الثلاثاء، 25 فبراير 2020

بعد أن فَعَل التآكل فعله

منى عباس فضل
في روايته "حنين إلى نكهة الصبا" يوظف الطاهر بنجلّون تقنيات الكتابة السردية في نصه ملامساً في العمق هاجساً حساساً قلما تم التدوال في تفاصيله المؤلمة والصادمة عند النظر إلى مرض السرطان وكيفية التعامل معه ومع عمليات استئصال الأعضاء والخضوع للعلاج الإشعاعي والجراحات التجميلية، الأهم مع اجراءات الوقاية ومراحل العلاج الدقيقة المملة والمخيفة في عواقبها وتداعياتها.

ثمة هواجس يعيد بنجلّون تشكيل صورها في بنية النص؛ فيعمل فيها مشرطه الحاد كاشفاً عن تجلياتها ودلالتها، كهواجس الكرامة والكبرياء والخوف والشيخوخة والعجز وفقدان القدرة الجنسية وحالة اللاتزان النفسي التي يمر بها المرء بعد الخمسين لاسيما مع ظروف الأمراض والعجز؛ فكلمة "عاجز" كما يقول عنيفة وقوية ودراماتيكية..لا يعنى الهرم التقدم في العمر فقط، لكنه يتضمن على الأخص أنّ زمن الهزيمة قد حلّ..أجل يومئذِ، هرمتُ".

تتحرك أبعاد الرواية بمرتكزاتها بين زمنين متنازعين؛ زمن الأستاذ الجامعي في الرياضيات الذي توفيت زوجته كاثرين بعد إصابتها بسرطان الثدي، الزمن الذي كان فيه شاباً يتمتع بالصحة في عالمه الصاخب بالنساء والمغامرات، إلى زمن الترهل وإصابته بسرطان البروستات حيث يفقد جسده قدرة الشهوة ويحل مكانها الألم النفسي الذي يشعر فيه بفقدان معنى الحياة والدهشة. بنجلّون يبرع في تصوير هذه الفترة بأسوأ الأوقات وأصعبها، لم لا والإنسان في مواجهة تحديات نفسية عميقة اختبرها المؤلف في الرواية من خلال تجربة صديقه المريرة حين استئصلت غدة بروستاته، يسرد كناقل ما شهده صديقه وما سمعه منه عن حجم قلقه ومعاناته وعذاباته عبر مراحل العلاج التي خضع لها، وكيف أصبحت حياته أشبه بالحطام بعد انتزاع قدرته الحسية في الاستمتاع، يلج في أعماق صديقه معبراً عن نظرته الفاقعة تجاه ممارسة الجنس وكيف أصبح فاقداً للقدرة والرغبة الجنسية ولدرجة التفكير بالانتحار والإصابة بالإكتئاب "تغير جسدي فجأة وتبدلت وظيفته وإيقاعه وتنفسه".  


بين ثنايا الصعود والهبوط في تسلسل أحداث النص ومنعطفاته تتشكل عند القارئ مشاعر متنافرة وتخيلات تجاه علاقة الإنسان بذاته ومع الآخرين، وكيف يجد صورته وهو غارقاً في لجة المرض الذي يحاول "الاستاذ" جاهداً التحرر منه، كما تتمازج فيها الإستثارة بين واقع الحال ومأساويته؛ فنجد بنجلّون يركز فيها على مشاهد جنسية مثيرة تحفز على التساءل عن كيفية التعاطي مع الجنس في مرحلة الشيخوخة والمرض حيث يتشابك فيها الشعور باقتراب النهاية مع الموت والعار ويكون المرء في مواجهة نظريات متضاربة، وأفكار مثالية حول التلذذ بمعانى الحب وصوره خارج العلاقة الجسدية، فتدور هواجسه بشأن حضور الجسد واستحالة قابليته للتجاوز على الرغم من ردود أفعال الإنسان حين يتحول جسده إلى عبءٍ يخونه على كل المستويات؟ ويعبر عن الشيخوخة "ليست الشيخوخة مسألة عمر فقط، إنها أيضاً مشكلة صورة، وعلاقة بين الذات وما يعكسه الآخرون عنّا من خلال نظراتهم. قد يكون المرء بلا بروستات ويبقى شاباً ظاهرياً. نحن الزمن، ولا حيلة لنا في ذلك. التجاعيد هي التجاعيد ويجب عدم إزالتها عند جراح التجميل؛ الأجدر بنا التباهي بها أكثر..لم أصل إلى درجة التباهي والأصحّ، لم تكن تلك مشكلتي البتة.".

عند الاستغراق في قراءة النص قد يشعر القارئ بشئ من الإطالة والاستطراد الممل في السرد والوصف المتكرر، إلا إنه يمكن تلمس العذر لبنجلّون لجهة حرصه على بث رسالة محفزة على أهمية الإلتفاف لما يحيط بنا في البيئة من مشكلات وأمراض خطيرة بل والتشديد على ضرورة الوقاية منها بإجراء الفحوصات الطبية الدورية بالبروستات للرجال وبالثدي للنساء.


في رحلة علاج "الاستاذ الجامعي" يستذكر مسار حياته وذكرياته المليئة بالمغامرات مع النساء، واضعاً إياها في مقابل تفاصيل حياته الجنسية بعد عملية استئصال غدة البروستات، حيث ينهشه القلق فيلجأ في لحظة ضعف وفقدان للثقة بما يؤمن به من ثقافة وقيم وهو المتخصص في علم الرياضيات إلى الشعوذة التي أصبحت موضة العصر، كما يستحضر صور الخصي في عالم الحريم ويتذكر من أحبهن من النساء ووصل معهن لقمم اللذة والنشوة حتى قبيل إجراء عمليته بفترة وجيزة، الأمر الذي ضاعف من شعوره بالموت والأسى والعار والخسارة وكأن الحياة توقفت، فيسرد حالته مع الكوابيس والأرق وأعراض البروستات واستئصالها فيتعالى وقع التوتر في النص لاسيما عند مصارحة صديقه الطبيب له بضرورة الخضوع مجدداً للعلاج الإشعاعي.

الخلاصة وبعد سبعة وثلاثون جلسة علاج إشعاعي ومعاناة وألم وحزن وكآبة ولقاء مع مرضى بحالة أسوأ من حالته، ومنهم صديقه المريض بالسرطان الذي يكافح بوقار وشجاعة، يقرر التعامل مع المرض بواقعية والتأقلم مع طبيعة الحياة أيا كان شكلها إذ لا جدوى من الإنفعال والنرفزة، مفكراً بما سمعه ذات يوم من زوجته كاترين: "حين تلامس القاع تماماً عليك بركلة قوية من كعب قدمك وستنجو"، وعليه يبدأ مغادرة دوامة المرض بالتدريج والتحرر منها، فهناك إمكانية لحياة جديدة رغم الخسارات والإنكسارات، إنها الحياة التي لا تقبل الإختزال في بعدٍ واحد ودائما هناك ما يبرر استمرارها. هذا مفتاح الأمل الذي يتركه أمامنا نص بنجلّون لمواجهة تحديات الشيخوخة والمرض.

منى عباس فضل
المنامة – 25 فبراير 2020



الجمعة، 14 فبراير 2020

السرطان والمنجلي بين ورم التفاهة وفقدان الضمير

منى عباس فضل
ما بين أداء برلماني متحرك بالرموت وبين تهريج وتطبيل أصبح أضحوكة وبين نواب "السايلنت" كما أجاد أحدهم التشبيه، يقفز لك من يفكر من "خارج العلبة".. أي علبة أو علكة؟! الله العالم.

