاد والإبراز، وإن على الباحث في التاريخ في أول خطوات معرفة الذات التي بشر بها فلاسفة اليونان الأقدمون ونقشوها على عتبة الأكروبول في أثينا "إعرف نفسك"، هي قبول التاريخ كما هو وليس تركيب التاريخ على مقاس مزاج كل واحد أو كل مجموعة؟  

بداية لابد من الإشارة إلى إن مؤلف الكتاب اعتمد بشكل كبير على ثلاثة مصادر أساسية في تناول الحدث وهي كتاب "الهداية الخليفية: رجال وآفاق" لعبد الحميد المحادين و"رجال في جزيرة اللؤلؤ" لخالد البسام و"لمحات من ماضي البحرين" لخليل المريخي مضاف إليهم كتابي مهدي التاجر ومحمد الرميحي وبعض الوثائق البريطانية التي قام بترجمة بعضها وتفسير دلالالتها.

من المهم التنويه إلى تحذيراته التي ساقها في المقدمة وهي المتعلقة بصعوبة الحصول على وصف كامل وناجز للحدث الماضي كما ذكر: "نادراً ما تسمح البئيات والوثائق بالكشف عن جميع أسرار الحدث الذي غار في أعماق الزمن، ولعل في التكتم الذي مارسه ومازال يمارسه الماضي على مكنوناته، في محاولة لمنع تسربها إلى أهل الحاضر"، هنا يجوز السؤال عما إذا كان في ذلك إيحاء ما بوجود ما هو "سري ومخفي وله علاقة بنشأة هذه المدرسة" في تلك المرحلة بالذات وهي التي تميزت باضطربات سياسية بطابع طائفي في ظل سلطة احتلال استعماري وبلد فاقد للسيادة الوطنية، حيث اختلفت التحليلات والمنطلقات والمصالح حول تلك الحقبة وتدوين أحداثها التاريخية، بيد إننا لم نجد غير فرضية المؤلف وحسب فهمنا المتواضع التي التقت بأغلب ما ذهبت إليه مؤلفات سابقة، من إن وراء فكرة نشأة "مدرسة الهداية الخليفية" "..ظروف موضوعية أحاطت بها كما سائر المؤسسات الأهلية التي قامت في الربع الأول من القرن العشرين، وإنها جاءت استجابة لحاجات أهلية واعية وإرهاصات قومية شعبية، وبعضاً من هاجس الولاء للأمة والانتماء للعروبة والإسلام والشعور بثقل حركة التبشير المسيحي التي كانت توفر الخدمات العامة ومنها التعليم".

في السياق يشير نخلة إلى أن "مجموعة من الأفراد المستنيرين لاحظوا ضموراً واضحاً من الهواجس القومية، وتقلصاً ملموساً في الالتزام الفكري عند شريحة الشباب الجديد؛ فتهيأ لها أن الوعي السياسي والفكر الملتزم معرضان للاندثار أو للابتلاع من قبل إيديولوجيا المدنية والتغرّب..كما إن العقد الذي سبق إنشاء مدرسة الهداية لم يتصف بالتسامح الفكري، ولم يوفر الفرص للتثقيف السياسي والتنشئة القومية على مستوى جماعي وممأسس..لقد قلق الآباء الوطنيون على انتماء أبنائهم وولائهم، بعد أن غزرت خدمات الأجانب وعظمت شدة إغراءات كل ما هو مستورد من الغرب، وأخذ ذلك القلق يتحول تدريجيا إلى تفكير جدي بإيجاد الحل المناسب للمعضلة المستجدة" كما يفترض المؤلف، أن الضغط السياسي المتمثل بممارسة رقابة متشددة على مختلف أنواع النشاطات السياسية والفعاليات الثقافية التي يمكن أن تنشر فكراً اجتماعياً متبصراً وناقداً، قد دفع المواطنين الملتزمين بالقضايا المحلية والإقليمية الساخنة إلى البحث عن أداة لتكوين نخبة وطنية من الشباب الصاعد لمتابعة المسيرة "السياسية" من دون المجازفة بخطر الاحتكاك المباشر والعلني بالسلطة المهيمنة آنذاك. لذلك وجد هؤلاء المواطنون "أن المدرسة" كمؤسسة تربوية يمكن أن تلعب هذا الدور الريادي، في هذا الصدد وحسب فرضيته فإن أعضاء اللجنة التربوية التي شكلت لتأسيس المدرسة كانت لبعضهم مواقف معلنة ومتكررة في مناوأة الحكم الأجنبي، وإن لبعضهم هوية وميول سياسية قومية "أنظر صفحة 27"، ولهذا قاموا باختيار مدراء ومعلمين معروفين بمواقفهم القومية المناوئة للاستعمار لإدارة المدرسة إضافة لفرضيته بأن قيام المدرسة كان "كمخرج ذكي لمتابعة العمل السياسي ضد الاستعمار..ص28"، وعليه يحق السؤال، هل يتحمل واقع نشأة هذه المدرسة بالذات كل ثقل هذا التحليل والتأويل؟.

افترض المؤلف أيضا أن لدى المؤسسين إطلاعاً على الفكر المقاوم في مصر وبلاد الشام عبر المجلات والكتب حيث شكل ذلك الحجة الأقوى لتفعيل الدور التعليمي التشريبي للمؤسسة الناشئة...إلخ، ذلك على الرغم من استداركه في نفس الصفحة قائلاً: "لابد من أن نحتاط ونتهيأ للمأزق شبه المحتوم الذي سوف يداهمنا فيما لو تابعنا قراءتنا لتاريخ التعليم انطلاقا من الفرضية التي تقول بأن أول مدرسة أُنشأت في البحرين كانت نمطاً آمناً للنشاط السياسي الذي أراد المؤسسون تنفيذه، تقودنا فيما لو صحت، إلى التنبيه إلى إمكانية الخلط بين الممارسة السياسية والممارسة التربوية عند مؤرخي التعليم البحريني".

مدير أم عميل؟
هنا حتماً ستتعرض هذه الفرضية للسجال والمداولة لأمرين هامين؛ يتعلق أولهما؛ بطبيعة الوقائع التاريخية السياسية في نفس الفترة التي تأسست فيها المدرسة ومارست نشاطها وما سجلته حيث لم يرتبط ذكر تأسيسها بأي نشاط سياسي واضح المعالم أو حتى ممارسة دعوية لأصحابها في الشأن السياسي المقاوم للاستعمار؛ اللهم إلا إشارة  خالد البسام في كتابه "رجال في جزائر اللؤلؤ ص36" حين تناول سيرة أول مدير للمدرسة "حافظ وهبة" قائلا: "..وجد نفسه يستطلع نشاط الحركة السياسية فيها والنشطة آنذاك بسبب التدخل البريطاني في شئون البلاد وازدياد الحركة الشعبية المعارضة لهذا التدخل بقيادة عبدالوهاب الزياني وغيره. كما رأى نفسه يتفاعل مع بداية الحركة الثقافية وتأسيس النادى الأدبي، علاوة على مشاركته الفعالة في الحركة التعليمية والتي يقود عمودها الفقري "المدرسة" بنفسه فراح يشارك البحرينيين تذمرهم ومعارضتهم للوجود البريطاني المتسلط على بلادهم، ويحضر مؤتمراتهم واجتماعاتهم، ويعقد صداقات مع زعمائهم..إلخ"، ورغم إشارة نخلة وهبة المبطنة بين السطور بشكوك عمالة هذا المدير للإنجليز وإنه لم يترك أثراً يذكر في مجال مهنة التربية والتعليم.

التعليم بمبادرات أهلية
أما الأمر الثاني فيتعلق بفرضية أن تأسيس المدرسة وضع اللبنات الأولى للعملية التعليمية التربوية النظامية في البحرين، بيد إن وقائع التاريخ ومصادره تفيد بإن التعليم بدأ في البحرين بمبادرات أهلية وتحديداً من الطبقة الميسورة التي خصصت منازلها وإمكانياتها المادية والتي أخذ أغلبها طابعاً دينيا في البداية ومتأثراً بالرحلات التجارية التي يقوم بها أصحابها إلى بلاد الهند وما حولها، ومنها، ومن تلك المدارس: "مدرسة الإصلاح المباركية" بفريق الفاضل بالمنامة وقد تأسست عام 1913، وكان وراء تأسيسها مجموعة من التجار الإيرانيين المقيمين في البحرين حيث وضع لها نظام خاص ومناهج تتمشى بما هو معمول به في إيران، وفي كتاب "لعبد الملك الحمر" تشير المصادر إلى إن تأسيسها كان في عام 1910 وقد أطلق عليها "مدرسة الاتحاد" ثم استقرت في مقرها الأخير بفريق الحمام بالمنامة وتغير أسمها إلى "اتحادية إيرانيان والإصلاح" في عام 1923 وتغير اسمها إلى مدرسة "الجمهورية الإسلامية في البحرين" حيث أغلقت عام 1996، للمزيد "أنظر كتاب التعليم النظامي في البحرين لمنصور محمد سرحان، وهناك المدرسة الجعفرية بالمنامة والمدرسة العلوية في البلاد القديم حيث كان لكل منهما مجلس إدارة خاص بهما أيضاً مكون من بعض التجار والأعيان وغيرها، أما عبدالحميد المحادين فذكر في مقدمة كتابه "الهداية الخليفية: رجال وآفاق" "..بأنه وقبل 1919، وعلى امتداد عشرات السنين بل ومئاتها، كان هناك تعليم في البحرين، وهو في حقيقته امتداد لأنماط وفعاليات التعليم في العالم العربي، مع اختلافات طفيفة ظهرت بفعل خصوصية الظروف والبيئة. ومن مدارسه الشائعة مدرسة عبدالوهاب الطبطبائي الكويتي بالمحرق والتي كانت سابقة على مدرسة الهداية وأخرى تحت إشراف علي السيد إبراهيم الرستاقي، كما يشير إلى أن التعليم لم يقتصر على مدارس الحكومة، فقد رافق التعليم النظامي الرسمي تعليم مواز، تقوم به مدارس أهلية، وصل عددها إلى أكثر من عشر مدارس، وكانت مناهجها توافق مناهج مدارس الحكومة وشهادات بعضها النهائية تعادل شهادة إتمام الدراسة الابتدائية آنذاك، وكانت مدارس الحكومة تقبل المحولين إليها من المدارس الأهلية بعد اجراء فحص مستوى لهم. ص29، ومنها المدرسة الأهلية التي أسسها إبراهيم العريض في المنامة، ومدرسة الإصلاح الأهلية التي أسسها عبدالرحمن المعاودة في المحرق 1938، ومدرسة الفلاح التي أسسها محمد علي زينل عام 1928، ومدرسة العجم ومدرسة الاتحاد التي سبق الإشارة إليهما، ومدرسة دار العلم التي أسسسها عبداللطيف سعد الشملان"، وبالتالي فإن بدايات التعليم في البحرين عكس واقع المبادرات الأهلية في تشكله حتى بدأ بروز معالم تكوّن مؤسسات الدولة وتشكلها وبالتالي لا يمكن حصره وتنسيبه إلى جهود فردية محددة فقط، خصوصاً وإن طابع التعليم في بداية نشأة مدرسة الهداية لم يكن يختلف في شكله التقليدي الديني التلقيني عن بقية المدارس الأهلية.     

وفي إطار مناقشة المؤلف حول طبيعة مرتادي المدرسة من الطلاب منذ بداية تأسيسها، تجدر الإشارة إلى ما أورده  فؤاد اسحاق الخوري في كتابه "القبيلة والدولة في البحرين: تطور نظام السلطة وممارستها صفحة 181" إلى أن التجار المدينيين من السنة والشيعة لم يرسلوا أولادهم إلى مدرسة الهداية الخليفية إلا في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي عندما بدأت شركات النفط، التي تتكلم الإنجليزية، وتتدفق على منطقة الخليج والجزيرة العربية. وإنه وبعد تأسيس مدرسة الهداية التي قصدها الطلاب وأكثريتهم من سنة سكان مدينة المحرق، أسس شيعة المنامة عام 1929 المدرسة الجعفرية.."، وهنا نتوقف لطرح سؤال آخر عن مدى تأثير الواقع السياسي الطائفي آنذاك على تأسيس مؤسسات تعليمية في جوهرها ومضمونها تستند على مظلة طائفية؟ ويستكمل الخوري: "..وفي السنوات اللاحقة دعمت الحكومة المدرستين معاً بالأموال العامة، وأشرفت على إدارة كل مدرسة لجنة من التجار الأغنياء الذين تطوعوا للقيام بهذا العمل. وأثار هذا التقسيم الطائفي في التعليم اعتراضات عديدة، مما جعل الحكومة تقرر في سنة 1932-1933 فتح مدرستين أمام الجميع بصرف النظر عن انتماءاتهم الطائفية، وسميت، بعد ذلك القرار، مدرسة الهداية "مدرسة المحرق الابتدائية" كما سميت المدرسة الجعفرية "مدرسة المنامة الابتدائية" كما تأسست بين عامي 1934-1936 ثلاث مدراس عامة جديدة في سوق الخميس والبديع والحد، وتأسست في ذلك الوقت أيضاً دائرة التربية (المعارف).