بحالة استعراضية استفزازية قيل بأن "حلم العامة تحقق" أي حلم؟! "حلم إجبار الحكومة بالموافقة على مقترح  برغبة لتمكين "مصابي السرطان والأمراض المزمنة كفقر الدم المنجلي "السكلر" من حضور مباريات كرة القدم المهمة المقامة في البحرين". أمر مستهجن أثار سخط الشارع العام، بل سخريته وتندّره على المستوى الهابط الذي وصل إليه الحال، كما  شكل صدمة للمواطن الذي يقف حائراً أمام التباهي في الطالع والنازل بإنجازات فقاعية لا تذر ولا تغني بل مأكول خيرها. تساءل المواطنين وهذا "حقهم" عن ماهية الإنجاز التاريخي الذي تحقق ويستحق التخليد والتوثيق لهذا النمط من الممارسة البرلمانية المتفردة في نوعها شكلاً ومضموناً.

ارتفعت الأصوات تطالب بمقاضاة "تلك التي فكرت من خارج العلبة" بسبب الاستخفاف والاستهتار "بمصابي السرطان والمنجلي" وبذويهم، عوضاً عن سعيها كممثلة عن الشعب للسعي إلى تحقيق مطالبهم الملحة بالرعاية الخاصة وباستدامة توفير العلاج، تساءل البسطاء بفطرتهم وحسهم المنطقي عما إذا كان تحقيق المقترح يعد إنجازاً فعلياً ذا قيمة ويثنى عليه؟


مقترحات ساخرة
من جهة متصلة، حسناً فعلت "جمعية البحرين لرعاية مرضى السكلر" بإصدار بيان استنكار حول تصريح النائبة ومقطع الفيديو الاستخفافي الذي ظهرت فيه بخلفية موسيقية تبارك "بترليون ألف مبروك"؛ واعتبرت فعلها تنمراً واضحاً تجاه مرضى السكلر واستهزاءً بمشاعر شريحة كبيرة من المجتمع ممن يعانون آلام المرض وتحدياته اليومية الصحية والاجتماعية والمهنية، كما طالبتها وطالبت المتربعين على واجهة السلطة التشريعية بغرفتيها ممن يدّعون تمثيل الشعب؛ طالبتهم القيام بواجبهم تجاه هذه الفئة والالتفات لمعاناتهم وتقديم مقترحات فاعلة لا "ساخرة" كما فعلت صاحبة العلبة؛ فهم ينتظرون مساندتهم في الجانب التشريعي الذي يفضي إلى تطوير الخدمات الطبية.

هنا يستوجب التذكير، بأن تمثيل الشعب ليس لعبة ساذجة تحدث "داخل العلبة أو خارجها أو في محيطها"، هو ليس مقطع فيديو تمثيلي ترويجي إعلامياً، بقدر ما هو مسؤولية وهم يتطلب استحضار الضمير والفهم لمشاكل عامة الناس والنظر بجدية لها، كما يعكس الذوق والدرابة، الأهم من هذا وذاك احترام الدستور الذي يوجب على ممثلي الشعب احترام المواطن الذي أوصلهم بصوته وثقته إلى مقاعد البرلمان وما يتمتعون به من مزايا.


دور النائب
في الديمقراطيات العريقة المتعارف عليها تتمحور وظائف البرلمان أساساً في الوظيفة التشريعية التي تعنى بسن القوانين المقترحة من قبل الحكومة وقد تشارك السلطة التشريعية في اقتراح القوانين مع الحكومة. من هذا المنطلق كان يستوجب على النائبة مساءلة الحكومة ومناقشتها في جدوى المقترح المقدم وأولويته والتمحيص فيما إذا كان سيساند حقاً المرضى في الجانب التشريعي ويطور من الخدمات الطبية المقدمة إليهم، عوضاً عن السعادة والفرح المفتعل في شأن لا يقدم ولا يؤخر من أسف لهذه الفئة.

في الديمقراطيات العريقة هناك وظيفة رقابية يتركز فعلها على مساءلة السلطة التنفيذية حول ما قامت به ونفذته من أعمال، وفي حالتنا الشقية استوجب على النائبة القيام بواجبها المدرسي "Home work"، وذلك بمراجعة تصريحات وزارة الصحة وتقاريرها المتعلقة بهذه الفئة من المصابين ومعاينة أدائها وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ التأكد من حقيقة انخفاض نسب هذه الأمراض فعلاً، وتوفر الخدمات الطبية بها وضمان تنفيذ السياسات المتعلقة بها بطريقة فعّالة..إلخ، عندها يمكن القول بتمكن هذا النائب أو ذاك من تحقيق التوازن وتعزيز دوره كمدافع عن المصلحة العامة.

في الديمقراطيات العريقة يتمتع نائب الشعب بسلطة إشرافية على أداء الحكومة من خلال استخدام الأدوات والآليات المحددة من الدستور واللائحة التنظيمية للمجلس، حتى وإن كان الوضع مقيداً و"كسيحاً"، فالنائب الذي يتمتع بذكاء وصحوة ضمير يتحتم عليه الاستخدام الأقصى والأمثل لصلاحياته الرقابية مهما كانت أجنحته مقصصة وأن لا يسئ استخدام التمثيل الذي استنكره بعض النواب في حالتنا المحلية لجهة المس "بكرامة العضوية فيه" دون الإلتفات إلى ماهية "المقترح برغبة" وجديته وأولويته أصلاً. إن تمثيل الشعب أمام الحكومة، يعني ما يعنيه من بذل المجهود والعمل الحقيقي وتحكيم الضمير، وعليه فهو "ليس سعادة أو تفكير خارج العلبة أو البمبرة أو ما شابه". على النائب الاستماع إلى من انتخبوه للسلطة أو المنصب وباحترام على أن يتحدث عن وجهات نظرهم ويكون معبراً عنهم ويؤقر المنصب والرزه التي تموضع فيها بسببهم، أن يمثل تطلعات الناخب ويصمت ويستمع جيداً ويعطي أهمية لمطالبهم ورغباتهم وإرادتهم وتطلعاتهم وينظر إلى حقوقهم بجدية.


أرقام مرعبة ومخيفة
في الإطار، تشير الإحصائيات الرسمية التي نذكر النائبة بها كي تضعها على طاولة مكتبها الوثير للدراسة والمعاينة علها تسعفها في ممارسة دوراً رقابياً فعلياً على الحكومة؛ دور تقبض ثمنه من المال العام، وأن تضع مقترحات ذات جدوى ومعنى تعود بالنفع على المجتمع. هذه البيانات تشير إلى وجود "8 آلاف و664 مريضاً" بحرينياً مصاباً بمرض "السكلر" و191 حالة وفاة منهم خلال 6 سنوات الماضية، وبما يعادل نحو "2.2%" من المصابين وهذه معضلة كبيرة في بلد صغير كالبحرين، وإن عام 2014 قد سجل أكبر عدد من وفيات مرضى السكلر، فيما سجل عام 2016 وفاة "25 مريضاً"، أما تقارير 2017 فتحدثت عن سيطرة البحرين على المرض عبر تنفيذ استراتيجية صحية منذ أكثر من 25 عاماً تركزت على مشروع الفحص قبل الزواج وفحص المواليد، كما تمت الإشارة إلى انخفاض النسبة من "20 إصابة لكل ألف في الثمانينات الى 4 إصابات في الالف عام 2010، وإلى 6 إصابات لكل 10 آلاف مولود، بسبب وعي المجتمع للمرض ومحاربته بالفحص قبل الزواج، ولجهة عدد المتوفين منهم قيل إنه انخفض بنسبة "40%" إذ كان عددهم "50 مصاباً سنويا في الفترة 2008 إلى 2014، وانخفض إلى 31 مصاباً عام 2015، و29 عام 2016؛ فما رأي النائبة فيما سبق؟.