الخلاصة، يشير نخلة، إلى إن الانطباع الذي تولد لديه من كتابات من قام بتأريخ التربية العصرية في البحرين، لم تتعامل مع الرجال المؤسسين للمدرسة، من منطلق مواقفهم وسلوكهم السياسي، ذلك على الرغم مما ذكره في المقدمة بأنه سيتعامل مع الرجال المؤسسين من منطلقات تربوية بحته، بغض النظر عن الماضي أو الحاضر السياسي لكل منهم، إلا أن تحليله وفرضيته لفكرة تأسيس المدرسة استمر كما شعرنا من منطلق كون المدرسة وليدة وعى فكري وموقف سياسي وطني وقومي، حيث ميّزها عن المدراس الأهلية الأخرى من حيث بنية التعليم سواء في "طابعه الديني أو التبشري" ذلك برغم إشارته وبالوقائع من استمرار مدرسة الهداية وعلى مدى سنوات في تقديم تعليم أشبه بتعليم الكتاتيب، مضيفاُ وللتاريخ كما أكد الخوري أيضا بأنها أسست لتحويل التعليم من سلعة تُشترى إلى خدمة تقدم مجاناً من الدولة.

إلى هنا، الكتاب جهد نوعي يستحق الاطلاع عليه، وهو يشكل تحدياً للباحث الملتزم عن الحقيقة، كما يثبت لنا أنه لا يمكن تحليل وقائع التاريخ وتحجيم أحداثه بمعايير محددة وبمعزل عن حراك المجتمعات في إطار بنيتها الديمغرافية المتعددة التي شهدنا تأثيراتها على نشأة المؤسسات التعليمية عامة، وليس بمعزل عما يدور فيها من صراع في الأفكار والإيديولوجيات؛ لهذا لا يمكن فرض نص وحيد للحقائق، لاسيما في مجتمعات قائمة على التنوع والتعدد.

منى عباس فضل
المنامة - 11 مارس 2020


الجمعة، 6 مارس 2020

حركات صغيرة لها تأثير كبير على جيل المساواة


بمناسبة يوم المرأة العالمي (8 مارس) الذي جاء هذا العام بشعار "أنا جيل المساواة: إعمال حقوق النساء"، نشر موقع الأمم المتحدة تقريرٌ يتضمن عدة عناصر أطلق عليها "حركات صغيرة لها تأثير كبير على جيل المساواة". قمنا بترجمته وتلخيص بعض أبرز ما ورد فيه وبتصريف يتناسب والسياق العام لمشاركتنا في "حملة المساواة، وبمناسبة الاحتفال بيوم المرأة العالمي 8 مارس".

التقرير يشير إلى إن حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين تحتل مركز الصدارة في عام 2020، وهو عام العمل على سد الفجوات القائمة من خلال العمل على تحقيق إجراءات جريئة وحاسمة، منوهاً إلى إن حملة أجيال المساواة بين الناس من كل جنس وعمر وعرق ودين ودولة، جاءت للدفع باتجاه عالم المساواة بين الجنسين الذي نستحقه جميعاً، مؤكداً بأنه عام لإنهاء العنف القائم على النوع الاجتماعي، والدعوة إلى العدالة الاقتصادية والحقوق للجميع، والاستقلالية الجسدية والصحة الجنسية والإنجابية والحقوق، والعمل النسوي من أجل العدالة المناخية، والتكنولوجيا والابتكار لتحقيق القيادة النسوية والمساواة بين الجنسين، ودعا محفزاً "لنكن جزءاً من الحركة العالمية". #GenerationEquality

في السياق يشير التقرير إلى أن المساواة تعني العيش في عالماً يتمتع فيه الجميع بحقوق وفرص متساوية، وأن لا تخشى فيه النساء والفتيات من السير إلى منازلهن في وقت متأخر من الليل، ولا يتم فيه حبس الرجال والفتيان في ظلمات قمعية، وإن المساواة بين الجنسين هي القاعدة التي يتقاضى فيها الرجل والمرأة بنفس القدر من العمل المتساوي القيمة ويتقاسمان أعمال الرعاية في المنزل. عالم تسوده المساواة في القيادة السياسية في قاعات مجالس إدارة الشركات وأرضيات المصانع، ويكون فيه للنساء صوت متساو في القرارات التي تؤثر على حياتهن وأجسادهن وسياساتهن وبيئتهن من القرى إلى المدن، قد يكون هذا العالم، عالم متخيل؛ المهم أن نجعل منه حقيقة واقعة، بالانضمام إلى حملة الأمم المتحدة "أنا جيل المساواة: إعمال حقوق النسا" وذلك من أجل تسريع إجراءات المساواة بين الجنسين والاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين لإعلان ومنهاج عمل بيجين، فهو البرنامج الأكثر رؤية لحقوق المرأة وتمكينها في كل مكان.


بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لاعتماد منهاج عمل بيجين ستكون "المساواة بين الجنسين: حقوق المرأة" قيد الاستعراض، وهي المرة الأولى التي يراجع فيها التقدم المحرز في تنفيذ المنهاج في ضوء خطة التنمية المستدامة لعام 2030، كما سيتم الإبلاغ عن الفجوات والتحديات المتعلقة بالنهوض بالمساواة بين الجنسين وحقوق المرأة، وذلك من خلال ستة محاور هي: "التنمية الشاملة والازدهار المشترك والعمل اللائق"، "القضاء على الفقر والحماية الاجتماعية والخدمات الاجتماعية"، "التحرر من العنف والوصم والقوالب النمطية"، "المشاركة والمساءلة والمؤسسات المستجيبة للنوع الاجتماعي"، "مجتمعات سلمية وشاملة"، "الحفاظ على البيئة، والعمل المناخي، وبناء المرونة". كما يدعو التقرير إلى أربعة محفزات لإحداث عملية التغيير: "الأول: دعم الحركات النسائية والقيادية، الثاني: تسخير التكنولوجيا لتحقيق المساواة بين الجنسين، الثالث: التأكد من إشراك الجميع وعدم ترك أي شخص في الخلف، الرابع: تطابق الالتزامات مع الموارد". منوهاً إلى إن هذا يتطلب "حملة منسقة" لتوسيع وتعميق السياسات والبرامج التي تسرع في تنفيذ منهاج العمل لهذا الجيل وما يليه.