وزارة الصحة تذكر دائماً بأن لديها فريق طبي متخصص في "مركز أمراض الدم الوراثية" يشرف على الإجراءات العلاجية وجناح خاص لتنويمهم ولهم معاملة خاصة في قسم الطوارئ؛ بيد إن بيان "جمعية البحرين لرعاية مرضى السكلر" الأخير يكشف عن عدم تناسب الخدمات المقدمة مع وضع المرضى الذين تكثر أعدادهم في الطوارئ وتتكدس في غرفة “D” ناهيك عن طول ساعات الانتظار لمعاينة الطبيب. أما بالنسبة لأعداد مرضى السرطان فهم في إزياد مخيف يدعو للقلق؛ وتبعاً لمصادر رسمية وصل عددهم في عام  2018 إلى "1556" مصاب مقارنة بـ "1784" عام 2019 علماً بإن العدد قد تضاعف عما كان عليه عام 2017 وهو "687" و"423" في 2016، في الوقت الذي أوضحت فيه وزيرة الصحة إلى وجود حوالي 200 نوع من أنواع السرطان ولا توجد أسباب مباشرة معلومة لمعظمها، وإن هذا المرض يشكل عبئا اقتصاديا واجتماعيا على المجتمع وأفراده، وفي عام 2017 احتلت الأورام المرتبة الثانية ضمن أهم أسباب الوفاة وبنسبة "15.5%" من مجمل الوفيات.

هذه الأرقام وغيرها جزء من هموم العامة وأوجاعها يا سعادة النائبة؛ السؤال؛ إليك ولغيرك من النواب ممن صوتوا على المقترح وهم بالمناسبة مسؤولون مباشرة عما وصل إليه الحال ولا ننسى دور الحكومة التي تقدمت بالاقتراح؛ هل تدركون ضخامة هذه الأرقام وتأثيراتها، وهل كان المقترح من الأولويات والضروريات؟.


 الخلاصة؛ نكرر الأسئلة؛ ماذا فعلتم بشأن الرصد والمتابعة والتقييم والاستعانة بفريق بحثي متخصص يعينكم على بلورة وصياغة مقترح ذي جدوى يلبي تطلعات هذه الفئة من المصابين أو تلك؟ ما طبيعة الدور الذي تقومون به لتفعيل أدوات الرقابة المتاحة لمعاينة تصريحات وزارة الصحة وبما يتجاوز قاعة البرلمان إلى عمل منهجي مستمر ومثمر. هل تحققتم من نتائج الدراسات الخاصة بالوفيات ومؤشراتها ومدى توافر الخطط والبروتكولات العلاجية لهذه الفئة من المرضى وبما لا يتعارض مع بروتكولات "منظمة الصحة العالمية"؟ هل بحثتم وتحققتم من مدى استفادة الدولة من الخبرات الطبية ومن التطورات في مجال هذه الأمراض وتبادل المعلومات حول أحدث المستجدات بتشخيصها وعلاجها، وتوفير الأجهزة اللازمة والكافية لتغطية النواقص والقصور؟ على سبيل المثال لا الحصر؛ ماذا فعلتم لزيادة عدد الأجهزة المستخدمة لاستبدال دم مرضى السكلر، وهي ضرورية مع نوبات ألم المريض ويمكنها خفض حالات الوفاة؟ بل هل عملتم على قيادة حملات التبرع والمساهمة لزيادة عددها ومطالبة الحكومة برفع الموازنة لسد هذه النواقص؟ هل عاينتم مدى تطوير نظام شكاوى المرضى واستدامة الخدمات الصحية بجودة تتناسب وتطور المرض إضافة إلى رفع كفاءة قسم الطوارئ؟.

هذا بعض من دوركم الذي نذكركم به، لاسيما عند مقاربة مستوى "السعادة" المفتعلة التي عبرت عنها النائبة عوضاً عن سعادتها في تداول هموم المواطن ليس لمشاهدة مباراة، وإنما في ملف الإسكان والبطالة والفساد وفرض الضرائب وغلاء المعيشة وهدر المال العام وغيرها الكثير..الكثير. ثمة "سعادة تافهة" تمس كرامة الإنسان وتستخف بالعقول وتستهين بحجم معاناة المرضى ووضعهم الصحي، وثمة سعادة مغايرة تكمن في معايشة الناس وتلمس همومهم والتعبير عنها، وشتان بين السعادة في ثقافة التفاهة والسعادة في ثقافة العمل.

منى عباس فضل
المنامة - 14 فبراير 2020




الخميس، 23 يناير 2020

إضاءة على كتاب "ظفار ثورة الرياح الموسمية"

منى عباس فضل
في مطلع تقديمه لكتاب "ظفار ثورة الرياح الموسمية"؛ يستشهد المترجم بعبارتين "لمايا أنجلو" تذكر فيهما": "ليس بمقدورنا أن نشطب التاريخ، رغم ما يضيفه من أحزان، غير أننا إذا ما واجهناه بشجاعة، فلن نُضطر إلى تكراره، مضيفة؛ وكلما عرفت أكثر عن تاريخك، ازددت تحرراً". المترجم هنا يدرك تمام الإدراك مغازي ذلك فيوضح "بأن تقديم رواية تاريخية أخرى لا يعني ولا ينبغي أن يعني بالضرورة فرضها كحقيقة مُطلقة أو تبنّى كل ما فيها، غير أنًه لا سبيل إلى الاقتراب من الحقيقة إلا بتدبر الروايات المختلفة لذلك التاريخ. كما أنه لا سبيل منهجياً إلى تأييد رواية أو تقويضها إلا عندما تُطرح كاملة، وشفافة للنقاش".

وهذا الذي فعله مؤلف الكتاب عبدالرزاق التكريتي، حين فتح آفاقاً واسعة لمقاربات بحثية "لثورة ظفار" التي أهملها المؤرخون والباحثون الأكاديميون العرب بل ولتاريخ عُمان الحديث، وربما من سوء طالعها -أي ثورة ظفار- أن وقعت حالياً في إشارة للتكريتي في أسر أجندات عديدة؛ فالمثقفون العرب المخذولون يرونها تذكيراً قديماً بشباب ضاع هدراً، وهنا برأينا تكمن الخطورة، كما هناك الموالون للسلطة ممن يعرضونها كمؤامرة شيوعية دولية تم القضاء عليها، والإصلاحيون يرونها فرصة ضيعتها النزعة اليسارية المتشددة، كما فعل برأينا "فواز طرابلسي" حينما ربط الثورة بالفكر القومي الانعزالي حسب تعبيره "أنظر كتابه: ظفار شهادة من زمن الثورة"، أما بعض الانفصاليين في الوقت الحاضر فيجدون فيها رمزاً لتطلعاتهم المكبوتة، ومنه يخلص إلى أن جميع هذه المقاربات تبين حجم التحديات الماثلة أمام من يقدم سردية مغايرة ومعارضة للسائد.

الكتاب في الأصل  أطروحة دكتواره أنجزها التكريتي في رحلة علمية مضنية بكلية سنت إدمند بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة ولمدة سبع سنوات، رحلة غاص عبرها في حقيقة "ثورة ظفار" وجوهرها متسلحاً بمناهج البحث العلمي وصفات الباحث الملتزم فاتحاً صندوقها من ثلاثة أبعاد رئيسية في إطار علاقات متشابكة ومتفاعلة، متقاربة ومتنافرة؛ تمثلت في بعد الثورة وتنظيماتها وعلاقاتها، وبعدي الاستعمار والحكم المطلق.