يذكرنا التقرير بإنها إجراءات صغير لكن تأثيرها كبير: لماذا؟ لأن التغيير يجب أن يحدث عبر النشاط الجماعي وهو لا يقتصر على لحظات رئيسية كبيرة فقط، إنما إلى الديمومة، فالانتصارات القانونية والاتفاقيات الدولية وهي الطريقة التي نتحدث بها ونفكر ونتصرف بها كل يوم هي التي يمكنها أن تخلق تأثير يستفيد منه الجميع، وعليه لنكن مع الحملة العالمية بصفتنا جيل المساواة، ويمكن أن تتحقق المساواة بين الجنسين خلال الإجراءات اليومية البسيطة في حياتنا التي نلخصها في التالي:  


 1.     شارك الرعاية
تلتزم النساء بثلاثة أضعاف الرعاية غير المدفوعة والعمل المنزلي أكثر من الرجال، لقد استهلكن هذا الوقت والطاقة لدفعهن إلى التقدم في مهنهن، وكسب المزيد من المال والاستمتاع بالأنشطة الترفيهية. لذا علينك أن تبين الاهتمام ولالتزام بالمشاركة في الأعمال المنزلية وبالتساوي وبتحمل مسؤوليات الأبوة والأمومة وغيرها من الأعمال غير المدفوعة الأجر. وهنا إليك بعض الاستراتيجيات لعمل ذلك: (ابدأ بمناقشة العائلة أو الأسرة، لتحديد احتياجات الرعاية والمسؤوليات المنزلية، انظر إلى نقاط القوة الخاصة بك عند تقاسم مسؤوليات تقديم الرعاية ومناقشتها، ضع الأنشطة المنزلية من خلال قائمة الأعمال المنزلية: مثل إعداد الطاولة إلى الطهي، وشجع الأطفال من الجنسين على المشاركة بشكل متساو في الأعمال المنزلية".


2.     مناهضة التحيز الجنسي والتحرش
تواجه النساء العديد من أنواع السلوكيات الجنسية التي تنم عن عدم الاحترام في الأماكن العامة والخاصة بشكل يومي، من أبرزها النكات الجنسية غير المناسبة، لا تكن متفرجاً، كن نشطاً وشارك في تعطيل هذه السلوكيات وتحدي أقرانك، من خلال نموذج السلوك اللائق فضلاً عن تحدى المفاهيم النمطية عن الجنس، مثل "على المرأة أن تعرف مكانها" و"توقف عن الانفعال"، بالحوار الهادي والمفتوح، للمزيد من النصائح حول إنهاء العنف ضد المرأة، تفضل بزيارة unpacktheeveryday.org

3.     المطالبة بثقافة العمل على قدم المساواة
تواجه النساء منظومة متكاملة من الممارسات التمييزية المتعلقة بمكان العمل، لابد من المطالبة ببيئة عمل يتوفر فيها التمثيل المتساوي للمرأة في القيادة وفي مجالس الإدارة، والمساواة في الأجر عن العمل والدورات التعليمية والتدريبية، غالباً ما تقدم النساء تضحيات مهنية كبيرة لأجل تكوين أسرة، الأمر الذي يترتب عليه آثار على رفاهتهن الاقتصادية والشخصية، ولتسوية هذا الملعب، هناك طريقة واحدة تتم من خلال الضغط لأجل سياسات موحدة للإجازة الوالدية، وتوفر هذه الإجازة المدفوعة الأجر لكلا الوالدين البيولوجي أو بالتبني، ومن المهم تشجيع الآباء على أخذ إجازة والدية للعب دورًا نشطًا في الرعاية، كما يمكن لبرامج إعادة الدمج في العمل مساعدة النساء على اللحاق بالتدريب الذي قد فاتهن أثناء الرعاية عندما يكون لديهن الاستعداد للانضمام مجدداً إلى القوى العاملة. إضافة إلى أن هناك طرق بسيطة لجعل الحياة المهنية أسهل للأمهات وذلك بتوفير غرف للرضاعة الطبيعية، وثلاجات لحليب الأم، وساعات عمل مرنة، وخدمات رعاية الأطفال ذات جودة وبأسعار معقولة في أماكن العمل أو بالقرب منها.


4.    ممارسة حقوقك السياسية
عالمياً لا يزال تمثيل المرأة ناقصاً في أعلى المناصب السياسية، لم تشغل النساء سوى (25 في المائة) من مقاعد البرلمانات الوطنية وهي تمثل أقل من (7 في المائة) من قادة العالم. والطريقة الأسهل والأكثر مباشرة لإحداث التغيير؟ بالمشاركة بالتصويت لصالح النساء، ومتابعة موسم الانتخابات، ونشر أخبار المرشحات الأقوياء، والمشاركة في العملية الانتخابية، فهذا أقل ما يمكن فعله، إلى جانب التبرع بوقتك أو نقودك، والانضمام إلى الحملات السياسية والقيام بتشجيع النساء اللواتي تعرفهن على الترشح للمناصب أو إطلاق حملتك الخاصة!
  
5.    تسوق بمسؤولية
يمكن أن يكون للتسوق تأثير حقيقي على البيئة، وبالتالي على حياة النساء والفتيات وهن يتأثرهن في جميع أنحاء العالم بشكل غير متناسب بآثار تغير المناخ وما يحدثه من كوارث إنسانية تؤدي إلى تفاقم التفاوتات القائمة بين الجنسين، مما يجعلهن عرضة لمعدلات أعلى من العنف وسوء التغذية وغير ذلك. لديك القدرة على تخفيف من هذه الآثار من خلال طرق بسيطة كـ"التقط منتجات صديقة للبيئة، قم بتسوق الملابس المستعملة، تجنب شراء المواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، قم بإعادة التدوير أو التبرع بملابسك والسلع الأخرى، شجع الآخرين على فعل الشيء نفسه".

6. مطالعة النتاجات الثقافية النسوية والأفلام وغير ذلك
تصفح الأدبيات المكتوبة والموجه من قبل النساء (وللنساء)، كذلك الأفلام والكتب والصحف والبودكاست والوسائط الشعبية الأخرى، فكل هذا تأثيرات دائمة على المفاهيم الثقافية للجنسين، وهي تقدم للنساء منصة قوية لتبادل قصصهن ووجهات نظرهن، ذلك على الرغم من إن صناعة الأفلام والنشر لا تزال ترزح تحت سيطرة الذكور وبشكل كبير، أما الروايات الشعبية فعادةً ما تصوِّر النساء على أنهن شخصيات أحادية البعد أو كائنات جنسية - أو يستبعدونها تمامًا.

7. علم الفتيات قيمتهن
تحمل الفتيات وقبل وصولهن إلى سن البلوغ في جميع أنحاء العالم معتقدات داخلية حول مكانتهن وقيمتهن ودورهن في المجتمع باعتبارهن معتمدات أو مستضعفات أو عاجزات، ويُطلب منهن التصرف وفقًا لذلك، مما يعزز القوالب النمطية الجنسانية عنهن ويمنعهن من تحقيق كامل إمكاناتهن. من الصعب التخلص من هذه المعتقدات، المهم معالجة تلك المعتقدات النمطية في وقت مبكر، وبالتالي عليك تذكّير الفتيات في حياتك بأنهن قويات وقادرات ويستحقن نفس الاحترام الذي يتمتع به الأولاد، تأكد من أنهن يعرفن بأنهن أكثر من مظهرهن: مدحهن لذكائهن وقوتهن وقيادتهن وألعابهن الرياضية وأكثر من ذلك بكثير. شجع الفتيات على التحدث والتأكيد على أنفسهن. قم بمواجهة الروايات واللغة التي لا تشجعهن على القيام بذلك: قل إنها "جريئة" وليست "متسلطة"، أظهر لهن أفكارهن المهمة عن طريق طرح آرائهن والاستماع إليهن عندما يتحدثن، وإذا كنت أحد الوالدين أو المعلم، فاستثمر في توفير الألعاب والكتب والأفلام المحايدة من حيث الجنس، أظهر للفتيات إمكانياتهن الكامنة واسمح لهن باللعب كما يحلو لهن، فليعلمن أنه لا توجد طريقة خاطئة أو صحيحة لتكون فتاة.

8. تحدي مفهوم الذكورة
"استرجل، الأولاد لا يبكون، الاولاد سيظلون اولاداً"، كلها عبارات تقليدية غالبًا ما تؤثر على ذكورة الأولاد والرجال في وقت لاحق، وعليه لابد من دعم تعبيرات الرجولة التي تنطوي على الحساسية والعناية وغيرها من الصفات غير التقليدية، قم بتهيئة بيئة يشعر فيها الأولاد والرجال بالأمان للتعبير عن مشاعرهم: دعهم يعرفون أن مشاعرهم صحيحة ومنحهم الفرصة للمشاركة، لا تسخر منهم أو ترفضهم، واستدعي الآخرين الذين يفعلون ذلك.

9. الالتزام بقضية
قم بالانضمام إلى حملة المساواة بين الجنسين التابعة للأمم المتحدة، من خلال المشاركة برسائلنا أو التبرع للمساهمة في كسر دائرة العنف، ومساعدة الناجين، والدفع إلى الاندماج الاقتصادي للنساء والفتيات وإلى حقوقهن المتساوية في كل مكان. وهذا عن طريق العمل الجماعي.

10. تحدي معايير الجمال السائدة
برغم اختلاف معايير الجمال من مكان إلى آخر، إلا أنها تعمل دائمًا على تعزيز رؤية ضيقة وغير واقعية للأنوثة. غالبًا ما يُتوقع من النساء تكريس وقت وطاقة ومال أكثر بكثير من نظرائهم من الرجال لأجل ذلك. هذا النوع من المعايير المزدوجة ينشر الشعور بأن أجساد النساء ليست حقا خاصاً بهن، وإنما هي أشياء مخصصة للاستهلاك العام، وهذا يتجلى في وضع غير واقعي وضرر عقلي وجسدي خطير، وفي السياق تقود صناعة الإعلان للمبيعات الترويجية هذه المثل العليا واستغلال عدم الأمان الذي ترعاه. يمكنك تحدي الوضع الإعلاني الحالي بدعم الشركات التي تعرض التنوع في إعلاناتها، وإعادة التفكير في معتقداتك حول "معنى أن تكوني جميلة". ابدأ في المرآة: لاحظ الطريقة التي تفكر بها وتتحدث عن مظهرك، وفي المرة القادمة التي تكتشف فيها نفسك حرجًا، حاول أن تقدم لنفسك مجاملة. تعامل مع جميع الهيئات على أنها بنفس القدر من الأهمية وتستحق الاحتفال - بغض النظر عن حجمها أو قدرتها أو لونها - واستدعي فضح الجسد عند رؤيته.

11. احترم اختيارات الآخرين
لكل إنسان الحق في اتخاذ القرارات المتعلق بجسده ورفاهيته والأسرة والمستقبل.عندما تجعلك خيارات شخص ما غير مريحة، اسأل نفسك عن السبب. افحص التحيزات التي تقود إلى رد فعلك والنظر في الظروف التي تجعل حياة الآخرين مختلفة عن حياتك، حاول  الاستماع إلى منطقهم، غالبًا ما يصعب تفهم خياراتهم لكن خذ على عاتقك أن تتعلم وتفكر في مواقف الآخرين، بمعنى ضع نفسك مكانهم. 

 لقراءة المزيد في التقرير أنظر الموقع الإلكتروني:

الثلاثاء، 25 فبراير 2020

بعد أن فَعَل التآكل فعله

منى عباس فضل
في روايته "حنين إلى نكهة الصبا" يوظف الطاهر بنجلّون تقنيات الكتابة السردية في نصه ملامساً في العمق هاجساً حساساً قلما تم التدوال في تفاصيله المؤلمة والصادمة عند النظر إلى مرض السرطان وكيفية التعامل معه ومع عمليات استئصال الأعضاء والخضوع للعلاج الإشعاعي والجراحات التجميلية، الأهم مع اجراءات الوقاية ومراحل العلاج الدقيقة المملة والمخيفة في عواقبها وتداعياتها.