"ثورة ظفار" ثورة تغيير
استند التكريتي على كم هائل من المراجع غير التقليدية التي لم تقتصر على مصادر الثورة وشهادات من مروا بتجربتها فقط، إنما انكب بجهد جاد على أرشيف غني من المصادر الأجنبية بما تحتويه من وثائق وسجلات من التاريخ الشفوي إنكليزية-سلطانية ولمذكرات شخصية لجنود بريطانيين شاركوا في سحق الثورة، وآخرين ممن كانوا يشغلون معظم المناصب الكبرى في حكومة السلطنة ومخابراتها وجيشها في الفترة التي تناولها؛ ذلك برغم تعامله الحذر معها حيث كان يقاربها ويوازنها باستمرار مع روايات الثورة ومصادرها المحلية والمترجمة أيضاً، إضافة إلى دراسات ومنشورات ودوريات وصحف ومذكرات وشهادات. الأهم من هذا وذاك، الأطاريح والرسائل ذات العلاقة بموضوع البحث، الأمر الذي جعل دراسته متميزة بالرصانة والموضوعية العلمية، على خلاف ما أشارت إليه باحثة تدعى ماثيو ماكلين بشأن كتاب "الثورة العربية بدون سلاطين" لفريد هاليداي وهو المعروف بتعاطفه مع الثورة قائلة: "برغم غنى كتابه بالمعلومات إلا إنه يفتقر للبعد العلمي الذي يتكون -عادة- مع مرور الزمن، وتباعد الفترة الزمنية بين وقوع الأحداث والكتابة عنها، فهو يفتقر لفهم الثورة من الداخل، أو من حيث موقعها في الكتلة الأكبر للحركات القومية واليسارية العربية في عالم ما بعد الاستعمار".

وفي مجال إرساء مسار بحثي لدور الشعوب في عملية التغيير لمجتمعاتها، اشتغل المؤلف بمهارة فائقة في تسليط الضوء على "الثورة الظفارية" وخصومها "نظام الحكم المطلق"، وعلى الكفاح المسلح ساعياً كما أشار إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية؛ أولها الاسترجاع التاريخي، ووضع الأحداث التاريخية المطمورة والمغيبة عن الأرشيف الرسمي في سياقها، لقد ساهم في إعادة تأريخ الثورة وتحريرها من قيد الروايات الاستعمارية والرسمية كما أعطى أبعاداً تفسيرية وتاريخية حول علاقتها بالإمامة وبالتدخل البريطاني ودوره في قمع الثورة وسحقها من أجل مصالحه وتمشياً مع ترتيبات إنسحابه من المنطقة، في هذا الصدد يعلق "جون تشالكرافت" حول الكتاب "أنظر Arab Studies Journal, 2015"، قائلاً: "لقد حرر التكريتي الذاكراة حول سردية الصراع المسلح في ظفار من السردية الرسمية-الكولونيالية، وكشف الدور البريطاني في تحويل نظام الحكم إلى "ملكية مطلقة" تحت ظروف ضغط الثورة وضرورات مواجهتها وسحقها، لقد قطع الطريق أمام وجهة النظر الكسولة المتأثرة بالمركزية الأوروبية القائلة بأن نظام الحكم الملكي المطلق في عُمان شيء موروث من الماضي، وإنه سوف يتقوض ببطء في ظل ظروف الحداثة الرأسمالية".


الاستعمار يزور التاريخ
أما الهدف الثاني؛ فجاء من خلال قراءته للتاريخ العُماني قراءة مغايرة في ضوء "ثورة ظفار"، حيث تطغي شخصية السلطان التي تشغل حيزاً مركزياً بسبب الهيمنة المطلقة؛ تماماً كما تحيكها الروايات الرسمية والاستعمارية منذ القرون الوسطى وحتى عصر النهضة، لهذا فالكتاب هنا يسائل هذه السردية بقوة وجرأة، وينقل التركيز في صناعة التاريخ من الحاكم إلى الشعب، كما يرصد الماضي الاستعماري في تشكيل الأنظمة الأوتوقراطية المعاصرة واقفاً على تفاصيل تناقض السرديات البريطانية المزورة التي تظهر الاستعمار بصفته عامل تطوير لنظام الحكم وتنمية للمجتمع وهو الذي دبر وخطط لانقلاب 1970 حين استشعر خطر مواجهة التحدي الثوري، فسعى إلى التخلص من النظام القديم واستكمال تدشين النظام السلطاني المطلق ليفسح لنفسه المزيد من فرض الهيمنة السياسية الفاضحة والنهب والفساد.

ومن جهة الهدف الثالث، وضع "ثورة ظفار" في سياق شبكة علاقاتها بالثورات العابرة للحدود وفي إطار ارتباطها بالحركات الثورية الإقليمية التي رفعت شعار الكفاح ضد "الصهيونية، والإمبريالية، والرجعية العربية"، فهي كما يراها جزءاً من كتلة ثورية عالمية تفاخر بممارساتها وأدبياتها وأدوات تعبيرها وأيديولوجياتها وعلاماتها كما في كوبا وفيتنام والصين، الأهم ربطها كحركة ثورية نشطة في مواجهة النظام "الكولونيالي" خلال فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، لم لا وهي التي تنتمي برأيه إلى روح المؤتمر الأفرو-أسيوي الذي عقد في "بانونغ" في إندونيسيا عام 1955.

مفهوم الثورة والحكم المطلق
ولكي يبلور صياغة مفاهيمية "للثورة الظفارية" و"الحكم المطلق"، اعتنى التكريتي بمفهومين جوهريين هما مفهوم الثورة، ومفهوم الحكم المطلق، فالنسبة لمفهوم الثورة، يشير إلى النظرة الثابتة التي تصف لحظة تاريخية معينة يطاح فيها بنظام حكم ما بالثورة، وبالتالي بداية تقود إلى نهاية، الأمر الذي أدى إلى التركيز على معيار النجاح، حيث العملية التي تقود إلى الإطاحة بالنظام تسمى ثورة، أما التي تفشل فتمنح تسميات أقل شأناً، "كالتمرد أو العصيان المسلح أو الانتفاضة أو الهبة الشعبية" ويصل هنا إلى إن هذه النظرة تخلق مشكلات تاريخية لجهة تركيزها على الأداء الذي يختزل العملية الثورية في نتيجتها النهائية ما يعني إهمال عناصر جوهرية أخرى، بيد إنه في هذا السجال يعتمد تعريف "تشارلز تلي" الذي يرى أن الثورة تجمع بين "حالة ثورية" و"نتيجة ثورية"، ووفقاً لذلك فإن لظفار حالة ثورية، صحيح لم تصل إلى نتيجة ثورية، لكنه وعند تحويل التركيز من النتيجة النهائية إلى العملية الفعلية ستظهر صورة مغايرة تماماً؛ كيف؟

يقول: "عاشت نسبة كبيرة من الشعب في ظفار مستقلة عن السلطات الإنجليزية-السلطانية إحدى عشرة سنة، فسيطروا على مساحة كبيرة من الأرض، وأنشؤوا مؤسساتهم، وأقامو إصلاحات إجتماعية، وأحدثوا تغيراً جدرياً، وهكذا فالجيل الذي عاش آنذاك، شهد الأحداث بوصفها ثورة فعلية، لامست حياته المدنية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ولا يكتفى بوصف هذه التحولات مجرد "حالة ثورية"، فقد أنشئ فضاء مدني جديد تحت سلطة ثورية موحدة، ألغت الرق، واستحدثت هُويات  جديدة تعلو على القبيلة وقضت على سلطة الشيوخ، وصعد أفراد إلى مناصب قيادية من خلفيات قبلية واجتماعية متدنية "كالعبيد مثلاً"، كما دخلت القراءة والكتابة "مدارس الثورة" والطب الحديث، وفتحت ثغرات في قوانين الأحوال الشخصية ومشاركة المرأة في العمل وحمل السلاح والحد من تعدد الزيجات وختان الإناث..إلخ، واستحداث محاصيل زراعية جديدة، وانتشرت الأيديولوجيات الحديثة، وتعريب وتعمين الهوية الظفارية ولغتها وثقافتها بمبادرة تبدأ من القاعدة الاجتماعية وليس من قمة السلطة؛ ووقع كفاح مسلح على مدى زمني طويل"، وبرغم عدم تمكن الثوار من إسقاط النظام القديم في السلطنة، إلا أنهم نجحوا في تحقيق انتقال مؤقت للسلطة في قطاعات كبيرة من جبال ظفار، وهي الأراضي التي أطلقوا عليها اسم "المناطق المحررة"، وهذا يقود إلى قدرة الثورة على إجبار الدولة على نقل السلطة، وبذلك اعتبر الثورة محركاً تاريخياً للتغيير في عُمان بسبب الضغوط التي مارستها على الحكم المطلق.