ثمة هواجس يعيد بنجلّون تشكيل صورها في بنية النص؛ فيعمل فيها مشرطه الحاد كاشفاً عن تجلياتها ودلالتها، كهواجس الكرامة والكبرياء والخوف والشيخوخة والعجز وفقدان القدرة الجنسية وحالة اللاتزان النفسي التي يمر بها المرء بعد الخمسين لاسيما مع ظروف الأمراض والعجز؛ فكلمة "عاجز" كما يقول عنيفة وقوية ودراماتيكية..لا يعنى الهرم التقدم في العمر فقط، لكنه يتضمن على الأخص أنّ زمن الهزيمة قد حلّ..أجل يومئذِ، هرمتُ".

تتحرك أبعاد الرواية بمرتكزاتها بين زمنين متنازعين؛ زمن الأستاذ الجامعي في الرياضيات الذي توفيت زوجته كاثرين بعد إصابتها بسرطان الثدي، الزمن الذي كان فيه شاباً يتمتع بالصحة في عالمه الصاخب بالنساء والمغامرات، إلى زمن الترهل وإصابته بسرطان البروستات حيث يفقد جسده قدرة الشهوة ويحل مكانها الألم النفسي الذي يشعر فيه بفقدان معنى الحياة والدهشة. بنجلّون يبرع في تصوير هذه الفترة بأسوأ الأوقات وأصعبها، لم لا والإنسان في مواجهة تحديات نفسية عميقة اختبرها المؤلف في الرواية من خلال تجربة صديقه المريرة حين استئصلت غدة بروستاته، يسرد كناقل ما شهده صديقه وما سمعه منه عن حجم قلقه ومعاناته وعذاباته عبر مراحل العلاج التي خضع لها، وكيف أصبحت حياته أشبه بالحطام بعد انتزاع قدرته الحسية في الاستمتاع، يلج في أعماق صديقه معبراً عن نظرته الفاقعة تجاه ممارسة الجنس وكيف أصبح فاقداً للقدرة والرغبة الجنسية ولدرجة التفكير بالانتحار والإصابة بالإكتئاب "تغير جسدي فجأة وتبدلت وظيفته وإيقاعه وتنفسه".  


بين ثنايا الصعود والهبوط في تسلسل أحداث النص ومنعطفاته تتشكل عند القارئ مشاعر متنافرة وتخيلات تجاه علاقة الإنسان بذاته ومع الآخرين، وكيف يجد صورته وهو غارقاً في لجة المرض الذي يحاول "الاستاذ" جاهداً التحرر منه، كما تتمازج فيها الإستثارة بين واقع الحال ومأساويته؛ فنجد بنجلّون يركز فيها على مشاهد جنسية مثيرة تحفز على التساءل عن كيفية التعاطي مع الجنس في مرحلة الشيخوخة والمرض حيث يتشابك فيها الشعور باقتراب النهاية مع الموت والعار ويكون المرء في مواجهة نظريات متضاربة، وأفكار مثالية حول التلذذ بمعانى الحب وصوره خارج العلاقة الجسدية، فتدور هواجسه بشأن حضور الجسد واستحالة قابليته للتجاوز على الرغم من ردود أفعال الإنسان حين يتحول جسده إلى عبءٍ يخونه على كل المستويات؟ ويعبر عن الشيخوخة "ليست الشيخوخة مسألة عمر فقط، إنها أيضاً مشكلة صورة، وعلاقة بين الذات وما يعكسه الآخرون عنّا من خلال نظراتهم. قد يكون المرء بلا بروستات ويبقى شاباً ظاهرياً. نحن الزمن، ولا حيلة لنا في ذلك. التجاعيد هي التجاعيد ويجب عدم إزالتها عند جراح التجميل؛ الأجدر بنا التباهي بها أكثر..لم أصل إلى درجة التباهي والأصحّ، لم تكن تلك مشكلتي البتة.".

عند الاستغراق في قراءة النص قد يشعر القارئ بشئ من الإطالة والاستطراد الممل في السرد والوصف المتكرر، إلا إنه يمكن تلمس العذر لبنجلّون لجهة حرصه على بث رسالة محفزة على أهمية الإلتفاف لما يحيط بنا في البيئة من مشكلات وأمراض خطيرة بل والتشديد على ضرورة الوقاية منها بإجراء الفحوصات الطبية الدورية بالبروستات للرجال وبالثدي للنساء.


في رحلة علاج "الاستاذ الجامعي" يستذكر مسار حياته وذكرياته المليئة بالمغامرات مع النساء، واضعاً إياها في مقابل تفاصيل حياته الجنسية بعد عملية استئصال غدة البروستات، حيث ينهشه القلق فيلجأ في لحظة ضعف وفقدان للثقة بما يؤمن به من ثقافة وقيم وهو المتخصص في علم الرياضيات إلى الشعوذة التي أصبحت موضة العصر، كما يستحضر صور الخصي في عالم الحريم ويتذكر من أحبهن من النساء ووصل معهن لقمم اللذة والنشوة حتى قبيل إجراء عمليته بفترة وجيزة، الأمر الذي ضاعف من شعوره بالموت والأسى والعار والخسارة وكأن الحياة توقفت، فيسرد حالته مع الكوابيس والأرق وأعراض البروستات واستئصالها فيتعالى وقع التوتر في النص لاسيما عند مصارحة صديقه الطبيب له بضرورة الخضوع مجدداً للعلاج الإشعاعي.

الخلاصة وبعد سبعة وثلاثون جلسة علاج إشعاعي ومعاناة وألم وحزن وكآبة ولقاء مع مرضى بحالة أسوأ من حالته، ومنهم صديقه المريض بالسرطان الذي يكافح بوقار وشجاعة، يقرر التعامل مع المرض بواقعية والتأقلم مع طبيعة الحياة أيا كان شكلها إذ لا جدوى من الإنفعال والنرفزة، مفكراً بما سمعه ذات يوم من زوجته كاترين: "حين تلامس القاع تماماً عليك بركلة قوية من كعب قدمك وستنجو"، وعليه يبدأ مغادرة دوامة المرض بالتدريج والتحرر منها، فهناك إمكانية لحياة جديدة رغم الخسارات والإنكسارات، إنها الحياة التي لا تقبل الإختزال في بعدٍ واحد ودائما هناك ما يبرر استمرارها. هذا مفتاح الأمل الذي يتركه أمامنا نص بنجلّون لمواجهة تحديات الشيخوخة والمرض.