الخلاصة، إننا بصدد مادة علمية ذات قيمة فريدة متعلقة بالنضال القومي العربي الثوري المسلح، دراسة رصدت "ظفار" بصفتها مسرحاً من بين مسارح عديدة شهدت صراعاً إقليمياً على السيادة الوطنية، وتعمقت في تفكيك دلالات التحولات التي جرت على علاقة نظام الإمامة والسلطنة والقبيلة، فضلاً عن التحولات الإيديولوجية والسياسية التي جرت في حركة القوميين العرب وتأثيرها على الديناميكيات السياسية في منطقة الخليج في فترة الستينيات والسبعينات وخصوصاً تأثيرها على "ثورة ظفار" التي تحولت في مرحلة من مراحلها نحو الصين الاشتراكية وحالها في مرحلة تراجع المد الثوري، كما لم تغفل عن تأثير عامل الحغرافيا والمناخ على أداء الثورة ومحاولة النظام السيطرة عليه، الكتاب متشعب وغني لايمكن لمقال قصير أن يغطي جوانبه، ومحاولتنا هنا جاءت للتركيز على أهمية الإطلاع عليه وإعادة قراءة "الثورة" بمنهجية هذه الدراسة ومنطلقاتها التي استندت على مناهج علم الإجتماع والسياسة في معالجة "الثورة الظفارية".

منى عباس فضل
المنامة -23 يناير 2020

الجمعة، 22 نوفمبر 2019

بالبرتقالي لا للمادة "353"


منى عباس فضل
برغم فداحة القضية، إلا إن صور النساء المشاركات في الحملات البرتقالية التي تتوجه في دعواتها وتحديداً في 25 تشرين الثاني/نوفمبر للقضاء على العنف ضد المرأة، تشيء عن مظاهر إصرار على العمل وكثير من التحفز والابتسامات. هذه الابتسامات في حقيقتها تعبير صارخ عن الرفض والاحتجاج المعلن تجاه انتهاكات العنف التي ترتكب بحق الضحايا والأبرياء كما هي إعلان عن التضامن معهم والموازرة، منطلقين من أحلامهن بمستقبل خال من القهر والعنف، لم لا والقضية البرتقالية التي جاءت هذا العام بشعار "جيل المساواة يقف ضد الاغتصاب"، قد باتت قضية إنسانية بامتياز.


أرقام العنف عالمياً
في المعلوم حزمة التقارير الدولية ورغم شحة البيانات الإحصائية المتعلقة بظاهرة العنف ضد النساء ودقتها، إلا إن ما يرشح من خلالها يشير إلى دلالات ومعطيات مهمة وخطيرة عالمياً، إقليمياً، محلياً، يأتي على قمتها وليس آخرها تلك التي كشفت عن وجود واحدة من أصل ثلاث نساء وفتيات في العالم يتعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي خلال حياتهن. المثير للحفيظة إن أغلب ذلك العنف يرتكب من طرف الشريك "الزوج". الأكثر منه استفزازاً بإن واحدة من كل اثنتين من النساء قد قُتلن في جميع أنحاء العالم على أيدي أزواجهن أو أسرهن في عام 2017 فيما يعرف "بجرائم الشرف"، الأسوا أن (71%) من جميع ضحايا الاتجار بالبشر في العالم هن من النساء والفتيات وهناك (3 من أصل 4) من هؤلاء النساء والفتيات يتعرضن للاستغلال الجنسي. وماذا أيضا؟

أيضا والحديث لايزال حول المؤشرات العالمية، هناك أرقام صادمة تتعلق بحوادث الاغتصاب والاعتداءات وهي في ارتفاع ملحوظ لاسيما في الدول المتقدمة، حيث يوضح أحد التقارير بأن حوالي (35%) من النساء عالمياً تعرضن لعنف جسدي أو جنسي، ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية وصلت النسبة إلى (83%) من فتيات تتراوح أعمارهن بين (12-16عاما) شهدن نوعاً من التحرش الجنسي في المدارس العامة، في حين تعاني واحدة من كل خمس نساء تراوحت أعمارهن (بين 16 و59 عاماً) من بعض أشكال العنف الجنسي في انكلترا، أما تقرير للاتحاد الأوربي فيفيد بأن أكثر من (55%) من النساء الأوروبيات تعرضن إلى شكل من أشكال التحرش الجنسي فيما تعرضت واحدة من كل (20) امرأة للاغتصاب.


استناداً إلى احصاءات مراكز ومنظمات بحثية، نشر موقع "trendr" قائمة لأعلى (11 دولة) في معدل جرائم الاغتصاب لعام 2018، منوهاً إلى أن الاغتصاب يحدث لكل (100 ألف) شخص من السكان، وتبعاً للموقع يأتي على قمة هذه الدول جنوب افريقيا التي تصدرت المركز الأول عالمياً حيث سجلت (65) ألف حالة اغتصاب واعتداءات جنسية، فيما تأتي السويد برغم تقدمها في المرتبة الرابعة عالمياً والأولى أوروبياً بواقع (64) اعتداء جنسي لكل (100 ألف شخص)، وتتعرض كل واحدة من بين (3) سويديات إلى الاعتداء الجنسي بعد مرحلة المراهقة، يليها نيكاراغوا في المرتبة الخامسة وغرينادا في المرتبة السادسة حيث سجلت (30.6) حالة لكل (100ألف) نسمة من السكان، ويٌعد الرقم كبيراً جداً، مقارنة بالعقوبة المقرة بحق مرتكبي جريمة الاغتصاب عندهم والتي تصل إلى السجن لمدة 15 سنة.

أما أستراليا وبنما وبلجيكا فالحوادث فيها آخذة بالتصاعد، وهناك (30) حالة لكل (100 ألف) نسمة في الولايات المتحدة وهذا الرقم وضعها في المرتبة الحادية عشر، كما توصلت دراسة أجراها مكتب الولايات المتحدة لإحصاءات وزارة العدل بأن (91%) من ضحايا الاغتصاب المسجلين هم من الإناث و(9%) من الذكور فيما أرقام حالات الاغتصاب آخذة في التصاعد في بلجيكا، إذ وصلت إلى (27.91) حالة لكل (100 ألف) من السكان، وفي الهند وإثر حادثة اغتصاب جماعية لطالبة في إحدى حافلات العاصمة نيودلهي عام 2012 تم تسليط الضوء عليها وأظهر بحث لمؤسسة  "ActionAid" عام 2016 بأن نسبة (44%) من نساء الهند قد تعرضن إلى اللمس بشكل جنسي من قبل شخص في مكان عام، وغيرها الكثير الكثير.


التشريع العربي يتساهل مع المغتصبين
عربياً تبدو المعضلة مستفحلة ومتضخمة بل ومخيفة لجهة أمرين؛ أولهما يتعلق ببروز ممارسات لم تكن معهودة نقصد بها قضية التحرش والاغتصاب الجماعي واغتصاب القاصرات. ففي مصر حيث أجرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة تقريراً عام 2013 خلصت فيه إلى إن (99%) من النساء اللواتي تمت مقابلتهن في سبع مناطق مختلفة من البلاد قد تعرضن لأحد أنواع التحرش الجنسي، كما تشير الوقائع في عام 2018 إلى حادثة اغتصاب جماعي لفتاة مصرية من قبل سيدة و4 رجال، فيما شهدت لبنان عام 2016 حادثة اغتصاب هزت الرأي العام حيث تناوب 3 شبان على اغتصاب فتاة، وعلى نفس المنوال شهدت الجزائر عام 2017 واقعة اختطاف واغتصاب ثم قتل لطفلة لم يتجاوز عمرها 8 سنوات، وهذا غيض من فيض والمخفي غير المبلغ عنه من تلك الحوادث والانتهاكات يثير التساؤلات.   

المعضلة الثانية تتعلق بتساهل التشريع العربي في التعامل مع المتحرشين والمغتصبين ممن حصلوا على البراءة بزواجهم من ضحاياهم، إذ لا تزال قوانين ثمانية دول عربية إن لم يكن معظمها لا يجرم المغتصب بمجرد زواجه من ضحيته، كما إن إجراءات التقاضي في بعضها صعبة ومعقدة، بينما يفتقر "49" بلداً إلى قوانين تحمي المرأة من العنف المنزلي، وإن وجد فهو يعاني من النواقص في أهم بنوده المتعلقة بالعقاب تجاه الجناة وتوفير الحماية للضحايا كما في واقعنا المحلي. وفي المغرب على سبيل المثال تسببت واقعة انتحار ضحية اغتصاب أجبرت على الزواج من مفتصبها في عام 2014 إلى إلغاء المغرب للمادة (475) من قانون العقوبات التي تسمح للمغتصبين بتجنب الملاحقة القضائية إذا تزوجوا من ضحاياهم، كما أصبحت قضية خديجة المغربية (17) عاماً هي الأشهر في عالمنا العربي بعدما تناوب على اغتصابها وتشويه جسدها (13) شخصاً، وعليه فإن الحكومات الرسمية تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية، هي بحاجة لمراصد ترصد ما يحدث وإلى آلية علمية لتسجيل البيانات وإلى تحفيز الضحايا للكشف عن مشكلاتهم في ممارسة العنف والتبليغ عنها. الأهم رصد الموازنات والضغط باتجاه تعديل التشريعات بما يتناسب وجسامة المشكلة وإشراك مؤسسات المجتمع المدني في وضع الخطط والبرامج وتنفيذها للقضاء على العنف الأسري والمجتمعي.


الاتحاد وإلغاء 353
من المنطلق السابق بادر الاتحاد النسائي البحريني مؤخراً في إطار "حملة مناهضة العنف ضد المرأة"، وتمشيا مع شعار هذا العام حول الاغتصاب، للمشاركة بحملة تستهدف إسقاط المادة (353) من قانون العقوبات البحريني لعام 1976 وهي التي تنص على: " لا يحكم بعقوبة ما على من ارتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها في المواد السابقة إذا عقد زواج صحيح بينه وبين المجني عليها، فإذا كان قد صدر عليه حكم نهائي قبل عقد الزواج يوقف تنفيذه وتنتهي آثاره الجنائية".

تستند الحملة في سعيها إلى إلغاء المادة (353) ورفضها مكافأة الجاني لجريمة الأغتصاب وعدم إفلاته من العقاب، وأن لا يصبح الإفلات ذريعة تحفز على المزيد من الاعتداء على الفتيات ويكون زواجهن من المعتدي نهاية لجريمة الاغتصاب. يرى الاتحاد إن في هذا الإفلات إهانة بحق المرأة ومكافأة للجاني على جريمته وهو ما يتعارض والحق العام في إنزال العقاب بمن يعبث بأمن المجتمع واستقراره بإرتكاب جريمة الاغتصاب، إن الحق العام لا يسقط بمجرد زواج ضحية "الاغتصاب" من الجاني وإن تنازلت عن حقها شخصياً.

الجدير بالذكر أن هذه الحملة لم تكن الوحيدة للجنة تعديل القوانين بالاتحاد، فقد نفذت إحدى حملاتها لاسقاط  أو تعديل المادة (353) منذ سنوات مضت، والمادة وفق آراء قانونيين ومدافعي عن حقوق المرأة تشوبها عيوب دستورية وأسس التشريع في المجتمع ذلك لأن الاغتصاب من أشد جرائم الاعتداء جسامة، ولا يمكن للتشريع أن يمنح حصانة قانونية لمجرم مغتصب في حال زواجه من الضحية ويسقط العقوبة، بل يجب كما يرون أن تتناسب العقوبة وجسامة فعل الاغتصاب، دون القفز عليها أو التخفيف عنها في أي ظرف كان، والبديل يتوجب على المشرع موائمة القوانين والتشريعات بالتطورات التشريعية والمفاهيمية والالتزامات الدولية، وبما يضمن حقوق المرأة ويحفظ كرامتها.

في السياق سلطت الحملة على إشكالية يستوجب الوقوف عندها بجدية، تتعلق بتحديد المستفيد من الاعفاء في حال تعدد الجناة في حادثة "الاغتصاب الجماعي"، وطرح السؤال عند تدشين الحملة عمن هو المجرم الذي سيتم اعفاؤه كي يتزوج من الضحية؟ وماذا سيحدث عند استمرارأ تطبيق العقوبة على الشركاء في ارتكاب جريمة الاغتصاب. كما نوهت الحملة إلى ان المادة (353) تخل بأسس الزواج الصحيح الهادف الى تأسيس أسرة باختيار حر ورضى تام، فالمغتصب ليس زوجا، والاغتصاب يتم بغير رضا المجني عليها فكيف يتم الزواج برضاها، وهذا يعد تناقضاً النص القانوني، ولان الاغتصاب من أفظع الجرائم وأكثرها ألما للمرأة، ويستحيل إقامة علاقة زوجية أسرية سليمة بين جان مرتكب لجريمة ومجني عليها و ضحية، بالإضافة الى إمكانية اصابتها بأمراض تناسلية نتيجة ارتكاب الجريمة أو حدوث حمل قسري.

اللافت في الأمر إشارة "الاتحاد النسائي البحريني" في المؤتمر الصفحي لتدشين الحملة، بأن هناك تبايناُ في مواقف الهيئات الرسمية بشأن إلغاء المادة (353) أو الإبقاء عليها كما هي أو مع التعديل، مضيفين بأن هذا يعبر عن تباين في تقديراتها –أي الهيئات- لتأثيرات هذه المادة على المرأة، وبعضها يتفق ومرئيات الاتحاد حول الإلغاء كوزارة العمل والمجلس الاعلى للمراة والمجلس الاعلى للشؤون الاسلامية وهذا امر إيجابي يمكن التأسيس عليه في حال وجود شراكة حقيقية في العمل، بيد إن وزارة الداخلية تتحفظ وكذلك هيئة الإفتاء والتشريع والمؤسسة الوطنية لحقوق الانسان وأمر الأخيرة غريب وعجيب.

خلاصة الأمر، يمثل إلغاء المادة "353" من قانون العقوبات البحريني ضرورة حمايئة لإنصاف النساء، ويستوجب أن يكون التشريع فيها قاطعاً ومحدداً غير قابل للتأويل والالتفاف عليه في أن ينال من ارتكب الجُرم عقابه وإن عرض الزواج من الضحية، وهذا يعني إن بقاء المادة يعني ما يعنيه من غياب العدالة لضحية الجريمة الجنسية وانتهاكاً لحقوقها وتمييزاً واضراراً نفسياً إليها، وينطبق هذ على كافة البلدان العربية وغيرها في إلغاء هكذا مواد من تشريعاتها، فمشكلة الاغتصاب تعد اليوم واحدة من أكثر المشكلات المجتمعية حساسية وتدميراً لما يحيطها من تكتم الضحايا خوفاً من "العار الاجتماعي". 