منى عباس فضل
المنامة – 25 فبراير 2020



الجمعة، 14 فبراير 2020

السرطان والمنجلي بين ورم التفاهة وفقدان الضمير

منى عباس فضل
ما بين أداء برلماني متحرك بالرموت وبين تهريج وتطبيل أصبح أضحوكة وبين نواب "السايلنت" كما أجاد أحدهم التشبيه، يقفز لك من يفكر من "خارج العلبة".. أي علبة أو علكة؟! الله العالم.

بحالة استعراضية استفزازية قيل بأن "حلم العامة تحقق" أي حلم؟! "حلم إجبار الحكومة بالموافقة على مقترح  برغبة لتمكين "مصابي السرطان والأمراض المزمنة كفقر الدم المنجلي "السكلر" من حضور مباريات كرة القدم المهمة المقامة في البحرين". أمر مستهجن أثار سخط الشارع العام، بل سخريته وتندّره على المستوى الهابط الذي وصل إليه الحال، كما  شكل صدمة للمواطن الذي يقف حائراً أمام التباهي في الطالع والنازل بإنجازات فقاعية لا تذر ولا تغني بل مأكول خيرها. تساءل المواطنين وهذا "حقهم" عن ماهية الإنجاز التاريخي الذي تحقق ويستحق التخليد والتوثيق لهذا النمط من الممارسة البرلمانية المتفردة في نوعها شكلاً ومضموناً.

ارتفعت الأصوات تطالب بمقاضاة "تلك التي فكرت من خارج العلبة" بسبب الاستخفاف والاستهتار "بمصابي السرطان والمنجلي" وبذويهم، عوضاً عن سعيها كممثلة عن الشعب للسعي إلى تحقيق مطالبهم الملحة بالرعاية الخاصة وباستدامة توفير العلاج، تساءل البسطاء بفطرتهم وحسهم المنطقي عما إذا كان تحقيق المقترح يعد إنجازاً فعلياً ذا قيمة ويثنى عليه؟


مقترحات ساخرة
من جهة متصلة، حسناً فعلت "جمعية البحرين لرعاية مرضى السكلر" بإصدار بيان استنكار حول تصريح النائبة ومقطع الفيديو الاستخفافي الذي ظهرت فيه بخلفية موسيقية تبارك "بترليون ألف مبروك"؛ واعتبرت فعلها تنمراً واضحاً تجاه مرضى السكلر واستهزاءً بمشاعر شريحة كبيرة من المجتمع ممن يعانون آلام المرض وتحدياته اليومية الصحية والاجتماعية والمهنية، كما طالبتها وطالبت المتربعين على واجهة السلطة التشريعية بغرفتيها ممن يدّعون تمثيل الشعب؛ طالبتهم القيام بواجبهم تجاه هذه الفئة والالتفات لمعاناتهم وتقديم مقترحات فاعلة لا "ساخرة" كما فعلت صاحبة العلبة؛ فهم ينتظرون مساندتهم في الجانب التشريعي الذي يفضي إلى تطوير الخدمات الطبية.

هنا يستوجب التذكير، بأن تمثيل الشعب ليس لعبة ساذجة تحدث "داخل العلبة أو خارجها أو في محيطها"، هو ليس مقطع فيديو تمثيلي ترويجي إعلامياً، بقدر ما هو مسؤولية وهم يتطلب استحضار الضمير والفهم لمشاكل عامة الناس والنظر بجدية لها، كما يعكس الذوق والدرابة، الأهم من هذا وذاك احترام الدستور الذي يوجب على ممثلي الشعب احترام المواطن الذي أوصلهم بصوته وثقته إلى مقاعد البرلمان وما يتمتعون به من مزايا.


دور النائب
في الديمقراطيات العريقة المتعارف عليها تتمحور وظائف البرلمان أساساً في الوظيفة التشريعية التي تعنى بسن القوانين المقترحة من قبل الحكومة وقد تشارك السلطة التشريعية في اقتراح القوانين مع الحكومة. من هذا المنطلق كان يستوجب على النائبة مساءلة الحكومة ومناقشتها في جدوى المقترح المقدم وأولويته والتمحيص فيما إذا كان سيساند حقاً المرضى في الجانب التشريعي ويطور من الخدمات الطبية المقدمة إليهم، عوضاً عن السعادة والفرح المفتعل في شأن لا يقدم ولا يؤخر من أسف لهذه الفئة.

في الديمقراطيات العريقة هناك وظيفة رقابية يتركز فعلها على مساءلة السلطة التنفيذية حول ما قامت به ونفذته من أعمال، وفي حالتنا الشقية استوجب على النائبة القيام بواجبها المدرسي "Home work"، وذلك بمراجعة تصريحات وزارة الصحة وتقاريرها المتعلقة بهذه الفئة من المصابين ومعاينة أدائها وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ التأكد من حقيقة انخفاض نسب هذه الأمراض فعلاً، وتوفر الخدمات الطبية بها وضمان تنفيذ السياسات المتعلقة بها بطريقة فعّالة..إلخ، عندها يمكن القول بتمكن هذا النائب أو ذاك من تحقيق التوازن وتعزيز دوره كمدافع عن المصلحة العامة.

في الديمقراطيات العريقة يتمتع نائب الشعب بسلطة إشرافية على أداء الحكومة من خلال استخدام الأدوات والآليات المحددة من الدستور واللائحة التنظيمية للمجلس، حتى وإن كان الوضع مقيداً و"كسيحاً"، فالنائب الذي يتمتع بذكاء وصحوة ضمير يتحتم عليه الاستخدام الأقصى والأمثل لصلاحياته الرقابية مهما كانت أجنحته مقصصة وأن لا يسئ استخدام التمثيل الذي استنكره بعض النواب في حالتنا المحلية لجهة المس "بكرامة العضوية فيه" دون الإلتفات إلى ماهية "المقترح برغبة" وجديته وأولويته أصلاً. إن تمثيل الشعب أمام الحكومة، يعني ما يعنيه من بذل المجهود والعمل الحقيقي وتحكيم الضمير، وعليه فهو "ليس سعادة أو تفكير خارج العلبة أو البمبرة أو ما شابه". على النائب الاستماع إلى من انتخبوه للسلطة أو المنصب وباحترام على أن يتحدث عن وجهات نظرهم ويكون معبراً عنهم ويؤقر المنصب والرزه التي تموضع فيها بسببهم، أن يمثل تطلعات الناخب ويصمت ويستمع جيداً ويعطي أهمية لمطالبهم ورغباتهم وإرادتهم وتطلعاتهم وينظر إلى حقوقهم بجدية.