منى عباس فضل


الدار البيضاء–23 نوفمبر 2019



الثلاثاء، 24 سبتمبر 2019

شيدوا قصورهم وأطلقوا كلابهم


منى عباس فضل
 ومع ذلك تعود الشعوب القهقري لتتقدم مجدداً نحو ميادينها، الزمن أنهكها، أرواحها مثقوبة، حرياتها مسلوبة، مكبلة بالقضبان، يستدرجها بؤس الحال رويداً رويداً، تستنطقها دندنة العود على وقع كلمات متطايرة "حرية، كرامة، ديمقراطية، دولة مؤسسات ودولة قانون، عدالة ومساواة، فساد وسرقة المال العام، قصور واستغلال نفوذ، شحنات ثورية"، ولا شئٍ يحجب رؤية الفعل الثوري.


صوت هنا، وهناك أنين مخنوق وصرخة مكتومة وأخرى مدوية. من الصندوق تتقافز الأغاني تفيض بما يجثم على الصدور، بما يغسل الهموم.


بقوانين منعوا الاعتصامات والتجمعات. قالوا: لا يهم. حرموا مظاهرات الحشود المتدفقة وراء الحشود بشعاراتها وهتافاتها البيضاء "يسقط وإرحل وكفاية والشعب يريد..". حزنوا لكنهم رددوا: لا يهم. أقفلوا أبواب الزنازين وأطلقوا الأحكام، أقفلوا مقرات أحزاب وجمعيات سياسية بالشمع الأحمر وبكتم الأنفاس، بالقيود والسلاسل. قلقوا، ومع ذلك قالوا: لا يهم. في سرهم يرددون: لا يهم لا يهم..لا يهم لأن صوت هنا وآخر هناك وبعضه ينهض من تحت الرماد كطائر الفيينق، ينهض من ثنايا كلماتك الشعرية يا نجم وأغنياتك ودندنة أوتارعودك يا شيخ المشايخ إمام، إنها خطوات ومسيرات، إنجازات وأشعار وموسيقى خالدة مخلدة في الوجدان، كما أحلام الشعوب بالانعتاق من الظلم والعبودية.  


شيد قصورك ع المزارع

شيد قصورك ع المزارع...من كدنا وعمل إيدينا
والخمارات جنب المصانع...والسجن مطرح الجنينة
وأفلت كلابك في الشوارع...واقفل زنازينك علينا
ويقلّ نومنا في المضاجع...أدي احنا نمنا ما اشتهينا
واتقل علينا بالمواجع...احنا انوجعنا واكتفينا
وعرفنا مين سبب جراحنا...وعرفنا روحنا والتقينا
عمال وفلاحين وطلبة...دقت ساعتنا وابتدينا
نسلك طريق ما لوهش راجع...والنصر قرّب من عنينا
النصر أقرب من إدينا!

 
- كل ما تهِل البشاير، من يناير كُل عام، يدخل النور الزنازِن، يطرُد الخوف والظلام»، أحمد فؤاد نِجم في 18 يناير1977، فيما عرف يومها حسب النظام بـ«انتفاضة الحرامية» وحسب الشعب «انتفاضة الخُبز».

- "لا توجد قوة على الأرض يمكنها أن تهزم الشعب المطري...أحمد فؤاد نجم"!

منى عباس فضل

المنامة –24 سبتمبر 2019



الخميس، 29 أغسطس 2019

من خلف القضبان؛ رحلة مع الخط العربي


منى عباس فضل
قيل إن الوجود في جوهره حرية وإن الحرية شمس تشرق في كل نفس وحيث حريتي ثمة وطني، لم لا وهي أغلى ما يملك الإنسان، أما زنازين القمع والاستبداد الباردة الكئيبة الفتاكة بكل أهوالها ومآسيها وضراوتها من الانتهاكات فهي حالة مأساوية تشهد عليها جدران الأقبية وحكايات المعتقلين في عزلتهم ومعاناتهم وما يذوقونه خلف القضبان، حكايات تبقى شاهدة على عظمة الإنسان وقوة صبره وإرادته، وهي حتما لن تشفع لكل من تورط في ظلمه وهدر كرامته.

من إطلالة هذه النافذة قرأت بنفس واحد متواصل كتاب "رحلة مع الخط العربي، روافد وذكريات" للصديق الكاتب والصحفي قاسم حسين في طبعته الأولى الصادرة من بيروت 2019 عن مركز أوال للدراسات والتوثيق؛ حيث يدون فيه جانباً من تجربته مع الخط العربي أثناء الاعتقال في ثمانينيات القرن الماضي وكيف تمددت هذه التجربة وأينعت شغفاً وثماراً انعكس على نتاجات ممتعة وغنية.


غالباً ما تميز أدب السّجون في أجواء القمع والقهر بالكتابات الإبداعية التي أنتجت نثراً وشعراً وروايات، إلا إننا مع قاسم نقف أمام نصٍ إبداعيٍ بلغة قوية متقنة يثير الدهشة ويشد القارئ منذ عتباته الأولى، كما يشكل إضافة نوعية لأدب السجون المحلي، فقد تميز النص بكتابة بحثية رصينة أبحرت في تاريخ الخط العربي وأصوله، وفي زاوية منه عكس صورة حية وواقعية في مقاومة العزل والمعاناة يذكر في تقديمه: "كان هذا الكتاب حلماً يراودني لسنوات، لأنه يروي حكاية عشق للحرف العربي وشغفي بهذا الجمال الباهر الساحر الذي أبدعته حضاراتنا الإسلامية في عصور الصعود والازدهار..في كتابي عرض لتجربة ذاتية استثنائية، تمثل حكاية تستحق أن تُروى لما فيها من صعوبات وتحديات؛ ودرساً في الحياة بأننا "نعم..نستطيع"، التعلَم حتى في أقسى الظروف وأصعب الحالات.

يتكون الكتاب من أربعة فصول أولها بعنوان "جزء من الذكريات" التي يشير فيها إلى بذور موهبته الأولى مع الخط العربي وعن تشجيع أستاذه في مدرسة الخميس الابتدائية واستعانة معلمة القرآن في قريته "بنت الملا" له في نسخ كتب الرثاء الحسينية، وكيف انتقلت تلك الهواية الممتعة معه إلى مدرسة النعيم الثانوية وكلية الخليج الصناعية من خلال المجلات الحائطية. ومع تصاعد الأحداث بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1978، وغلبة اهتمامه بالنشاط السياسي وتعرضه كحال العشرات إلى الاعتقال، واجه تجربة جديدة عبر العيش في ظروف عزلة تامة عن العالم ولسنوات طويلة راجع من خلالها الذات واستحضر اهتماماته كما فعل زملاؤه في المعتقل، وبدأ طريق صقل موهبة الخط عنده عبر التعلم وكانت أولى الخطوات في الكتابة على باب الزنزانة الأسود الذي مثل سبورته الجديدة لتعلّم أصول الخط العربي على يد أصدقاء السجن.