أرقام مرعبة ومخيفة
في الإطار، تشير الإحصائيات الرسمية التي نذكر النائبة بها كي تضعها على طاولة مكتبها الوثير للدراسة والمعاينة علها تسعفها في ممارسة دوراً رقابياً فعلياً على الحكومة؛ دور تقبض ثمنه من المال العام، وأن تضع مقترحات ذات جدوى ومعنى تعود بالنفع على المجتمع. هذه البيانات تشير إلى وجود "8 آلاف و664 مريضاً" بحرينياً مصاباً بمرض "السكلر" و191 حالة وفاة منهم خلال 6 سنوات الماضية، وبما يعادل نحو "2.2%" من المصابين وهذه معضلة كبيرة في بلد صغير كالبحرين، وإن عام 2014 قد سجل أكبر عدد من وفيات مرضى السكلر، فيما سجل عام 2016 وفاة "25 مريضاً"، أما تقارير 2017 فتحدثت عن سيطرة البحرين على المرض عبر تنفيذ استراتيجية صحية منذ أكثر من 25 عاماً تركزت على مشروع الفحص قبل الزواج وفحص المواليد، كما تمت الإشارة إلى انخفاض النسبة من "20 إصابة لكل ألف في الثمانينات الى 4 إصابات في الالف عام 2010، وإلى 6 إصابات لكل 10 آلاف مولود، بسبب وعي المجتمع للمرض ومحاربته بالفحص قبل الزواج، ولجهة عدد المتوفين منهم قيل إنه انخفض بنسبة "40%" إذ كان عددهم "50 مصاباً سنويا في الفترة 2008 إلى 2014، وانخفض إلى 31 مصاباً عام 2015، و29 عام 2016؛ فما رأي النائبة فيما سبق؟.

وزارة الصحة تذكر دائماً بأن لديها فريق طبي متخصص في "مركز أمراض الدم الوراثية" يشرف على الإجراءات العلاجية وجناح خاص لتنويمهم ولهم معاملة خاصة في قسم الطوارئ؛ بيد إن بيان "جمعية البحرين لرعاية مرضى السكلر" الأخير يكشف عن عدم تناسب الخدمات المقدمة مع وضع المرضى الذين تكثر أعدادهم في الطوارئ وتتكدس في غرفة “D” ناهيك عن طول ساعات الانتظار لمعاينة الطبيب. أما بالنسبة لأعداد مرضى السرطان فهم في إزياد مخيف يدعو للقلق؛ وتبعاً لمصادر رسمية وصل عددهم في عام  2018 إلى "1556" مصاب مقارنة بـ "1784" عام 2019 علماً بإن العدد قد تضاعف عما كان عليه عام 2017 وهو "687" و"423" في 2016، في الوقت الذي أوضحت فيه وزيرة الصحة إلى وجود حوالي 200 نوع من أنواع السرطان ولا توجد أسباب مباشرة معلومة لمعظمها، وإن هذا المرض يشكل عبئا اقتصاديا واجتماعيا على المجتمع وأفراده، وفي عام 2017 احتلت الأورام المرتبة الثانية ضمن أهم أسباب الوفاة وبنسبة "15.5%" من مجمل الوفيات.

هذه الأرقام وغيرها جزء من هموم العامة وأوجاعها يا سعادة النائبة؛ السؤال؛ إليك ولغيرك من النواب ممن صوتوا على المقترح وهم بالمناسبة مسؤولون مباشرة عما وصل إليه الحال ولا ننسى دور الحكومة التي تقدمت بالاقتراح؛ هل تدركون ضخامة هذه الأرقام وتأثيراتها، وهل كان المقترح من الأولويات والضروريات؟.


 الخلاصة؛ نكرر الأسئلة؛ ماذا فعلتم بشأن الرصد والمتابعة والتقييم والاستعانة بفريق بحثي متخصص يعينكم على بلورة وصياغة مقترح ذي جدوى يلبي تطلعات هذه الفئة من المصابين أو تلك؟ ما طبيعة الدور الذي تقومون به لتفعيل أدوات الرقابة المتاحة لمعاينة تصريحات وزارة الصحة وبما يتجاوز قاعة البرلمان إلى عمل منهجي مستمر ومثمر. هل تحققتم من نتائج الدراسات الخاصة بالوفيات ومؤشراتها ومدى توافر الخطط والبروتكولات العلاجية لهذه الفئة من المرضى وبما لا يتعارض مع بروتكولات "منظمة الصحة العالمية"؟ هل بحثتم وتحققتم من مدى استفادة الدولة من الخبرات الطبية ومن التطورات في مجال هذه الأمراض وتبادل المعلومات حول أحدث المستجدات بتشخيصها وعلاجها، وتوفير الأجهزة اللازمة والكافية لتغطية النواقص والقصور؟ على سبيل المثال لا الحصر؛ ماذا فعلتم لزيادة عدد الأجهزة المستخدمة لاستبدال دم مرضى السكلر، وهي ضرورية مع نوبات ألم المريض ويمكنها خفض حالات الوفاة؟ بل هل عملتم على قيادة حملات التبرع والمساهمة لزيادة عددها ومطالبة الحكومة برفع الموازنة لسد هذه النواقص؟ هل عاينتم مدى تطوير نظام شكاوى المرضى واستدامة الخدمات الصحية بجودة تتناسب وتطور المرض إضافة إلى رفع كفاءة قسم الطوارئ؟.

هذا بعض من دوركم الذي نذكركم به، لاسيما عند مقاربة مستوى "السعادة" المفتعلة التي عبرت عنها النائبة عوضاً عن سعادتها في تداول هموم المواطن ليس لمشاهدة مباراة، وإنما في ملف الإسكان والبطالة والفساد وفرض الضرائب وغلاء المعيشة وهدر المال العام وغيرها الكثير..الكثير. ثمة "سعادة تافهة" تمس كرامة الإنسان وتستخف بالعقول وتستهين بحجم معاناة المرضى ووضعهم الصحي، وثمة سعادة مغايرة تكمن في معايشة الناس وتلمس همومهم والتعبير عنها، وشتان بين السعادة في ثقافة التفاهة والسعادة في ثقافة العمل.

منى عباس فضل
المنامة - 14 فبراير 2020