باب الزنزانة ومكعبات السكر
عبر تجربته آنذاك يتحدث عن حرمان السجناء من الأقلام والأوراق، واضطراره للكتابة بقطعة من النعال المطاطي التي تقطع على هيئة رأس قلم عريض، تغمس بالماء في علبة بلاستيكية صغيرة، ثم يمرّرها على الباب الحديدي الأسود لتظهر الحروف للحظات بفعل انعكاس الضوء، وسرعان ما يجفّ الماء، ويمكن وقتها كتابة حروفٍ وكلمات أخرى، في هذا الصدد يقول: "لم نكن بحاجة إلى ممحاة، فالهواء الحار أغلب فصول السنة، في ذلك السجن الصحراوي البعيد جنوب البلاد، كفيلٌ بمحوها سريعاً لتكتب من جديد"، بيد إن هذه التجربة القاسية لا يمكن محوها ببساطة من ذكرى أيَّ إنسان عانى وقاسى من ظروف الاعتقال.


 وفي زوايا أخرى حيث الأقلام وأدوات الكتابة ممنوعة في السجن كما الكتب والمجلات التي يجري التحكم في دخولها بالتقطير، يسرد حكاية القطعة الورقية من الورق المشمّع المستخدم في تغليف الصابون التي وجدها مخبّأة وراء أنبوب المجاري بالحمام الداخلي بالزنزانة، وكيف كان عثوره عليها وعلى بقايا قطع صغيرة من مادة قلم الرصاص شكَّل كنزاً ثميناً له تم مصادرته في إحدى جولات تفتيش العنبر، كما يسترسل في سرده عن ورق مكعبات السكر الصغيرة الأنيقة التي كان يحضرها الأهل له ويحرص على تجميعها والاحتفاظ بها، فقد أنجز منها لوحات قرآنية وأحاديث وأشعار وكتابات تم إخراجها بالتهريب بسبب انعدام القوانين المتسامحة مع النزلاء، كانت هذه الأوراق الصفراء الباهتة التي احتفظت بها أسرته لسنوات من أثمن ما يملك على الإطلاق، فهي ثروته وعصارة سنوات من العمل الدؤوب الذي يعكس إصراره على التحدّي والتعلم الذاتي والبحث عن مشارب لصقل المواهب الفنية، في ظروف تئد الإنسان وتسعى إلى تحطيمه وخنق روحه ليخرج إنساناً معاقاً روحياً وجسدياً، وفي التدريب الدائم من أجل إجادة الخط، إلى جانب تدريب الآخرين.  

صناعة قلم الخطاط
في بيئة الاعتقال الضاغطة على النفس تعلم كيف يصنع قلماً، وكيف يتم استغلال أوقات الفراغ الطويل جداً حيت جرى تنظيم دروس لتنشيط الذاكرة، والاستفادة من خبرات الكوادر المتعددة الاختصاصات والاهتمامات من النزلاء، فحرص على الإبقاء على ما لديه من كلمات إنجليزية وهي نتاج ثلاث سنوات من دراسته الهندسة في كلية الخليج الصناعية قبل الاعتقال، فمن خلال كتابتها وحفظها باستمرار، والقيام بترجمة أي موضوع صغير كان يخطر بباله، لكن الأهم كان من خلال القلم الثالث، المجوّف ذي الرأسين والذي نفّذ به الكثير من اللوحات الفنية التي أشرنا إليها.


 في سرديته المكثفة ثمة مدرسة تشكلت للخط العربي أثناء الاعتقال قوامها مجموعات متعددة من الأشخاص كان يمارس فيها دروساً يومية تتخللها أمسيات جميلة في واقع راكد كئيب تماما كما يصفها الكاتب، وكان التدريب الدائم من أجل إجادة الخط إلى جانب تدريب الآخرين ومحاولاته تعزيز المعرفة والثقافة بهذا المجال، وحيث أخذته ورفاقه الحماسة والنشوة إلى تنظيم معرض فني للخط العربي بعيداً عن أعين الرقيب، بقى المعرض حدثاً استثنائياً غير مسبوق بكل المقاييس ويستحق أن تُروى تفاصيله، يذكر: "حين أنظر للوراء، أرى مقدار الجرأة في تنظيم المعرض، في داخل سجن يتعرّض يومياً للتفتيش وللاجراءات الأمنية المشدّدة وعمليات المداهمات، فالعثور على أي لوحات فنية حتى لو كانت على قطع الكارتون تشكل سبباً للاستنفار كما تقود إلى حساب عسير..في اليوم الموعود، اختير وقت الافتتاح عصراً، حيث نادراً ما يدخل الحرّاس العنبر، وتم عرض اللوحات المنفذة على قطع الكارتون، وعلقت على حبالٍ ممدودٍ في الممر المؤدي إلى الحمّامات. لم يكن المعرض بحاجة لأكثر من ساعة أو ساعتين حتى يطلّع عليه الجمهور الذي لا يزيد عن ثلاثين نزيلاً..".

آفاق المحبة والتهديد
ويستطرد في زاوية أخرى قائلا: "في سنة متأخرة شرعت في تحويل ورقة الرسالة إلى "مجلة" شهرية، بطيّها نصفين لتتحوّل إلى أربع صفحات، أخطّطها بطريقة الإخراج الصحافي، واخترت لها عنواناً عاطفياً، "آفاق المحبة"، وعلى جانبيه أختار بعض الكلمات أو العبارات محل الإعلانات المعتادة في الصحف. وأكتب افتتاحية وأختار موضوعاً رئيساً مع المانشيت، وبعض الفقرات المتنوعة. كنت أستغلها لكتابة ملخص للكتب التي أقرأها خلال الشهر، أو كتابة ما يعنّ لي من خواطر أو أشعار، وكنت أكتب النصوص بخط النسخ، بينما العناوين بالخط الفارسي أو الديواني، أيّهما أنسب للمقام. بعد ثلاثة شهور تم استدعائي إلى ضابط السجن، الذي أخبرني باستياء إدارة السجون مما أكتب، وقال: لن يتم إرسالها، وسأعطيك ورقة أخرى لكتابة رسالة إلى أهلك. وختمها بتهديد:
-"هذه آخر مرة...فهمت؟"


بيد إنها مع الخط العربي والتحرير لن تكون آخر مرة في حياة الكاتب، إذ مع انطلاقه إلى فضاء الحرية عام 1996  -أي بعد خمسة عشر عاماً-  كان يعيشها مع زملائه خارج الزمن، وبرغم الظروف الصعبة التي قضاها كان لابد من الخروج من الكهف حيث يتناول في الفصول المتبقية وبشكل مشوق كما في الفصل الثاني بحثه وتعمقه معرفة  "بمسيرة الخط العربي" كونه الأصل ومحور الفنون وفترات صعوده ومميزاته، فيما يتطرق الفصل الثالث إلى روافد الخط العربي ورأي بيكاسو وباولو كويلو فيه، وفي السياق يأخذ القارئ في رحلة جميلة حول تقنيات الخط العربي من حيث التشكيل والتنقيط وخارطة انتشاره وتجربة أبرز الخطاطين، ويعرج في الفصل الرابع على "مسيرة الخط العربي في البحرين" من حيث قدمه وعراقته ومدرسة الخطوط وعلاقة ذلك بالعمل الاجتماعي متناولاً تجارب أشهر الخطاطين البحرينيين.

ختاماً، يستحق النص القراءة والتأمل باعتباره تجربة إنسانية عميقة وقاسية، كما يبرز جانباً نجهلة في حياة المؤلف ومما قد يساهم في التعمق بعدالة قضايا الإنسان ونضاله، فقد تحدث الكثيرون في أدب السجون عن مقاومة ظروف الاعتقال التي تجرد الإنسان من إنسانيته ومدى حاجته للتسلح بعدد المناعة كي تبقى المعنويات مرتفعة وبرمجة العقل تأقلماً مع بيئة السجن الكئيبة، والكتاب وثيقة غنية حول الخط العربي ومهنة الخطاطين التي أحبها وعشقها استاذ حسين. 

منى عباس فضل

المنامة –29 أغسطس 2019